اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [10] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - مقدمات [10] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
كان للإمام الترمذي من تأليف كتابه الجامع ثلاثة أغراض، هي: جمع الأحاديث بطرقها المختلفة في مكان واحد، وذكر ما يتعلق بها من علوم الحديث، وبيان المسائل المستنبطة من هذه الأحاديث مع ذكر أقوال الفقهاء، ولهذا أثنى أهل العلم على كتابه السنن، بل قدمه بعضهم على الصحيحين، وقد افتتح الترمذي كتابه بالبسملة اتباعاً للسنة ثم بدأ كتابه بذكر أبواب الطهارة.
غرض الإمام الترمذي من تأليف كتابه الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! فهذا هو الدرس العاشر في المقدمة التي قدرت لها خمسة دروس وإن طالت فلن تتجاوز الدرس العاشر إن شاء الله، وسننتهي بعون الله جل وعلا من مدارسة المقدمة في هذه الليلة المباركة، ثم نقرأ ما تيسر من الكتاب المبارك وهو جامع الإمام الترمذي المعروف بسنن الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين جميعاً رحمة الله جل وعلا. إخوتي الكرام! كان آخر شيء تدارسناه في المقدمة ما يتعلق بغرض الإمام الترمذي ومقاصده من تأليف كتابه الجامع أو السنن، وقلت: إن غرضه من جمع هذا الكتاب وتصنيفه ثلاثة أمور:
 الغرض الثالث: ذكر ما يتعلق بالحديث من قواعد المصطلح
والأمر الثالث لعله انفرد به من بين المحدثين، ولا توجد هذه الميزة في غير كتاب جامع الترمذي ، وهي: أنه جمع الأحاديث في هذا الكتاب، وأراد أن يبين عند جمعه لها ما يتعلق بهذه الأحاديث من قواعد المصطلح، وفن الجرح والتعديل، وهذا قل أن تقف عليه في كتاب كما هو موجود في كتاب الإمام الترمذي ، فالناحية الأولى فقهية والناحية الثانية حديثية، ثم جاء بعد ذلك إلى ما يتعلق بعلوم الحديث ومصطلحه فتكلم على هذه الناحية وأسهب فيها. وهذا الكتاب انفرد بهذه الناحية الثالثة كما انفرد بالناحية الأولى فجمع أقوال أئمة الإسلام في هذا الكتاب، ثم بعد ذلك تكلم على قواعد علم المصطلح، فلذلك تكلم على الرجال وعلل الحديث، وبين درجة كل حديث حسب قواعد علوم الحديث.ويعتبر كتاب جامع الترمذي أول كتاب وصلنا في علم المصطلح، وفي علوم الحديث، كما يعتبر أول كتاب وصلنا في الموسوعة الفقهية والفقه المقارن.أئمتنا في كتب المصطلح يقولون: أول من ألف في علم المصطلح أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ، الذي توفي سنة ستين وثلاثمائة، لكنه لم يستوعب قواعد هذا العلم، وأنا أقول: قد سبقه إلى التأليف في هذا العلم الإمام الترمذي الذي توفي سنة تسع وسبعين ومائتين للهجرة، فهو قبله، فنوه بقواعد علوم الحديث ومصطلحه في كتابه من أوله إلى آخره.ويقولون: ثم تلاه الحاكم فألف كتابه معرفة علوم الحديث، لكنه لم يرتب، وجاء بعده أبو نعيم فترك أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الإمام الخطيب البغدادي فما ترك فناً من فنون مصطلح الحديث وعلومه إلا وألف فيه كتاباً مستقلاً؛ ولذلك جميع المحدثين بعده عيال على كتبه.أما الرامهرمزي فتوفي سنة ستين وثلاثمائة، وأما الحاكم فسنة خمس وأربعمائة، وأما أبو نعيم فسنة ثلاثين وأربعمائة، وأما الخطيب البغدادي فتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة عليهم جميعاً رحمة الله، وأقدم هؤلاء الإمام الترمذي .نعم لم يجمع الترمذي هذه القواعد في كتاب مستقل، ولا رتبها، والرامهرمزي فعل مثله تقريباً، فكتابه بدون ترتيب وبدون جمع واستقصاء، نعم استقرت بعد ذلك كتب المصطلح في كتب خاصة مرتبة، كما كان ذلك في القرن الخامس للهجرة، لكن الإمام الترمذي هو من فتح الباب لهذه السعة وهذا الإحكام وهذه الدقة كما سيأتينا، فكتابه أول كتاب في المصطلح، وأول موسوعة فقهية، وأول كتاب في الفقه المقارن، وهذان الأمران انفرد بهما جامع الترمذي عن سائر كتب الحديث. والإمام الترمذي في كتابه العلل كأنه اعتذر عن هذا المسلك وأراد أن يلتمس لنفسه مبرراً في فعله؛ لأنه فعل ما لم يسبق إليه، فقال في كتاب العلل في الجزء التاسع، صفحة ست وثلاثين وأربعمائة في الطبعة الشامية الحمصية: (وإنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب من أقوال الفقهاء وعلل الحديث). هذان أمران انفرد بهما، أما الحديث من حيث الصناعة الحديثية وتتبع الطرق فهذا قد سبقه إليه محدثون كثر وأولهم الإمام مسلم رحمه الله، فلذلك ما نوه الإمام الترمذي بهذا الأمر، يقول: حملنا على جمع أقوال الفقهاء والكلام على علل الحديث؛ لأنا سئلنا عن هذا زماناً فلم نفعله، أي: سألنا طلبة العلم مراراً أن نجمع أقوال الفقهاء عند كل حديث، وأن نبين من ذهب إليه وأخذ به، وأن نتكلم على علل الحديث فلم نفعله، يقول: (ثم فعلناه لما رجونا فيه من منفعة الناس، ووجدنا غير واحد من الأئمة تكلف في التصنيف فيما لم يسبق إليه) أي أن هناك عدداً من الأئمة، صنفوا أشياء لم يسبقوا إليها فنحن وإن لم نسبق إلى مثل هذا التصنيف فلنا أسوة فيمن سبقنا عندما ألفوا ما لم يسبقوا إليه، ثم ذكر أمثلة كالإمام مالك عندما صنف موطأه وهو لم يسبق إلى ذلك، والإمام عبد الله بن المبارك عندما ألف كثيراً من الكتب منها كتاب الزهد ولم يسبق إليه، فهؤلاء فعلوا أشياء لم يسبقوا إليها رجاء نفع الناس والأجر عند ربنا، فنحن -إذاً- نقتدي بهم في هذا الفعل فنذكر أقوال الفقهاء ونجمعها في كتابنا، ونتكلم على علل الحديث وإن لم نسبق إلى ذلك.يقول: (فجعل الله في تلك الكتب منفعةً كبيرة، ولهم في ذلك الثواب الجزيل عند الله الجليل، ولنا فيهم قدوة).
ثناء أهل العلم على جامع الترمذي
ذكرت سابقاً أن جامع الترمذي يمتاز بأمرين اثنين لا يوجدان في كتاب: جمع أقوال الفقهاء وبيان علل الحديث، والتنويه بقواعد علوم الحديث عقب الحديث، أما جمع الحديث في مكان واحد فهذا موجود في سائر كتب المحدثين، وبسبب هاتين الميزتين فضل عدد من أئمتنا كتاب الترمذي على الصحيحين: البخاري ومسلم ، لا من حيث الصحة والمكانة، إنما من حيث الفائدة المرجوة، فطالب العلم إن قرأ جامع الترمذي يستفيد ما لا يستفيده من قراءة صحيح البخاري ، فهناك سيقرأ حديثاً يدل على استنباط رآه الإمام البخاري دون غيره من الفقهاء، فـالبخاري لا يذكر أقوال الفقهاء، ولم يذكر قواعد علوم الحديث من باب أولى، وهكذا صحيح مسلم يجد حديثاً من حيث الصناعة الحديثية ما أجمله وأحسنه! جمع للطرق والروايات في مكان واحد، لكن بلا فقه، وبلا قواعد حديث.وأما هنا فسيجمع الطالب هذه الفوائد مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 ثناء ابن الأثير على جامع الترمذي
وهكذا الإمام ابن الأثير صاحب كتاب جامع الأصول الذي توفي سنة ست وستمائة للهجرة، وهو يقصد بالأصول الأصول الستة، وهي الأصول الخمسة المتفق عليها بزيادة الموطأ؛ لأنه زاد الموطأ بدل سنن ابن ماجه ، وهذا الكتاب من الكتب النفيسة التي ينبغي أن يقتنيها طالب العلم، خاصة التي بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرنؤوط ففيها خير كثير، فكل ما في الكتب الستة من الصحيحين والسنن الثلاثة مع موطأ الإمام مالك موجود في هذا الكتاب، وهو في أحد عشر مجلداً، بحذف الأسانيد والاقتصار على الصحابي الراوي، ثم تبيين بعد ذلك منزلة كل حديث على وجه الاختصار في الحاشية، فهو كتاب نافع، وفيه خير كثير.يقول هذا في بيان منزلة كتاب الإمام الترمذي الذي ضمن أحاديثه في كتابه جامع الأصول في الجزء الأول صفحة ثلاث وتسعين ومائة: (وهذا كتابه الصحيح) يعني: الجامع الصحيح، ويقال له: جامع الترمذي ، وقوله: الصحيح من باب الغالب، (أحسن الكتب وأكثرها فائدةً، وأحسنها ترتيباً، وأقلها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، قد جمع فيه فوائد حسنةً لا يخفى قدرها على من وقف عليها).
وصف الإمام الترمذي لكتابه
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: (صنفت هذا الكتاب وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعلى علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم).هذا فيما يتعلق بغرض الإمام الترمذي ، ومقصوده من جامعه أن يجمع لنا ثلاث فوائد عظيمة نستفيدها من هذا الجامع عندما نقرؤه.
 منهج الطحان في شرح أحاديث جامع الترمذي
إخوتي الكرام! الأحاديث التي سنقرؤها من كتاب جامع الإمام الترمذي سنتدارسها ضمن أربع نقاط موجزة:أولها: من حيث الإسناد، نتكلم على رجال الإسناد باختصار شديد لنقف على أحوال الرواة، ليكون عندنا علم بهم بشكل موجز.الأمر الثاني: ننتقل إلى معنى الحديث وفقهه والأحكام التي يدل عليها الحديث بشكل موجز إن شاء الله. الأمر الثالث: ننتقل بعد ذلك إلى بيان درجة الحديث، ومن خرجه من أئمتنا، ونتكلم على منزلته ومكانته. ثم نختم بالأمر الرابع: وهو ما ذكره الإمام الترمذي في آخر كل حديث بقوله: (وفي الباب)، أي: الروايات الأخرى التي أشار إليها دون أن يروي أسانيدها، فهو يقول: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان، هذه كلها أحاديث، ما ذكر إسناداً لواحد منها، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتاباً سماه (اللباب في قول الترمذي : وفي الباب). ولو وقفنا عليه لكان كنزاً ثميناً، لكن ما عندي علم عن هذا الكتاب، وعلى كل حال فالوقوف على هذه الروايات في كتب الحديث ميسور إن شاء الله، وسأبذل جهدي -إن شاء الله- في بيان تخريج تلك الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي ، فمثلاً روى الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وعمر رضي الله عنهم أجمعين، أي: ثلاث روايات، فأحقق من روى هذه الروايات من أئمتنا عليهم جميعاً رحمات ربنا.
افتتاح الترمذي جامعه بالبسملة دون الحمدلة
بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي : أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء (لا تقبل صلاة بغير طهور).قال الإمام الترمذي عليه رحمة الله: حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا، كلمة: (قال) تحذف من الإسناد وتنطق عند القراءة فلينتبه لهذا. قال: حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب، (ح)، وهنا ثلاث حالات في قراءة السند ينتبه لها، وهي: عن سماك بن حرب ، (ح). عن سماك بن حرب . وقال الإمام الترمذي : حدثنا هناد .قال: حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول).قال هناد في حديثه: (إلا بطهور)، يعني: لفظ الحديث في رواية هناد : (لا تقبل صلاة إلا بطهور)، والرواية التي ساقها: (لا تقبل صلاة بغير طهور)، قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وفي الباب -هذه رواية أخرى سيشير إليها الإمام الترمذي- عن أبي المليح عن أبيه، وأبي هريرة ، وأنس . هذه ثلاث روايات. وأبو المليح بن أسامة اسمه عامر ، ويقال: زيد بن أسامة بن عمير الهذلي . هذا الحديث الأول والباب الأول من أبواب الطهارة.
 جمع العلماء بين روايات الابتداء بالبسملة والحمدلة وذكر الله
لكن هل نبدأ بحمد الله أو بذكر الله أو باسم الله أو بحمد الله والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ما هو الجمع بين هذه الروايات؟الذي ذهب إليه أئمتنا في الجمع بين هذه الروايات -وهذا أحسن ما يقال في هذه الأحاديث- أن المراد من هذه الروايات أن نبدأ الأمور المهمة بالثناء على الله جل وعلا وذكره بأي صيغة كانت، فإذا حمدت الله من غير بسملة أجزأك، وإذا سميت من غير حمدلة أجزأك، وإذا سبحت في أول كتابك وعظمت الله أجزأك، وإذا ضممت إلى البسملة الحمدلة وخطبة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أجزأك، وهذا أحسن الأمور، والاقتصار على بعضها جائز، والرواية العامة التي في المسند: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله)، فالمقصود أن تأتي بذكر الله. ولا يقال: هذا العموم بينته الروايات الخاصة، أي: ذكر الله بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، نقول كما قال الإمام السبكي عليه رحمة الله: لا يقال هذا؛ لأن العام إذا قيد بقيدين متنافيين يرجع إلى أصل الإطلاق وتلغى هذه القيود، ويكون هذا التقييد من باب التمثيل، لا من باب تقييد ذلك الإطلاق بهذه الصورة، وأصل الإطلاق (بذكر الله)، والتقييد في رواية بالحمد، وفي رواية بالبسملة، إن بدأت بالبسملة لم تبدأ بالحمدلة، وإن بدأت بالحمدلة لم تبدأ بالبسملة، إذاً: قيدان متنافيان لا يمكن الإتيان بهما معاً، إذاً نرجع إلى أصل الإطلاق.اختر ما شئت مما فيه ثناء على الله جل وعلا وتعظيم له، وهذا الذي فعله الله في كتابه، فأول سورة نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس فيها حمدلة، وإنما فيها البسملة التي تتقدم كل سورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وكتب رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى الملوك الذين كان يخاطبهم في وقته ليس فيها حمد إنما فيها بسملة، ثم بعد ذلك بيان مضمون الرسالة، ففي الصحيحين كتاب النبي عليه الصلاة والسلام إلى هرقل عظيم الروم: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، إلى آخر الحديث، وما حمد النبي عليه الصلاة والسلام في الكتاب، نعم أكمل الأمور أن يأتي الإنسان بالبسملة ليبتدئ بها ابتداءً حقيقياً، ثم يثني بالحمدلة ليبتدئ بها ابتداءً إضافياً، ثم بعد حمد الله التي جاءت بعد البسملة يصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يشرع في بيان مقصود كتابه، إن فعل هذا فهذا أكمل وأحسن، وإذا لم يفعل فإذا أتى بأي ذكر وثناء على الله أجزأه، وهذا ما فعله إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري ، فليس في صحيحه خطبة ولا تشهد ولا حمدلة ولا شيء، إنما ابتدأه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: كتاب الوحي، باب: بدء الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا صنع الإمام الترمذي : بدأه ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يجزئ، وهذا صواب، وكما قلت: نرجع إلى أصل الإطلاق، ويكون التقييد من باب التمثيل لا من باب تفسير ذلك الإطلاق، وقصره على ما ورد في هاتين الروايتين، يعني: إما بسملة وإما حمدلة، فهذا لا يمكن، فالقيدان متنافيان.فما فعله الإمام الترمذي -وهو السني المتبع- هدى ورشاد، ولا اعتراض عليه بوجه من الوجوه. والإمام الدارقطني عندما أورد حديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله)، أورده في كتاب الصلاة من سننه، ويشير عليه رحمة الله إشارةً لطيفة وهي: أن الصلاة إذا لم نقرأ فيها الفاتحة لا تصح؛ لأنها أمر له بال وشأن، ولها خطر ومنزلة، فإذا لم نبدأها بالفاتحة ونقدمها على قراءتنا ونذكرها في كل ركعة من ركعات صلاتنا فلا تصح صلاتنا، فلعله يقصد هذا بذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة من سننه.
إشارات حول قول الترمذي: أبواب الطهارة
أما قول الإمام الترمذي : (أبواب الطهارة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام) فالأبواب: جمع باب، ومعنى الباب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره، هذا معناه في لغة العرب.وأما معنى الباب في الاصطلاح: فهو جملة من المسائل المتناسبة. فأبواب الطهارة جملة لمسائل متناسبة كلها ضمن الطهارة، فلا يذكر في هذه الأبواب أحكام الزكاة أو الحج، ومن باب أولى الأنكحة والبيوع. وقد خالف في هذا التبويب غالب الأئمة والمصنفين. الأصل أن غالب المصنفين والأئمة إذا أرادوا أن يجعلوا عناوين متعددة ضمن الترجمة، يجعلون العنوان الأصلي كتاباً، فيقولون: كتاب الطهارة، وهذا الذي فعله الإمام البخاري ، بينما الإمام الترمذي جعل بدل الكتاب أبواباً، ثم عدد تلك الأبواب، ولو أتى بـ(كتاب) لكان التعبير أدق، فيقول: كتاب الطهارة، كتاب الإيمان، ثم يأتي بعد ذلك بالأبواب باباً باباً لكنه جعلها أبواباً، ثم فصل الكلام عليها، وعلى كل فلا حرج، وهو أمر اصطلاحي لا محظور فيه، فأبواب الطهارة يساوي ما في كتب أئمتنا. والكتاب في اللغة: بمعنى الضم والجمع، فهو يضم ويجمع أموراً متعددة.وهو في الاصطلاح: عنوان لمسائل مستقلة، لا يتوقف تصورها لا على ما قبلها ولا على ما بعدها. فكتاب الطهارة لا صلة له بالبيوع، ولا صلة له بشيء آخر، فهو يحوي مسائل مستقلة، إذا أردت أن تتصورها فلا داعي أن تستحضر ما قبلها ولا ما بعدها.والكتاب إذا تعددت أنواعه نأتي فنجعل له أبواباً، والأبواب إذا تعددت فروعها ومسائلها نجعل لها فصولاً، فنتدرج من كتاب إلى باب، إلى فصل، هذا هو الأصل.فقوله: (أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). أي: سيورد في هذا الكتاب في هذه الترجمة أبواباً متعددة تبين الطهارة التي هي ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.
 جمع العلماء بين روايات الابتداء بالبسملة والحمدلة وذكر الله
لكن هل نبدأ بحمد الله أو بذكر الله أو باسم الله أو بحمد الله والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ما هو الجمع بين هذه الروايات؟الذي ذهب إليه أئمتنا في الجمع بين هذه الروايات -وهذا أحسن ما يقال في هذه الأحاديث- أن المراد من هذه الروايات أن نبدأ الأمور المهمة بالثناء على الله جل وعلا وذكره بأي صيغة كانت، فإذا حمدت الله من غير بسملة أجزأك، وإذا سميت من غير حمدلة أجزأك، وإذا سبحت في أول كتابك وعظمت الله أجزأك، وإذا ضممت إلى البسملة الحمدلة وخطبة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أجزأك، وهذا أحسن الأمور، والاقتصار على بعضها جائز، والرواية العامة التي في المسند: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله)، فالمقصود أن تأتي بذكر الله. ولا يقال: هذا العموم بينته الروايات الخاصة، أي: ذكر الله بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، نقول كما قال الإمام السبكي عليه رحمة الله: لا يقال هذا؛ لأن العام إذا قيد بقيدين متنافيين يرجع إلى أصل الإطلاق وتلغى هذه القيود، ويكون هذا التقييد من باب التمثيل، لا من باب تقييد ذلك الإطلاق بهذه الصورة، وأصل الإطلاق (بذكر الله)، والتقييد في رواية بالحمد، وفي رواية بالبسملة، إن بدأت بالبسملة لم تبدأ بالحمدلة، وإن بدأت بالحمدلة لم تبدأ بالبسملة، إذاً: قيدان متنافيان لا يمكن الإتيان بهما معاً، إذاً نرجع إلى أصل الإطلاق.اختر ما شئت مما فيه ثناء على الله جل وعلا وتعظيم له، وهذا الذي فعله الله في كتابه، فأول سورة نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس فيها حمدلة، وإنما فيها البسملة التي تتقدم كل سورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وكتب رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى الملوك الذين كان يخاطبهم في وقته ليس فيها حمد إنما فيها بسملة، ثم بعد ذلك بيان مضمون الرسالة، ففي الصحيحين كتاب النبي عليه الصلاة والسلام إلى هرقل عظيم الروم: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، إلى آخر الحديث، وما حمد النبي عليه الصلاة والسلام في الكتاب، نعم أكمل الأمور أن يأتي الإنسان بالبسملة ليبتدئ بها ابتداءً حقيقياً، ثم يثني بالحمدلة ليبتدئ بها ابتداءً إضافياً، ثم بعد حمد الله التي جاءت بعد البسملة يصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يشرع في بيان مقصود كتابه، إن فعل هذا فهذا أكمل وأحسن، وإذا لم يفعل فإذا أتى بأي ذكر وثناء على الله أجزأه، وهذا ما فعله إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري ، فليس في صحيحه خطبة ولا تشهد ولا حمدلة ولا شيء، إنما ابتدأه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: كتاب الوحي، باب: بدء الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا صنع الإمام الترمذي : بدأه ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يجزئ، وهذا صواب، وكما قلت: نرجع إلى أصل الإطلاق، ويكون التقييد من باب التمثيل لا من باب تفسير ذلك الإطلاق، وقصره على ما ورد في هاتين الروايتين، يعني: إما بسملة وإما حمدلة، فهذا لا يمكن، فالقيدان متنافيان.فما فعله الإمام الترمذي -وهو السني المتبع- هدى ورشاد، ولا اعتراض عليه بوجه من الوجوه. والإمام الدارقطني عندما أورد حديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله)، أورده في كتاب الصلاة من سننه، ويشير عليه رحمة الله إشارةً لطيفة وهي: أن الصلاة إذا لم نقرأ فيها الفاتحة لا تصح؛ لأنها أمر له بال وشأن، ولها خطر ومنزلة، فإذا لم نبدأها بالفاتحة ونقدمها على قراءتنا ونذكرها في كل ركعة من ركعات صلاتنا فلا تصح صلاتنا، فلعله يقصد هذا بذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة من سننه.
ترجمة رواة حديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور)
باب: ما جاء: (لا تقبل صلاة بغير طهور)، وكما قلت: سنتكلم على الإسناد بإيجاز:
 ترجمة مصعب بن سعد
عن مصعب بن سعد . هو ابن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ، ومصعب تابعي وليس من الصحابة، ثقة من الثالثة، توفي أيضاً بعد المائة، أرسل عن عكرمة ، هنا حدد الحافظ وفاته فقال: مات سنة ثلاث ومائة، ولم يقل: مات سنة ثلاث، ويكتفي بكونه من الطبقة الثالثة، وتحديده بهذه الطريقة نادر.أما الصحابي ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه فنقف عنده؛ لأنني سأذكر شيئاً في ترجمته قليلاً -الصحابي فقط على وجه الخصوص- ثم بعد ذلك نتدارس معنى الحديث ونذكر فقهه إن شاء الله، اتركوا هذا للمحاضرة الآتية إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.اللهم اغفر ذنوبنا، اللهم استر عيوبنا، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لشيوخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [10] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net