اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سكرات الموت للشيخ : عائض القرني


سكرات الموت - (للشيخ : عائض القرني)
إن الله تعالى جعل الموت محتوماً على جميع الخلق من الإنس والجان وجميع الحيوان، فلا مفر لأحدٍ منه ولا أمان، الكل فيه سواء، الرئيس والمرءوس، الحر والعبد، الذكر والأنثى.وفي هذه المادة الحديث عن الموت من الكتاب والسنة، وصفته، وحال الناس عند سكراته، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم.
ذكر الموت في الكتاب والسنة
الحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، واتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً.أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المؤيد بجبريل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، صلى الله وسلم عليه كلما تضوع مسك وفاح، وكلما ترنم طير وصاح، وكلما شدا حمام وناح.لا إله إلا الله الذي كسر بالموت ظهور الأكاسرة، وقصر بالموت آمال القياصرة الذين طغوا وبغوا وفجروا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، أخرجهم من القصور والدور وأقعدهم في القبور، فهل تسمع لهم كلاماً؟ سكتوا فتركوا فما نطقوا:دع ذكر ليلى والرباب وابك لأيام الشباب وانتظر الموت فما أقربه من كل باب زر القبور مرةً إن بها خير الصحاب كم ملك في لحده تيجانه ذاك التراب لم يصطحب من ملكه وماله حتى الثياب قصوره من بعده صارت خراباً في خراب قد وجدوا ما وعدوا من العقاب والثواب فهل أخذت عدة من التقى قبل الذهاب وهل لبست لأمةً من كل فضل وصواب آهٍ لدنياً زخرفت دنيا الأفاعي والكلاب قد اشتراها مفلس بدينه فما أصاب إن كان لي من شكر فأشكر الباري تبارك وتعالى الذي جمعني بهذه الوجوه الساجدة العابدة المتألقة بنور الإيمان، التي غرست في قلوبها لا إله إلا الله، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24-25].في أجساد عمرت على التقوى إن شاء الله قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109].ثم أشكر لكم فضلكم وحضوركم وبارك الله فيكم، ثم أشكر المعهد العلمي بـالطائف على رسالته الجليلة وعلى رأسهم مدير المعهد فضيلة الشيخ محمد بن عائض القرني والأساتذة الفضلاء والطلاب النبلاء.موضوع المحاضرة: وجاءت سكرت الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. ذاق الموت محمد صلى الله عليه وسلم فشربه كما يشربه الناس، ومات كما يموت الإنسان، وذهب كما يذهب الإنسان، وذاق الموت نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، ومات فرعون وهامان وقارون كلهم أقعدوا في الحفر، لكن إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار:والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءه فإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال به فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] هذه المحاضرة تدور على ست مسائل:أولها: ذكر الموت في الكتاب والسنة وعند العارفين.ثانيهاً: الأنبياء ومعايشتهم للموت عليهم السلام.الثالثة: الصالحون في سكرات الموت.الرابعة: النادمون في سكرات الموت.الخامسة: وصف الموت. ما هو الموت؟ ما لونه؟ ما طعمه؟ ما مساغه؟ كيف يذاق؟ السادسة: الاستعداد للموت.
 ذكر الموت عند الصالحين
قيل لـابن سيرين: ما لك لا تفتي؟ قال: كلما أردت أن أفتي الناس تذكرت الموت، فمات كل عضو على جهته.وذكر الذهبي في السير عن الإمام أحمد أنه قال عنه أحد تلاميذه: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة، ثم يقول: ما هي الحياة؟ هل هو إلا طعام دون طعام، ولباس دون لباس؟يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
الأنبياء ومعايشتهم للموت
أما الأنبياء ومعايشتهم الموت.فاسمع إلى يوسف عليه السلام، نال الملك.. نال النبوة.. نال الرسالة، فماذا يفعل؟ توجه إلى الله داعياً، توجه إلى الحي القيوم، قال: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]. أقصى ما يتمناه، وأعلى ما يترجاه أن يتوفاه الله مسلماً، يا رب! ألحقني بالصالحين. يا رب! ذقت الحياة، لبست لباسها، وشربت شرابها، وأكلت طعامها، لا لذيذ، فما رأيت كالإسلام. فتوفني مسلماً وألحقني بالصالحين.نسب إلى معاوية أنه قال: [[لبست كل لباس إلا ما حرم الله، وأكلت الطعام بأصنافه، وشربت الشراب بأصنافه إلا ما حرم الله فما وجدت كتقوى الله]].وذكر ابن القيم في الفوائد عن سليمان عليه السلام أنه قال: علمنا مما علم الناس ومما لم يعلم الناس فلم نجد كتقوى الله.أيها اللاهي بلا أدنى وجلْاتق الله الذي عز وجلواستمع قولاً به ضرب المثلاعتزل ذكر الأغاني والغزلوقل الفصل وجانب من هزل أتت سكرات الموت نوحاً عليه السلام فقالوا: كيف وجدت الحياة، وقد عشت ألف سنة؟ قال: والله ما الحياة إلا كبيت له بابان دخلت من هذا ثم خرجت من هذا.سل من عاش مائة كم عاش؟ وسل من عاش القرن والقرنين والثلاثة أين لذاتهم؟ أين راحتهم؟ أين سعادتهم؟ أخذوا والله من نعيمهم وطرحوا فهم مرتهنون بأعمالهم.وأبو الطيب المتنبي يقول:أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنزوا الكنوز فلا بقينَ ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فحواه لحد ضيق خرسٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق يقول إبراهيم عليه السلام في آخر حياته: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]. عليك السلام، تجاهد وتقيم لا إله إلا الله، وتغرس لا إله إلا الله، وتعادي من عادى الله، وفي الأخير تتوجه إلى الله وتقول: والذي أطمع؛ طمع ورجاء وتلهف أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين.أما رسولنا عليه الصلاة والسلام فذاق الموت وعاصر الموت -بأبي هو وأمي- وجالس الموت، أتته سكرات الموت فأخذ يقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، لا إله إلا الله اللهم هون عليَّ سكرات الموت، لا إله إلا الله اللهم خفف عليَّ سكرات الموت، ثم أخذ خميصة -قطعة قماش- يبلها بالماء ويجعلها على وجهه ويقول: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد). وذهب إلى الله، إلى الرفيق الأعلى. خير بين الدنيا وقصورها وذهبها وفضتها ومناصبها فقال: (بل الرفيق الأعلى. فتقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: خيرت والله فاخترت يا رسول الله).كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم جلس في بيت الطين، وعاش فيه، ما وجد ما يملأ بطنه، ليالي تمر وأياماً تكر، ولقي الله.نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم فصلى الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عنه الغافلون، وكلما أحبه المحبون، وكلما أبغضه المبغضون.
 ذكر الموت عند الصالحين
قيل لـابن سيرين: ما لك لا تفتي؟ قال: كلما أردت أن أفتي الناس تذكرت الموت، فمات كل عضو على جهته.وذكر الذهبي في السير عن الإمام أحمد أنه قال عنه أحد تلاميذه: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة، ثم يقول: ما هي الحياة؟ هل هو إلا طعام دون طعام، ولباس دون لباس؟يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
حال الصالحين في سكرات الموت
أما حال الصالحين في سكرات الموت.يَبِيْنُ صلاح العبد يوم يصرع، وساعة الموت ساعة يسلم فيها الجبار، ويذعن فيها المتكبر، ويفتقر فيها الغني، ساعة الموت تتحدى، ساعة الموت معلم لا بد أن يمر به الإنسان، تسلب الإرادة، وتضعف العزيمة، وتقطع الحبال، وتنتهي الحيل.واترك الحيلة فيها واتكل إنما الحيلة في ترك الحيل ساعة الموت أليمة جد أليمة، ولذلك يَبِيْنُ صلاح الصالحين وفساد المفسدين فيها.
 ابن المبارك حال الموت
و ابن المبارك الزاهد العابد حضرته سكرات الموت فتبسم كثيراً، يا لها من بسمة ما أحسنها! من يتبسم في سكرات الموت؟ إنهم أهل الصلوات الخمس، وأهل القرآن والذكر، أهل طاعة الديان، أهل الخوف من الرحمن، الذين إذا تستروا في الجدران واختفوا بالحيطان تذكروا الواحد الديان.وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني فهؤلاء هم الذين يتبسمون في سكرات الموت، أما الضائعون اللاهون السامجون المتفلتون فكيف يتذكرون؟! وكيف يصحون؟! وكيف يتبسمون؟! إنها حسرة في غمرات الموت.
النادمون في سكرات الموت
وأما النادمون في سكرات الموت فإنهم كثير منهم صالحون ومنهم غير ذلك.
 ندم عنبسة بن أبي سفيان حال الموت
وعند أحمد في المسند بسند صحيح أن عنبسة بن أبي سفيان أخا معاوية، حضره الموت فبكى وكان أميراً، قالوا: مالك تبكي؟ قال: ما ندمت في الحياة إلا على مسألة، قالوا: ما هي؟ قال: سمعت أختي أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من حافظ على أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع ركعات بعد صلاة الظهر حرمه الله على النار}. فليتني حافظت عليها.أمير سمع هذا الحديث ويحفظه لكنه ما حافظ عليها وتذكره في سكرات الموت فبكى في تلك الساعة.
حفظ الله لمن حفظه
وكثير من الناس يستفيق لكن في الوقت الضائع. ففرعون استفاق، لكن متى استفاق؟ استفاق لما أصبح أنفه في الطين، وقد أصبح مع ضفدعة مسيلمة الكذاب التي يقول عنها: نقنقي ما تنقنقين، أعلاك في الماء وأسفلكِ في الطين.ويقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] فأجراها الله من فوق رأسه، فلما أصبح في الطين قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] قال الله: آلآن يا دجال؟! آلآن يا ضائع؟! آلآن يا مسود وجه التاريخ ومضيع القيم، ويا سافك الدماء ويا صاحب الصحيفة السوداء؟! أتتذكر الله الآن؟! هذا مثل ما يفعل بعض الناس حيث يفجر ويعربد ويرقص ويلهو ويلغو؛ فإذا حضرته سكرات الموت استفاق، لكنه لو أصلح في الرخاء تولاه الله في الشدة للحديث الصحيح: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). يونس عليه السلام حفظ الله في الرخاء وسبح في الرخاء، وركب البحر مغاضباً وما استأذن الله، فألقي في البحر؛ فأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الحوت، فمن ينادي؟ لا قريب، لا أخ، لا صاحب، تذكر الواحد الأحد.سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا من أحسن الظن بذي العرش جنى حلو الجنى الشائك من شوك السفا فتذكر الله في ظلمة الليل.كأن رقيباً منك يرعى خواطري وآخر يرعى مسمعي وجناني فقال: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]. فقال الله: فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [الصافات:143]. رصيده طيب، أيامه بيضاء، أعماله صالحة، كان يحفظ الله ولن يضيعه الله، فحفظه الله وتولاه بذلك.ذكروا عن أبي الطيب الطبري أحد علماء الشافعية، وهو شيخ أبي إسحاق الشيرازي، كان في الثمانين من عمره، فوثب من سفينة عند الشاطئ إلى الشاطئ، وأتى الشباب يثبون فما استطاعوا، قالوا: كيف تقفز أنت وأنت شيخ كبير؟ قال: هذه أعضاء حفظناها في الصغر؛ فحفظها الله لنا في الكبر.العين خلقت لك يا بن آدم للتدبر بها في الكائنات؛ ولتقرأ في كتاب الكون؛ ولتتأمل مخلوقات الواحد الأحد.وكتابي الفضاء أقرأ فيه صوراً ما قرأتها في كتابي والقلب خلق لتغرس فيه لا إله إلا الله تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، والجبين خلق لتسجد به لله الواحد الأحد، فوالله ثم والله، وايم الله وتالله، وبالله إن الذي لا يسجد لله سوف يسجد لشهوته ولشيطانه ولحذائه ولمنصبه ولوظيفته.ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً ذكروا عن البخاري أنه قال: الحمد لله ما اغتبت أحداً منذ بلغت الحلم. من يوم بلغ الحلم إلى أن مات ما اغتاب مسلماً، قالوا: وقولك في الرجال وجرحك؟ قال: لا. ليس هذا من هذا، يقول عليه الصلاة والسلام: (ائذنوا له بئس أخو العشيرة) إنما يحفظ الدين بهذا الجرح والتعديل.قال أحد الصالحين يحرض أبناءه: ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً أبداً وقاراً لليمين بالله. أي خُلُق هذا؟! وأي استعداد هذا؟!قيل لـمحمد بن واسع الأزدي أحد الصالحين: مالك لا تتكئ وترتاح؟ قال: أما أنا فخائف، ولا يتكئ إلا الآمن، لا أتكئ؛ أنا ما جزت الصراط، ولا وقفت عند تطاير الصحف، ولا أدري هل أساق إلى جنة أو إلى نار.قلوب عرفت الله، فاستنارت بنور الله، وذهبت في طريق الله، ورفعت لا إله إلا الله.
 ندم عنبسة بن أبي سفيان حال الموت
وعند أحمد في المسند بسند صحيح أن عنبسة بن أبي سفيان أخا معاوية، حضره الموت فبكى وكان أميراً، قالوا: مالك تبكي؟ قال: ما ندمت في الحياة إلا على مسألة، قالوا: ما هي؟ قال: سمعت أختي أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من حافظ على أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع ركعات بعد صلاة الظهر حرمه الله على النار}. فليتني حافظت عليها.أمير سمع هذا الحديث ويحفظه لكنه ما حافظ عليها وتذكره في سكرات الموت فبكى في تلك الساعة.
وصف الموت
أما وصف الموت فهو عجيب، وكلٌ منا سوف يذوقه، وانتظر أياماً وليالٍ فسوف تذوق الموت، وتهيأ للموت، وإن كنت لم تستصحب كفناً فخذ كفناً الآن، واعلم أن القبر ينتظرك، والله لو كنت في بروجٍ مشيدة، فلن تفلت من قبضة الجبار، فتهيأ بالعمل الصالح وبمغفرة الواحد الغفار: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:83-87]. لا إله إلا الله ما أهول الموت! ولا إله إلا الله ما أبشع الموت! ولا إله إلا الله ما أخوف الموت! اسمه يُخاف منه، تقشعر الأبدان، تنتهي اللذائذ، ينقطع الضحك، تنتهي المجالس، تخرب في عينك القصور، الحدائق الغنَّاء، البساتين الوارفة، وخرير الماء، وزجل الحمام، وزقزقة العصافير، هفيف الريح، كلها لا شيء مع الموت.دخلوا بـثابت البناني في حديقة في خراسان فيها كل ما لذ وطاب، حديقة فيها نخل باهٍ، فيها تين ورمان وريحان، فيها نهر مطرد، فيها عشب وزهر من كل لون بهي، فقالوا: ما لك لا تنظر؟ قال: قطع الموت النظر. ماذا ينظر الإنسان؟ كم من ملك رأى الجنود والبنود والأعلام ولكن انتهى، ماذا أخذ؟ وماذا ملك؟ وبماذا ذهب؟ ولماذا جمع؟ هذه حقيقة الموت، وطعمه مر لكنه حلو على من عرف الله.هذا بلال، تقول امرأته: واحزناه! قال: [[وافرحتاه! غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه]].عليك رضوان الله يا بلال! يا صوت الحق! يا داعية السماء! يا صرخة التوحيد التي انطلقت من مكة! يا أيها العبد الذي أعلن عبوديته لله! قال عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]]. بلال الذي تستفيق على أذانه القلوب التي عرفت الله.وقل لـبلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا قالوا لـعمر بن عبد العزيز وهو في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: لا. مللت الحياة، والله لو كان علاجي في أن أمس أذني ما مسست أذني، أريد جوار الله. شاعر عربي مصقع اسمه التهامي، يقول ابن كثير: له قصيدة في ابنه يرثيه، يقول في قصيدته:إني وترت بصارم ذي رونق أعددته لطلابة الأوتار جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري يقول: أنا بقيت في الحياة مجاوراً للحساد والبغضاء والبعداء والأعداء؛ وابني في جوار الله.فلما توفي رئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: بقولي: جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري انظر كيف يدخل الإنسان المسلم الجنة ببيت! وانظر كيف يدخل النار ببيت! إنسان يعادي الرسالة والرسول والقرآن والمبادئ الخالدة يدهده على وجهه في النار، إنسان يسخر قلمه؛ صحفي قصصي ناشر عالم قاض، أي مسلم يسخر مجهوده وطاقته كيف يرفعه الله ويدخله الله الجنة، يقول كعب يهجو قريشاً لأنها تحاد الله، يقول:زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب قال عليه الصلاة والسلام: (لقد شكر الله لك بيتك يا كعب). الله من فوق سبع سموات يشكر بيتاً في الدعوة والتوحيد. وإنما مقصودنا هنا ما هو الموت، وكيف نصف الموت.قيل لـعمرو بن العاص قال له ابنه عبد الله: صف لي الموت يا أبتاه وأنت في سكرات الموت، صف لي الموت فلن يصف أحد الموت بمثل ما تصفه، قال: [[يا بني! والله الذي لا إله إلا هو كأن جبال الدنيا على صدري وكأني أتنفس من ثقب إبرة]].وقال عمر رضي الله عنه وأرضاه لـكعب الأحبار: صف لي الموت؟ قال: يا أمير المؤمنين! أعانك الله على الموت، فدمعت عينا عمر، قال: الموت كما يؤخذ غصن من الشوك، فيضرب به الإنسان، فلا تبقى شوكة إلا دخلت في عرق أو عصب ثم يسحب الغصن فيسحب كل عرق أو عصبة معه.وفي حديث يقبل التحسين: (لسكرة من سكرات الموت أشد من ضرب بالسيف سبعين ضربة). والموت شاق ومخيف ولا يسهله إلا الله، أتدري ماذا يسهل الموت؟ التصدق على المساكين والفقراء.. ركعتان في ظلام الليل.. ظمأ الهواجر.. التسبيحات.. حضور الجماعات.. بر الوالدين والوالدات.. حسن الخلق للمسلمين والمسلمات.. كثرة السجود.. يقول صحابي: (يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة -والحديث في مسلم - قال: أعني على نفسك بكثرة السجود). ومن حديث ثوبان عند مسلم: (فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة).. كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [القيامة:26-27]. أين الطبيب؟ أين الراقي؟ أين من يقرأ؟ ذهب الطب، ذهب الدواء والعلاج: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]. أي: تفر، كنت تتعالج، وتطلب العقاقير والأدوية، لكن جاءت سكرة الموت اليوم وأتى الوعد الحق اليوم، وأتى الفيصل اليوم، وأتى الانتقال والارتحال من الدنيا إلى الآخرة اليوم، فما أصبح طب ولا دواء ولا عقاقير.
 ندم عنبسة بن أبي سفيان حال الموت
وعند أحمد في المسند بسند صحيح أن عنبسة بن أبي سفيان أخا معاوية، حضره الموت فبكى وكان أميراً، قالوا: مالك تبكي؟ قال: ما ندمت في الحياة إلا على مسألة، قالوا: ما هي؟ قال: سمعت أختي أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من حافظ على أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع ركعات بعد صلاة الظهر حرمه الله على النار}. فليتني حافظت عليها.أمير سمع هذا الحديث ويحفظه لكنه ما حافظ عليها وتذكره في سكرات الموت فبكى في تلك الساعة.
الاستعداد للموت
أما العنصر السادس فهو الاستعداد للموت، وهو تاج هذه المحاضرة، وهو مقصودها وزبدها.بماذا نستعد؟ وما هو زادنا؟ زادنا قليل إي والله، وعمرنا قصير، وسفرنا طويل، فما هو الاستعداد؟يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18]. والغد هو يوم القيامة، ولما كان قريباً قال: (لغد) أي: بعد هذه الليلة فصباح هذه الليلة هو غد، فما قال: يوم العرض الأكبر ولا الآخرة، بل قال: غد، وقال سبحانه: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]. اتقوا ذاك اليوم، واعملوا لذاك اليوم، واستعدوا لذاك اليوم.قال سعد رضي الله عنه وأرضاه كما في سيرته بسند صحيح، وهو سعد بن أبي وقاص الذي فتح بلاد فارس وصاحب الانتصار بإذن الله في القادسية، بكت ابنته وهو في سكرات الموت، فقال: [[يا بنية! ابكي أو لا تبكي، والله إني من أهل الجنة]]. قال الذهبي: صدقت هنيئاً لك؛ لأنه شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل الجنة، وهو من الذين استعدوا للجنة، لماذا يدخل الجنة؟ ألأنه خَال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لا. عمه أبو طالب في النار، وعمه أبو لهب في النار، وبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي في الجنة، لماذا؟ لأنهم عرفوا الطريق وعرفوا تقوى الله.وأما الأعمش سليمان بن مهران -أحد رواة الصحيحين - فإنه لما حضرته الوفاة قال لأبنائه: لا تبكوا عليَّ فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الجماعة ستين سنة.فهذه مؤهلات الجنة، هل أحد منا عنده عمل في قلبه؟ هل أحد منا معه رصيد لذاك اليوم؟ يا أيها الإخوة: هل أحد منا استعد برصيدٍ إلى الله الواحد الأحد؟ هل تهيأ بالزحف والانتقال من هذه الدار بزاد؟سعيد بن المسيب يقول لأبنائه: ما أذن المؤذن منذ أربعين سنة إلا وأنا في مسجده عليه الصلاة والسلام. نزلوا بـمكة في قبائل نوفلٍ ونزلت في البطحاء أبعد منزل ماذا نقول إذا لقينا الله غداً؟ ما هي حجتنا عند المولى سبحانه وتعالى؟ إنها والله أمور ينبغي أن نقف عندها، وينبغي أن نتنبه جميعاً كل التنبه. ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير كان كلما صلى الفجر رفع يديه وقال: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قالوا: ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد، فلبى له الله ما سأل، فأتته سكرات الموت وهو في السجود: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21].. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]. صدق مع الله، وتوجه إلى الله، وثبات على لا إله إلا الله.إذاً: كيف نستعد؟إن المؤهلات والشهادات بلا عمل صالح أثبتت إخفاقها في الساحة، وأثبتت فشلها وانهزاميتها، المناصب بلا إيمان لا تساوي شيئاً. يقول أحد الأدباء من المفكرين: قلب بلا إيمان كتلة لحم، وعين بلا إيمان مقلة عمياء، ويد بلا إيمان إشارة خاطئة، وكتاب بلا إيمان كلام مصفف، وقصيدة بلا إيمان كلام ملفف، ومجتمع بلا إيمان قطيع من الضأن.بل نسب لـابن تيمية وهذا صحيح عنه أنه قال: كل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وكل قلب لا يعرف هذا الدين فهو قلب مغضوب عليه.وقال في مختصر الفتاوى: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به محمداً صلى الله عليه وسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:1-5].أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:1-8].وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.
 ندم عنبسة بن أبي سفيان حال الموت
وعند أحمد في المسند بسند صحيح أن عنبسة بن أبي سفيان أخا معاوية، حضره الموت فبكى وكان أميراً، قالوا: مالك تبكي؟ قال: ما ندمت في الحياة إلا على مسألة، قالوا: ما هي؟ قال: سمعت أختي أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من حافظ على أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع ركعات بعد صلاة الظهر حرمه الله على النار}. فليتني حافظت عليها.أمير سمع هذا الحديث ويحفظه لكنه ما حافظ عليها وتذكره في سكرات الموت فبكى في تلك الساعة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سكرات الموت للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net