اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة شرح كتاب الفوائد [15] للشيخ : عمر عبد الكافي


سلسلة شرح كتاب الفوائد [15] - (للشيخ : عمر عبد الكافي)
إن أقرب الأبواب للوصول إلى الله عز وجل هو باب الذل الذي يؤدي إلى أن ينظر الله إلى العبد بعين الرحمة فيجعله من المفلحين، ويجعل روحه في خفة ونشاط للعبادة تسمو إلى الملأ الأعلى، بخلاف المعرض على الله الذي ليس له هم إلا كثرة الأكل والشرب والنوم فتقل عبادته وتثقل روحه.
أقرب الأبواب إلى الله عز وجل
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.أما بعد:فمرحباً بكم، كما كان يرحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحابته، ولنا فيه قدوة حسنة، وكان كلما التقى بالصحابة يقول: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى ولا آثمين، فكان مبشراً صلى الله عليه وسلم وما كان منفراً، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وكان عليه الصلاة والسلام دواءً وشفاءً للعليل، وكان الطبيب والحبيب صلى الله عليه وسلم، وكان دائماً يقول: (ما يشاك أحدكم بشوكة إلا وأجد ألم ذلك في قلبي). وعندما نزل قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5]، كان يقول: (يا رب! وأنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار)، وكان الله عز وجل يقول له ولجبريل: (يا جبريل نبئ محمداً أننا لن نسوءه في أمته، وسوف نرضيه فيهم)، وكان يقول: (ماذا أعطاني ربي يا جبريل؟ قال: إن الله حرم النار على كل من قال لا إله إلا الله).فهذه كلها مبشرات، ولقد كان صلى الله عليه وسلم كما قال فيه ربه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن معشر الأنبياء ما ورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا علماً يتعلمه الناس) فنحن مع واحد من هؤلاء الذين ورثوا ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية ، وإذا كان التلميذ هكذا، فما بالنا بأستاذه.مرة من المرات كان ابن القيم يمشي على النهر، فسأله أحد تلاميذه: ماذا أعمل بذنوبي، فأنا أذنب وأتوب، ثم أعود فأذنب وأتوب، فماذا أفعل؟ فكانت إجابته كتاباً بأكمله وسماه كتاب (الفوائد).وكان ابن قيم الجوزية رضي الله عنه تلميذ شيخ الإسلام ، وكان له جملة طيبة يقولها وهي: أردت أن أدخل على الله، فطرقت الأبواب، فوجدت على كل باب كظيظاً من الناس.ومعنى: كظيظاً أي: أن الأبواب مزدحمة، فكانت نظرة الصالحين أن هناك ازدحاماً على فعل الخير، وهذه كانت وجهة نظره، لكن لو كان منحرفاً لقال: لا يوجد من يعمل خيراً في هذا الزمان؟ لكن ابن القيم كان يرى الصورة الطيبة في المجتمع.قال: فطرقت باب الذل فوجدت عليه قليلاً من الناس، فوجدته أقرب الأبواب إلى الله عز وجل، ثم ذكر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123]، فإجابة الدعاء تأتي للعبد كلما ذل.ولذلك: رب معصية أورثتك ذلاً وانكسارا، خير لك من طاعة أورثتك عزاً واستكباراً.أي: كلما أذنبت واستحيت من الله أكون ذليلاً وخاضعاً، وأتوب وأبكي، وأحشر نفسي مع الصالحين، ومع أهل العلم، وفي مجالس الذكر، وهو أفضل من أن أعمل طاعة، وإن عملت فربما يأتي أحد لينصحك وترد عليه بقولك: أنا أصلي الصلاة في وقتها، وأزكي الزكاة في وقتها، وأقوم الليل، وبيني وبين الله أعمال وأسرار، فلا داعي لأن تنصحني.ومن يقول هذا فلا أظن أن بينه وبين الله عماراً، وإلا لما خرب على المدى الخاص والعام، نسأل الله أن يعمر قلوبنا بذكره، وأن يتولانا وإياكم برحمته.وسوف نقرأ اليوم ثلاث فقرات من كتاب الفوائد لـابن قيم الجوزية ، فنقول:
 

ما خلق منه آدم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ خلق بدن ابن آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما ].نحن نعلم أن الله عندما خلق أبانا آدم أمر جبريل أن يأتي له بقبضة من بقاع الأرض، فجاء جبريل بقبضة من بقاع الأرض كلها، فإذا اعتبرنا الأرض مثلاً قارات: فهو أخذ من أفريقيا قبضة ومن آسيا قبضة ومن أوروبا قبضة ومن الأمريكتين قبضة، ومن أستراليا قبضة، والقبضة كما يفعل المهندسون الزراعيون، حين يأخذون عينات من الأرض ليعرفوا هل تنفع للبناء أم لا.فجاء بنو آدم على قدر الأرض التي أتوا منها، مثلاً: هناك أخ يحسن إلى أخيه دائماً، أخوه لا يزوره ولا يحسن إليه، ولا يقف معه في أي موقف، فيقول الناس: ما هي طينة هذا الرجل؟ فالأصل هو الطين، ولكن هذا الطين قد يوجد فيه ذهب، وقد يوجد فيه قطران، وفيه أشكال كثيرة، فمن الممكن أن واحداً منا طينته من ذهب، أو جاء من أرقى أنواع الأحجار الكريمة، فتجد الناس يقولون: فلان هذا مثل الذهب، أو فلانة مثل الزمرد في الأخلاقيات، فإذا أريد الرقي به يقال: ملاك؛ لأنه لا يخطئ، أي: أنه من عالم النور.
 ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن
وقوله عليه الصلاة والسلام: (ومنهم سريع الغضب سريع الفيء) وهذا الذي يغصب سريعاً ويهدأ بسرعة، وكما يقول المصريون: (كلمة توديه وكلمة تجيبه).وعلى المؤمن أن لا يكون سريع الغضب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا تحكم وأنت عضبان).ويذكر أن أعرابياً ثار على زوجته وهي واقفة على الدرج، فقال لها: إذا صعدت درجة فأنت طالق، وإن نزلت درجة فأنت طالق، وإن وقفت مكانك فأنت طالق، فرمت بنفسها من على الدرج، فتبسم الرجل وقال: لو مات الإمام مالك لاحتاج الناس إليك في الفقه.ولذلك المسلم بطبيعته حليم، وكما روي عن رسول الله: (كاد الحليم أن يكون نبيا).وعندما دخل الرجل الأعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عازم على أنه سيجعله يبتسم، قال له: يا رسول الله! تقول: إن المسيخ الدجال إذا جاء أجدبت الأرض، وتقلصت ضروع البهائم، وامتنعت السماء عن المطر، ولا طعام إلا معه، يا رسول الله! هل ترى أن أدعي أنني آمنت به، فأضرب في ثريده حتى أشبع، ثم أعود فأكفر به مرة أخرى، فتبسم الحبيب حتى بدت نواجذه، وقال: (بل يغنيك الله بما يغني عباده المؤمنين)، فقال: أين أذهب يومئذ يا رسول الله؟ فقال: (طعام المؤمنين يومئذ التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، يلهمهم الله به كما يلهمون النفس).فالإنسان عبارة عن تركيبة من شيئين: من طينة الأرض؛ لكي يستطيع العيش عليها من عناصر الأرض جميعها؛ لأنه مركب منها، والشيء الثاني: نفخة من روح الله؛ لأن الله لم يأمر الملائكة أن تسجد لآدم إلا بعد أن نفخ فيه الروح، قال تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:29].ونفخة الله معناها أن الله سبحانه وتعالى يضع سره في هذا المخلوق.
ما خلق الله عليه المخلوقات
والله خلق ثلاثة أنواع من المخلوقات: النوع الأول: خير محض لا يعرف الشر. والنوع الثاني: وشر محض لا يعرف الخير. والنوع الثالث: مركب من الخير والشر.
 ما فيه خير وشر
وأما النوع الثالث: فالنوع المركب من الخير والشر، وهو نحن بني آدم، فإذا تغلبت نوازع الخير على نوازع الشر، صرت عند الله أفضل من الملائكة، ولذلك قال الله في الحديث القدسي: (يا عبدي! أنت عندي كبعض ملائكتي) يعني: ليس ملكاً واحداً بل مجموعة ملائكة.ولذلك عندما قال الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فأتى ملك من الملائكة فيما رواه الترمذي وقال: يا رب! أدعوك أن ترزقني عمراً مائة ألف عام، ومائة ألف جناح، وقوة مائة ألف ملك، فقال له: لماذا؟ قال: أريد أن أطوف حول العرش مسبحاً بحمدك، فأعطاه الله ما يريد، وبعد أن انتهت المائة ألف عام، واكتشف هذا الملك أنه لم ينه لوناً واحداً من ألوان العرش؛ فالأرض والسموات بجانب الكرسي مثل الحلقة في الصحراء، والكرسي بجانب العرش مثل الحلقة في الصحراء، ففي ذلك الوقت وقف الملك أمام جنة من الجنات يبكي، فخرجت واحدة من الحور العين، وقالت: مالك تبكي عبد الله في مكان لا يحل فيه البكاء؟ فقال: سألت ربي كذا وكذا، وأعطاني، ولم أكمل شيئاً، فقالت له: بفعلك الذي صنعت، ما بلغت جزءاً من مائة ألف جزء من ملك أبي بكر الصديق في الجنة.فالعبد منا إذا تغلبت فيه نوازع الخير على نوازع الشر، صار عند الله أفضل من الملائكة، وإذا تغلب جانب الشر -كما نرى في الغالبية- على جانب الخير، كأن أسوأ عند الله من الشياطين؛ لأن الشيطان بطبيعته لا يفعل خيراً؛ لأنه ليس الخير مركباً فيه، لكن الإنسان فيه جانب الخير والشر، فإذا تغلب عليه جانب الشر، فهنا المصيبة.فالإنسان قبضة من تراب الأرض ونفخة من روح الله عز وجل.ولذلك نرى الرؤى في المنام، وما يراه الناس ثلاثة: الرؤى: جمع رؤيا، وهناك رؤيا، ورؤية. الرؤية تكون بالعين الباصرة، لكن رأى رؤيا أي في المنام، فهناك رؤيا وحلم وكابوس. فالرؤيا: هي أن تكون خالي الذهن من أي موضوع، وترى شيئاً مبشراً بأمر من أمور الآخرة، أو أمر فيه سعادة الدنيا، يقدمني خطوة نحو الله عز وجل، فهذه هي الرؤيا، فمثلاً: إذا رأى أحد الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه رؤيا، والآخر رأى أبا بكر الصديق فهذه رؤيا أيضاً.أتاني رجل وقال لي: ابنتي عمرها إحدى عشرة سنة، رأت أنها جالسة في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة كلهم، حتى عرفت الصحابة واحداً واحداً، وكأنها كانت تشير بيدها: هذا أبو بكر وهذا عمر وهذا عثمان وهذا علي. فقلت له: إما أن ابنتك حافظة للقرآن، أو أنها ستتم حفظ القرآن. فقال لي: بقي لها جزء.فهي قد دخلت في الصحبة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتم حفظ القرآن وعمل به، ما بينه وبين النبوة إلا أن يوحى إليه) وفي الآخرة يقال له في الجنة: اقرأ وترق، اقرأ وترق، حتى يصل إلى آخر سورة يحفظها، ويجد نفسه في الفردوس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأهم شيء العمل، والله ولو حفظ آية وعمل بها لنفعته كثيراً.قال سهل بن عبد الله: حفظت القرآن وعمري سبع سنين، وحفظت من الأحاديث أربعمائة ألف حديث، وتتلمذت على يد أربعمائة أستاذ، واخترت من ذلك كله حديثاً واحداً عملت به وهو: (اعمل لله بقدر حاجتك له، وللدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، وللنار بقدر صبرك عليها).إذاً: فالإنسان يعرف أن هذه رؤيا إذا كانت صالحة، الرؤيا من الرحمن.أما الحلم فهو من الشيطان، والحلم مثاله أن أفكر بموضوع معين، مثلاً: ابني مسافر أو مريض، أو حالتي متعبة في العمل، أو عندي مشكلة مع صاحب البيت، أو مع ورثة أو نحو ذلك، فأرى في منامي شيئاً مطابقاً للواقع الذي أعيشه، مثل الذي يأكل قبل أن ينام أكلاً مالحاً، ثم يرى أنه يشرب ماءً كثيراً، أو يغرق في ماء، فهذا بسبب أنه نام وهو عطشان، فهذه الأحلام من انعكاس الحالة النفسية.والكابوس: يكون عندما ينام الشخص على غير وضوء، أو نام على معصية، أو وهو لم يصل العشاء، فيرى في المنام أن بيته احترق، أو أن زوجته كشرت في وجهه في الرؤيا، أو شيئاً غير طبيعي، وتكون زوجته راضية عنه، وهو راض عنها.فعندما يقوم أحد من رؤيا منقبض الصدر من النوم، فلا يحكيها لأحد؛ لأنك لو حكيتها وفسرت فسوف تقع.فالرؤيا طائر أينما فسر وقع، فلا تفسره ودعه يطير بعيداً عنك، لكن لو فسره لك عالم سيقع على الفور.ويفعل كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يتفل على يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) ومعنى: (يتفل) أي: ينفخ وليس يبصق.ولكن ما الذي يجعل الإنسان يرى الرؤيا وهو نائم؟قال العلماء: إن جسم الإنسان معتم؛ لأنه من الطين، فهو حاجز الروح، ولذلك عندما يموت العبد يقول له الله: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، ومعنى: (حَدِيدٌ) أي: أكثر حدة، وذلك عندما رأى الحقيقة، ورأى عين اليقين.
أنواع الفرار إلى الله عز وجل
تكلمنا سابقاً عن أنواع الفرار إلى الله عز وجل، وقلنا: هناك فرار السعداء وفرار الأشقياء، وفرار السعداء هو فرارهم من أنفسهم إلى الله، مثلما فعل الصحابة، ومثلما حصل في قصة أصحاب الكهف، فهذا هو فرار السعداء. اللهم اجعلنا من الفارين السعداء إليك يا رب.وفرار الأشقياء فرار من الله والعياذ بالله، فتكون دروس العلم ثقيلة على قلبه، وكذا فعل الخير وصلة الرحم، ونحو هذه الأشياء، فيستثقلها.وفرار السعداء أنواع: فرار العامة، وفرار الخاصة، وفرار خاصة الخاصة.أما فرار العامة: فهو فرارنا كلنا، وهو فرارنا من المعصية إلى الطاعة، ومن الذنب إلى التوبة، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن الجهل إلى العلم، وهذا الفرار فرض عين، ويجب على كل إنسان أن يفر من حالة الجهل إلى حالة العلم.وأما فرار الخاصة: فهو فرارهم من علم اليقين إلى عين اليقين، فمثلاً: كلنا يعلم أن الله كريم، ولكن نريد أن يتحول هذا العلم إلى حقيقة كائنة أمام عيني، أرى كرمه علي في الإسلام وفي الصحة وفي الأولاد وفي كل النعم، فأرى كرم الله في كل لحظة بعيني، فأتحول من التطبيق النظري إلى التطبيق العملي، كما كان الصحابة رضي الله عنهم، مثلاً: أنس بن النضر رضي الله عنه كان يقول: أشم رائحة الجنة دون أحد. فهذا عين يقين؛ لأنه شم رائحة الجنة في الدنيا.وكلنا يعلم أن للجنة رائحة، وأنها لتشم من مسيرة كذا وكذا، فهذا علم، ولكن نريد أن نحول العلم إلى يقين تام، مثل حال أنس بن النضر عندما شم رائحة الجنة.وكان بعض الصالحين يشمون رائحة الذنوب، فيقول الحسن البصري : احمدوا ربكم أن ليست للذنوب رائحة، وإلا لما جلس مسلم بجوار مسلم.فقد ترى رجلاً محترماً يجلس بين الناس، ثم تصعد رائحة ذنوبه مثلاً، وهو يظن أن ليست له رائحة، وقد وضع عليه رائحة عطر ونحوه، ولكن لو كشف عنه غطاؤه لافتضح، نسأل الله السلامة، ونسأله أن يحسن رائحتنا ظاهراً وباطناً آمين.وأما فرار خاصة الخاصة: فهو الفرار مما سوى الله، أي: من كل شيء إلا الله، ولذلك عندما ينام الإنسان تبدأ الروح تغادر البدن، فتتجول في عالم الملكوت، ويذهب هنا وهنا، ويتجول ويجتمع مع أحبابه وأهله، والذي يأتي ويذهب، والحوادث ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يجد أن الحلم الذي رآه، أو الرؤيا التي رآها قد تحققت؛ لأنها بدأت الروح هكذا، والصحابة والصالحون كانوا في حالة يقظتهم كحالتنا في منامنا، مثل سيدنا عمر بن الخطاب عندما وقف على المنبر وقال: يا سارية ! الجبل، فسمعه سارية وهو على بعد مسيرة شهر منه.كذلك ما جاء عن سيدنا علي أنه قال لمن سأله عطاء: لو زادك الرسول لزدناك.وكذا أنس بن مالك مر بالسوق فنظر إلى امرأة ثم دخل على عثمان فقال له: أيدخل علي أحدكم وفي عينيه آثار من الزنا؟ وهو لم يكن معه.ويقال: إن أحد الصالحين كان يصلي وراء أستاذه، فقرأ الأستاذ: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49-50]، قال: فخطر ببالي أن معنى (يهب لمن يشاء إناثاً) أي: لمن يشاء حسنات، (ويهب لمن يشاء الذكور) أي: ييسره للأعمال.(أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً) أي: أعمالاً وحسنات.(ويجعل من يشاء عقيماً) أي: لا أعمال ولا حسنات.فعندما فرغت الصلاة نظر الإمام إلي وقال: يا أبو العباس ما أجمل تفسيرك لكتاب الله في الصلاة.فالمسألة بالنسبة للصالحين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة، ما تقارب منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف).فاللهم اجعل أرواحنا متقاربة، متآلفة، مجموعة في الجنة مع أبداننا يا أرحم الراحمين.إذاً: فابن آدم خلق من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما.
 ما فيه خير وشر
وأما النوع الثالث: فالنوع المركب من الخير والشر، وهو نحن بني آدم، فإذا تغلبت نوازع الخير على نوازع الشر، صرت عند الله أفضل من الملائكة، ولذلك قال الله في الحديث القدسي: (يا عبدي! أنت عندي كبعض ملائكتي) يعني: ليس ملكاً واحداً بل مجموعة ملائكة.ولذلك عندما قال الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فأتى ملك من الملائكة فيما رواه الترمذي وقال: يا رب! أدعوك أن ترزقني عمراً مائة ألف عام، ومائة ألف جناح، وقوة مائة ألف ملك، فقال له: لماذا؟ قال: أريد أن أطوف حول العرش مسبحاً بحمدك، فأعطاه الله ما يريد، وبعد أن انتهت المائة ألف عام، واكتشف هذا الملك أنه لم ينه لوناً واحداً من ألوان العرش؛ فالأرض والسموات بجانب الكرسي مثل الحلقة في الصحراء، والكرسي بجانب العرش مثل الحلقة في الصحراء، ففي ذلك الوقت وقف الملك أمام جنة من الجنات يبكي، فخرجت واحدة من الحور العين، وقالت: مالك تبكي عبد الله في مكان لا يحل فيه البكاء؟ فقال: سألت ربي كذا وكذا، وأعطاني، ولم أكمل شيئاً، فقالت له: بفعلك الذي صنعت، ما بلغت جزءاً من مائة ألف جزء من ملك أبي بكر الصديق في الجنة.فالعبد منا إذا تغلبت فيه نوازع الخير على نوازع الشر، صار عند الله أفضل من الملائكة، وإذا تغلب جانب الشر -كما نرى في الغالبية- على جانب الخير، كأن أسوأ عند الله من الشياطين؛ لأن الشيطان بطبيعته لا يفعل خيراً؛ لأنه ليس الخير مركباً فيه، لكن الإنسان فيه جانب الخير والشر، فإذا تغلب عليه جانب الشر، فهنا المصيبة.فالإنسان قبضة من تراب الأرض ونفخة من روح الله عز وجل.ولذلك نرى الرؤى في المنام، وما يراه الناس ثلاثة: الرؤى: جمع رؤيا، وهناك رؤيا، ورؤية. الرؤية تكون بالعين الباصرة، لكن رأى رؤيا أي في المنام، فهناك رؤيا وحلم وكابوس. فالرؤيا: هي أن تكون خالي الذهن من أي موضوع، وترى شيئاً مبشراً بأمر من أمور الآخرة، أو أمر فيه سعادة الدنيا، يقدمني خطوة نحو الله عز وجل، فهذه هي الرؤيا، فمثلاً: إذا رأى أحد الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه رؤيا، والآخر رأى أبا بكر الصديق فهذه رؤيا أيضاً.أتاني رجل وقال لي: ابنتي عمرها إحدى عشرة سنة، رأت أنها جالسة في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة كلهم، حتى عرفت الصحابة واحداً واحداً، وكأنها كانت تشير بيدها: هذا أبو بكر وهذا عمر وهذا عثمان وهذا علي. فقلت له: إما أن ابنتك حافظة للقرآن، أو أنها ستتم حفظ القرآن. فقال لي: بقي لها جزء.فهي قد دخلت في الصحبة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتم حفظ القرآن وعمل به، ما بينه وبين النبوة إلا أن يوحى إليه) وفي الآخرة يقال له في الجنة: اقرأ وترق، اقرأ وترق، حتى يصل إلى آخر سورة يحفظها، ويجد نفسه في الفردوس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأهم شيء العمل، والله ولو حفظ آية وعمل بها لنفعته كثيراً.قال سهل بن عبد الله: حفظت القرآن وعمري سبع سنين، وحفظت من الأحاديث أربعمائة ألف حديث، وتتلمذت على يد أربعمائة أستاذ، واخترت من ذلك كله حديثاً واحداً عملت به وهو: (اعمل لله بقدر حاجتك له، وللدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، وللنار بقدر صبرك عليها).إذاً: فالإنسان يعرف أن هذه رؤيا إذا كانت صالحة، الرؤيا من الرحمن.أما الحلم فهو من الشيطان، والحلم مثاله أن أفكر بموضوع معين، مثلاً: ابني مسافر أو مريض، أو حالتي متعبة في العمل، أو عندي مشكلة مع صاحب البيت، أو مع ورثة أو نحو ذلك، فأرى في منامي شيئاً مطابقاً للواقع الذي أعيشه، مثل الذي يأكل قبل أن ينام أكلاً مالحاً، ثم يرى أنه يشرب ماءً كثيراً، أو يغرق في ماء، فهذا بسبب أنه نام وهو عطشان، فهذه الأحلام من انعكاس الحالة النفسية.والكابوس: يكون عندما ينام الشخص على غير وضوء، أو نام على معصية، أو وهو لم يصل العشاء، فيرى في المنام أن بيته احترق، أو أن زوجته كشرت في وجهه في الرؤيا، أو شيئاً غير طبيعي، وتكون زوجته راضية عنه، وهو راض عنها.فعندما يقوم أحد من رؤيا منقبض الصدر من النوم، فلا يحكيها لأحد؛ لأنك لو حكيتها وفسرت فسوف تقع.فالرؤيا طائر أينما فسر وقع، فلا تفسره ودعه يطير بعيداً عنك، لكن لو فسره لك عالم سيقع على الفور.ويفعل كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يتفل على يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) ومعنى: (يتفل) أي: ينفخ وليس يبصق.ولكن ما الذي يجعل الإنسان يرى الرؤيا وهو نائم؟قال العلماء: إن جسم الإنسان معتم؛ لأنه من الطين، فهو حاجز الروح، ولذلك عندما يموت العبد يقول له الله: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، ومعنى: (حَدِيدٌ) أي: أكثر حدة، وذلك عندما رأى الحقيقة، ورأى عين اليقين.
اشتياق الروح إلى العالم العلوي
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي ].أي: عندما يجيع بدنه، ويسهره في عبادة الله، ويصبح مقترباً من الله، ومقيماً لهذا البدن في الخدمة، فالروح تجد خفة، فتبتدئ تتوق وتتشوق إلى المكان الذي أتت منه؛ لأن هذا هو موطنها، والموطن غال.سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال: من يرتاد لي مكاناً أتنسم فيه هواء، وليكن أجمل مكان، فذهب النسر وعاد وقال له: تفضل يا نبي الله! ارتدت لك أجمل مكان، فذهب سيدنا سليمان وراء النسر، حتى وصل إلى مكان فيه شجرة يابسة وتحتها ماء راكد آسن لا يتحرك، وليس فيه هواء ولا شيء، فقال نبي الله سليمان : أهذا أجمل مكان؟ قال: نعم يا نبي الله! هذا هو المكان الذي ولدت فيه.فكل إنسان يحن إلى المكان الذي ولد فيه، فتجد إنساناً: يقول أنا مصري، والآخر: أنا عراقي، و... الخ.بل سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم عندما هاجر يقول أبو بكر : رأيته قد اعتدل بالناقة واغرورقت عيناه بالدموع حتى ابتلت لحيته الشريفة، وقال: (يا مكة! والله إنك لتعلمين أنك أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت) فكانت عزيزة عليه.وهكذا يزداد ثواب من فارق ما يحب طاعة لله سبحانه، والله وصف المزكين المؤتين، فقال: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [البقرة:177]، فالمسألة صحيحة، لكن رغم حبه للمال ينفقه، مثل ابن عمر فقد كان يوزع على الأطفال والناس السكر، فقالوا: ما هذا يا ابن عمر ؟ قال: إني أحب السكر، والله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92].ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أطعم أخاه حلياء صرف الله عنه مرارة يوم القيامة).فالمسلم ما دام أجاع البدن، وأسهره، وأقامه للخدمة، فتبتدئ الروح تحن للموطن الذي جاء منه، هو أتى من عالم الملكوت، فتبتدئ الروح تتنسم عبير الطاعة وتخف وترقى، فزادها ذكر الله.
 ما فيه خير وشر
وأما النوع الثالث: فالنوع المركب من الخير والشر، وهو نحن بني آدم، فإذا تغلبت نوازع الخير على نوازع الشر، صرت عند الله أفضل من الملائكة، ولذلك قال الله في الحديث القدسي: (يا عبدي! أنت عندي كبعض ملائكتي) يعني: ليس ملكاً واحداً بل مجموعة ملائكة.ولذلك عندما قال الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فأتى ملك من الملائكة فيما رواه الترمذي وقال: يا رب! أدعوك أن ترزقني عمراً مائة ألف عام، ومائة ألف جناح، وقوة مائة ألف ملك، فقال له: لماذا؟ قال: أريد أن أطوف حول العرش مسبحاً بحمدك، فأعطاه الله ما يريد، وبعد أن انتهت المائة ألف عام، واكتشف هذا الملك أنه لم ينه لوناً واحداً من ألوان العرش؛ فالأرض والسموات بجانب الكرسي مثل الحلقة في الصحراء، والكرسي بجانب العرش مثل الحلقة في الصحراء، ففي ذلك الوقت وقف الملك أمام جنة من الجنات يبكي، فخرجت واحدة من الحور العين، وقالت: مالك تبكي عبد الله في مكان لا يحل فيه البكاء؟ فقال: سألت ربي كذا وكذا، وأعطاني، ولم أكمل شيئاً، فقالت له: بفعلك الذي صنعت، ما بلغت جزءاً من مائة ألف جزء من ملك أبي بكر الصديق في الجنة.فالعبد منا إذا تغلبت فيه نوازع الخير على نوازع الشر، صار عند الله أفضل من الملائكة، وإذا تغلب جانب الشر -كما نرى في الغالبية- على جانب الخير، كأن أسوأ عند الله من الشياطين؛ لأن الشيطان بطبيعته لا يفعل خيراً؛ لأنه ليس الخير مركباً فيه، لكن الإنسان فيه جانب الخير والشر، فإذا تغلب عليه جانب الشر، فهنا المصيبة.فالإنسان قبضة من تراب الأرض ونفخة من روح الله عز وجل.ولذلك نرى الرؤى في المنام، وما يراه الناس ثلاثة: الرؤى: جمع رؤيا، وهناك رؤيا، ورؤية. الرؤية تكون بالعين الباصرة، لكن رأى رؤيا أي في المنام، فهناك رؤيا وحلم وكابوس. فالرؤيا: هي أن تكون خالي الذهن من أي موضوع، وترى شيئاً مبشراً بأمر من أمور الآخرة، أو أمر فيه سعادة الدنيا، يقدمني خطوة نحو الله عز وجل، فهذه هي الرؤيا، فمثلاً: إذا رأى أحد الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه رؤيا، والآخر رأى أبا بكر الصديق فهذه رؤيا أيضاً.أتاني رجل وقال لي: ابنتي عمرها إحدى عشرة سنة، رأت أنها جالسة في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة كلهم، حتى عرفت الصحابة واحداً واحداً، وكأنها كانت تشير بيدها: هذا أبو بكر وهذا عمر وهذا عثمان وهذا علي. فقلت له: إما أن ابنتك حافظة للقرآن، أو أنها ستتم حفظ القرآن. فقال لي: بقي لها جزء.فهي قد دخلت في الصحبة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتم حفظ القرآن وعمل به، ما بينه وبين النبوة إلا أن يوحى إليه) وفي الآخرة يقال له في الجنة: اقرأ وترق، اقرأ وترق، حتى يصل إلى آخر سورة يحفظها، ويجد نفسه في الفردوس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأهم شيء العمل، والله ولو حفظ آية وعمل بها لنفعته كثيراً.قال سهل بن عبد الله: حفظت القرآن وعمري سبع سنين، وحفظت من الأحاديث أربعمائة ألف حديث، وتتلمذت على يد أربعمائة أستاذ، واخترت من ذلك كله حديثاً واحداً عملت به وهو: (اعمل لله بقدر حاجتك له، وللدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، وللنار بقدر صبرك عليها).إذاً: فالإنسان يعرف أن هذه رؤيا إذا كانت صالحة، الرؤيا من الرحمن.أما الحلم فهو من الشيطان، والحلم مثاله أن أفكر بموضوع معين، مثلاً: ابني مسافر أو مريض، أو حالتي متعبة في العمل، أو عندي مشكلة مع صاحب البيت، أو مع ورثة أو نحو ذلك، فأرى في منامي شيئاً مطابقاً للواقع الذي أعيشه، مثل الذي يأكل قبل أن ينام أكلاً مالحاً، ثم يرى أنه يشرب ماءً كثيراً، أو يغرق في ماء، فهذا بسبب أنه نام وهو عطشان، فهذه الأحلام من انعكاس الحالة النفسية.والكابوس: يكون عندما ينام الشخص على غير وضوء، أو نام على معصية، أو وهو لم يصل العشاء، فيرى في المنام أن بيته احترق، أو أن زوجته كشرت في وجهه في الرؤيا، أو شيئاً غير طبيعي، وتكون زوجته راضية عنه، وهو راض عنها.فعندما يقوم أحد من رؤيا منقبض الصدر من النوم، فلا يحكيها لأحد؛ لأنك لو حكيتها وفسرت فسوف تقع.فالرؤيا طائر أينما فسر وقع، فلا تفسره ودعه يطير بعيداً عنك، لكن لو فسره لك عالم سيقع على الفور.ويفعل كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يتفل على يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) ومعنى: (يتفل) أي: ينفخ وليس يبصق.ولكن ما الذي يجعل الإنسان يرى الرؤيا وهو نائم؟قال العلماء: إن جسم الإنسان معتم؛ لأنه من الطين، فهو حاجز الروح، ولذلك عندما يموت العبد يقول له الله: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، ومعنى: (حَدِيدٌ) أي: أكثر حدة، وذلك عندما رأى الحقيقة، ورأى عين اليقين.
سجن الروح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن ].أي إذا أشبع البدن وأكرمه ونومه، واشتغل بخدمته؛ انسجنت الروح داخل البدن، والعياذ بالله رب العالمين، اللهم فك أسر كل أسير يا رب العالمين.إذاً: فالروح تكون محبوسة داخل البدن؛ لأن البدن صارت له قوة وسطوة.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه، كما يستغيث المعذب ].أي: المسجون من شدة الألم يصرخ ويقول: يا ناس! ائتوني بالنيابة، ائتوني بالمأمور، ائتوني بالمحكمة، يصرخ؛ لأنه محبوس، فالروح كذلك، فإذا لم تحدثها بشكل دائم، لاستغاثت، لكن قد استمرأت السجن وهي غير قادرة على الفكاك منه.مثل الذي يقول لك: يا شيخ! أنا لا أشعر بأي تغير بعد الصلاة، فقبل الصلاة وبعدها عندي سواء.فهذا دليل على أن هناك عتمة، بل لابد أن يكون هناك نور للإنسان بعد الصلاة، ولابد أن يختلف حاله بعد درس العلم عن حاله قبله، ولا بد أن يكون بعد صلاة الجمعة مختلفاً عن حاله قبلها، ولا بد أن يكون حاله بعد الحج مغايراً لحاله قبله، وكذا لا بد أن يكون بعد رمضان مختلفاً عن حاله قبله.فالحالة الإيمانية إذا لم تكن في ازدياد فهي في نقصان، فقيل لـابن القيم رضوان الله عليه: متى العيد ؟! فقال: يوم العيد يوم هو الذي لا نعصي فيه رب العبيد.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وبالجملة فكلما خف البدن لطفت الروح وخفت ].إذاً: فهي مرتبطة بالبدن، والذي يعطل الأمور هو البدن، فإذا خففت البدن، فستأكل قليلاً، وستنام قليلاً، وستعبد كثيراً، وستفرح كثيراً، وإذا أكلت كثيراً، فستنام كثيراً، وستعبد قليلاً، وستندم طويلاً.أبو حنيفة عندما قيل له: يا أبا حنيفة ! في كم تختم القرآن؟ فقال لهم: أتقصدون في الصلاة أم في غير الصلاة؟ فقالوا: في الصلاة؟ فقال: في صلاة الليل أم في صلاة النهار؟!
 ما فيه خير وشر
وأما النوع الثالث: فالنوع المركب من الخير والشر، وهو نحن بني آدم، فإذا تغلبت نوازع الخير على نوازع الشر، صرت عند الله أفضل من الملائكة، ولذلك قال الله في الحديث القدسي: (يا عبدي! أنت عندي كبعض ملائكتي) يعني: ليس ملكاً واحداً بل مجموعة ملائكة.ولذلك عندما قال الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فأتى ملك من الملائكة فيما رواه الترمذي وقال: يا رب! أدعوك أن ترزقني عمراً مائة ألف عام، ومائة ألف جناح، وقوة مائة ألف ملك، فقال له: لماذا؟ قال: أريد أن أطوف حول العرش مسبحاً بحمدك، فأعطاه الله ما يريد، وبعد أن انتهت المائة ألف عام، واكتشف هذا الملك أنه لم ينه لوناً واحداً من ألوان العرش؛ فالأرض والسموات بجانب الكرسي مثل الحلقة في الصحراء، والكرسي بجانب العرش مثل الحلقة في الصحراء، ففي ذلك الوقت وقف الملك أمام جنة من الجنات يبكي، فخرجت واحدة من الحور العين، وقالت: مالك تبكي عبد الله في مكان لا يحل فيه البكاء؟ فقال: سألت ربي كذا وكذا، وأعطاني، ولم أكمل شيئاً، فقالت له: بفعلك الذي صنعت، ما بلغت جزءاً من مائة ألف جزء من ملك أبي بكر الصديق في الجنة.فالعبد منا إذا تغلبت فيه نوازع الخير على نوازع الشر، صار عند الله أفضل من الملائكة، وإذا تغلب جانب الشر -كما نرى في الغالبية- على جانب الخير، كأن أسوأ عند الله من الشياطين؛ لأن الشيطان بطبيعته لا يفعل خيراً؛ لأنه ليس الخير مركباً فيه، لكن الإنسان فيه جانب الخير والشر، فإذا تغلب عليه جانب الشر، فهنا المصيبة.فالإنسان قبضة من تراب الأرض ونفخة من روح الله عز وجل.ولذلك نرى الرؤى في المنام، وما يراه الناس ثلاثة: الرؤى: جمع رؤيا، وهناك رؤيا، ورؤية. الرؤية تكون بالعين الباصرة، لكن رأى رؤيا أي في المنام، فهناك رؤيا وحلم وكابوس. فالرؤيا: هي أن تكون خالي الذهن من أي موضوع، وترى شيئاً مبشراً بأمر من أمور الآخرة، أو أمر فيه سعادة الدنيا، يقدمني خطوة نحو الله عز وجل، فهذه هي الرؤيا، فمثلاً: إذا رأى أحد الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه رؤيا، والآخر رأى أبا بكر الصديق فهذه رؤيا أيضاً.أتاني رجل وقال لي: ابنتي عمرها إحدى عشرة سنة، رأت أنها جالسة في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة كلهم، حتى عرفت الصحابة واحداً واحداً، وكأنها كانت تشير بيدها: هذا أبو بكر وهذا عمر وهذا عثمان وهذا علي. فقلت له: إما أن ابنتك حافظة للقرآن، أو أنها ستتم حفظ القرآن. فقال لي: بقي لها جزء.فهي قد دخلت في الصحبة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتم حفظ القرآن وعمل به، ما بينه وبين النبوة إلا أن يوحى إليه) وفي الآخرة يقال له في الجنة: اقرأ وترق، اقرأ وترق، حتى يصل إلى آخر سورة يحفظها، ويجد نفسه في الفردوس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأهم شيء العمل، والله ولو حفظ آية وعمل بها لنفعته كثيراً.قال سهل بن عبد الله: حفظت القرآن وعمري سبع سنين، وحفظت من الأحاديث أربعمائة ألف حديث، وتتلمذت على يد أربعمائة أستاذ، واخترت من ذلك كله حديثاً واحداً عملت به وهو: (اعمل لله بقدر حاجتك له، وللدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، وللنار بقدر صبرك عليها).إذاً: فالإنسان يعرف أن هذه رؤيا إذا كانت صالحة، الرؤيا من الرحمن.أما الحلم فهو من الشيطان، والحلم مثاله أن أفكر بموضوع معين، مثلاً: ابني مسافر أو مريض، أو حالتي متعبة في العمل، أو عندي مشكلة مع صاحب البيت، أو مع ورثة أو نحو ذلك، فأرى في منامي شيئاً مطابقاً للواقع الذي أعيشه، مثل الذي يأكل قبل أن ينام أكلاً مالحاً، ثم يرى أنه يشرب ماءً كثيراً، أو يغرق في ماء، فهذا بسبب أنه نام وهو عطشان، فهذه الأحلام من انعكاس الحالة النفسية.والكابوس: يكون عندما ينام الشخص على غير وضوء، أو نام على معصية، أو وهو لم يصل العشاء، فيرى في المنام أن بيته احترق، أو أن زوجته كشرت في وجهه في الرؤيا، أو شيئاً غير طبيعي، وتكون زوجته راضية عنه، وهو راض عنها.فعندما يقوم أحد من رؤيا منقبض الصدر من النوم، فلا يحكيها لأحد؛ لأنك لو حكيتها وفسرت فسوف تقع.فالرؤيا طائر أينما فسر وقع، فلا تفسره ودعه يطير بعيداً عنك، لكن لو فسره لك عالم سيقع على الفور.ويفعل كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يتفل على يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) ومعنى: (يتفل) أي: ينفخ وليس يبصق.ولكن ما الذي يجعل الإنسان يرى الرؤيا وهو نائم؟قال العلماء: إن جسم الإنسان معتم؛ لأنه من الطين، فهو حاجز الروح، ولذلك عندما يموت العبد يقول له الله: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، ومعنى: (حَدِيدٌ) أي: أكثر حدة، وذلك عندما رأى الحقيقة، ورأى عين اليقين.
أسباب عدم التوفيق في العبادة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ... وأخلد إلى الشهوات والراحة ثقلت الروح وهبطت من عالمها، وصارت أرضية سفلية؛ فترى الرجل روحه في الرفيق الأعلى وبدنه عنده، فيكون نائماً على فراشه وروحه عند سدرة المنتهى ].ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (إن من عبادي عبداً لو جاء إلى باب أحدكم يطلب منه فلساً لما أعطاه، ولو طلب مني الجنة لأعطيتها له).قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإذا فارقت الروح البدن، التحقت برفيقها الأعلى أو الأدنى ].أي: تبعاً للحالة.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فعند الرفيق الأعلى كل قرة عين، وكل نعيم وسرور وبهجة ولذة ].هناك ستة أسباب جعلتنا غير موفقين في العبادة مع الله عز وجل.وأريد أن يراجع كل واحد منا نفسه عند كل سبب من هذه الأسباب فيسألها: هل هذا السبب فيها أم لا؟ والمصيبة إن كانت جميع الأسباب موجودة.وهذه الأسباب هي المقياس الذي نقيس به أحوالنا مع ربنا.
 الإدبار عن الآخرة وإقبالها عليهم
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها ].أي: الآخرة ستأتي وكلنا سنموت، وتجد الناس يتشاءمون من هذا الكلام، ويبحثون عن أشياء في الدنيا.
أصل الخذلان
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأصل ذلك عدم الرغبة والرهبة ].أي: كأن الستة الأمور التي ذكرناها هي الفروع، وهنا الأصل، فالأصل في العبادة أن يكون عند المؤمن رغبة ورهبة، أي: خوف ورجاء، ويكونان له كالجناحين للطائر، مثل سيدنا عمر عندما قال: لو نادى مناد: كل الناس في الجنة إلا واحداً، لخشيت أن أكون هذا الواحد، ولو نادى مناد: كل الناس في النار إلا واحداً، لرجوت من الله أن أكون هذا الواحد.إذاً: مسألة الخوف والرجاء مهمة جداً، لكن بلا خوف يوصل إلى القنوط، ولا رجاء يوصل إلى الأمن والأمان، ولكن نخاف أحياناً ونرجو أحياناً.ولذلك الحديث عن الرجاء يكون للمذنبين، والحديث عن الخوف يكون للمؤمنين الذين سلكوا الطريق؛ لأن الذي سلك الطريق الصحيح مضمون، فنحدثه عن الخوف من الله، مثل الذي يحب ابنه والابن مطيع، فيبدأ يبعثه إلى مهمات حتى يعلمه، وأما الابن صاحب اللسان البذيء، فلا يهتم به، وسيحرجه أمام إخوانه.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأصله ضعف اليقين ].واليقين هو القرب من الله عز وجل.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأصله ضعف البصيرة ].أي: أصل اليقين ضعف البصيرة، وهذا من قوله تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأصله مهانة النفس ودناءتها ].أي: النفس التي تتمسك بالدنيا.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ].أي: أنها راضية بالدنيا مع أن الآخرة كما قال تعالى: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17].
 الإدبار عن الآخرة وإقبالها عليهم
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها ].أي: الآخرة ستأتي وكلنا سنموت، وتجد الناس يتشاءمون من هذا الكلام، ويبحثون عن أشياء في الدنيا.
تزكية النفس وتدسيتها
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، أي: قد أفلح من كبرها وكثرها ونماها في طاعة الله، وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله ].أي: هذه النفس الصغيرة، عندما تطيع الله تكبر وتنمو، وتكون عظيمة، ومطمئنة وراضية ومرضية وملهمة، وتقترب من النفس الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول الله عز وجل: (عبدي ابتليتك فشكوتني إلى عوادك، وأنت يصعد منك في كل لحظة عمل سيئ وأنا لم أشكك إلى ملائكتي).فانظروا إلى الفرق في المعاملة بين الرب والعبد، فتجد العبد عندما يصاب بمرض يشكو الله إلى الذين يأتون لزيارته، وعندما يذنب العبد وتصعد الملائكة بصفحاته سوداء إلى السماء، لا يشكوه الله تبارك وتعالى إلى ملائكته.ولذلك نؤكد أن المسلم كما قال الله عز وجل: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء:84]، أي: على طبيعة النفس التي عنده، فإن زكاها سيعمل خيراً، وإن دساها فسيعمل شراً.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ من لم يعرف نفسه لم يعرف خالقه ].كيف ذلك؟ جعل الله لنا في أبداننا بيتاً وهو القلب، وهو محط نظر الله، فالله لا ينظر إلى شكلك ولا إلى لبسك، ولا إلى حجمك، ولا إلى عزك، ولا إلى مالك، ولكن ينظر إلى قلبك، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). فالقلب محط نظر الله.فكما أن الواحد منا يلبس اللباس الطيب لكي يراه الناس، فتقع أعينهم على شيء طيب، فكذلك يلبس قلبه لباس التقوى؛ لأنه محط نظر الله.يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : يا أبا ذر ! أخلص النية فإن الناقد بصير، أي أنه يراك، وما دام أنه يراك، فأخلص نيتك.
 الإدبار عن الآخرة وإقبالها عليهم
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها ].أي: الآخرة ستأتي وكلنا سنموت، وتجد الناس يتشاءمون من هذا الكلام، ويبحثون عن أشياء في الدنيا.
مثال قلب المؤمن
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فاعلم أن الله تعالى خلق في صدرك بيتاً وهو: القلب، ووضع في صدره عرشاً لمعرفته، يستوي عليه المثل الأعلى، فهو مستو على عرشه بذاته بائن من خلقه، والمثل الأعلى من معرفته ومحبته وتوحيده مستوٍ على سرير القلب، وعلى السرير بساط من الرضا، ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره، وفتح إليه باباً من جنة رحمته والأنس به والشوق إلى لقائه، وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرياحين والأشجار المثمرة، من أنواع الطاعات والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس، وجعل في وسط البستان شجرة معرفة؛ فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة والخشية والفرح به والابتهاج بقربه، وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من تدبر كلامه وقرآنه وفهمه والعمل بوصاياه، وعلق في ذلك البيت قنديلاً أسرجه بضياء معرفته والإيمان به وتوحيده؛ فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونه لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ].قوله: (ووضع في صدره عرشاً) أي: صدر العبد، والصدر معناه الواجهة، مثل واجهة البيت، والعرب تسمي (الغرفة) التي لا يدخلها إلا الضيوف، وهذه الغرفة هي أجمل ما في البيت، ولذا يقول تعالى: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75]، وهذه الغرفة يمشي فيها المؤمن ألفي سنة.وقوله: (يستوي عليه المثل الأعلى) معنى: (المثل الأعلى) أي: المثل والمبادئ العليا، أي: الدين والإسلام، وليس هناك ما هو أعلى منها.وقوله: (وعلى السرير بساط من الرضا) أي: فراش السرير هو الرضا، فيكون الإنسان راضياً، وعندما يكون قلبك ممتلئاً بالرضا، فأنت تعيش في الجنة لكن في الدنيا.وقوله: (ووضع عن يمينه وشماله مرافق).فليس من المعقول أن يكون البيت والعرش من غير مرافق.وقوله: (مرافق شرائعه وأوامره) أي: لكي يكون على الطريق الصحيح، بهذه الأوامر والنواهي.وقوله: (وفتح إليه باباً من جنة رحمته).أي: جعله رحيماً بالناس، وشفوقاً وحنوناً بهم.وقوله: (وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرياحين، والأشجار المثمرة من أنواع الطاعات والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس).أي: لابد عند نزول مطر من كلامه عز وجل، أن تثمر الشجرة خيراً.وقوله: (وجعل في وسط البستان شجرة معرفة).مثلما قال سيدنا علي : غرس الزهد بقلبي شجرهثم نقى بعد جهد حجرهوسقاها إثر ما أودعهاكبد الأرض بدمع فجرهوإذا ما أبصر طيراًمفسداًحائماً حول حماها زجرهنمت في ظل ظليل تحتهاروح القلب ونحى ضجرهثم بايعت إلهي تحتهابيعة الرضوان تحت الشجرهفإذا كانت هذه بلاغة سيدنا علي ، فكيف ببلاغة رسول الله صلى الله عليه وسلم!وقوله: (وعلق في ذلك البيت قنديلاً).وهو القلب الجميل، اللهم اجعل قلوبنا من هذه القلوب يا رب.وقوله: (أسرجه) يعني: أضاءه.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم أحاط عليه حائطاً، يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ].أي: سوراً لهذا العرش، يمنع الشيطان من أن يدخل.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن يؤذي البستان فلا يلحقه أذاهم، وأقام عليه حرساً من الملائكة يحفظونه من أمر الله في يقظته ومنامه ].وهذا من كرم الله سبحانه، أي: أن يبعث له ملائكة يخدمونه.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه ].فإذا كان الساكن داخل هذا البيت هو الله بأوامره ونواهيه، فالعبد يكون كأن الله في قلبه.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فهو دائماً همه إصلاح السكن ].عندما يزورنا مسئول في البيت، فسنمنع الإزعاج في البيت، وضجة الأولاد، ولابد أن يكون كل شيء جاهزاً ومرتباً، فتقوم معه بواجب الضيافة كما ينبغي، فكذلك عندما يكون الله في قلب العبد ينبغي أن يجعله لائقاً بساكنه، ويعرف دائماً أن الله في قلبه.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولم شعثه ليرضاه الساكن منزلاً ].مثل المسؤول إذا أتى إلى منزل أحدنا ووجده غير مرتب ونظيف، فسيخرج على الفور.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإذا أحس بأدنى شعث في السكن بادر إلى إصلاحه ولمه خشية انتقال الساكن منه ].أي: صاحب البيت الذي هو العبد، يبادر إلى إصلاح قلبه.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فنعم الساكن، ونعم المسكن فسبحان الله رب العالمين ].
 الإدبار عن الآخرة وإقبالها عليهم
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها ].أي: الآخرة ستأتي وكلنا سنموت، وتجد الناس يتشاءمون من هذا الكلام، ويبحثون عن أشياء في الدنيا.
مثال قلب الكافر والمنافق
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب، وصار مأوى للحشرات والهوام، ومحلاً لإلقاء الأنتان والقاذورات فيه، فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن فيها ولا حافظ لها ].أي: يدخل في القلب الشيطان، ويدخل الغل والحقد والجشع والمؤامرات والنفاق، فلن يسكن هذه الأماكن إلا مثل هذا أي: الشيطان، وكما يقول المثل: إن الطيور الشريرة لا تطير إلا ليلاً، مثل الخفاش والبوم، هذه لا تطير إلا ليلاً، وكذلك قلب المؤمن إن خرب وأظلم يسكنه الشيطان، لكن إذا كان القلب نيراً فلن يسكن فيه مثل هؤلاء.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وهي معدة لقضاء الحاجة مظلمة الأرجاء، منتنة الرائحة، قد عمها الخراب وملأتها القاذورات، فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام، الشيطان جالس على سريرها، وعلى السرير بساط من الجهل ].فبعد أن كان بساط الرضا أصبح بساطاً من الجهل.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وتخفق فيه الأهواء وعن يمينه وشماله مرافق الشهوات، وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة، والركون إلى الدنيا ].أي: بدلاً من أن كانت مرافق للأوامر والنواهي، فتكون مرافق الشهوات، والأول فتح له باباً من أبواب التوفيق، وهذا -والعياذ بالله- فتح له باباً من الخذلان. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والطمأنينة بها والزهد في الآخرة، وأمطر بوابل الجهل والهوى والشرك والبدع ].والأول كان يمطر بوابل الرحمة وأنواع الخيرات.ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وما أنبت فيه أنواع مثمرة من المعاصي والمخالفات، من الزوائد والتنديبات، والنوادر والهزليات والمضحكات، والغزليات والخمريات، التي تهيج على ارتكاب المحرمات، وتزهد في الطاعات، فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي، واللهو واللعب والمجون، والذهاب مع كل ريح، واتباع كل شهوة، ومن ثمرها: الهموم والغموم والأحزان والآلام، ولكنها متوارية بإشغال النفس بلهوها ولعبها، فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ومعيشة ضنك، وأجري إلى تلك الشجرة ما يسقيها من اتباع الهوى، وطول الأمل والغرور، ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه، بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان، ولا مؤذ ولا قذر؛ فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت ].فبعد أن كان الأول تنبت فيه أنوع من التسبيح والتهليل والتحميد والتقديس، فهذا أثمر المعاصي والمخالفات، كالزوائد والتنديبات، والنوادر والهزليات والمضحكات، والغزليات والخمريات، التي تهيج على ارتكاب المحرمات وتزهد في الطاعات، وبعد أن كان الأول من ثمرة شجرته الرضا واليقين، فهذا ثمرة شجرته الغموم والأحزان والآلام.ولذلك قالوا: انظر كم الله عندك، تعرف كم أنت عند الله، فإن كان الله عندك كل شيء، فأنت عند الله كل شيء.اللهم اجعلنا كل شيء عندك يا أكرم الأكرمين، واختم لنا بالصالحات يا أرحم الراحمين.اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوما، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروما، اللهم اصرف عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، واصرفهم عن قلوبنا، واشرح لنا صدورنا يا أرحم الراحمين.لا تدع لنا في هذه الليلة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا مسافراً إلا سالماً غانماً لأهله إلا رددته.اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، ثقل بهذه الجلسة موازيننا يوم القيامة، اللهم ثبت بها على الصراط أقدامنا يوم تزل الأقدام، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 الإدبار عن الآخرة وإقبالها عليهم
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها ].أي: الآخرة ستأتي وكلنا سنموت، وتجد الناس يتشاءمون من هذا الكلام، ويبحثون عن أشياء في الدنيا.
الأسئلة

 العمل عند الوسوسة في ذات الله ودينه
السؤال: إذا استحوذ الشيطان على الإنسان وشككه في الله وفي دينه؛ فهل هذا كفر؟الجواب: لا، هذا ليس كفراً، ولكنه من وساوس الشيطان، وعليك بالإكثار من قراءة قل هو الله أحد بعد الاستعاذة منه، وتكثر من قول: لا إله إلا الله، ولا يتوب الإنسان من ذلك لأنه لم يرتكب ذنباً؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله! نفكر في أشياء نستحي أن نقولها! -أي: أشياء في الذات الإلهية- فقال: هذا دليل الإيمان. فلم يعسر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشيء، فلا يقلق السائل.جعلنا الله وإياكم من الميسرين، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة شرح كتاب الفوائد [15] للشيخ : عمر عبد الكافي

http://audio.islamweb.net