اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - مقدمات [4] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الانشغال بدراسة الحديث وتدريسه فيه فوائد كثيرة منها: حفظ السنة، والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان للمحدثين مقام رفيع؛ لإكثارهم من الصلاة على النبي. وهي واجبة كلما ذكر على الصحيح ولا سيما طرفي النهار، وفي كل مجلس يجلس الإنسان فيه، ويوم الجمعة.
مكانة علماء الحديث وجهدهم في حفظ السنة
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين.اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فكنا نتدارس فوائد دراسة حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وقلت: إن فوائد دراسة الحديث الشريف كثيرة وفيرة، أبرزها ثلاث فوائد:الفائدة الأولى: أننا عندما نتدارس حديث النبي عليه الصلاة والسلام ونحفظ سنته الشريفة نحفظ أدلة الشرع ونحافظ عليها من الضياع والذهاب والاستقدام والاندراس.والفائدة الثانية: كثرة الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام.والفائدة الثالثة: أن من يقرأ حديث النبي عليه الصلاة والسلام ويحفظ سنته الشريفة يفوز بالنضرة والرحمة اللتين دعا بهما نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يحفظ سنته وينشر حديثه.أما الفائدة الأولى: فبقي عليها كلام يسير قليل أذكره، ثم أجيب على سؤالين وجها فيما يتعلق بموضوعنا في الموعظة الماضية، وفي مدارستنا لحديث نبينا عليه الصلاة والسلام. أما التكملة المتعلقة بالأمر الأول فأقول: إن علماء الحديث وحفاظ الأثر الذين ينشرون سنة نبينا عليه الصلاة والسلام يحفظونها على هذه الأمة؛ لمدارسة أدلة دينها، فالسنة وحي كالقرآن الكريم، ولا فارق بينهما، إلا أن القرآن وحي يتلى، والسنة المطهرة وحي لا يتلى، وكلاهما نزل به جبريل على نبينا الجليل عليهما صلوات الله وسلامه.إذاً: علماء الحديث لهم منزلة عالية جليلة رفيعة، عندما يحفظون أدلة الشرع من الضياع والفقدان والذهاب والاضمحلال، ولذلك فإن حبهم دين، أعني حب المحدثين الذين ينشرون أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ويعلمون سنته المطهرة، والبغض لهم من أكبر علامات المبتدعين.
 مكانة علماء الحديث
إن علماء الحديث هم أول من يدخلون في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن العلماء ورثة الأنبياء )، والحديث صحيح وقد تقدم من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه في المسند والسنن الأربعة إلا سنن الإمام النسائي ، ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه، والإمام الدارمي في مسنده، وقد رواه الإمام البزار بلفظ: ( العلماء خلفاء الأنبياء )، وإسناده موثقون كما قاله الهيثمي في المجمع. فهم خلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، وهم ورثة النبي عليه الصلاة والسلام، فحبهم دين نتقرب به إلى رب العالمين. هاتان الروايتان تشهدان للرواية الثابتة عن الحسن البصري مرسلاً، وعن الحسن بن علي متصلاً، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، بسندين متصلين وبسند مرسل، والأسانيد الثلاثة فيها ضعف، تتقوى ببعضها، ولفظ رواية علي والحسن بن علي والحسن البصري عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( اللهم ارحم خلفاءنا، قالوا: من خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله )، وفي رواية: ( الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس )، وهذه الرواية عن هؤلاء الأئمة الكرام عن علي وابنه الحسن والحسن البصري ، رواها الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، والإمام الهروي أبو إسماعيل في كتابه: ذم الكلام، ورواها الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، وأبو نعيم في كتاب فضل العالم العفيف، وفي كتاب رياضة المتعلمين، وهكذا ابن السني في كتابه أيضاً رياضة المتعلمين، ورواها الإمام الرامهرمزي في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، ورواها ابن عساكر في تاريخ دمشق، ورواها الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، والإمام الضياء المقدسي عليهم جميعاً رحمة الله.
طبعات سنن الترمذي وشروحها
قبل أن أنتقل إلى الفائدة الثانية، أحب أن أجيب على هذين السؤالين:السؤال الأول: يتعلق بالكتاب الذي سنتدارسه، وقد وجه من عدد من الإخوة: هل هناك طبعة معينة للإمام الترمذي توصي بها؟ يعني: أي الكتاب من طبعات نسخ الإمام الترمذي يشتريه ويقتنيه طالب العلم ويقدم على غيره؟وأقول: أحسن الطبعات الطبعة التي حققها الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله، وهذا في خمسة أجزاء، وما أكملها، حقق المجلد الأول والثاني، ثم توفي رحمه الله تعالى، فحقق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي المجلد الثالث وما أكمله، ثم جاء الشيخ إبراهيم عطوة من علماء الأزهر من علماء مصر، فحقق المجلد الرابع والخامس، واعتنى بالطباعة وإن لم يكن هناك زيادة تعليق.هذه خير الطبعات، قل أن يوجد فيها تصحيف أو تحريف أو خطأ في الكتابة، وهي مشكولة، لاسيما المجلد الأول والثاني من طبعاتها فهي محققة مدققة مخرجة موثقة مؤكدة.فإذا لم توجد فلا أقل من الطبعة الثانية التي طبعت في بلاد الشام في حمص والشيخ عزة عبيد الدعاس نشرها وهي في عشرة أجزاء، والطبعتان عندي، وما أعلم بعد ذلك طبعة إلا وهي رديئة، كطبعة طبعت في المطبعة السلفية في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، والتي علق عليها الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ، وهي شر الطبعات لما فيها من البتر والتصحيف، فطالب العلم يبتعد عنها، وهي أيضاً في خمسة مجلدات. وأما بالنسبة للشروح؛ فالشروح لن يقتصر على ما فيها غالباً، وما فيها لا يكفينا، فهناك عارضة الأحوذي للإمام أبي بكر بن العربي ، وهكذا تحفة الأحوذي للإمام المباركفوري ، وقيمة ما في العارضة أقوى من قيمة ما في التحفة؛ لجلالة هذا الإمام وتقدمه، فهو من علماء القرن السادس للهجرة، وبإذن الله سنتدارس ما في الكتابين وما في غيرهما. وأرى لو أن الإنسان اقتنى كتاباً من الطبعة الأولى التي ذكرتها، فهذا أيسر لحفظه ولحمله، وبعد ذلك يفتح الله ما ييسر بالنسبة لشرح أحاديث سنن الترمذي .
 مكانة علماء الحديث
إن علماء الحديث هم أول من يدخلون في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن العلماء ورثة الأنبياء )، والحديث صحيح وقد تقدم من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه في المسند والسنن الأربعة إلا سنن الإمام النسائي ، ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه، والإمام الدارمي في مسنده، وقد رواه الإمام البزار بلفظ: ( العلماء خلفاء الأنبياء )، وإسناده موثقون كما قاله الهيثمي في المجمع. فهم خلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، وهم ورثة النبي عليه الصلاة والسلام، فحبهم دين نتقرب به إلى رب العالمين. هاتان الروايتان تشهدان للرواية الثابتة عن الحسن البصري مرسلاً، وعن الحسن بن علي متصلاً، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، بسندين متصلين وبسند مرسل، والأسانيد الثلاثة فيها ضعف، تتقوى ببعضها، ولفظ رواية علي والحسن بن علي والحسن البصري عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( اللهم ارحم خلفاءنا، قالوا: من خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله )، وفي رواية: ( الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس )، وهذه الرواية عن هؤلاء الأئمة الكرام عن علي وابنه الحسن والحسن البصري ، رواها الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، والإمام الهروي أبو إسماعيل في كتابه: ذم الكلام، ورواها الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، وأبو نعيم في كتاب فضل العالم العفيف، وفي كتاب رياضة المتعلمين، وهكذا ابن السني في كتابه أيضاً رياضة المتعلمين، ورواها الإمام الرامهرمزي في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، ورواها ابن عساكر في تاريخ دمشق، ورواها الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، والإمام الضياء المقدسي عليهم جميعاً رحمة الله.
الحكم على حديث معاذ: (بكتاب الله ثم سنة رسوله ثم أجتهد رأيي)
السؤال الثاني: سأله بعض الإخوة وأنا أتعجب من سؤاله: كيف تكون الأمة تلقت حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه بالقبول، وقد أنكره غير واحد من الأئمة، مثل الإمام البخاري وابن حجر وغيرهما، كما ذكر ذلك الشيخ المحدث الألباني في السلسلة؟ أرجو التوضيح.
 حديث معاذ من جهة المعنى
والإمام الألباني نقل عن الإمام ابن الجوزي في: (881) وقد عده من جملة العشرة الذين ضعفوا الحديث يقول: ولما أنكر ابن الجوزي صحة الحديث.وأتبع ذلك قوله: وإن كان معناه صحيحاً. يقول: الحديث فيه ضعف من حيث الإسناد، لكن معناه صحيح، ولم يعلق على هذه الجملة. وأقول: هو صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص، وهذا مما لا خلاف فيه، ولكنه ليس بصحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن، وإنزاله إياه معها منزلة الاجتهاد منهما. فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يأخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب كما دل عليه هذا الحديث.وهذا التفريق بينهما مما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معاً وعدم التفريق؛ لأن الأدلة وإن كانت جميعاً صحيحة معتبرة فهي متفاوتة من حيث القوة والترتيب، فتقدم معنا: أولها: الإجماع، ثانيها: نص المتواتر أي: كتاب وسنة، ثالثها: سنة أحادية، رابعها: قياس يلحق أمر حادث لأمر سبق لوجوده في العلة الشرعية التي دل عليها بقرآن أو سنة، وهذا مما لا خلاف فيه عند أئمتنا في مراتب الأدلة.وأما معنى حديث معاذ فلا أعلم حوله خلافاً، لو لم يثبت هذا اللفظ فمعناه معتبر عند أئمتنا قاطبة، وذكرت كلام أبي بكر وعمر وكلام ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فيما يقرر هذا: نقضي بما في كتاب، ثم بما في سنة رسول الله، ثم بما قضى به من قبلنا من الصالحين، ثم نجتهد بعد ذلك ونحترز ونتقي الله في اجتهادنا.
علاقة دراسة الحديث الشريف بالإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
الفائدة الثانية التي نستفيدها من دراسة حديث نبينا عليه الصلاة والسلام: كثرة الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام، فأهل الحديث عندما ينشرون الحديث ويتعلمونه ويتدارسونه ويكتبونه ويقرءونه ويعلمونه ويحفظونه يكثرون من الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتراه يعيش مع النبي عليه الصلاة والسلام عندما يحفظ سنته وينشر حديثه. وهذا في الحقيقة أمر مبارك عظيم. والصلاة على نبينا الكريم من أفضل ما نتقرب به إلى إلهنا العظيم، وقد أمرنا الله بذلك في كلامه الكريم، فقال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، فاللهم صل وسلم وبارك عليه بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، صلوا عليه وسلموا تسليماً. إذاً: أمرنا بأن نكثر من الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام.هنا يوجد تعليقة دقيقة ولطيفة عند هذه الآية أذكرها، ثم أذكر ما يحصله طالب الحديث نحو هذه الفائدة من خيرات حسان، هذا اللطيفة والتعليقة أشار إليها الحافظ في الفتح عند كتاب التفسير في تفسير سورة الأحزاب من صحيح البخاري عند هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56]، أخبرنا الله أنه هو وملائكته الكرام يصلون على نبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام، ثم قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، لمَ لم يسلم ربنا على نبينا عليه الصلاة والسلام؟ فلم يقل: إن الله وملائكته يصلون ويسلمون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً؟ عندما أضاف الصلاة والسلام إليه وإلى ملائكته، وأمرنا نحن أن نصلي ونسلم عليه صلوات الله وسلامه عليه، ولم أجد في كتاب ما يزيل هذا الإشكال، إلا أن الحافظ ابن حجر ، ذكر جواباً يطمئن إليه الإنسان، ولعله إن شاء الله يكون مقبولاً مرضياً، وخلاصة جواب الحافظ عليه رحمة الله: أن لفظ السلام يحتمل أمرين: يحتمل التحية والإكرام، ويحتمل المتابعة والانقياد.والمعنى الثاني: لا يصح أن يكون في حق الله وملائكته نحو نبينا عليه الصلاة والسلام، يتابعونه وينقادون له.يعني: أنت عندما تسلم السلام يحتمل سلامك أمرين: تحية وإكرام، ويحتمل الاستسلام والانقياد والمتابعة فلا يصح الانقياد والمتابعة من الله وملائكته لنبينا عليه الصلاة والسلام، إنما الذي يتأتى منهم نحوه التحية التي بمعنى الإكرام والتقدير والتبجيل على نبينا صلوات الله وسلامه، ولا يصبح بمعنى الانقياد والمتابعة، ولذلك قال الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56] أي: يقدرونه، ويحترمونه، ويكرمونه، ويثنون عليه، وصلاة الله على نبينه عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري عن أبي العالية : ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس : والصلاة من الله على نبيه التبريك، أي: أن يبرك عليه وأن يظهر بركته وخيره وفضله، وأن ينوه بشأنه في الملأ الأعلى وأن يتحدث بفضله.إذاً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، أمر بأن ندعو له بأن يصلي الله عليه، وبعد ذلك نحن يصح أن نسلم عليه بمعنى السلام الذي هو تحية وإكرام، وبمعنى انقياد ومتابعة، ولا يصح إيماننا بدون انقياد ومتابعة لنبينا عليه الصلاة والسلام: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].
 حديث معاذ من جهة المعنى
والإمام الألباني نقل عن الإمام ابن الجوزي في: (881) وقد عده من جملة العشرة الذين ضعفوا الحديث يقول: ولما أنكر ابن الجوزي صحة الحديث.وأتبع ذلك قوله: وإن كان معناه صحيحاً. يقول: الحديث فيه ضعف من حيث الإسناد، لكن معناه صحيح، ولم يعلق على هذه الجملة. وأقول: هو صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص، وهذا مما لا خلاف فيه، ولكنه ليس بصحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن، وإنزاله إياه معها منزلة الاجتهاد منهما. فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يأخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب كما دل عليه هذا الحديث.وهذا التفريق بينهما مما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معاً وعدم التفريق؛ لأن الأدلة وإن كانت جميعاً صحيحة معتبرة فهي متفاوتة من حيث القوة والترتيب، فتقدم معنا: أولها: الإجماع، ثانيها: نص المتواتر أي: كتاب وسنة، ثالثها: سنة أحادية، رابعها: قياس يلحق أمر حادث لأمر سبق لوجوده في العلة الشرعية التي دل عليها بقرآن أو سنة، وهذا مما لا خلاف فيه عند أئمتنا في مراتب الأدلة.وأما معنى حديث معاذ فلا أعلم حوله خلافاً، لو لم يثبت هذا اللفظ فمعناه معتبر عند أئمتنا قاطبة، وذكرت كلام أبي بكر وعمر وكلام ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فيما يقرر هذا: نقضي بما في كتاب، ثم بما في سنة رسول الله، ثم بما قضى به من قبلنا من الصالحين، ثم نجتهد بعد ذلك ونحترز ونتقي الله في اجتهادنا.
دفاع عن حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) وتصحيح النووي له
ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )، والحديث رواه أبو نصر المقدسي في كتاب الحجة على تاركي المحجة، كما قال الإمام النووي : بإسناد صحيح، وروي في غير ذلك من الكتب. وأما ما يقوله بعض الناس في هذه الأيام بأن في الأربعين النووية ثلاثة أحاديث ضعيفة، فجوابه أن يقال: والله ما أحد ضعيف إلا أنت، ومن علمك هذا الكلام. جاء بعض العلماء في هذا الزمان يتدارسون على شيخ الإسلام الإمام النووي الذي توفي سنة: (676هـ)، ويقول: بإسناد صحيح، ومن بعد ذلك يقول هؤلاء: هذا ضعيف، وقد قال لي مرة بعض الناس: يا شيخ! في الأربعين النووية ثلاثة أحاديث ضعيفة، فقلت: وبعد سنة ستقولون: ستة. هذا الحديث قال به نعيم بن حماد ، ونعيم بن حماد من شيوخ البخاري ويقال لهؤلاء: ما الفارق بين هذا الحديث وبين قول الله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]؟ يخرجان من مشكاة واحدة، لكن هناك وحي متلو وهنا وحي غير متلو، وهب أن فيه شيء من الضعيف، هب على التسليم لك، فله ما يشهد له من النصوص في القرآن والسنة ما لا حصر له، فاتق الله في نفسك، إذا قال شيخ الإسلام الإمام النووي : روي هذا بإسناد صحيح، فليسكت من بعده؟ يعني: من يقول بعد ذلك: هذا الحديث إسناده ضعيف، ويحتج به أو لا يحتج. وأما من ناحية من يعترض على الحديث ممن تقدم وممن هو حاضر في هذا العصر، وما هو المعتمد في هذا الحديث إن شاء الله.فهذا كلام الإمام النووي عليه رحمة الله في كتابه الأربعين النووية، وأقول: الأربعين النووية يحفظها الطلبة ليس في الابتدائي، كانت تحفظ للطلبة الذين هم دون المرحلة الابتدائية، ويقرءون هذا الحديث: رويناه بإسناد صحيح، فيأتي يقول: أنى له الصحة وفيه نعيم بن حماد ؟! إذاً: يصح من الله التحية والإكرام لنبيه عليه الصلاة والسلام ولا يصح منه الانقياد والاستسلام والمتابعة له عليه الصلاة والسلام، ولذلك أضاف الصلاة إلى نفسه وإلى ملائكته، وأمرنا بالنسبة لنا أن نصلي وأن نسلم عليه، فإن قيل: السلام يحتمل تحية وإكرام ويحتمل المتابعة والانقياد، نقول: كل منهما مراد منا نحو نبينا عليه الصلاة والسلام.
 حديث معاذ من جهة المعنى
والإمام الألباني نقل عن الإمام ابن الجوزي في: (881) وقد عده من جملة العشرة الذين ضعفوا الحديث يقول: ولما أنكر ابن الجوزي صحة الحديث.وأتبع ذلك قوله: وإن كان معناه صحيحاً. يقول: الحديث فيه ضعف من حيث الإسناد، لكن معناه صحيح، ولم يعلق على هذه الجملة. وأقول: هو صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص، وهذا مما لا خلاف فيه، ولكنه ليس بصحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن، وإنزاله إياه معها منزلة الاجتهاد منهما. فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يأخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب كما دل عليه هذا الحديث.وهذا التفريق بينهما مما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معاً وعدم التفريق؛ لأن الأدلة وإن كانت جميعاً صحيحة معتبرة فهي متفاوتة من حيث القوة والترتيب، فتقدم معنا: أولها: الإجماع، ثانيها: نص المتواتر أي: كتاب وسنة، ثالثها: سنة أحادية، رابعها: قياس يلحق أمر حادث لأمر سبق لوجوده في العلة الشرعية التي دل عليها بقرآن أو سنة، وهذا مما لا خلاف فيه عند أئمتنا في مراتب الأدلة.وأما معنى حديث معاذ فلا أعلم حوله خلافاً، لو لم يثبت هذا اللفظ فمعناه معتبر عند أئمتنا قاطبة، وذكرت كلام أبي بكر وعمر وكلام ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فيما يقرر هذا: نقضي بما في كتاب، ثم بما في سنة رسول الله، ثم بما قضى به من قبلنا من الصالحين، ثم نجتهد بعد ذلك ونحترز ونتقي الله في اجتهادنا.
فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
إن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام التي يحصلها طالب الحديث، وينفرد طالب الحديث بهذه المنقبة عندما يدرس هذا العلم الشريف؛ أي: بكثرة الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه الصلاة التي يحصلها لها فوائد كثيرة، منها:ما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، والحديث في السنن الأربعة، وهو في أعلى درجات الصحة، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً )، فصلاة الله على عباده: رحمته لهم، وصلاته على نبيه: الثناء عليه في الملأ الأعلى.إذاً: إذا صليت على النبي عليه الصلاة والسلام صلاة واحدة تعطى عشر رحمات من واسع الرحمة والمغفرة من رب الأرض والسماوات. هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، يصلي عليكم: يرحمكم سبحانه وتعالى ويرأف بكم، فهو الرءوف الرحيم، وهذا أقل ما يحصل لمن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: عشر رحمات ويحصل عشر صلوات من رب الأرض والسماوات، هذا أقل شيء، وإذا حصل في القلب تعظيمٌ كثير للنبي الأمين عليه الصلاة والسلام، وحب له، وتعلق به فالحسنات تتضاعف، لكن أقل الجزاء: الحسنة بعشر أمثالها، ثم تتضاعف الحسنة على حسب ما يكون في قلبك من تعظيم لله وإجلال لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد -بسند صحيح كالشمس- من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر )، يعني: إن شئت أن تستقل وإن شئت أن تستكثر، فإن استكثرت فلنفسك، وإن استقللت فلنفسك، فإذا صلى الإنسان على النبي عليه الصلاة والسلام يصلي الله عليه وملائكته سبعين صلاة، فلو قرأ طالب الحديث في اليوم مائة حديث، وفي النهاية ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث مرات، كم يحصل له إذاً من الخيرات والبركات عندما يتدارسون حديث خير البريات عليه الصلاة والسلام؟
 فضيلة الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
إن الإنسان إذا أكثر من الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام يحصل الخيرات التي لا تخطر بالحسبان، وإذا أردت أن تحصل خيراً زائداً فزد من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وبمقدار زيادتك يزيدك الله من فضله وإحسانه وبره ومعاونته وتوفيقه، ويتولى أمرك ويغفر ذنبك، ويفرج كربك من حيث لا تحتسب، ولذلك ثبت في المسند وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم من حديث أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم كل ليلة إذا مضى ثلثا الليل، فينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس! اذكروا الله -مرتين- يا أيها الناس! اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، فقال أبي بن كعب : يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي )، أي: من وقتي الذي أجعله لمناجاة ربي وذكره وحمده واستغفاره، كم أجعل لك من صلاتي؟ يعني: لوردك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما شئت، قال: الربع؟ ) يعني: ربع الوقت صلاة وسلاماً عليك، وثلاثة أرباع الوقت الذي خصصته للذكر أجعله لذكر الله، قال: ( ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: فالثلثان؟ ) أجعل لك ثلثي وقتي الذي أذكر الله فيه وأدعوه؟ ( قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك صلاتي كلها )، أي: الوقت الذي أصلي فيه بمعنى: أدعو فيه ربي وأستغفره وأذكره وأسبحه، وليس معناه: أصلي وأهدي لك الصلاة، أجعل لك صلاتي كلها، يعني: الوقت الذي أجعله من دعاء الله ومناجاته، أجعله صلاة وسلاماً عليك، يقول الإمام ابن القيم في جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام نقلاً عن شيخه شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمات رب البرية: ( كان لـأبي بن كعب ساعة في الليل يناجي فيها ربه، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: كم أجعل لك من تلك الساعة صلاة وسلاماً عليك ) بدل مناجاة الله وذكره ودعائه؟ ( فقال: إذاً: أجعل لك صلاتي كلها )، يعني: هذه الساعة التي خصصتها لمناجاة الله كلها تكون صلاة وسلاماً عليك، على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذاً: يغفر الله لك ذنبك، ويكفيك همك )، إذا جعلت هذا الوقت كله في الصلاة والسلام علي، فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.هذه الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام يحصل الإنسان بسببها كما قلت الخيرات الحسان العظام.
الأوقات التي تشرع فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
وقد ذكر العلماء أوقاتاً كثيرة يتعين على الإنسان فيها أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، ووجد إلى ذلك، أي: أنزل به في أوقات متعددة جمعها الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا الكتاب حقيقة ينبغي أن يقرأه كل مسلم؛ أن يقرأه لنفسه وأن يقرأه على أهله، فهو يحب أن يثني على نبيه عليه الصلاة والسلام ويعلق قلبه بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ فيكثر من الصلاة والسلام عليه على الدوام عليه الصلاة والسلام.وكنت ذكرت لكم أنه بعد هذا الكتاب هناك كتاب آخر، وهو للإمام السخاوي : القول البديع في الصلاة والسلام على الحبيب الشفيع عليه الصلاة والسلام، والإمام السخاوي هو صاحب فتح المغيث في شرح ألفية الحديث، وصاحب كتاب المقاصد الحسنة والضوء اللامع وغير ذلك، وغالب ظني أنني وهمت في الموعظة السابقة أو التي قبلها فقلت: في سنة: (802) في غالب ظني، وهو قد توفي سنة: (902هـ)، وقلت: بينه وبين الإمام ابن القيم عليه رحمة الله قرابة خمسين سنة فضيفوا إليها مائة وخمسين سنة، رحمهم الله جميعاً والمتقدم الإمام ابن القيم توفي سنة: (751هـ)، والإمام السخاوي : (902هـ)، يعني: بينهم مائة وواحد وخمسين، عليهم جميعاً رحمة الله. فكتاب السخاوي هو: القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، على نبينا صلوات الله وسلامه، فاحرصوا على شراء هذين الكتابين مع كتاب الأذكار حلية الأبرار وشعار الأخيار في الأذكار المستحبة آناء الليل وأطراف النهار، وكان أئمتنا الكرام يقولون: بع الدار واشتر الأذكار، وسفهاء هذه الأمة في هذه الأيام حرقوا مكتبة لأنها تسمى باسم الإمام النووي. وقد قال لي مرة بعض السفهاء في مدينة خير الأنبياء عليه الصلاة والسلام: النووي متمذهب لا يؤخذ بكلامه، نعوذ بالله من تضليل آخر الأمة لأولها. يقول أئمتنا: كان في الإمام النووي عليه رحمة الله ثلاث خصال لو وجدت واحدة في عالم لشدت الرحال إليه:أولها: العلم الغزير، التحقيق الوفير، العلم بأدلته، وكتابه المجموع لو أكمله في الفقه لما احتاج طالب علم إلى كتاب في الفقه غيره؛ لما يبسط من الأقوال والأدلة والتحقيق والتنقيح علم غزير.ثانيها: خشية من الله الجليل، وزهد في هذه الحياة الدنيا؛ عبادة، تقى، خشية، زهد، ورع.وأمر ثالث: دعوة إلى الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.هذه الأمور الثلاثة اجتمعت فيه: يسطع بالحق ولا يبالي بأحد، عابد قانت لله، عالم محقق، فلو وجدت من هذه الخصال واحدة في واحد لشدت الرحال إليه، ولوجب الاقتداء به في هذه الخصلة. ثم بعد ذلك تحرق مكتبة تسمى باسمه! بحجة أن هذه دعوة للمذهبية، يعني: المذهب الشافعي ، أوليست دعوة إلى شريعة الله الحقة العلية؟ لأن محمد بن إدريس الشافعي لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين.المهم: نعود إلى درسنا فنقول: الذي يكثر من الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام يحصل له الخيرات الحسان، وهذه كلها المواطن التي تشرع فيها الصلاة وجوباً أو ندباً انظروها في كتاب جلاء الأفهام، وفي كتاب القول البديع، وفي كتاب حلية الأبرار وشعار الأخيار في الأذكار المستحبة في آناء الليل وأطراف النهار لشيخ الإسلام الإمام النووي .أقول لكم: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17]، كم من كتاب ألف في زمن الإمام النووي إلى الآن، أين هو؟ في خبر كان، وكتبه مع القرآن الكريم، في الفقه والحديث، مثل كتاب رياض الصالحين، حيث لا أعلم كتاباً على وجه الأرض طبع أكثر مما طبع هذا الكتاب إلا القرآن الكريم، يليه الأذكار.ولما ألف الإمام مالك موطأه، قيل له: قد ألف في الموطآت فماذا ينفع موطؤك؟ قال: لتعلمن من أريد به وجه الله، أين الموطئات التي ألفت في زمنه؟ هذه عناية ربانية. توفي الإمام النووي في ستمائة وستة وسبعين، يعني: أكثر من سبعة قرون، وكتبه بيننا كأنه حاضر.نقول: المواطن التي تشرع فيها الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وجوباً أو ندباً انظروها في هذه الكتب، وسأقتصر على ثلاثة مواطن من باب العناية بها، فهي ضرورية:
 الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة
الموطن الثالث الذي ينبغي أن نعتني به وأن نحرص على إيقاع الصلاة والسلام فيه، على نبينا عليه الصلاة والسلام: في أفضل أيام الأسبوع وهو يوم عيد المسلمين يوم الجمعة، فهو يوم عيد وسرور، فينبغي أن نذكر فيه أحب حبيب إلينا، وأفضل خلق الله عليه الصلاة والسلام، ونكثر من الصلاة والسلام في هذا اليوم، فهو يوم عيد، يوم فرح، ويوم سرور، يوم بشر، وهذا العيد حصل لنا ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، إذاً: ينبغي أن ننوه بقدره وفضله وأن نصلي ونسلم عليه صلوات الله وسلامه عليه، وقد حثنا نبينا عليه الصلاة والسلام على هذا الأمر، ففي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، والحديث صحيح أخرجه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم وصححوه، وأخرجه الشيخ القاضي الصالح: إسماعيل الجهضمي كما تقدم معنا في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأخرجه الإمام الدارقطني في السنن، من حديث أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، وفيه تقوم الساعة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم علي معروضة فيه )، وقوله: (فإن صلاتكم معروضة)، يعني: تعرض علي في يوم الجمعة عرضاً خاصاً ليس كبقية الأيام، ( فقال الصحابة الكرام: وكيف تعرض عليك صلاتنا يا رسول الله! وقد أرمت؟ ) يعني: بليت، نخرت عظامك وتفتت جسدك. ( قال عليه الصلاة والسلام: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء )، أرمْتَ، وضبطت: أرمَّتْ، (كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمَّتْ)، يعني: أرمت عظامك، وبلي جسدك، وضُبط: (وقد تُرمِّت)، يعني: العظام منك وبليت، فقال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء. والحديث صححه عدد من الأئمة. والإمام النووي في الأذكار يقول: روينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة.وقد قال لي بعض الناس في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، عندما ذكرت هذا الحديث قال: من صححه؟ قلت: الإمام النووي شيخ الإسلام، قال: متمذهب لا يؤخذ بكلامه، قلت: دعني منه، الإمام ابن خزيمة وابن حبان ، والحاكم والترمذي ، أما تتقي الله في كلامك!فيوم الجمعة ينبغي أن نكثر فيه من الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد روى الإمام ابن ماجه عن أبي الدرداء نحو حديث أوس بن أوس هذا رضي الله عنهم أجمعين.
حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك
والإنسان إذا سمع النبي عليه الصلاة والسلام يذكر فينبغي عليه وجوباً -على المعتمد- أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذي لا يفعل هذا فقد عصى وأساء، ولم يقم بالواجب، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي ، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وصححه ووافقه عليه الذهبي ، ورواه الشيخ الصالح إسماعيل الجهضمي ، من رواية الحسن بن علي رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ).والحديث رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة عن أبي ذر بلفظ: ( إن أبخل الناس من ذكرتُ عنده فلم يصل علي )، وهو يدل صراحة على وجوب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام عند ذكر اسمه، ووجه ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن من لم يصل عليه عليه الصلاة والسلام عند ذكر اسمه فهو بخيل، والبخل في الشرع: منع الحق الواجب، ولا يطلق البخل إلا على من منع حقاً واجباً، ولذلك من أدى الحق الواجب فليس ببخيل، مع أنه ليس بكريم أيضاً؛ لأن بين البخل والكرم واسطة، وهي: أداء الحقوق؛ فمن أدى الحق الواجب فهذا ليس ببخيل، أما الكرم فلا يتصف به إلا إذا قام بشيء مندوب إليه مرغب فيه، وهذا بخلاف العدل والظلم، فمن ليس بظالم فهو عادل قطعاً وجزماً؛ لأن العدل فريضة، أما الكرم فليس بفريضة، بل هو حسن خلق، ومنقبة ومكرمة وفضل، فأداء الحق يخرجك من الظلم، والزيادة على الحق ترفعك إلى الكرم.إذاً: أقل ما يجب عليك أن تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام إذا ذكر، وإذا لم تفعل فأنت بخيل، ثم يندب لك أن تتعلق به وأن تكثر من الصلاة والسلام عليه -عليه الصلاة والسلام- على سبيل القربة والندب، بقلب محب متعلق، أما إذا لم تفعل هذا ففيك جفاء وبخل وتقصير نحو خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.وقد ثبت في معجم الطبراني الكبير والحديث في درجة الحسن، من رواية الحسين بن علي أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ذكرت عنده فخطئ الصلاة علي فقد خطئ طريق الجنة )، من ذكرت عنده عليه صلوات الله وسلامه، وفداه أنفسنا وأرواحنا وآباؤنا وأمهاتنا فخطئ، أي: أخطأ الصلاة عليه، وما سطرت منه الصلاة فقد خطئ طريق الجنة، وهو دليل على وجوب الصلاة عليه أيضاً.وفي سنن ابن ماجه من رواية ابن عباس ، والحديث فيه جبارة بن المغلس توفي سنة: (241هـ)، وفيه ضعف كما قال الحافظ في التقريب، لكن للحديث شواهد، وهو يوجد في كتاب فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في كتاب الشيخ إسماعيل الجهضمي من طريق الكمي الباقر ، مرسلاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند قول الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وهذا الحديث أي: الذي في سنن ابن ماجه وفيه جبارة بن المغلس أحد رواته، يتقوى بهذا المرسل، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من نسي الصلاة علي فقد خطئ طريق الجنة )، يعني: أخطأها ولم يصبها.إذاً: إذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن نصلي ونسلم عليه صلوات الله وسلامه عليه. يقول الإمام الصرصري ، وهو يحيى بن يوسف الصرصري ، وهو الذي نظم عشرين مجلداً في مدح النبي عليه الصلاة والسلام. ومدحه من المستحبات ومن القربات التي يتقرب بها الخلق إلى رب الأرض والسماوات، فامدح النبي عليه الصلاة والسلام، ودع الغلو والإطراء وقل ما شئت:دع ما ادعته النصارى في نبيهمُواحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكمفهو خير خلق الله وهو أفضل خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، فما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً أكرم عليه من نبينا عليه الصلاة والسلام.وإياك والغلو أن ترفعه إلى درجة الألوهية، ثم قل ما شئت في مدحه عليه صلوات الله وسلامه في خلقه وحسن معاملته وشرف نسبه، وعلو درجته عند ربه، والمنزلة التي ينالها عند الله، قل ما شئت في هذا.والإمام الصرصري غالب ظني توفي سنة ستمائة وكسور، ستمائة وستة، يقول:من لم يصل عليه إذ ذكر اسمهفهو البخيل وزده وصف الزبالوإذا الفتى في العمر صلى مرةفي سائر الأزمان والأوقاتصلى عليه الله عشراً فليزدعبد ولا يجنح إلى نقصانِعلى نبينا صلوات الله وسلامه.وهذه الأحاديث دليل كما قلت على وجوب الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام إذا ذكر. وإلى هذا ذهب الإمام الطحاوي والإمام الحلمي ، وهو فيما يظهر أرجح الأقوال، وقد حكى الإمام الترمذي في سننه عن بعض أهل العلم عند الحديث المتقدم: ( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي )، أنه إذا صلى عليه في المجلس مرة واحدة أجزأه؛ لحديث: ( ما من قوم يجلسون مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا فيه على نبيهم عليه الصلاة والسلام إلا كان عليهم حسرة )، فيقول: إذا صدرت من الإنسان الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام في المجلس مرة واحدة أجزأه ولا يجب عليه أن يصلي عليه عليه صلوات الله وسلامه كلما ذكر.والذي يظهر أن القول الأول أسعد بدلالة الأحاديث على أنه ينبغي أن يصلى على النبي عليه الصلاة والسلام كلما ذكر؛ ليخرج الإنسان عن وصف البخل. هذان القولان معتبران، وهناك قول في منتهى الشذوذ والبعد، حكاه القاضي عياض ، ونقله الإمام ابن كثير في تفسيره عند الآية المتقدمة: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]: هو أنه يجب على الإنسان أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام مرة واحدة في عمره، ولا يجب عليه بعد ذلك! وهذا القول في منتهى البعد والبطلان، نسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله وهو أحد القولين عند الحنابلة، وقد رد هذا القول بأن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام واجبة في القعود الأخير في التشهد الأخير، إذا لم يفعلها المصلي لا تصح صلاته، فكيف يقال إذاً: إنها تجب في العمر مرة واحدة؟ثم إن هذه الصلاة التي نصليها على نبينا عليه الصلاة والسلام تبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، وعندما تبلغه يرد عليها، لكن حولها كلام في كتاب سير أعلام النبلاء في بيان ما يتعلق بهذه القضية عند قصة ذكرها فليراجع، ومفاده أن الصلاة التي نصليها على نبينا عليه الصلاة والسلام، والسلام الذي نسلم به على نبينا عليه الصلاة والسلام يبلغ ذلك السلام وتلك الصلاة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويسمعها في قبره الشريف عليه الصلاة والسلام، ويرد علينا نبينا صلى الله عليه وسلم، مع صلاة الله لنا، وصلاة الملائكة لنا.نسأل الله إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، ونسأله أن يرزقنا حبه وحب نبيه عليه الصلاة والسلام.وأن يجعل حبه وحب نبيه صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغاراً.اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا.اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة
الموطن الثالث الذي ينبغي أن نعتني به وأن نحرص على إيقاع الصلاة والسلام فيه، على نبينا عليه الصلاة والسلام: في أفضل أيام الأسبوع وهو يوم عيد المسلمين يوم الجمعة، فهو يوم عيد وسرور، فينبغي أن نذكر فيه أحب حبيب إلينا، وأفضل خلق الله عليه الصلاة والسلام، ونكثر من الصلاة والسلام في هذا اليوم، فهو يوم عيد، يوم فرح، ويوم سرور، يوم بشر، وهذا العيد حصل لنا ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، إذاً: ينبغي أن ننوه بقدره وفضله وأن نصلي ونسلم عليه صلوات الله وسلامه عليه، وقد حثنا نبينا عليه الصلاة والسلام على هذا الأمر، ففي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، والحديث صحيح أخرجه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم وصححوه، وأخرجه الشيخ القاضي الصالح: إسماعيل الجهضمي كما تقدم معنا في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأخرجه الإمام الدارقطني في السنن، من حديث أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، وفيه تقوم الساعة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم علي معروضة فيه )، وقوله: (فإن صلاتكم معروضة)، يعني: تعرض علي في يوم الجمعة عرضاً خاصاً ليس كبقية الأيام، ( فقال الصحابة الكرام: وكيف تعرض عليك صلاتنا يا رسول الله! وقد أرمت؟ ) يعني: بليت، نخرت عظامك وتفتت جسدك. ( قال عليه الصلاة والسلام: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء )، أرمْتَ، وضبطت: أرمَّتْ، (كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمَّتْ)، يعني: أرمت عظامك، وبلي جسدك، وضُبط: (وقد تُرمِّت)، يعني: العظام منك وبليت، فقال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء. والحديث صححه عدد من الأئمة. والإمام النووي في الأذكار يقول: روينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة.وقد قال لي بعض الناس في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، عندما ذكرت هذا الحديث قال: من صححه؟ قلت: الإمام النووي شيخ الإسلام، قال: متمذهب لا يؤخذ بكلامه، قلت: دعني منه، الإمام ابن خزيمة وابن حبان ، والحاكم والترمذي ، أما تتقي الله في كلامك!فيوم الجمعة ينبغي أن نكثر فيه من الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد روى الإمام ابن ماجه عن أبي الدرداء نحو حديث أوس بن أوس هذا رضي الله عنهم أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net