اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [3] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
للصلاة أركان لا تصح الصلاة إلا بها، ومن أركانها تكبيرة الإحرام بالاتفاق خلافاً للزهري، وصيغتها المتفق على استحبابها: (الله أكبر)، وتجب بهذه الصيغة دون ما سواها عند مالك وأحمد، وتجوز عند الشافعي بما يتضمنها، وأما عند الحنفية فتجوز بكل لفظ فيه ثناء وتعظيم لله، وذهب ابن حزم إلى جوازها بكل اسم من أسماء الله مقترناً بالتكبير، والراجح والأقرب لصريح الأدلة مذهب مالك وأحمد. وأما حكم التسليم فهو ركن -أيضاً- من أركان الصلاة خلافاً للحنفية، وزيادة (وبركاته) في التسليم صحيحة ثابتة، ويجوز العمل بها أحياناً من باب تنوع العبادات.
أقوال العلماء وأدلتهم في صيغة تكبيرة الإحرام
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فلا زلنا نتدارس الباب الثالث من أبواب الطهارة الذي عنون عليه الإمام الترمذي عليه رحمة الله: باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، ثم روى حديثين في هذا الباب: الحديث الأول رواه عن أربعةٍ من شيوخه: عن قتيبة بن سعيد، وهناد بن السري ، ومحمود بن غيلان ، ومحمد بن بشار رحمهم الله أجمعين، عن علي رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسنه. والحديث الثاني رواه عن شيخه أبي بكر محمد بن زنجويه وعن غير واحدٍ من شيوخه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء ).وقد انتهينا من المبحث الأول؛ من دراسة إسناد هذين الحديثين، وشرعنا في دراسة المبحث الثاني حول فقه الحديث وبيان المعنى، وقلت: حول هذين الحديثين أربعة أحكامٍ تحتاج إلى تفصيل، أولها: اشتراط الطهارة للصلاة. ثانيها: تكبيرة الإحرام للصلاة، ثالثها: التحليل والتحلل للصلاة، ويكون بالسلام. رابعها: مفتاح الجنة الصلاة.أما الأمر الأول فقد تقدم الكلام عليه، وهو أنه يشترط للصلاة الطهارة، وقلت: هذا محل اتفاقٍ وإجماعٍ بين علمائنا فلا خلاف في ذلك، فلا يمكن أن تصلي إلا إذا تطهرت، كما أنه لا يمكن أن تصل إلى شيءٍ مخبأ قد أغلق عليه بقفل إلا إذا كان عندك مفتاح، فإذا فتحت هذا القفل وصلت إلى ذلك المخبأ المكنون، وهكذا لا يمكن أن تصلي وأن تناجي الحي القيوم بهذه الصلوات التي فرضها رب الأرض والسموات إلا بالطهارة الشرعية من ماءٍ أو تراب كما تقدم معنا.والمسألة الثانية: التحريم، للدخول في الصلاة، وتقدم معنا أن التحريمة اشترطها للصلاة واعتبرها من أركانها وفرائضها المذاهب الأربعة وجمهور المسلمين، فلا تصح الصلاة إلا بها، وهل في ذلك خلاف؟ سيأتينا في هذه القضية -إن شاء الله- أن قلة قليلة من التابعين لم يشترطوا تكبيرة الإحرام للصلاة، ولم يجعلوها من أركانها وإنما جعلوها من السنن. إن لفظها الذي إذا فعله الإنسان فقد أحسن وصلاته صحيحةٌ باتفاق الفقهاء: الله أكبر، أن نذكر هذا اللفظ الجليل من أسماء ربنا الكبير سبحانه وتعالى، وهو لفظ الجلالة، وأن ننعته ونخبر عنه بالوصف المذكور الله أكبر، فمن قال هذا فقد أتى بالصيغة التي تصح بها الصلاة بالاتفاق. ومن خالف في صيغة التكبير: الله أكبر فزاد أو أنقص أو قدم أو أخر أو تصرف في هذه الصيغة، فما الحكم في ذلك؟
 التوقف عند صيغة التكبير الواردة
الأمر الثاني الذي يرجح هذا القول، ويعين الأخذ به والمصير إليه ما قرره أئمتنا، قال الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: العبادات تفعل على الرسم الوارد دون نظرٍ إلى شيءٍ من المعنى، يعني: تفعل على الكيفية التي رسمها وحدها وبينها رسول الله عليه الصلاة والسلام دون ملاحظة المعنى، فلا يقاس النظير على النظير فتقول: الله كبير كقوله: الله أكبر، لا دخل للمعنى في ذلك، كأنه يريد أن يقول: هي توقيفية، وكما أنك لا تغير في ألفاظ القرآن فلا تغير هذه الألفاظ المنقولة عن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه العبادات، كما أنك إذا قرأت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد:1]، لا يجوز أن تقول: هلكت أو شقيت يدا أبي لهب ، إنما تقول: تبت، وهنا كذلك تقول: الله أكبر باللفظ الوارد، وبالرسم الوارد، وبالكيفية الواردة عن نبينا عليه الصلاة والسلام دون ملاحظة المعنى، خلافاً لما قرره ابن حزم وغيره -كما تقدم معنا- من أن المراد أن تأتي باسمٍ من أسماء الله ومعه التكبير بأي لفظٍ كان، كل هذا نظرٌ إلى المعنى دون اعتبار الرسم الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام.وأنا أعجب من ابن حزم غاية العجب، حيث كان يشنع على أئمتنا في القياس، ثم جاء بعد ذلك بهذه الشعيرة التوقيفية التي هي عبادةٌ محضة، وسرح لعقله العنان ليقول بهذا القياس، الذي وصل به إلى مستوى الحنفية بعد أن شنع عليهم بعباراتٍ قاسية، حيث قال: تأتي بالتكبير بأي صيغةٍ كانت، لكن أين الرسم الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ وأين الصيغة الثابتة التي لا يجوز أن نتعداها؟ هذا كله أهمله، ونسأل الله أن يغفر لنا وله.إذاً: الذي يرجح قول الحنابلة والمالكية أنها عبادة توقيفية، فينبغي أن نقتصر على الصفة الواحدة، ولو أراد الإنسان أن يركع على جنبه وقال: أنا أعظم الله بذلك، فإننا نقول: الصلاة باطلة، وأنت مستهزئ بالله، وهنا صيغة واردة فلم تبدلها؟ الأمر الثالث الذي يرجح قول المالكية والحنابلة، قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الباب: ( وتحريمها التكبير )، وتعريف المسند والمسند إليه أعني: المبتدأ والخبر يفيد الحصر كما قرره علماء البلاغة، فقوله: ( وتحريمها التكبير )، كأنه يوجب الحكم لما ذكر، وينفيه ويسلبه عما لم يذكر، أي: كأنه يقول: لا تدخلوا في الصلاة إلا إذا كبرتم وقلتم: الله أكبر، وعليه فلا يتجوز ويقول بكل ثناءٍ وتعظيمٍ لله يجوز أن ندخل في الصلاة كما لو قلنا: سبحان الله، لا إله إلا الله، الله أعظم، هذا لا يجوز لأنه ما حصل المطلوب، ولا يمكن أن تدخل في الصلاة إلا بالصيغة التي بينها نبينا عليه الصلاة والسلام قوله: (تحريمها التكبير)، ذلك التكبير نقل عن نبينا عليه الصلاة والسلام من فعله ولفظه، فلا يجوز العدول عنه، والعلم عند الله جل وعلا.فإذا قال قائل: ما دليل الحنفية عندما توسعوا هذا التوسع، والشافعي في مذهبه شيء من التوسع مع قرب من الدليل، وحاصل مذهبه: أنه لا بد من أن تحافظ على لفظ الجلالة الله الذي لا يجوز أن تغيره، والتكبير تأتي به أو بما يتضمنه، ولا مانع أن تقول: أكبر أو الأكبر، الله الأكبر، أو الله أكبر كبيراً، وإذا زدت وصفاً بعد ذلك في نعت الله ولم يطل الفصل فلا حرج؛ لأنك أتيت بالمطلوب وزدت زيادة تعظم بها الله، فلا يضر، فقول الشافعي يبقى فيه شيءٌ من القرب إلى هذا الدليل والوجاهة، أما قول الحنفية في الظاهر فهو في منتهى البعد؛ لأنهم ما اشترطوا لفظ التكبير على الإطلاق، ولا ذكر لفظ الجلالة، فلو قلت -كما تقدم معنا-: الرحمن أعظم عظيم صح هذا عندهم، فالأمر فيه سعة كبيرة عندهم، ولو قلت: لا إله إلا الله حصلت التحريمة ودخلت في الصلاة. وقالوا: دليلنا على ذلك آية من القرآن، وأما فعل النبي عليه الصلاة والسلام فهو لبيان الأكمل والأفضل، قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15]، فكل ذكرٍ فيه تعظيمٌ لله يجوز أن تذكره، والفاء للترتيب مع التعقيب أي: تدخل في الصلاة، فإذا قلت: سبحان الله دخلت في الصلاة، ثم اقرأ دعاء الاستفتاح: وجهت وجهي، سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، ثم تقرأ الفاتحة. والحنفية لورعهم وخشيتهم من ربهم قالوا: من لم يأت بهذه الصيغة الله أكبر فصلاته ناقصة ولكنها تنعقد وتصح؛ لأن هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهم لا ينكرون ثبوت هذه الصيغة خلافاً لـابن حزم ، ولكنهم يقولون: هذا الثبوت إنما هو للأفضلية والكمال، كما يقال في دعاء الاستفتاح للكمال، وكذلك سمع الله لمن حمده، وهكذا أمورٌ كثيرة يفعلها المصلي في الصلاة هي من أمور الهيئات والسنن، إذ الواجب علينا والذي نلزم به أن نذكر صيغةً -أي صيغة- نعظم بها ربنا عند التحريمة، وهذا القول الذي قالوه حتماً يحتمله الدليل، والمقصود أن هذا الاستنباط أخذوه من نصوص الشريعة المطهرة، وأما كونك تراه بعيداً وهم يرونه قريباً فهذا موضوعٌ آخر، وكل مجتهدٍ مأجور، وقد يكون مخطئاً فهو معذور، وقد يكون مصيباً فسعيه مشكور، فانتبه لهذا.قوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]، هذه الآية تحتمل هذا كما قرر أئمة التفسير ما هو أكثر من قول الحنفية وأوسع، فقال جمع من المفسرين في قوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]، أي: استحضر الله وعظمته وخشيته وذكره في قلبه عند بدء صلاته ليحصل له الخشوع في صلاته.وقال جمع آخر أيضاً قوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]: لا علاقة لهذا الذكر بالصلاة، وإنما المعنى أنه يذكر ويصلي، وهذا كقول الله في نعت الذين يوجدون في بيوت الله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:36-37]، وإذاً: ليس وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى:15] يعني التحريمة بأي صيغةٍ كانت، وقال جمع: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى:15]، أي: كبر تكبيرات العيد، فَصَلَّى [الأعلى:15] أي: صلى صلاة العيد.والمقصود أن الآية تحتمل ما قاله الحنفية وما هو أكثر، فاستدلوا بعمومها على هذا المطلوب، وقالوا: يبقى فعل النبي عليه الصلاة والسلام لبيان الأكمل والأحسن والأفضل، ولا نزاع في ذلك عندنا.
الموقف من اجتهادات العلماء
إخوتي الكرام! هذه الأقوال -كما قلت- أرجحها وأقواها هو أولها كما تقدم معنا، ولكن لا يحق لنا بحال أن نشنع على قائلِ بقولٍ من هذه الأقوال، وإذا استبان لك رجحان قولك فاعمل به؛ لأنه فرض الله عليك، وأما أن تغمز وتلمز قائلي الأقوال الأخرى بعباراتٍ شنيعة، فهذا في الحقيقة لا يصح ولا ينبغي.
 الموقف من تجويز الحنفية التكبير بأي صيغة ذكر
قلنا: إنهم أجمعوا على أنك لو قلت عند الدخول للصلاة: الله أكبر فهذه أحسن الصيغ وهي التي يفعلها المسلمون ولله الحمد، ولكن لو حصل خلاف في ذلك، وجاء حنفي وقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فقيل: أين الصلاة؟ قلت: يا عبد الله! هذا قال به إمام من أئمة الإسلام، وهذا يتبعه، فإذاً هو على هدى. ثانياً: لا يحكم على واحدٍ من هذه الأقوال بالضلال، ولا يضلل القائل بها، وأما هل هذه المسألة مقبولة أم لا؟ فهذه مسألة أخرى.إخوتي الكرام! التحريمة التي هي ركنٌ من أركان الصلاة عند المذاهب الأربعة، وهذا بالاتفاق، لكن اختلفوا في لفظها، وخالف في ركنيتها بعض أئمتنا من السلف: أول جامع علم الحديث والأثر ابن شهاب آمرٌ له عمرإن الإمام الزهري خالف في التحريمة وقال: التحريمة سنة، يعني: إذا لم تقل: الله أكبر، ولا سبحان الله، ولا لا إله إلا الله، وتطهرت واستقبلت القبلة، وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فعند الإمام الزهري الصلاة صحيحة، بلا تحريمة، لا بثناءٍ خالصٍ على الله، كما قال الحنفية، ولا كما قال ابن حزم : لا بد من اسمٍ لله مع تكبير، ولا كما قال الشافعي، ولا كما قال الحنابلة، وهذا نقله ابن المنذر عن الزهري ، وقال: لم يقل به أحدٌ إلا الزهري .قاله الحافظ في الفتح والنووي في المجموع في الجزء الثالث صفحة تسعين ومائتين، ونقله الكرخي أيضاً عن إبراهيم بن علية ، وعن أبي بكر الأصم ، ومخالفتهما للجمهور كثيرة، إذاً هم ثلاثة: إبراهيم بن علية ،و أبو بكر الأصم ، والزهري كلهم يقولون: التحريم سنة.بعد ذكر هذه الأقوال يبقى كيف يتعامل معها طالب العلم؟ والذي ينبغي أن نعيه، وألا نستغرب ونتعجب من هذه الأقوال، بل لا بد من عقلٍ راجح، ينظر في هذه الأقوال وتوجيهها، ثم ما تبين لك رجحانه فخذ به، والحمد لله أجمع العلماء وحتى الإمام الزهري على أنك إذا قلت: الله أكبر فهذا أكمل وأفضل، سواءٌ كان على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، فحافظ عليه وخذ به، والعلم عند الله جل وعلا.
تنبيهات حول الخلاف بين العلماء
أحب أن أنبه على عدة معالم وتنبيهات، تلزمنا في مثل هذه المباحث، وعندما تأتينا مسائل خلافية فلن أعيد مثل هذا التعليق عليها. أولها: الحجة في النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، لا شك في ذلك، ولا نستدل إلا بها.
 كيفية التعامل مع زلات العلماء
ويمكن أن نضيف معلماً إلى المعالم السابقة حول التعامل مع زلات العلماء، فلو قدر أن بعض العلماء وقع في زلل وخطأ وترخص، فحقيقة: هذا الزلل يرد ويطرح لكن بلطف دون تشنيع، ودون وقوع في هذا الإمام، وأما إذا كان من أئمة الضلالة ينبئ أولياء الشيطان على الدوام، فإننا نرد عليه ونبين بطلان قوله ونقول: هذا تخريف وضلال، ولا يقال: كيف تجرحون؟ فعلماء الإسلام إذا وقفت على زلةٍ لواحدٍ منهم غاية ما تفعل أن ترد هذا الزلل وتستغفر لقائله، وأما إذا علمت أن هذا القول خطأ وبعيدٌ عن الصواب، وإن كنت لا تضلل قائله، إذا علمت خطأه ثم أخذته وأخذت غيره، وجمعت أخطاء وجئت تتعلل بأن هذه الأقوال منقولة عن علماء الإسلام، فهذا في الحقيقة ضلالٌ وأوهام، وكما قلنا: نبذل ما في وسعنا للوصول إلى مرضات ربنا، وكان سليمان التيمي يقول: من أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله.وقال شيخ الإسلام الأوزاعي : من أخذ برخص العلماء ومعاذيرهم خرج من الإسلام.وقال ابن القيم : من أخذ بزلل العلماء ورخصهم تزندق أو كاد. هذا كله تقدم معنا معزواً إلى مصادره، فيبقى كما قلت الزلل جلل، وهم بشر، وهذا الزلل ما دام يحتمله الدليل فالقائل به ليس ضالاً، وهذا القول ليس بدعة، وأما أن تأتي ونأخذ رخص بعضهم أو نجمع هذه الرخص كلها ونأخذ بها، ونلتزم بهذا المجموع ومن عداه نتحامل عليه، فهذا في الحقيقة كما قلت متاهةٌ وضلال، ينبغي أن نبتعد عنه وأن نحذر منه.وإذا وجد الإنصاف حقيقةً فالأمة تهتدي، وإذا عدم الإنصاف فنسأل الله اللطف، وليس شيءٌ أقل من الإنصاف كما قال الشافعي .
صيغة التسليم في آخر الصلاة
وأما المسألة الثالثة وهي قوله عليه الصلاة والسلام: (وتحليلها التسليم)، أقول ما تيسر في هذا المبحث. التحليل: جعل الشيء المحرم حلالاً، فما حرم علينا من مباحات منافية للصلاة كما تقدم معنا: (تحريمها التكبير )، قلنا: يحرم الأفعال المنافية للصلاة من أكل وشرب وكلام وغير ذلك، فمتى تحل لنا؟ الجواب: إذا سلمنا، لقوله عليه السلام: ( تحليلها التسليم )، كما حرم علينا من المباحات المباينة للصلاة بتكبيرة الإحرام، حلت لنا هذه المباحات بالسلام، فكأن السلام يزيل العقدة والرباط على تلك الأمور التي كنا ممنوعين من فعلها في صلاتنا، كما تحل العقدة المتينة وتزيل رباطها وتفكها، ( وتحليلها التسليم )، أي: تحليل ما حرم عليك فيها من أجل فعلها، فهذه المباحات التي حرمت عليك إذا صليت لأنها تنافي الصلاة تحل لك، ويحل لك أن تفعلها، وتزيل هذا الرباط عنها الذي منعك من فعلها بسلامك: السلام عليكم ورحمة الله. ‏
 اختلاف الفقهاء في العمل بزيادة (وبركاته)
الرواية التي فيها زيادة (وبركاته) صحيحة، ولكن مع صحتها اختلف أئمتنا في العمل بها، فذهب أبو عمرو بن الصلاح وجمهور العلماء إلى أن هذه الرواية مع صحتها شاذة، وبالتالي لا يعمل بها؛ لأنها خالفت روايات الجم الغفير والجمع الكثير الذين نقلوا كلام البشير النذير عليه صلوات الله وسلامه في صلاته، بل كان يقتصر على قوله: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، فقالوا: هذه الرواية شاذة، مما يدل على أن الراوي لم يضبط كلام الذين نقلوا هذا، وإذا خالفت هذه الرواية روايات الأوثق والأضبط والأكثر، فهي -كما قلت- شاذة لا يعمل بها، وذهب إلى هذا الحنفية، يقول الميداني في كتابه اللباب من كتب الفقه الحنفي في الجزء الأول صفحة أربعٍ وسبعين، لا يقال: وبركاته لعدم توارثه، وصرح الحجاجي من أئمة الحنفية بكراهته، أي: بكراهة: (وبركاته)، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا غير متوارث، أي: غير منقول خلفاً عن سلف، ولذلك الرواية كما قلت في حكم الشاذة فلا يعمل بها.والحقيقة أن هذا الحكم مع جلالة من قال به ففيه شيءٌ من القسوة والشدة، والشذوذ يكون عندما تتنافى الروايتان، فالرواية تثبت شيئاً، وهذه تنفي، أو تلك تنفي وهذه تثبت، أما إذا أمكن الجمع بينهما فلا داعي للحكم على واحدةٍ منهما بالشذوذ، ولا داعي لإهمال واحدةٍ منهما، وأما الجمع فإننا نقول: كل منهما صحيحٌ ثابت، لكن عمل النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يواظب عليه غالباً: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، وكان أحياناً يقول: (وبركاته)، وعليه كما قال أئمتنا: هذه سنة نادرة، يعمل بها على سبيل الندرة أحياناً، ولا يجعلها الإنسان ديدنه في جميع صلواته؛ لأن المنقول عن النبي عليه الصلاة والسلام في غالب صلواته وهو الذي نقله الجم الغفير من الصحابة دون زيادة (وبركاته)، وإلى هذا ذهب ابن قدامة كما في المغني في الجزء الأول صفحة واحدة وتسعين وخمسمائة، وطبعة المغني إذا عزوت إليها فهي مع الشرح الكبير. يقول ابن قدامة : ولو قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهو حسن، يقول: وعدمها أحسن، هذا حسن، وعدمها أحسن، يقول: لأن رواته -أي: رواة الاقتصار على قوله: السلام عليكم ورحمة الله- أكثر وطرقه أصح، وعليه الغالب من فعل النبي عليه الصلاة والسلام دون زيادة: (وبركاته)، وإذا زادها الإنسان نادراً فلا يقال: إنه مخالفٌ للسنة، ولا يقال: إنه فاعلٌ للبدعة، نعم ينبغي أن يجعل أغلب كلامه في صلواته دون زيادةٍ: (وبركاته)، والعلم عند الله جل وعلا.وكما قلت: إن القول الثاني فيما يظهر أوجه من القول الأول والعلم عند الله عز وجل، والرواية إذا ثبتت لا داعي لطرحها، والمالكية قالوا كالحنفية: بعدم القول بزيادة: (وبركاته)، يقولون: لأنه لم يجر عليها العمل، يقول الشيخ الدسوقي في حاشيته على مختصر خليل في الجزء الأول صفحة اثنتين وعشرين ومائتين: لا يضر زيادة: ورحمة الله وبركاته؛ لأنها خارجةٌ عن الصلاة، وظاهر كلام أهل المذهب أنها غير سنة وإن ثبت بها الحديث؛ لأنه لم يصحبها عمل أهل المدينة، وعمل أهل المدينة سيأتينا تفصيل الكلام عليه على سبيل الاختصار عند بعض مباحث السلام الأربعة إن شاء الله، هذا فيما يتعلق بالمسألة الأولى. إن أفضل صيغة سلام كما قلت وأكملها وأحسنها، وتكون الصلاة تامة بها، وشرعية يثاب عليها، وليس فيها نقص أن يسلم سلامين: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأما زيادة: (وبركاته) فالمعتمد أنها ثابتة زائدة، ولو فعلها على سبيل الندرة فلا حرج ولا بأس، والعلم عند الله جل وعلا.
اختلاف العلماء في حكم التسليم
المسألة الثانية حكم السلام قال عليه الصلاة والسلام، ( تحليلها التسليم )، ذهب الجمهور وهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أن السلام ركنٌ من أركان الصلاة، فلو قطع صلاته قبل سلامه بطلت صلاته، فلو جلس القعود الأخير وقرأ التشهد وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام ودعا ثم لم يسلم بل قام وانصرف فالصلاة باطلة، أو أحدث فيها بطلت صلاته، إلا أن يذهب فيتوضأ ثم يكمل ويبني على ما سبق، والمقصود أن الصلاة لا تنتهي إلا بالتسليم، فالسلام ركن كتكبيرة الإحرام، كما أنه لا تنعقد الصلاة بغير تكبيرة الإحرام، كذلك لا ينتهي المسلم منها ولا تقبل منه إلا إذا سلم. ‏
 أدلة الحنفية على استحباب التسليم والجواب عنها
الحنفية غفر الله لنا ولهم خالفوا في هذا، وقالوا: السلام سنة من سنن الصلاة، وعليه إن أحدثت قبل الصلاة تمت صلاتك ولا يلزم أن تتوضأ، وتبني على ما سبق، بل لو أردت بعد القعود الأخير أن تنصرف من غير سلام فلا حرج عليك أن تقوم وتمشي، نعم يقولون: فاتك أجر، وشتان بين فوات الأجر وعدم تحصيل الأجر وبين بطلان الصلاة، فلا تقبل قول القائل: بطلت الصلاة ولم يسقط الفرض عنك وأنت مُطالب به، بل مجرد أجر فات كما لو تركت دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، وهكذا: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، إذا تركت هذا فالصلاة قل أجرها، وهكذا لو تركت السلام قل الأجر، وتركت سنةً من سننها مع كون الصلاة صحيحة، هذا قول الحنفية.وقولهم في منتهى الغرابة، وينبغي أن تتسع صدورنا لما يقرره أئمتنا عليهم جميعاً رحمة الله، كما نلتمس لهم الأعذار فيما قالوه وفيما توصلوا إليه، وأما كوننا نرى هذا القول كما قلت بعيداً، فهذا أمرٌ آخر، ولكنه مستنبطٌ من أدلةٍ شرعية وهاك هذه الأدلة: أولها: قالوا: حديث المسيء في صلاته، وهو ثابتٌ في المسند والكتب الستة أي: الصحيحين والسنن الأربعة، وتقدم معنا الإشارة إليه في رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ما علم المسيء صلاته السلام في صلاته عندما قال له: (إذا أردت أن تصلي كبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، ثم ذكر له سائر أفعال الصلاة ولم يذكر منها السلام، فلو كان السلام ركناً من أركان الصلاة لذكر النبي عليه الصلاة والسلام السلام للمسيء في صلاته عندما علمه الصلاة,والحديث أيضاً في سنن البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلى فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليه وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع ثلاثاً، فقال بعد ذلك: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها)، وما ذكر له السلام. وفي بعض الروايات: (قال: وعليك السلام ارجع)، وفيه: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم قال: افعل ذلك في صلاتك كلها)، ورواية أبي داود : (فإذا فعلت هذا تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك)، وما ذكر له السلام هنا، فلو كان السلام من أركان الصلاة لقال له النبي عليه الصلاة والسلام: سلم بعد ذلك عندما تريد الانصراف من الصلاة؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث المسيء في صلاته ذكر له الأركان التي لا تصح الصلاة إلا بها، وهذا عمدة الحنفية في ذلك.والجواب على هذا سهلٌ يسير، وهو أن نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام علم المسيء في صلاته ما جهله من أركان الصلاة، وأما ما هو معلومٌ عنده ومستقرٌ عند المسلمين فما ذكره له، ولذلك ما ذكر له القعود الأخير الذي هو ركن، ويقول الحنفية بركنيته، وهكذا ما ذكر له السلام، وإنما ذكر له غالب الأركان التي كان يجهلها والتي يسيء فيها في صلاته، فعلمه ما يجهله، وأما السلام فلا يوجد أحدٌ من أهل الإسلام ينصرف من الصلاة بغير سلام، فهو معلوم، ويعلمه هذا الأعرابي الذي كان يسيء في صلاته، فلا داعي أن يعلمه ما يعلمه، إنما علمه وبين له ما أساء في فعله، هذا جواب أئمتنا.ومن أدلة الحنفية أيضاً أنهم يقولون: ورد في سنن أبي داود ، وعند ابن حبان في صحيحه، والدارقطني في سننه، والبيهقي في سننه أيضاً، وأصل الحديث في الكتب الستة، وهذه الروايات في زيادة سنن أبي داود والكتب التي ذكرتها عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة، ثم قال لي: إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد )، يعني: إذا قلت التشهد في الصلاة فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم وتنصرف فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، أي: للدعاء والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ( ثم السلام )، وهذا ما يستدل به الحنفية، يقولون: تلك الأمور كلها ليست من الأركان، والقعود الأخير ورد في هذا الحديث، وقوله: قضيت صلاتك، أي: إذا قلت التشهد وقعدت هذا القعود فقد قضيت ما عليك، ( إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد ).قال أئمتنا: والجواب عن هذا: أن هذه الزيادة: (إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)، ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام باتفاق الحفاظ وإنما هي مدرجةٌ في الحديث، قيل من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهذا هو الراجح، وقيل: من كلام بعض الرواة عنه كما سيأتينا إن شاء الله، نص على ذلك النووي في المجموع في الجزء الثالث صفحة إحدى وثمانين وأربعمائة، فقال: هذه الزيادة مدرجة ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام باتفاق الحفاظ، ونص على ذلك -أيضاً- الزيلعي في نصب الراية في الجزء الأول أربعٍ وعشرين وأربعمائة، والحافظ ابن حجر في اختصاره لنصب الراية المسمى: بالدراية في الجزء الأول صفحة سبعٍ وخمسين ومائة.ومن الحفاظ الذين نصوا على أن هذه الزيادة مدرجة ابن حبان والدارقطني والبيهقي وهم ممن روو هذا الحديث، قالوا: قوله: ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد )، هذا هو لفظ عبد الله بن مسعود ، ( ثم إذا فعلت هذا قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد )، هذا مدرج ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، أي مزيد في هذا الحديث، وليس هو من لفظ النبي عليه الصلاة والسلام.وقال ابن حزم في المحلى في الجزء الثالث صفحة ثمانٍ وسبعين ومائتين: انفرد بهذه الزيادة القاسم بن مخير ، ولعله -أي: الراوي عن ابن مسعود - قال ذلك على حسب رأيه، يظن أن الصلاة انتهت إذا تشهدت، أي: هذا القول أخذه القاسم عن علقمة، أو هو من قول عبد الله بن مسعود، وهذا الذي عليه غالب الحفاظ أن هذا من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ثم قال ابن حزم: ولو صحت هذه الرواية على التسليم بأنها صحيحة، وأنك إذا قلت التشهد فقد قضيت ما عليك، (إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت تقعد فاقعد)، لو صحت لكانت الأحاديث الزائدة التي بينت أن الصلاة لا ينبغي أن تخرج منها إلا بالسلام، توجب ذلك الحكم الزائد، يعني أنه كان في أول الأمر يصح أن تخرج من الصلاة بغير سلام، ثم جاءت الأحاديث الكثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه، (لا خروج من الصلاة إلا بالسلام)، وعليه فقد أثبتت حكماً زائداً فينبغي أن نأخذ به، والإمام ابن حزم عليه رحمة الله يقول للحنفية: سلمنا لكم ما تقولون. بأنه لا إدراج في الأثر، وأن هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا كان في أول الأمر، وثبتت الأحاديث بزيادة السلام، وأنه ركنٌ من أركان الصلاة، فيجب القول به والمصير إليه، والعلم عند الله جل وعلا.ومن حجج الحنفية أيضاً أنهم يقولون: ثبت في سنن الدارقطني والبيهقي من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعة، ومن رواية علي رضي الله عنه موقوفاً عليه، يقولون: وله حكم الرفع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهنا الأثر عن علي : ( إذا أحدث أحدكم وقد قعد في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته )، وأثر علي : ( إذا جلس أحدكم قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته )، فيقولون: هذان الأثران: أثر عبد الله بن عمرو المرفوع، وأثر علي الموقوف يبينان أن السلام ليس بركنٍ من أركان الصلاة، بل هو من السنن، ولذلك إذا أحدثت قبله فالصلاة صحيحة، ولا يلزمك أن تتوضأ وأن تأتي وتسلم، وإذا أردت أن تخرج من الصلاة بغير سلامٍ فهذا أيضاً صحيح. لكن هذين الأثرين -كما قال أئمتنا- ضعيفان باتفاق الحفاظ، نص على ذلك الإمام النووي في المجموع في الجزء الثالث صفحة إحدى وثمانين وأربعمائة في المكان المتقدم، والحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني صفحة ثلاثٍ وعشرين وثلاثمائة، وهكذا الإمام البيهقي بعد أن روى الأثرين ضعفهما، ثم قال كقول ابن حزم : لو ثبتا لكان هذا في ابتداء الإسلام، ثم بعد ذلك جاءت الأحاديث بأنه: ( لا خروج من الصلاة إلا بسلام )، هذا كلام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثاني صفحة خمسٍ وسبعين ومائة، وعليه لا متعلق بهذين الأثرين أيضاً.الدليل الرابع للحنفية ذكره ابن قدامة في المغني في الجزء الأول صفحة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، فقال: احتج الحنفية على عدم فرضية السلام في الصلاة، وعدم ركنية السلام بأن قالوا: قياساً على التسليمة الثانية، وسيأتينا أن المذاهب الأربعة متفقة على أن التسليمة الثانية سنة، بل حكى عددٌ من أئمتنا الإجماع على ذلك، وما خالف في ذلك إلا فرد واحد وهو الحسن بن صالح بن حي ، فالسلام الثاني سنة بالاتفاق، والسلام الأول عند الجمهور فرض، والحنفية يقولون: كان النبي عليه الصلاة والسلام يسلم سلامين، فلم قلتم: الثاني سنة والأول فرض؟ إنما نحن نقول: كلٌ منهما سنة. والحنفية يقولون: كما أن السلام الثاني لا يجب، وهذا متفق بيننا وبينكم، فالسلام الأول كذلك. أقول: هذا قياسٌ مع الفارق؛ لأنه سيأتينا أنه ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام اقتصر على سلامٍ واحد، وما ثبت عنه أنه لم يسلم، ولا يصح أن نقيس ما لم يرد هنا على ما ورد هناك، وقد سلم سلاماً واحداً، وسلم سلامين، فأنتم تقولون: نقيس الأول على الثاني، وهذا غلط؛ لأنه عندما سلم سلاماً واحداً علمنا أن السلام الثاني ليس بركن، ولو كان ركناً لما اقتصر على السلام الواحد الأول، وعليه كما قلت: لا يصح أن نقيس السلام الأول على الثاني.إن هذا القول مرجوح، وكما قلت: نحفظ حدنا ونقف عنده، فلا نتطاول، ولا نضلل، ولا نسفه، ولا ننبز قولاً قاله إمام من أئمة المسلمين الكبار، ويقول بموجبه ربع الأمة الإسلامية في هذا الوقت الذين هم على مذهب الحنفية، فهم لا يقولون: إن السلام مكروه، بل هذا السلام لابد منه لكن على سبيل السنية والاستحباب والأجر عند الكريم الوهاب، وأما لو قدر أنه طرأ عليك الحدث وأنت في آخر الصلاة فصلاتك صحيحة، وإن كنت لا تريد أن تتوضأ وتأتي تسلم فلا حرج، ولكن لا أحد قال: إذا قعدت وتشهدت فاخرج من الصلاة بغير سلام، ولذلك لا يجوز أن نسفه هذا القول، وأن نتطاول على قائله، فهو مأخوذ من أدلة شرعية، لا من توراة ولا من إنجيل، ومن بابٍ أولى ما أخذ من رأيٍ ولا هوى، وتقدم معنا التنبيه على هذا عند المسألة الأولى، وقلنا: إنه لا مانع أن نرد القول بالحجج العلمية، وأن نتناصح، لكن لا نقول: إنه ضلال، والعامل به ضال.وأما ما قاله القرطبي غفر الله له في تفسيره في الجزء الأول صفحة أربعٍ وسبعين ومائة نقلاً عن أبي بكر بن العربي الذي ذكره في كتابه أحكام القرآن، أن شيخاً من الشيوخ كان ينشد في الدرس نشيداً في ذم مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، يقول: ويرى الخروج من الصلاة بضرطةٍ أين الضراط من السلام عليكم وهذا في الحقيقة حرام لا ينبغي، ولا يجوز أن يذكر في التعليق على مثل هذه المسائل، مع جلالة من قال به من أئمتنا الكرام، فخر الإسلام المالكي ، وتلميذه أبو بكر بن العربي المالكي ، ونقل عنه القرطبي ، والمقصود: أنهم مُخطئون في ذلك، وغفر الله لهم، ووالله ما قلت هذا إلا للتحذير من النطق به، لا من باب أن هذا علم فاحفظوه، إمام من أئمة المسلمين يقرر قولاً ثم تأتي بعد ذلك تصيغ هذا الشعر للتندر بهذا المذهب، هذا حرام، وقلنا: قد أخذ هذا القول من حديث مروي في الكتب الستة، وهو حديث المسيء في صلاته، وهمك بعد ذلك أن ترد عليه وتقول: علمه غالب الأركان، أليس هذا فهم؟ و(تحليلها التسليم)، هم يقولون: تحل لك الأشياء التي حرمت عليك بالسلام، وهذا من باب الاستحباب وكمال الأمر لا من باب الوجوب والركنية، فنجمع بين الأدلة.فقولهم كما قلت معتبر من حيث الاستنباط، أما كونه راجحاً أو مرجوحاً فهذه قضيةٌ ثانية، وكما قلت ينبغي أن نحذر غاية الحذر من التطاول على أئمة الإسلام، فما أحدٌ منهم قال قولاً من هوى أو رأي، ولا أحدٌ -من باب أولى- قال قولاً من قوانين وضعية وتشريعات شيطانية، فكل أقوالهم مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله عليه صلوات الله وسلامه، لكن عقول البشر تختلف في الفهم وتتفاوت، فهذا يرى أن هذا الحديث يدل على الركنية، وذاك يقول: لا، غاية ما يدل عليه هو الأكمل والأحسن، وإذا كان كذلك فالأمر فيه سعة، والأحوط والأبرأ للذمة أن نقول: إن السلام ركن، ولا يخرج الإنسان من الصلاة إلا به، ومن قال بالقول الثاني فقوله معتبر، وقال به إمامٌ من أئمة المسلمين الكبار، وتبعه على ذلك أئمةٌ في سائر العصور والأمصار، فلنحفظ ألسنتنا، ولنقف عند حدنا، أما ما وجد في هذا العصر من قبل السفهاء على أئمتنا الأتقياء، فهذا ينبغي أن نحذره.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم استر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وانفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net