اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الممتاز في مناقب ابن باز للشيخ : عائض القرني


الممتاز في مناقب ابن باز - (للشيخ : عائض القرني)
في هذا الدرس بعض صفات العلامة ابن باز، وبديعات مناقبه، وغزارة علمه، وعليات أخلاقه وسماته، وأعماله ومجالاته، مروراً بالتعريف بشخصه ونشأته وطلبه للعلم، خالصاً من ذلك أن شخص الإمام ابن باز يتمثل فيه شخصية الرجل العالم بدينه، العارف بأحول عصره ومصره، الشفيق على أمته، القريب منهم، فحقاً إنه لبقية السلف فلا زالت رحمات الله عليه وابلة ونفحاته إليه واصلة.
تعريف بالإمام ابن باز
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وسيد المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين.عنوان هذه المحاضرة: الممتاز في مناقب ابن باز " وكانت آخر محاضرة بعنوان أبو بكر في عصر الذرة، رضي الله عنه وأرضاه.
 نشأته وطلبه للعلم
نشأ الشيخ على رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضع ثدي النبوة على لا إله إلا الله، وأشرقت نفسه على رسالة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب مجدد التوحيد في الجزيرة وفي كثير من أنحاء العالم الإسلامي، فأخذ العلم أولاً على يد المشيخة، فحفظ كتاب الله عز وجل، وأتاه عمى العينين فازداد قلبه بصيرة، وما ضره عمى عينيه بل زاد حفظاً وورعاً وعلماً.. يقول أحد الشعراء العرب وقد عمي صغيراً:عميت صغيراً والذكاء من العمى فجئت همام القلب جم المشاعر وأنزلت في قلبي سواد محاجري فما خفت في الدنيا سواد المخاطر يقول: السواد الذي في عيني أنزلته في قلبي.. واستفاد الشيخ من العمى أموراً أربعةً:أولها: الأجر والمثوبة من الله إن شاء الله.. ففي صحيح البخاري في الحديث القدسي أن الله يقول: {من ابتليته بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة} والمقصود بالحبيبتين: العينين، وكانوا يقولون لـيزيد بن هارون الواسطي -وهو سيد المحدثين، وقد سئل عنه ابن تيمية فقال: هو أشهر من أن يذكر، وأكبر من أن يتكلم فيه- قيل له: أين العينان الجميلتان؟ قال: أذهبهما -والله- بكاء الأسحار.ثانيها: الذكاء المفرط.. فالشيخ حافظ العصر في علم الحديث، واسأله في حديث عند الستة أو عند غيرهم؛ فستجده في الغالب مذياعاً فصيحاً يستحضر سنده ومن تكلم فيه ورجاله وشرحه.فأتوني من أهل العيون المبصرة من يكون كالشيخ في علمه..وابن اللبون إذا ما شد في قرنٍ لم يستطع صولة البزل القناعيس عذرت البزل إن هي قارعتـني فما بالي وبال ابن اللبون ثالثها: استفاد الشيخ من عمى عينيه إغفاله مباهج الدنيا وفتنتها وزينتها، فزهد وجمع قلبه على الدار الآخرة، وعلى التواضع والاستكانة لله، ولم يتشتت قلبه. رابعها: استفاد من مركب النقص في العينين أن ألح على نفسه وحطم نفسه بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء، وهذه قضية معروفة، ومن قرأ منكم كتاب" دع القلق وابدأ الحياة " لـدايل كارنيجي وهو يتحدث عن ماذا فعل من أصيبوا بعاهات في الدنيا، وكيف أنتجوا؛ أخبرك أن مكتشف علم كذا وكذا كان أصم، ومكتشف علم كذا كان أعمى، ولك أن تراجع الفصل الثالث عشر في هذا الكتاب. واستمر الشيخ يطلب العلم بعد أن فقد عينيه، ولكن قلبه يزداد نوراً، وعوضه الله بذكاء في القلب.. يقول أحد الشعراء:رأيتك أعمى العين صار ضياؤها بقلبك حتى صرت فجراً مبلجاً فصار سواد العين في القلب فاغتـدى ينظم من نور الشريعة منهجاً وقيل لـابن عباس -عالم الدنيا- وقد عمي: أحسن الله عزاءك في عينيك.إن يأخذ الله من عيني نورهمـا ففي فؤادي وقلبي منهما نور عقلي ذكي وقلبي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مشهور وقد تقلى الشيخ علومه على يد مشايخ فضلاء، ومن أبرز مشايخه -حفظه الله ورعاه- الشيخ/ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ؛ من الأسرة العامرة الموجهة الخيرة، والشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ قاضي الرياض، والشيخ/ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض؛ العز بن عبد السلام في هذا العصر، والشيـخ/ حمد بن فارس وكيل بيت المال في الرياض، والشيـخ/ سعد وقاص البخاري؛ من علماء مكة أخذ عنه التجويد، وسماحة الشيخ العظيم الجليل/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ؛ المفتي الأجل، لازمه عشر سنوات، واستفاد منه فوائد باهرة.هؤلاء مشيخة الشيخ، وتستمر الحال بالشيخ، فلا يفتر ليل نهار يبحث عن العلم ويطلبه من مظانه، وفي حياته درس على أن الإنسان بإمكانه مع الفقر والعمى والعوز -إذا صدق مع الله- أن يحصل علماً، وأن يستفيد إذا صدق قلبه.. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].يقول الشوكاني عالم اليمن: كنت في أثناء الطلب متهاوناً، فقرأت أبياتاً للشريف الرضى يمدح فيها الهمة العالية، فزادتني همة.. يقول الشريف الرضى متحدثاً عن نفسه: أقسمت أن أوردها مرةً وقاحةً تحت غلامٍ وقاح إما فتىً نال المنى فاشتفى أو فارس زار الردى فاستراح وقد قلت في بيتين على بيتي الشريف الرضى:إذا سألت الله في كل ما أملته نلت المنى والفلاح بهمةٍ تخرج ماء الصفا وعزمةٍ ما شابها قول آح ومما يذكر في الهمم والإصرار والجد والمثابرة: أن عنترة بن شداد كان يغلب الفرسان، وكان يبطح الأبطال، وكان يذبح الكماة.. فقيل له: كيف تصبر؟ كيف تكون مقداماً؟ فقال للقائل: أعطني إصبعك فأعطاه إصبعه، فأخذها في فمه، وأعطاه عنترة إصبعه فوضعها في فمه، ثم قال: عض إصبعي وأعض إصبعك، والصابر منا من يثبت. فعض هذا وعض هذا، فقال ذلك: آه، فانطلقت إصبع عنترة، فقال: بهذا غلبت الناس.قال الله: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] وقال: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140].سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أ صبرا والذي يريد أن يحصِّل عليه أن يقرأ سيرة الشيخ.. وأنا أعلم أن من السلف الصالح من هو أعلم بكثير، لكن علينا أن ننظر إلى رجل حي بين أظهرنا يمثل العلم في القمة، وقد حصل عليه مع فقر وعوز، والكتب ليست متوفرة، والطباعة كانت ضعيفة، ووسائل التنقل ما كانت بذاك، والرجل أعمى؛ ومع ذلك حصَّل وحصَّل حتى وصل إلى ما وصل إليه.. فأين الشباب؟ مع أن العلم متوفر، والطباعة سهلة، والمجلدات كثيرة، والجامعات مفتوحة، والأساتذة كثر، والعلماء متوفرون، وفي الثقافة غزارة.. فأين من يطلب العلم؟خرج القفال الشاشي، وفي الطريق أراد أن يطلب العلم وعمره أربعين سنة.. فنحن نطلب العلم في الأربعين وفي الخمسين وفي الستين، وعلينا ألا نصدِّق كانت ولا ديكارت الذين قالوا: لا. العلم في الصغر فحسب.. يقول البخاري في الصحيح في كتاب العلم: وتعلم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في الكبر.. فنتعلم ولو كنا كباراً.ذهب القفال وعمره أربعون، فقال: كيف أطلب العلم؟ ومتى أحفظ؟ ومتى أفهم؟ ومتى أعلم الناس؟ فرجع، فمر بصاحب سانية يسوق على البقر، وكان هذا الحبل يقطع الصخر من كثرة ما مر، فقال: اطلب ولا تضجر من مطلـبٍ فآفة الطالب أن يضجرا أما ترى الحبل بطول المدى على صليب الصخر قد أثرا واستمر يطلب العلم وأصبح إماماً شافعياً من جهابذة الدنيا.فلا بد من الطموح والهمة العالية، واستعذاب المنايا، والمخاطرة بالنفس؛ حتى تصل إلى المطلوب وإلى الهدف السامي.حفظ الشيخ -جزاه الله خيراً- القرآن، وتعلم كتب العقيدة على مذهب السلف الصالح، وهو الذي يمثل الآن من العلماء الوجهة الصحيحة لمذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وفي مجمل وتفاصيل المعتقد، وأكب الشيخ على كتب شيخ الإسلام/ ابن تيمية وابن القيم.. وفيهما النفع الكثير، وهي تغذي طالب العلم غذاءً هائلاً، وهي تختصر المسافات، وفيها بركة من رجلين خطيرين عبقريين أثريا المكتبة الإسلامية والثقافة المؤمنة. وكان الشيخ يعتمد على كتب الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب، وينثرها في محاضراته وخطبه وكلامه، ويدعو إلى المنهج السديد.
الأعمال التي تولاها ابن باز وأخلاقه ومكانته

 كرمه
وأما كرم الشيخ فحدث ولا حرج، وأنا لا أقول هذا من دافع العصبية والعاطفة، لكني أقول: لا أعرف في هذا العصر أكرم منه، وقد سماه بعض محبيه حاتم الطائي في هذا العصر، وهو لا يمسك قليلاً ولا كثيراً، وربما مرت عليه بعض الأشهر وقد استدان على راتبه لكثرة ما ينفق ويعطي.هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله وكرمه يتمثل في أمور:أولاً: عطاؤه المستمر للفقراء والمحتاجين والمساكين.. فهو لا يرد طالباً، وقد حدثنا بعض طلبة العلم الثقات: أن أحد المجاهدين وفد على الشيخ مرة من المرات، وما وجد الشيخ إلا غرضاً مهماً له فباعه وأعطاه قيمته في سبيل الله عز وجل.ثانياً: أنه ما يدنو وحده على طعام، ولا يعرف أن يكون وحيداً، وإنما إذا حضر طعامه أحضر الناس على طعامه دائماً، وسفرته طويلة، ويحضر طلبة العلم والمفكرون والأدباء والعامة والفقراء والمساكين والمسئولون، فيحيي الجميع ويرحب بهم، وهذا أمر معلوم لا يحتاج أن أثبته لكم، لأن كثيراً منكم رأى ذلك.يقول حاتم الطائي لامرأته:إذا ما صنعتي الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخا سفرٍ أو جار بيتٍ فإنني أخاف مذمات الحوادث من بعدي وحاتم الطائي من حائل، وقد مات جاهلياً وثنيا، يقول لأمرته: إذا صنعت الطعام وأحضرتيه، فلن أتقدم ولن أغسل يدي ولن آكل حتى تأتي بفقير يأكل معي.وقالوا: كان إبراهيم عليه السلام من أكرم الناس، فإذا قدموا له الطعام قال لخدمه ومواليـه: من أتى منكـم بضيف فهو حر لوجه الله، فكيف سيكون حرص المولى أن يأتي بضيف ليتحرر؟! وقد ذكر الله كرم إبراهيم عليه السلام، فقال: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] راغ من الكرم سريعاً، وأتى بعجل سمين، أي: تبيع وهو ولد البقرة، فذبحه، وسمين أي: أنه اختار الأجود، ولم يأخذ نحيفاً لا يساوي ثلاثين ريالاً.وقال في سورة هود: (حنيـذ) فلم يطبخه طبخاً، بل حنَّذه وقدمه مشويـاً، وهذا غاية الكرم، (فقربه إليهم) ولم يقل: قربهم إليه، وقال: (ألا تأكلون) وهذه شيمة الكريم الرحيم القريب المستأنس بالناس.يقول عروة بن ورد وهو شاعر جاهلي:أتهزأ مني أن سمنت وأن تـرى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماء بارد ويقول عبد الملك بن مروان لوزرائه: من تريدون أن أباكم؟ أي: هل منكم من يريد أن أباه غير أبيه؟ قال كلٌ: لا. ما أريد إلا أبي. قال: أما أنا فأريد أن أبي عروة بن الورد، لأنه يقول:أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد معنى البيتين: كيف تضحك مني لأني نحيل وأنت سمين؟ وما ذاك إلا لأني أوزع جسمي وطعامي، فغدائي وعشائي في بطون المساكين والفقراء، وأنت تأكل وحدك وتغلق الباب، وتقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وهذه شيمة البخلاء؛ أنهم يوصدون أبوابهم ويغلقون النوافذ ويكتمون البوابات حتى لا يخرج الدخان، ويكتمون قدر الضغط حتى لا يوصوص على المارة.. فيقول:أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماء بارد يقول: أشرب الماء والضيوف يأكلون الطعام.وبهذه الخلائق الرضية استجيب للشيخ في دعوته للآخرين، وأثر أثراً عظيماً، وأصبح تلاميذه مئات، وأصبح له الأثر لا في الرياض وحدها، ولا في المملكة بذاتها، ولا في العالم العربي، ولكن في العالم كل العالم، وأصبح الناس كلمةً موحدةً وإجماعاً، أو شبه إجماع على حبه وعلى أنه من البقية الباقية من علماء السلف الصالح.
برنامجه اليومي
عمل اليوم والليلة في حياة الشيخ وبرنامجه اليومي:يبدأ الشيخ بصلاة الفجر، وغالباً هو الذي يصلي بالناس، ثم يذكر الأذكار الموروثة عن معلم الخير عليه الصلاة والسلام، وشيء عرفته منه، وعرفته من تلاميذه ومن محبيه وهو: أنه لا يترك بعد الأذكار أن يقول مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.. وغالباً ما يكون عنده درس من الفجر إلى طلوع الشمس، وأعظم ما يدرس الشيخ (كتاب فتح الباري وفتاوى ابن تيمية وبلوغ المرام والكتب الستة والطحاوية ونحوها من العلوم) فإذا انتهى الشيخ صلى ركعتين وعاد إلى بيته وأفطر إفطاراً سهلاً ميسراً، وربما ارتاح قليلاً؛ إذ هو يصارع الحوادث وعنده من الهموم والأشغـال والمشاغل ما الله به عليـم، ويرتحل الشيخ إلى مكتبه، وهو دائماً -كما تعرفون- حريص على هذا؛ لينهي أوامر المسلمين، ويسهل مشكلاتهم.. سهل الله عليه يوم العرض الأكبر.ويبدأ دوام الشيخ الرسمي قرابة الساعة التاسعة من ضحى كل يوم، فإذا وافى مقر الرئاسة وجد المراجعين يملئون الأمكنة المعدة لهم بانتظاره، فيحييهم ويسلم عليهم ويستقبلهم ويصافحهم ويعانق منهم القادم، ثم يأخذ مجلسه وإلى جانبيه كاتبان، وهذا أمر معلوم، عنده في اليمين كاتب وفي اليسار كاتب.لعظمك في النفوس تبيت ترعى بحفاظٍ وحراسٍ ثقاتِ ويأخذ هذا كثيراً من وقت الشيخ، ويرد على المكالمة التي ما تنقطع من القارات الخمس، وإن شئت قلت: الست، فتلفونه نوعان: تلفون داخلي يرد عليه الشيخ، وتلفون خارجي تتصل به الهيئات والجامعات والمؤسسات من أنحاء العالم، ويفتيهم ويرد عليهم الواحد تلو الآخر، وربما صودفت الفتوى عشر مرات، أو صودفت المكالمة عشر مرات، فجزأها الشيخ وانتظر الأول فالأول. ويبدأ الشيخ في استعراض المعاملات، وعنده الكتبة الذين يهمس في آذانهم بما يمكن أن يكتب وبما يمكن أن يوجه لما فيه المصلحة، ويستحضر الشيخ النية عند كل فتوى وكل معاملة لتنفعه في الآخرة.. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] ثم يصلي صلاة الظهر، ويعود إلى عمله الذي ينتهي في الثانية والنصف يومياً، ويرتحل وقد سبقه ضيوفه في البيت فيتغدى معهم غداءً جماعياً، ثم تدار -هكذا أنقل من المجذوب - تدار القهوة والشاي والطيب وحسن الحديث الذي لا يفارق محيا الشيخ، ثم يرتحل مع ضيوفه ليصلي العصر، وربما ألقى كلمة بعد صلاة العصر، ويعود بعد الصلاة.. وهذا الوقت غال، فالدقائق محسوبة أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115].دقات قلب المرء قائلةً له إن الحياة دقائقٌ وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني وربما استراح الشيخ بعد صلاة العصر لما يلقى من أعمال شاقة، ومن إعياء كثير ومن كبر السن، فهو يصارع الآن أكثر من الثمانين، وربما طعن في الثانية أو الثالثة والثمانين يقيناً، فهـو مولود عام (1330هـ) ومع ذلك يزداد عمره بركة.. يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] وهو من أئمة هذا الدين، وقد بارك الله في عمره لاتباعه السنة، ولإخلاصه وصدقه، ولنفعه للناس. ثم يصلي صلاة المغرب، ثم يعود إلى المنزل للقراءة والنظر في شئون الناس حتى وقت العشاء، وبعد أداء الصلاة يتناول مع الحضور طعام العشاء، ولا ينتهي مجلسه من الزوار والرواد، ولا يزال بين قراءة وإملاء وحديث نافع حتى وقت متأخر، وقلما يتاح له الإخلاد إلى النوم قبل منتصف الليل، وربما ينام الشيخ بين الحادية عشرة إلى الثانية عشرة؛ من أجل أن يستغل هذه الأمور في أعمال الناس، ثم ينام الشيخ ويستيقظ قبل الفجر بوقت طويل فيتهجد.. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79].يقول بعض الفضلاء: رأيت أثر قيام الليل في وجه سماحة الشيـخ/ عبد العزيـز بن باز.. فيقوم يصلي ويدعو، وربما غلبه البكاء في صلاة الليل لخشيته ولتقواه، ثم يأتي لصلاة الفجر، ونراه ينتقل من بيته بواسطة سيارة حتى يصل إلى الجامع الكبير فيصلي بالناس، وعلى قراءته خشوع وسكينة، ثم يعود إلى برنامجه اليومي.وهناك بعض الأمور كحضور المؤتمرات، وبعض المهمات العلمية التي يقضيها الشيخ قد تغير من هذا البرنامج قليلاً.
 الشيخ محدثـاً وفقيهاً
وأكبر ميزة للشيخ/ عبد العزيز أنه محدث، بل هو محدث العصر، ولا أعلم أحفظ منه للمتون، ولو أن بعض العلماء قد يتفوق في علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، أو التخريج، لكن الشيخ يستحضر المتون، وهو فقيه؛ جد فقيه يستنبط من النص ويستشرب من النصوص، وينثر علمه على الناس بسهولة ويسر.ومما يميز سماحة الشيخ أنه لا يتكلف في الحديث، ولا يتكلف في الفتوى، ولا يتنطع في الكلام، ولا يتعمق في المسائل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يتنطعون، ولا يتعمقون، ولا يتكلفون، وإنما يرسل الكلام على سجيته، فيجعل الله له قبولاً في قلوب الناس لصدقه ولبركة أنفاسه ولطيب نواياه.. غفر الله له ورفع درجته.وفقه الشيخ من السنة مباشرة، وهو أشبه ما يكون بمدرسة ابن تيمية وابن القيم، فليسوا بالفقهاء الذين أهملوا النصوص، وليسوا بأهل الظاهر الذين أهملوا كلام أهل العلم وأخذوا بظواهر النصوص، لكنهم يأخذون من النصوص الفقه الجميل الموافق لقواعد الشريعة، وإن أُعدموا ذلك رجعوا إلى كبار علماء السنة، فأخذوا منهم ما يستفيدون.
مواقف للشيخ ابن باز ومواهبه الفذة

 مشهد لا ينسـى
يذكرون في سيرة الشيخ أنه لما ودع من الرياض ليذهب إلى منصبه الجديد في المدينة؛ قام أهل الرياض بعد صلاة العصر وألقوا كلمة واحتشدوا عليه وودعوه وبكوا بكاءً عظيماً، وقام الشيخ فودعهم، ولكن غلبه البكاء، وسمع بكاء الشيخ -كما ينقل المجذوب..ولما التقينا للوداع عشيةً سفكنا دموعاً واستثرنا مآقيا وقفنا وفي العذال منا ملامةٌ وكنا نرى أن ليس بعد تلاقيا فودعوه وبكوا عليه، ومن يعاشر الشيخ ويماشيه ويمكث معه فترة لا يطيق فراقه، وهذه هي ميزة المسلم الذي لا يؤذي، المتواضع المحب لا يستطاع فراقه، ولذلك كل من صحبه وجد فيه الخير، قال المجذوب: وكنت فيمن حضر.. وذكر تأثره وبكاءه، قال: وقلت بيتين بتلك المناسبة لما ودعوه في الجامع الكبير وبكوا وبكى الشيخ: بكينا وفاءً لامرئٍ قل أن يُرى له في الدعاة العاملين نظير فخلوا ملامي إن ألح بي البكـا فإن فراق الصالحين عسير والشيخ يُمدح من كثير من الناس، وقد مدحه كبار الناس وصغارهم وشعراؤهم وأدباؤهم وعلماؤهم، يقول تقي الدين الهلالي محدث المغرب -وقد توفي من سنوات رحمه الله- في قصيدة عامرة طويلة تقارب الستين بيتاً: خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل بازٍ إنهم بالثنا أحرى وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهـم رآه رأى فيه المشقة والعسرا ولـأبي هلالة الشاعر الكبير قصيدة هائلة مبدعة رنانة في سماحة الشيخ.. وللمجذوب قصيدة بديعة من أبياتها:روى عنك أهل الفضل كل فضيلةٍ فقلنا حديث الحب ضربٌ من الوهم فلما تلاقينا وجدناك فوق مـا سمعنا به في العلم والأدب الجم فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي والباز هو الصقر، والشيخ اسمه ابن باز. ولي فيه قصيدة تقارب خمسين بيتاً، من أبياتها:قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعلٍ منهم ومن حافي مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجاف بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطلُّ في إشراقه الضافي تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف ومنها:أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قاف ما أنصفتكَ القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصاف يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعافِ يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف والشيخ محبوب إلينا، نحبه في الله، ونتقرب إلى الله بحبه، والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة

 الطريق إلى ما وصل إليه الشيخ
السؤال: كيف نصل إلى ما وصل إليه الشيخ؟الجواب: ليس هناك حاجب يحجبك أن تصل إلى مثل ما وصل إليه وأحسن وأكثر؛ إذا صدقت وبذلت وتعلمت ودعوت الله كثيراً، فسوف تصل بإذن الله. والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الممتاز في مناقب ابن باز للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net