اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [6] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من عجائب ما قيل في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور أنها نغم موسيقي أتي به للإطراب، وهذا القول إنما قال به من لا يوثق بعلمهم ولا يركن إلى دينهم، فإنهم مصابون بلوثات مكرية خبيثة، ومتأثرون بأعداء هذا الدين من المستشرقين، وأحوال هؤلاء تغني من عرفها عن البحث عن بطلان ما يقولونه في كتاب الله تعالى.
أمور الكمال الثلاثة: العلم والقدرة والغنى وإمكان وقوعها في الأمة
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، وأنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: أمور الكمال مردها لثلاثة أمور: علم: فيكاشف بما يخفى على غيره، قدرة: يمكن مما يعجز عنه غيره، غنى: يستغني عما يحتاج إليه غيره، ولإيضاح هذا أوضح كل نوع بمثال.
 مثال لما يكون فيه خارق العادة في جنس الغنى
خارق العادة فيما يتعلق بجانب الغنى: أن يستغني عما يحتاج إليه العباد، كيف هذا؟ العباد بحاجة إلى طعام وشراب، ولا يستغني أحد من البشر عن ذلك قد يجعل الله بعض عباده مستغنياً عن ذلك، وهو على كل شيء قدير، وقد وقع هذا.ذكر الإمام الذهبي في ترجمة العبد الصالح إبراهيم التيمي، والقصة في تذكرة الحفاظ (1/73)، توفي إبراهيم التيمي وما أكمل أربعين سنة عليه رحمة الله، وكان يقول: كم بينكم وبين القوم، أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فتبعتموها.وكان يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون بتكبيرة الإحرام فاغسل يدك منه.وبلغ من شهامته ومروءته أن شرطة الحجاج العبد المخذول عامله الله بما يستحق، وقد أفضى إلى ما قدم، ولا أحد يتعصب لأهل الباطل، فيقول: ما فائدة التجريح؟ فالحب والبغض أوثق عرى الإيمان، يقول الذهبي عليه رحمة الله، عندما ترجم الحجاج (4/343) الذي قصمه الله سنة (95هـ)، بعد أن ترجمه يقول: نسبه ولا نحبه، ونُبغِضُهُ في الله، فإن الحب في الله والبغض فيه أوثق عرى الإيمان، له حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، فإذاً نحب من أطاع الله ونُبغِض من عصى الله، ليس موضوع تجريح.أرسل الحجاج شرطته في طلب إبراهيم النخعي وكان شيخاً كبيراً طاعناً في السن، فطلبت الشرطة إبراهيم النخعي، فقيل: في المسجد، فقام إبراهيم التيمي ليقدم نفسه فداءً لـإبراهيم النخعي، وما خرج النخعي بعد ذلك حتى مات الحجاج متوارياً منه، فقال: أنا إبراهيم، فأخذه الحجاج وحبسه في الشمس حتى تغير وذبل، فجاءت أمه تزوره فما عرفته من تغير حالته حتى كلمها، إبراهيم التيمي صاحب الكرامات، حديثه في الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.ثم مات فرأى الحجاج في نومه قائلاً يقول له: مات في سجنك رجل من أهل الجنة، أما تتوب وتستحي من الله، فلما استيقظ سأل: من الذي توفي في السجن هذه الليلة؟ فقالوا: إبراهيم التيمي، قال: حُلمٌ من الشيطان، ألقوه على مزبلة، هذا الحجاج العبد المخذول، انظر لهذه المروءة وهذه الشهامة عند هذا العبد إبراهيم التيمي.يقول الذهبي في ترجمته: كان يمكث شهرين لا يأكل ولا يشرب.ليس في وسع الإنسان هذا، وهو محتاج إلى الطعام والشراب، فهذا خارق للعادة، وهو كرامة في جنس الغنى، يستغني عما يحتاج إليه العباد.وترجمه في سير أعلام النبلاء أيضاً، فقال: دخل عليه بعض قرابته فقذف له حبة عنب، فقال: منذ (40) يوماً لم أطعم، ثم أخذ هذه الحبة فلاكها في فيه ثم لفظها!هذه كرامة، وكون الإنسان يمكث شهرين لا يأكل ولا يشرب، هذا خارق للعادة، لكن كما قلنا: هذه كرامة.
تقرير ما وقع من إخبار ابن برجان بوقت فتح القدس على وجه الكرامة
والكرامة تقع في العلم، فيطلع الله بعض عباده على ما يخفى على غيره، وتقع في القدرة فيمكنه الله من فعل ما يعجز عنه غيره، وتقع في الغنى فيستطيع أن يستغني عما يحتاج إليه غيره، وعليه فما وقع من أبي الحكم بن برجان هو من باب الكرامة، ولا إشكال في ذلك مطلقاً.وأي غرابة أن يكرم الله ذلك العبد عبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان، الذي توفي سنة (536هـ)، وأن يخبره الله بأنه سيكون فتح بيت المقدس سنة (582هـ) في رجب، وحصل هذا، والله على كل شيء قدير، لاسيما كان هذا في عهد عبدين صالحين، العبد الأول وهو ملك بلاد الشام في ذلك الوقت، التابع للخلافة العباسية، من الذي يقال له شهيد وما استشهد، لكن حقق الله له أُمنيته كما يقول الذهبي، فلا ينطق أحد باسمه إلا وينعته بالشهادة، مع أنه مات على فراشه، نور الدين الشهيد ، ما أحد يقول إلا نور الدين الشهيد محمود بن زنكي، وهو شيخ وأُستاذ وأمير صلاح الدين الأيوبي، كان صلاح الدين الأيوبي من قواده ومن جنوده، وفتح الله على يد هذا العبد الصالح محمود بن زنكي التركي، وصلاح الدين الأيوبي الكردي بلاد مصر، بعد أن بقيت بلاد ردة وإلحاد ثلاثة قرون، من (270هـ) على يد العبيديين الملعونين الذين يُسمَّون بالفاطميين، ومؤسس الدولة في المغرب عبيد الله بن ميمون القدَّاح الذي ادعى أنه من آل البيت، وهو يهودي ربيب مجوسي، ثم ادعو الرفض وحقيقته الكفر المحض، من الذي قضى على تلك الدولة؟ صلاح الدين الأيوبي، في عهد محمود نور الدين زنكي، كان ذلك سنة (567هـ)، أي قبل وفاة محمود زنكي بسنتين، لأنه توفي سنة (569ه)، وأما صلاح الدين الأيوبي فامتدت حياته حتى فتح الله على يديه بيت المقدس، وتوفي سنة (589ه) بعد شيخه بعشرين سنة، وفتح بيت المقدس كان سنة (582ه)، أي: بعد فتح بيت المقدس بسبع سنين.وقد أعد نور الدين محمود زنكي منبراً، ونُجِّر في حياته، وجعله في بيته، من أجل أن يتم فتح بيت المقدس ليكون ذلك المنبر في المسجد الأقصى، لكن ما حقق الله أُمنيته، ومات قبل ذلك، فجاء بعد ذلك تلميذه وقائده العبد الصالح صلاح الدين الأيوبي فحقق ذلك، وأتى بذلك المنبر الذي عُمل في عهد نور الدين، وخُطِب عليه في (4 شعبان سنة 582ه)، وحقق الله تلك الكرامة لذلك الرجل الصالح محمود زنكي نور الدين. يقول علماؤنا: ما جاء بعد الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز خير للمسلمين منه، وكان يقول: وددت لو أن الله بعثني من بطون السباع وحواصل الطير! فأي مانع أن يكرم الله ذلك العبد الصالح في عهد إمارة هذا العبد الصالح بتلك المكاشفة وذلك العلم، وقد كان هذا العبد الصالح: محمود بن زنكي نور الدين يطلعه الله جلّ وعلا على بعض الأمور عن طريق الكرامات.
 التفريق بين الكرامات والمخاريق والحيل
نعم، ينبغي أن نفرق بين الكرامة وبين المخاريق والحيل، هذا لابد من التفريق بينه وبين الكرامات، فإنسان يعمل لنا مخاريق وشعوذة ويدجل ويلبس، هذا ليس بكرامة، ولعل الله جل وعلا يمد في الحياة لأتكلم على خوارق العادات، وعلى ما فيها من عظات، فما كان يجري من الحسين بن منصور الحلاج الذي قتل على الزندقة سنة (311ه)، خوارق للعادات لكن كلها مخاريق!وهكذا كان ما يجرى على يد العبد المخذول الثاني محمد بن تومرت الذي توفي سنة (524ه)، وهو الذي كان يلقب جماعته بالموحدين، وهم ضالون معطلون، فهم أول من أدخل التعطيل إلى بلاد المغرب، وكان يدعي أنه المهدي المعصوم المبشر به في الوحي المعلوم محمد بن عبد الله بن تومرت. بلغ من شطط الحلاج وهذا العبد المخذول أنهما يأخذان بعض الناس إلى المقبرة، فيدفنانه وهو حي، ثم يقولان له بواسطة مواطأة بينه وبين هذا المدفون: سنحضر الآن الأحياء، وأنا أقول إنني أحيي بعض الموتى، فإذا ناديتك فاخرج من قبرك وكلمني على أنك ميت وبعثت. ثم -كما قال الإمام ابن كثير -: من أعان ظالماً سلطه الله عليه، فكان يناديهم فبعد أن يخرجوا، ويقولوا نحن كنا أمواتاً وأنت أحييتنا وأنت وأنت، يعيدهم ويدس عليه التراب ويقتلهم، جزاءً وفاقاً، ومن أعان ظالماً سلطه الله عليه، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج:4]، هذه مخاريق، وهذه شعوذة، لا يجوز أن ندخل هذا الآن في شيء من الكرامات. وهكذا ما يقع أحياناً من حذق وفراسة وذكاء، ويخبر الإنسان ببعض الأمور عن طريق النظر في الأسباب العادية، هذا لا يقال له كرامة، وأنا أعرف بعض الناس ممن هو عادي، ولا أتهمه، فأقول: هذه ليست كرامة له، العلم عند الله، لكن مثل هذا ممكن أن يقال عن طريق الذكاء وعن طريق الفراسة، إذا كان عند الإنسان حذق ومهارة، بواسطة التأمل في الحوادث الواقعة، فقيل له: هناك طاغوت في بعض البلاد، هل ستطول مدته أو ستقصر؟ فقال: ستطول جداً، وأنا أذكر هذا الكلام، قاله من سنين طويلة لعلها تبلغ عشرين سنة أو أكثر، وواقع الأمر حصل هذا، فهذا إما كرامة ولا مانع، أو إما على حسب النظر في الأسباب العادية إذا كان عنده ذكاء وحذق.فلابد أيضاً من التمييز، ويمكن أن يكون هنا نظر، وهنا شيء من الحذق، فكان بعض المنجمين عندما يولد مولود، يقول: سيعيش كذا، على حسب أعمار الغالب؛ لأنه في الغالب سيعيش، فإذا عاش واحد فقط، يقولون: صدقت فراستك، لكنه لو مات مائة لا يقولون: كذبت فراستك، يحفظون ما يؤيد قوله ولا يحفظون ما يخالف هذا، فالأصل في هذا أنه سيعيش، والموت طارئ سيأتي على كل حي، لكن سيعيش إلى عمر أمثاله. إذا كان الأمر كذلك أرى أن الأمة مخدرة، وليس عند العباد في هذه الأوقات رجوع إلى رب الأرض والسموات، إذاً: هذا الطاغوت سيجلس مستريحاً دون مناوئة، وهذا إما عن طريق حذق والنظر في الأسباب التي يمكن أن يدركها الذكي، وإما عن طريق كرامة إذا كان رجلاً صالحاً، والعلم عند الله. إذاً: لابد من التفريق بين الكرامة وبين المخاريق والشعوذة، وبين ما يمكن أن يستنبط عن طريق الذكاء والحذق والفراسة الرياضية الطبيعية.
القول العاشر في معاني الحروف المقطعة أنها نغم تطرب له الآذان
القول العاشر: وهو آخر ما قيل في بيان معنى الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن الكريم، وكما قلت: الثامن والتاسع والعاشر كلها مردودة مرفوضة، أقوال لا يجوز القول بها، القول التاسع قلنا فيه شعبة من شعب الباطنية، وادعاء الكهانة وعلم الغيب.القول العاشر: قال به علماء محدثون في العصر المنحط، قالوا: إن معنى هذه الحروف المقطعة معلوم، ولا داعي لأن نبذل جهداً ووسعاً وكلفة في الوقوف على المراد منها، قالوا: هذه نغم موسيقى أودعه الله جلّ وعلا في كتابه لتطرب له الآذان، فهذا القرآن حوى جميع العلوم، ومن جملة هذه العلوم علم الموسيقى، وعليه عندما نأتي بـ الم [لقمان:1] نقول: لحن موسيقي، نغم موسيقي، الغرض من ذلك أن تطرب الأذان لسماع هذا النغم، هذا هو معناها، ولا يقصد منها غير ذلك. قال بهذا عبد الكريم الخطيب، في كتابه الذي سماه أيضاً -وهذه بلية- التفسير القرآني بالقرآن، وكان هذا رئيس قسم التفسير في الرياض، وكان يدرس علم التفسير وعلوم القرآن في الدراسات العليا، ولعل التعبير الأدق لها: سفلى!يقول: (الم) نغم موسيقي، يقرر هذا في كتابه (1/23-25) يقول: لا داعي للاجتهاد في البحث عن معناها، فهي مطلع موسيقي تقوم عليه وحدة النغم، في ترتيل آيات السورة، وكل حرف منها له نغم مستقل. وهذا القول قال به أيضاً عبد الرزاق نوفل، صاحب كتاب: معجزة الأرقام والترقيم في القرآن الكريم، وصاحب كتاب: أسئلة حرجة، وقد أفضى إلى ما قدم، أسئلة حرجة، وهل صدره سيكون حرجاً أو منشرحاً؟ العلم عند الله، أما كتبه فقد ملأها قاذورات وضلالات، يقول في هذا الكتاب وهو من أوله إلى آخره سفاهة وسخط، ولم يبن على دليل (معجزة الأرقام والترقيم): الحروف المقطعة لمَ كانت تسعة عشر حرفاً؟ لمَ سبعة عشر حرفاً؟ وهذا قاله قبله بعض المهووسين، فجاء هو وانتحله، وادعى أن المسألة لا زالت ذكرى، وهو أول من يبحث فيها، ويلفت الأذهان إلى الأرقام والترقيم، لكن المسألة ذكرت قبله وأنها هوس، قال به بعض الناس ورد عليه.يقول الرازي في تفسير سورة الفاتحة (1/ 178): إن قيل: لم خلت الفاتحة من سبعة أحرف، وهي: (الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء)؟ قال: لأن هذه الحروف مشعرة بالخزي والعذاب، والله يقول عن جهنم: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44]، فكل حرف من هذه الأحرف يشعر بعذاب، ففاتحة الكتاب سلمت من هذه الأحرف؛ للإشارة إلى أن من قرأ فاتحة الكتاب لا يدخل باباً من أبواب النار، ثم قال مقرراً هذا: الثاء من الثبور، والجيم من جهنم، والخاء من خزي، والزاي من الزفير والزقوم، والشين من الشقاوة، والظاء من لظى، والفاء من فراق. لكن يمكن أن نعكس عليك هذا، فنقول أيضاً: الحروف المذكورة في الفاتحة تدل على أسماء جهنم، وعلى الشدة والخزي والعار، فنقول لك: الذال تدل على الذلة، والغين تدل على الغواش، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41]، والنون تدل على النار، والحاء تدل على الحميم، والميم تدل على المهاد، أهذا بحث؟ أهذا تفسير أم هذا تكسير؟!الفاتحة خلت من سبعة أحرف لأن أبواب جنهم سبعة، هذه تشعر بالخزي، طيب ما الفارق بين الجيم والحاء؟ الجيم من جنهم والحاء من حميم، لم ذكرت الحاء ولم تذكر الجيم؟ هذا لا يقال، ولا يجوز أن ندخل العقل في غير مجاله، الكتاب من أوله إلى آخره كله حول هذا الهوس، ذكر الآيات، وجعل جزء الآية آية من أجل أن يوفق أنها تسعة عشر حرفاً أو سبعة عشر حرفاً؛ ليوفق بينها وبين آيات زعم أنها بهذه الأحرف، طيب، الآية لمَ لا تكملها من أولها، بل تأخذ جزءاً منها وتتلاعب؟
 معنى أن أبا موسى الأشعري أوتي مزماراً من مزامير آل داود
بعض الزائغين عملت له مقابلة، فقال: الموسيقى حلال، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لـأبي موسى الأشعري: (إنني استمعت إلى قراءتك، وقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، وهذا مما يدل على حل الموسيقى، ثم أخبر عن نفسه بأنه يطرب لفلانة وفلانة ويسمع لفلانة ولفلانة. أيها العبد المضل بعد أن كنت ضالاً: من الذي أباح لك أن تستمع لغناء المرأة، لو قلنا إن الموسيقى حلال، وعندك عود تضرب به في بيتك أو تضرب لك زوجتك، فمن الذي أباح لك أن تسمع لـأم جرثوم وشادية وبلية؟ من الذي أباح لك؟ أريد أن أعلم من الذي أباح لك أن تسمع للمغنيات الفاجرات؟ فكون الموسيقى كما تقول حلالاً، وتتلاعب بمدلولات النصوص هذا خذلان، خذلان ثان: أن تسمع للنساء، أوليس الغناء والموسيقى هو من الخضوع بالقول بالاتفاق؟ وهل المرأة عندما تغني يكون كلامها جزلاً فصلاً أو بترقيق وتمطيط، والله يقول للنساء عندما تكلم الرجال دون غناء: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب:32]، فماذا بعد الغناء والموسيقى من خضوع عندما تسمع لتلك الخبيثة؟ وتستدل بأن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه أوتي مزماراً من مزامير آل داود، نعوذ بالله من الخذلان وانطماس البصيرة!إخوتي الكرام! الحديث رواه الإمام أحمد، ورواه الشيخان في صحيحيهما، والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه وهو يقرأ القرآن في الليل، وقال له: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، ثبت في رواية المستدرك للحاكم (3/466) أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: (لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً)، والمراد من مزامير آل داود: أي أوتيت صوتاً حسناً كصوت نبي الله داود وأوتاره عندما كان يقرأ الزبور، قيل لذلك مزماراً: تشبيهاً له باللذة المطربة التي تقع في المزمار، لكن ما كان عند نبي الله داود مزمار.فالمراد مزمار من مزامير آل داود: أنك أوتيت صوتاً عذباً رطباً ندياً، كما كان لذلك العبد الصالح عندما يجلس ويقرأ الزبور في الصحراء، الطيور تظله من عذوبة صوته، فأوتيت صوتاً حسناً، كما أوتي ذلك العبد الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وليس المراد المزمار والموسيقى.ولذلك ثبت في الحلية عن أبي عثمان النهدي أنه قال: دخلت على أبي موسى الأشعري، فسمعته يقرأ القرآن، فكان صوته ألذ وأحسن من الصنج، والبربط، والناي.الصنج: حديدتان يضرب بهما، والبربط يقول العلماء: آلة تشبه العود.والناي: الزمارة.فصوته ألذ من هذه، أي: إذا كان أهل الفجور يتلذذون بهذه، والطبيعة الإنسانية تتلذذ بهذا، كما يتلذذ الإنسان بالزنا، فليس في هذا دليل على حله، وليست اللذة مقتضية للحل، كون الإنسان إذا سمع المزمار يطرب لا يدل على أنه حلال، كما أنه إذا زنا يلتذ، إنما صوت أبي موسى الأشعري ألذ من صوت العود والزمارة والصنج، كما ثبت هذا في الحلية عن أبي عثمان النهدي بسند صحيح.فإذاً ليس المراد: أنه كان عنده آلة يزمر بها، بل صوت حسن، يشبه صوت المزمار في الحسن والعذوبة. وبهذا ينتهي الكلام على الأحرف المقطعة في بعض سور القرآن، وأما تفسير سورة لقمان فسنتدارسه في الموعظة الآتية إن شاء الرحمن. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net