اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [4] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
تتميز الشريعة الربانية عن القوانين الوضعية بالإنصاف والعدل بين جميع المخلوقات، وهذا الاعتبار لا يوجد إلا في شريعة رب الأرض والسماوات التي حددت أنواع المعاملات في الحياة: معاملة الإنسان مع ربه، ومع نفسه، ومعاملته مع غيره من حيوان وجماد.
طرق المجرمين في الصد عن كتاب الله المبين
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.إخوتي الكرام! كنا نتدارس مقدمة لبدء تفسيرنا لآيات القرآن في دروس هذا العام، وهذه المقدمة قلت: إنها ستدور حول مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين للحيلولة بين عباد الله وبين كتاب رب العالمين، وقلت إخوتي الكرام: إن ذلك الكيد وتلك المؤامرات أخذت ثلاثة أشكالٍ في هذه الأوقات: الشكل الأول: دعا إلى إهمال كتاب الله جل وعلا وهجره ونبذه وراء الظهور. والشكل الثاني: فيه هذا المحتوى، لكنه صاغ ذلك الضلال بأسلوبٍ يخدع به كثيراً من الرجال من السذج والدهماء والعامة، فدعا إلى فصل الدين عن السياسة بحجة أن الدين شيءٌ عظيمٌ جليلٌ كريم، ينبغي أن يكون محله القلوب، ولا ينبغي أن يتدنس هذا الدين في ظاهر الحياة، فهو معالم وجدانية بين البشرية مع رب البرية. والشكل الثالث الذي أراد أن يجعل الكفر البواح المنتشر في هذه الحياة: أراد أن يجعل ذلك إيماناً وهدى ورشاداً، فالدعوة الأولى دعوةٌ إلى الكفر صريحةٌ مكشوفة، والثانية دعوة المنافقين، والثالثة أدهى من الدعوة الثانية وألعن، حيث أرادت أن تجعل شرع الشيطان شرعاً للرحمن. والدعوات الثلاث كلها مآلها إلى شيءٍ واحد وهو الحيلولة بين الناس وبين هذا القرآن المجيد الذي أنزله ربنا جل وعلا على نبينا محمدٍ عليه صلوات الله وسلامه، لكن عتاة البشر نوعوا تلك الدعوات والمؤامرات، حتى إذا فشلوا في واحدةٍ من دعواتهم اصطادوا العامة والمغفلين بدعوة أخرى.إخوتي الكرام! قلت: إن الدعوة الأولى إلى نبذ القرآن وإهمال القرآن وهجره وطرحه وراء الظهور لن ننشغل في مناقشتها فكفرها معلومٌ بالضرورة لكل موحد، على أن في الرد على الفرقة الثانية ردٌ عليهم، وأما الفرقة الثانية فهذه حقيقةً خدعت كثيراً من الناس عندما قالت لهم: إن هذا الدين شيءٌ عظيمٌ، لكن ينبغي أن يبقى بينكم وبين رب العالمين، ولا دخل لهذا الدين في شئون الحياة، فينبغي أن نفصل الدين عن السياسة، وأن نعزل الدين عن الحكم، فالدين شيءٌ عظيم محله القلب، بين الناس وبين ربهم، فخدع كثيرٌ من الناس بهذا. وقد بينت إخوتي الكرام أن الدعوة إلى ذلك كفرٌ بواح، وبينت خطورة فصل الدين عن السياسة، وقررت أن هذه الدعوة الملعونة لم يقل بها أحدٌ من الحكومات الإسلامية الماضية عندما كانت الحكومة حكومةً شرعيةً إسلاميةً منذ أن أسسها نبينا عليه صلوات الله وسلامه إلى أن قضي على آخر خلافةٍ إسلاميةٍ، وهي الخلافة العثمانية سنة ألفٍ وثلاثمائة وثلاثٍ وأربعين! ما ادعت حكومةٌ من تلك الحكومات مدة أربعة عشر قرناً فصل الدين عن الحياة.. فصل الدين عن السياسة؛ لأن هذا كفرٌ بواح. وقلت إخوتي الكرام: إن فصل الدين عن السياسة وعن الحكم أخطر من فصل الدين عن الأمة، ثم بينت أن الحكومة التي تدعي الإسلام إذا فصلت نفسها عن الإسلام وفصلت الإسلام عن السياسة فهي مرتدة، وبالتالي فهي أخبث من الحكومة الأجنبية، وقررت هذا إخوتي الكرام بالأدلة المعتبرة المرضية، ثم ختمت المبحث؛ بأنه إذا كانت مسألة فصل الدين عن السياسة في تلك الشناعة وفي تلك الصورة من القبح والرذالة فينبغي أن نعلم المميزات التي في شريعة رب الأرض والسماوات وتدعونا تلك المميزات للأخذ بمحكم الآيات ونبذ القوانين الوضعية، لنعلم أن الذين يدعون إلى فصل الدين عن الحياة يريدون من ذلك الفصل أن نقع وأن نصل وأن نهوي إلى قاع البحر، لا يريدون بنا خيراً لا في هذه الحياة ولا بعد الممات.
 

مميزات الشريعة السماوية عن القوانين الوضعية
ولذلك قلت إخوتي الكرام: إنه يوجد في شريعة الرحمن في هذا القرآن خمسة أمور لا توجد في تشريعٍ آخر من التشريعات والقوانين البشرية الوضعية الوضيعة: ‏
 أسس التشريع التي يتحقق بها العدل والإنصاف بين المخلوقات
وأسس التشريع التي يتحقق بها العدل والإنصاف بين المخلوقات والسلامة في هذه الحياة ثلاثة إذا خلا نظامٌ منها فهو نظامٌ عاطل فاسد يشقي الناس في الدنيا، ويهلكهم في الآخرة، أولها: المحافظة على الضروريات، وهي المسماة بدرء المفاسد، وكل نظامٍ لا يحافظ على هذا فالحياة معه حياة غابة. والضروريات الست كما يقول علماؤنا لا بد من المحافظة عليها، وقد حافظ عليها كتاب ربنا بأقوم طريقٍ وأعدله: - المحافظة على الدين، فلا يصلح أن نترك الناس بلا دينٍ يعيشون فوضى، يعبدون حجراً أو بقراً أو شجراً أو ذكراً. - المحافظة على النفس، فمن قتل يقتل: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]. - المحافظة على العقل، فلا مسكر، ولا مخدر، ولا هوى، ولا تقييد أعمى. - المحافظة على العرض. - المحافظة على النسل. - المحافظة على المال. هذه الضروريات الست، لا تصلح الحياة بدونها، وقد حافظ عليها كتاب ربنا بأقوم طريقٍ وأعدله، فالأموال لا تؤخذ إلا من طريقٍ حلال، ومن سرق تقطع يمينه، لا يسجن فالسجن لا يردعه، وهكذا المحافظة على الأعراض إذا زنى وهو محصن يرجم حتى يموت، وإن كان بكراً يجلد مائةً ويغرب سنة، المحافظة على الأنساب، المحافظة على العقول، المحافظة على الأنفس، المحافظة على الدين، وهذه ضروريات تسمى بدرء المفاسد عن الحياة، والتفريط فيها يجعل الناس في حكم الغابات. الأمر الثاني: جلب المصالح، فالأولى كما قلنا: ضروريات تسمى بدرء المفاسد، والثانية: حاجيات يحتاجها المخلوقات، وهي تحصيل المصالح لهم، أن نفتح أمامهم كل طريقٍ يحصل لهم خيراً وسعادةً ومغنماً ورزقاً في هذه الحياة، وهذا الذي فعله ربنا جل وعلا في شرعه، سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، والأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم دليل الحظر، فالبيع حلال بجميع صوره إلا أن يقوم دليلٍ على تحريم نوعٍ من أنواع المعاملات من الربا، من بيع عينة، من شركاتٍ فاسدة، من من من ما عدا هذا حلال، جميع الأنواع بعد ذلك المعاملات من زراعةٍ وتجارةٍ وصيدٍ وزراعةٍ وغير ذلك كلها حلال، تجارة، مضاربة، عمل، فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15]، حاجيات مصالح، ضروريات درء المفاسد.أيضاً: هناك تحسينيات -وهو الأمر الثالث- الجري على مكارم الأخلاق، أن نحض على الأخلاق النبيلة الفاضلة، فكما أننا نأمر بالعدل نحث بعد ذلك على الفضل، فلا أقل من العدل، والأحسن الارتفاع إلى درجة الفضل، ثم هذه التحسينيات الجري على مكارم الأخلاق، أن تعفو عمن ظلمك، وأن تسلم على من لقيته، وأن تبش في وجهه. هذه كلها تربط بين الأمة كما يربط العصب بين أجزاء البدن.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net