اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الرجل الممتاز للشيخ : عائض القرني


الرجل الممتاز - (للشيخ : عائض القرني)
من هو هذا الرجل الممتاز؟إنه عمر بن الخطاب تلك الشخصية العظيمة، وكم هي عظيمة مواقف عمر بن الخطاب.من يبلغ منزلته في عدله، وذكائه، وخشيته لله وقوته، وحبه للمصطفى صلى الله عليه وسلم، وإخلاصه، وصدقه...
شائعة تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،،معنا في هذا الدرس جلسة طيبة بإذن الله، ومجلس مبارك بعون الله مع أصحاب رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، مع الذين فتحوا الدنيا، مع الذين بذلوا دماءهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله، واشتروا رضوان الله وجنة عرضها السماوات والأرض بكلمة لا إله إلا الله، مع الذين صدقوا الله فصدقهم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح:18].اتفق الشيخان واللفظ للبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سافرت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يحدث بالقصة مكة، فبينما نحن في الطريق عدل رضي الله عنه وأرضاه يقضي حاجته، فقال: اتبعني بماء أتوضأ به، قال: فحملت إداوة ولحقته، فلما انتهى من قضاء حاجته أخذت أصب عليه ثم سألته قلت: يا أمير المؤمنين!! من هما المرأتان اللتان أنزل الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]قال عمر: عجباً لك يا بن عباس!قال الزهري: كره عمر سؤال ابن عباس وكره أن يكتم العلم الذي أعطاه الله إياه.قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم اندفع عمر رضي الله عنه وأرضاه وقال: لما قدمنا المدينة مهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت في عوالي المدينة عند رجل من الأنصار؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يؤاخي بين المهاجرين الأنصار. قال عمر: فنزلت في العوالي عند أخٍ لي من الأنصار، فكنت أتناوب وإياه النزول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة. أي: هذا ينزل ليلة وهذا ليلة وهكذا..لأنهم كانوا يكدحون وسوف يأتي مجمل الحديث، قال: فنزل صاحبي في الليلة التي بقيت فيها، وكنا نتحدث أن غسان -قبيلة من القبائل العربية بـالشام - تريد أن تغزو المدينة، قال: فقدم صاحبي علي في الليل فطرق الباب طرقاً شديداً، وضربه ضرباً، فقلت: ماذا حدث؟قال: حدث أمر عظيم.قال عمر: أغزت غسان المدينة المنورة؟قال صاحبي: لا، أمر عظيم. قلت: ما هو؟قال: طلق الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه. فقال عمر: الله أكبر. ثم قال: ويحاً لـحفصة، أما نهيتها عن معاندته صلى الله عليه وسلم حتى وقع ما وقع، ولكن عمر كان صبوراً وحازماً وكان صارماً رضي الله عنه كالجبل.قال عمر: فأخذت علي ثيابي، ثم أخذت حذائي فلبستها فنزلت فصليت الصبح.انظر ما أحسن سياق القصة! وما أحسن هذا التصرف الحكيم من عمر رضي الله عنه وأرضاه! لم يأتِ وسط الليل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن تركه حتى صلى الصبح.قال: ثم أتيت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فوجدت الناس يبكون حول المنبر؛ وذلك لأنهم سمعوا بالخبر، وهم يعيشون أحداث الرسول عليه الصلاة والسلام وقضاياه.قال: فقلت للناس: أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه؟ قالوا: لا ندري.
 النبي صلى الله عليه وسلم ينفي هذه الشائعة
ثم أتى عمر فقال: يا رسول الله.. أطلقت نساءك؟ قال: لا. قال عمر: الله أكبر! ارتاح وهدأ باله وارتاح ضميره؛ لأنه لا يريد أن يخسر بنته من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويريد أن يأتي يوم القيامة وصهره ورحيمه هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، ويريد إذا دخل الجنة أن يزور رحيمه رسول الهدى صلى الله عليه وسلمفخرج عمر رضي الله عنه إلى الناس وبشرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، وإنما حلف ألا يدخل عليهن شهراً كاملاً، فلما انقضت تسعة وعشرون يوماً؛ نزل صلى الله عليه وسلم فطاف على نسائه، وبدأ بـعائشة فقالت عائشة: يا رسول الله، بقي ليلة، الشهر ثلاثون يوماً، قال صلى الله عليه وسلم: لا، الشهر تسعة وعشرون يوماً. ولذلك يقول: {نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا} يعني أمة ذكية بليغة، عبقريتها مستوحاة من الصحراء، فنحن لا نعرف الجبر ولا الهندسة ولا نعرف الجمع ولا الطرح وإنما نحسب هكذا، ثم نزل صلى الله عليه وسلم وقد آلى من نسائه ثم عاد.هذا مجمل الحديث أو نحو هذا أو شبه هذا، ونستغفر الله إن زدنا أو نقصنا، لكن هذا الحديث أو نحوه هو الذي أورده البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد.
من فوائد حديث هجر النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته
وفي هذا الحديث مسائل:
 استطراد
وذكر في الآيات أربع إرادات قال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79] انظر هنا كيف قال: (فأردت) ولم يقل (فأردنا) وسوف يأتي (فأردنا) وسوف يأتي (فأراد ربك) وسوف يأتي في الجدار (فأراد أن ينقض) هذه أربع إرادات، لكن هنا في الضمير قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79] بضمير المتكلم، وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ [الكهف:80-82] ولم يقل (فأردت) مثل الأول ولم يقل (فأردنا) فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:82].الآن نعود إلى الإرادة الأولى قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79] الذي أمره أن يعيب السفينة هو الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فليس من الأدب أن يقول: فأردنا أو أراد ربك أن أخرب السفينة والله هو الذي قدر الخير والشر -هذا معتقد أهل السنة والجماعة لكننا نتأدب مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في ذكر الشرور والخراب، فلا نقول: إن الله الذي فعل كذا وكذا من باب التأدب؛ لأن خراب السفينة ظاهر عند الناس أحاله على نفسه تأدباً مع الله، وهذا من الوقار والخشية.قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبا ) [الكهف:79] فإذا رآها فسدت لا يأخذها وإذا رآها تكسرت لا يأخذها، لا يأخذ إلا شيئاً صحيحاً، ولا يأخذ إلا آخر موديل، فإذا رآها مكسرة الأخشاب قال: ردوها على اليتامى. فهذا من الحكمة.وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:80-81] جمع هنا الضمير لأن في قتل الغلام خراباً ظاهراً ومصلحة باطنة، فالمصلحة الباطنة أن الله يبدلهما خيراً منه، والمفسدة الظاهرة: قتل نفس معصومة، فكأنه يقول: إن كان هناك شيء من الخراب؛ فهو من جانبي وأما الصلاح فهو لله عز وجل فجمع الضمير.ولما أتى إلى الجدار قال: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف:77] والعرب تنسب الإرادة من باب المجاز أو غيره على قول من قال: أن في القرآن مجازاً، وابن تيمية يقول: ليس في القرآن مجاز. والعرب تنسب الإرادة أحياناً إلى الجماد، يقول الله عز وجل في سورة يوسف: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [يوسف:82] والقرية لا تُسأل، لكن من عادة العرب أنهم يمرون على الأطلال فيقول الشاعر إذا مر على الأطلال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنـزل بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمألِ وذاك يقول: وقفت على الأطلال أسألها هل في المحبة والأوطان أحباب فعلى تلك اللغة كان الله يسأل أهل القرية.ولما أتى إلى الأخير قال: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ [الكهف:82] لأنها مصلحة ليس فيها مفسدة، أناس لم يضيفوك؛ فبنيت لهم الجدار فلا فساد، بل صلاح محض، فكانت الحكمة لله، ولذلك انظر إلى تلطف الجن عندما أتوا ليأخذوا الأخبار وقت نزول الوحي، أرصدهم الله عز وجل بالشهب والأجرام السماوية حين تغيرت الأرض والسماء لمبعث الرسالة، فذهبوا يلتمسون الوحي؛ فوجدوا أن السموات قد أغلقت بالحرس، كلما أتى واحد منهم ضرب بشهاب في قفاه وقتله، فأخذوا يتجمعون خائفين ثم أخذوا يقولون: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن:10] (أريد) وما قالوا (أراد) فبنوا الفعل (أريد) للمجهول تأدباً مع الله، ولما أتوا إلى الخير قالوا: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن:10] فأظهروا الفاعل هنا، وإبراهيم عليه السلام يقول: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80] وإلا فالصحيح أن الله هو الذي أمرضه، ولكن ما قال: والذي يمرضني ويشفين، ولكن قال: إذا مرضت أنا تأدباً مع الله عز وجل.والله عز وجل ما طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أمراً أن يتزود منه إلا العلم فقال له: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] ولذلك فمن الصحابة من سافر شهراً كاملاً في طلب حديث واحدٍ، كـجابر بن عبد الله الذي سافر شهراً كاملاً لطلب حديث من مصر، وسعيد بن المسيب سافر ثلاثة أيام لطلب حديث واحد، أما نحن والحمد لله ففي بيوتنا مئات الألوف من الأحاديث والمسانيد والمعجمات والمستخرجات، ولكن قلّت الهمم في القراءة، الإمام أحمد يطوف الدنيا أربعين سنة ويجمع أربعين ألف حديث، وهي مطبوعة ومحققة ومجلدة وموضحة في أدراجنا، فمن يقرأ ومن يستنبط ومن يفهم؟
جوانب من عظمة عمر

 هيبة عمر رضي الله عنه
رغم جلالة ابن عباس ومكانتة في الإسلام؛ فإنه كان يهاب عمر، وكان كبار الصحابة يهابون عمر بن الخطاب، ومن عادة الناس أنك إذا خالطت الإنسان كأبيك وأخيك ومعلمك دائماً أن تقل هيبته، لكن عمر بخلاف ذلك، يخالطه الصحابة دائماً في مجالسهم وفي منتدياتهم ومجتمعاتهم وما يزداد مع ذلك إلا هيبة، رضي الله عنه وأرضاه.من مواصفات شخصيته أنها كانت قوية جداً، كان فيه شدة لكن في الحق، يقول ابن كثير: ما كان يضحك ولا يمزح، عمر في خلافته لا يضحك ولا يمزح أبداً، صارم كالسيف؛ ولذلك أرهب الله به أعداء الله من الإنس والجن، حتى الجن كانوا يخافون منه، وثبت في الحديث أنه صارع جنياً فصرعه على الأرض، قال عمر: [[كيف أنت في الجن؟ قال: لقد علم الجن أني من أقواهم]] لكن واجه رجلاً قوياً فصرعه. وعمر حتى من حيث تكوينه الجسمي كان من أقوى وأعتى الناس، كان إذا مشى كأنه راكب على فرس.وبعض الأمور والطرائف وضعها بعض أهل السير وما أظنها تثبت، لكن يذكر أن حلاقاً كان يحلق رأس عمر فعطس عمر فأغمي على الحلاق حتى رش بالماء، فكيف إذا تكلم عمر أو نهره..! وأنا سمعت من بعض الدعاة المفكرين يذكر في خطبته يقول: لما دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في القبر أيقظه المنكر والنكير -الفتان- ليسألاه، فلما استيقظ بدأ بهما وقال: من ربكما؟ من نبيكما؟ ما دينكما؟ لقوته رضي الله عنه وأرضاه. فيذكر عن عمر رضي الله عنه وتركب عليه مثل هذه الدعابات؛ لأنه كان من القوة بمكان لا يعلمه إلا الله عز وجل.تصور أن الهرمزان رسول إمبراطورية كسرى جاء يفاوض عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فيأتي في حشم وحاشية، يلبس الحرير والديباج، ومعه من الأكسية والذهب والفضة ما يريد أن يرعب به الأمة العربية، والبدوي إذا رأى شيئاً من ذهب ربما يصرع، أو رأى شيئاً من الفضة يغمى عليه؛ لأنهم لا يعرفون الفضة ولا الذهب، دائماً مع الغنم والإبل، ودائماً مع الخيام والثياب والسيوف المثلمة والرماح، في حياة بدائية. أما أولئك فأهل حضارة، ولذلك هم يعدون الآن مثل أمريكا وروسيا، أنزلهم الله في النار جميعاً: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38].فالمقصود أن الهرمزان اختاره الملك فقد كان ذكياً وصاحب هيبة، فدخل المدينة بالموكب، فأتى يسأل الناس: أين قصر الخليفة؟ عمر هذا الذي دوخ الدنيا، أخذت نساء فارس يسقطن الحمل من هيبته وهو في المدينة جالس على عباءته المرقعة وخبز الشعير أمامه والزيت معه، ليس عنده من الحرس ولا من الهيلمان والقصور شيء. فيقول الهرمزان: أين قصر الخليفة؟ قال الصحابة: ليس له قصر. قال: أين مجلس الشورى الذي يجتمع بالناس فيه؟ قالوا: ليس له مجلس شورى، بل في المسجد. قال: دلوني على المسجد. وأخذ يذهب معهم ويظن أنه سيلقى ناطحات سحاب أو قصوراً مثل قصور كسرى مطلية بالذهب.فأخذ يسأل قالوا: في المسجد، فمر في سكك المدينة، وتخيل قرية صغيرة، بيوت الطين منها مبنية، طرقها متلاصقة ومتواضعة، حتى إذا مددت يدك لحقت السقف في كل بيت، لكن من هنا انبعثت (لا إله إلا الله) ومن هنا أتت حضارة الإنسان، ومن هنا رفعت راية لا إله إلا الله، ومن هنا أعيدت معالم البشرية مرة ثانية، ومن هنا خرج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحسان والزبير وطلحة وزعماء الإسلام وأدباؤه وشعراؤه وعلماؤه.فذهب إلى المسجد والناس وراءه، منظر عجيب! من هذا الذي يلبس هذا اللباس، والشمس تلمح مع الحرير والديباج والفضة، كلما ذهب في حارة ذهبوا معه في الطريق. فدخل في المسجد والتفت وقال: أين عمر بن الخطاب؟ قالوا: ما وجدناه. خليفة الدولة الإسلامية لا يوجد ويبحث عنه بالملاقيط؟! قالوا: ما وجدناه. في الأخير، قال رجل: أبشركم، وجدت عمر بن الخطاب. قالوا: أين؟قال: نائم تحت شجرة في ضاحية من ضواحي المدينة، فذهب الهرمزان وذهب وراءه الناس، وأتوا إلى عمر رضي الله عنه في آخر نومه قبل صلاة الظهر، فوقف على رأسه، وكان أهل فارس أهل عقول ودهاء؛ ولذلك يقول عمر: [[إن لأهل فارس عقولاً ملكوا بها الدنيا]]. انظر.. ما استهزأ بـعمر، ولا سخر، ولا قال: هذا ملك وخليفة المسلمين في هذا الزي المقطع؟! لا، أخذ يرتعد، فيقول له الناس: ما لك؟ فيقول للترجمان وهو يشير إلى عمر: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، ولذلك حافظ إبراهيم شاعر وادي النيل في محفل في القاهرة حضره ألوف مؤلفة أتى بهذه الكلمات: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، يقول حافظ إبراهيم في أول القصيدة:حسبي وحسب في حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها يا رب هب لي بياناً أستعين به على حقوق ديون نام قاضيها إلى أن يقول:قل للملوك تنحوا عن مراتبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها إلى أن يقول: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها يقول: ذهل واندهش صاحب كسرى لما أتى وعمر وهو صاحب الرعية عطلاً أي: أنه جالس بلا حلي وعليه ثوب ممزق.رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها لبسها من أول الخلافة إلى آخر الخلافة، ما خلعها إلا ولبس الأكفان بعدها، كان يرقعها كل يوم، تنشق من هنا فيرقعها من هنا والذهب والفضة تحت يديه! لكن أولئك قوم اختارهم الله للآخرة، قال:رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها وقام عمر رضي الله عنه وأرضاه وفاوضه، وما يزداد هذا إلا رعباً وخوفاً، أنزل الله الخوف والرعب فيه فهو يرتعد بجانب عمر، وقد كانت قوة الأرض مع أولئك؛ لكن قوة (لا إله إلا الله) مع عمر، فـعمر بلا شك كان من أهيب الناس، الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس مع النساء؛ لأنه معلم ومربِ ولين وحكيم، وقد كان عمر حسنة من حسناته صلى الله عليه وسلم، بل هو ورقة من شجرته، فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم مثل عمر في القوة والصرامة ما تعلم الناس كثيراً، ولا جلس معه الأطفال، ولا سألته النساء، لكن النبي هو معلم البشرية، فهو لين، يقول الله عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ويقوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].{فجلس مع النساء، وأخذ بعض النساء يتمازحن في مجلسه صلى الله عليه وسلم، فلا إله إلا الله ما أبره! ولا إله إلا الله ما أرحمه وما أحلمه! ولكن فجأة جاء عمر بن الخطاب، فسمع النساء جلبة عمر فأخذن يتسابقن إلى الحجاب بعضهن تركب بعضاً! ودخل عمر، فقال: يا عدوات أنفسكن -وهذا في الصحيح- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تهبن منه (أو كما قال رضي الله عنه) لكن ردت امرأة عاقلة، قالت من وراء الحجاب: أنت فظ غليظ القلب ورسول الله صلى الله عليه وسلم رحيم لين} أو كما قالت. فهو صارم رضي الله عنه، فأخزى الله الشياطين من الجن والإنس بصرامته؛ لأنه لو كان ليناً وكان أبو بكر ليناً ما صلح اللين مع اللين، أبو بكر تولى بعد الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة في مرحلة تستحق اللين سنتين وستة أشهر، لكن تمردت بعض القبائل وتمردت بعض الشعوب وبعض الدول، فأتى هذا الداهية العملاق يقول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {رأيت في المنام كأن أبا بكر أخذ الدلو فدلى دلوين أو ثلاثة وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت، فما رأيت عبقرياً يفري فريه} أو كما قال.
فوائد في الحديث تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم

 ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من شظف العيش
الله عز وجل جعل نعيمه وقرة عينه وسروره وحبوره في الآخرة، فلم يعطه الدنيا حتى لا يأخذ من ثمرته في الآخرة، بل ادخر الله له النعيم المقيم في الآخرة عليه الصلاة والسلام، فعاش شظف العيش، يسكن في بيت من طين ويعيش هذا ليكون قدوة للناس، وإلا فمن وسع الله عليه فعليه أن يتوسع كما فعل بعض الصحابة، ومن استعان بنعمة الله على طاعته فهو مأجور، وهذا غني شاكر، وذاك فقير صابر، وأكرمهما عند الله أتقاهما.
فوائد مستنبطة من الحديث

 العلم الخشية
أعظم ثمرة في الإسلام للعلم وللمعرفة وللثقافة وللاطلاع: خشية الله عز وجل، فالذي لا يخشى الله عز وجل؛ فليس لعلمه ولا لثقافته ولا لاطلاعه نفع ولا فائدة، وإنما يزيده كثرة العلم عمى وضلالة كما زاد اليهود والنصارى، فالذي لا يستفيد من علمه ولا من تحصيله واطلاعه، ولا من ثقافته ومعرفته، ولا من شهادته خشية لله عز وجل فكأنه يتأخر، وكأنه ينقطع من حبل الله عز وجل، وكأنه نقض الميثاق مع الله عز وجل، ولذلك يقول جل ذكره: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فالذي لا يخشى الله ليس بعالم ولو كان يحفظ نصوص الدنيا، ولذلك يوجد منافقون في هذه الأمة يحفظون القرآن كالماء، كما ذكر ذلك ابن تيمية وغيره.يوجد من المستشرقين الكفرة من يحفظ القرآن، حفظوا القرآن ليعرفوا الثقافة الشرقية ويردوا على رسالة الإسلام، ويوجد بعض الفسقة والفجار يحفظون القرآن والحديث؛ لكن أثر الخشية المطلوب ليس فيهم؛ لأنهم لا يريدون الاستقامة، ويوجد في أهل الصلاح وفي أهل الخير وولاية الله عز وجل من الذين هم السابقون الأبرار من لا يحفظ إلا سوراً من القرآن، ولذلك يذكر ابن القيم: أن حفظ القرآن هو العمل به، وهو أعظم مدلول للحفظ ولو لم تحفظ نصوصه، وأن أعظم تضييع له هو تضييع العمل به، لأن ابن مسعود رضي الله عنه يقول كما في الموطأ: [[إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير من يعطي، قليل من يسأل، يحفظون حدود القرآن ويضيعون حروفه، وسوف يأتي زمان كثير خطباؤه، قليل فقهاؤه، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يحفظون حروف القرآن ويضيعون حدوده]].ولذلك تجد من بعض الناشئة من يحفظ كثيراً من القرآن أو كل القرآن ولا يصلي مع الناس في المسجد، وتجد منهم من يحفظ كثيراً من القرآن ويعق والديه، ويقطع رحمه، ويلعن ويشتم، ويتعدى حدود الله، ويقترف المعاصي والذنوب بلا حدود ولا انتهاء، فثمرة العلم هي الخشية.وإنما قلت هذا لأن أعظم ما يجعلنا نسوق قصص السلف الصالح سلام الله عليهم أننا نأخذ منهم أنهم عملوا بعلمهم، وقصصهم بلسم للقلوب ودواء وشفاء بإذن الله وراحة، مثل عمر وابن عباس يوم ذكرناهما رضي الله عنهما، العامل الكبير الذي يقدمهم على كثير من الناس هو الخشية لله عز وجل وليس كثرة العلم.تصور عمر بن الخطاب يوم يظلم عليه الليل وهو في الليل الدامس فيأتي رضي الله عنه وأرضاه -كما تقول عاتكة بنت زيد: [[فلا ينام الليل، يأخذ عنده تور من ماء فيغسل وجهه كلما ضمه النوم كالطائر، ثم يهلل ويكبر حتى ينتصف الليل فيقوم يصلي ويبكي حتى الصباح، فتقول له زوجته: يا أمير المؤمنين لو ارتحت! أفي النهار مكدود متعوب وفي الليل مكدود متعوب؟ قال: لو نمت النهار لضاعت رعيتي ولو نمت الليل لضاعت نفسي]]عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع سورة الصافات من أبي بن كعب وهو يقرأ على الناس: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:25-26] فيهوي على وجهه حتى يحمل من المسجد ويبقى شهراً كاملاً، يقول ابن كثير: فيزار في البيت. يقول عطاء: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ابن عباس جفناه كالشراكين الباليين من كثرة البكاء، ولقد رأيته ليلة من الليالي يصلي من صلاة العشاء إلى الفجر وهو يبكي ويردد قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123] ]فأعظم ما نستفيد منه في هذه الجلسات ومن الدراسة والمحاضرات ومن الاطلاع في الكتب الخشية، وإلا فوالله لو كان الأمر فقط بزيادة معلومات فلقد غلبتنا أمم كثيرة عندهم ثقافات ويقرأون من الكتب أكثر مما نقرأ، ولذلك تجد بعض الأمم كالأمريكان يقرأون الساعات الطويلة، العجوز منهم يركب الحافلة والطائرة والقطار وهو يقرأ كتاباً في يده، ينتظر زميله وهو يقرأ كأنه يعد للجنة بينما هو يعد للنار ويهوي في النار على وجهه، ونحن أمة الرسالة والمعرفة والتي أراد الله أن نكون أمة الخشية والإنابة ليس هناك إلا من رحم ربك سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فالذي ندعو أنفسنا وإياكم إليه أن تكون ثمرة هذا الجلوس والتراجم والأحاديث والندوات والدروس خشية لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، واتصال به، وزيادة في العمل الصالح وتوبة من السيئات وإنابة إليه.أسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يثبتني وإياكم على الحق، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، ربنا تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الرجل الممتاز للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net