اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حرب طاحنة بين السنة والبدعة للشيخ : عائض القرني


حرب طاحنة بين السنة والبدعة - (للشيخ : عائض القرني)
في ثنايا هذا الدرس: ذكر مسار البدعة، وكيف واجهها الإسلام، وكيف حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وتوضيح أنواع البدع، ومواقف للعلماء وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة من بعدهم في التصدي لأهل البدع، ولو اقتضى الأمر السجن أو ما هو أكبر منه.
مسار البدعة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على معلم الخير، وهادي البشر، ما اتصلت أذن بخبر وعين بنظر، وما تألق ورق على شجر، وما همل مطر وانهمر. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الأبرار: أيها الأخيار! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، عنوان هذه المحاضرة (حرب طاحنة بين السنة والبدعة) وهي حرب ضروس وجدت منذ أن خلق الإنسان، حرب بين الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل، وهذه الحرب نتكلم عنها منذ فجر النبوة وسوف نتكلم عن: - مسار البدعة وكيف واجهها علماء الإسلام؟ وكيف انتصروا عليها في أكثر من موقف؟- وما هي أسباب انتشار البدعة؟- وما هي أسباب الانتصار على البدع؟- ثم نعرض إلى بعض الوقائع والمقولات التي عاشها علماء الإسلام منذ فجر الدعوة، وعلى رأسهم وقدوتهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم. - ثم نعرج على بعض العناوين ومنها: - التحذير من البدع. - صراع البدعة مع السنة. - الخوارج وموقفهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. - الجدال الذي كان ثمرته التعزير. - المبتدع مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه. - علي بن أبي طالب أمير المؤمنين يندد بالبدعة ويلاحق ابن سبأ في كل مكان. - عمارة بن رؤيبة وموقفه من البدعة.- أحد الصحابة يتهم بشر بن مروان بالبدعة على المنبر. - الحسن البصري يتبرأ من واصل بن عطاء المعتزلي. - خالد القسري يذبح الجعد بن درهم المبتدع كذبح الشاة يوم عيد الأضحى.- الإمام مالك يتكلم عن السنة، ويعارض البدعة، ويندد بها في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام.- الإمام أحمد يقود الحلف السني الشهير ضد الحلف المبتدع الصغير الحقير، ومن وإلى المأمون الخليفة العباسي المبتدع.- أحمد بن نصر الخزاعي يذبح شهيداً في سبيل الله.- ابن تيمية يتصدَّى للبدع ويحاربها بقلمه السيال، ولسانه المعطاء، وبفكره وعطائه وتأليفه، وينزل للبدع في الميدان، ثم تعلن النتيجة لصالحه. - الإمام محمد بن عبد الوهاب يؤسس الدولة السنية التي قامت على الكتاب والسنة، وينصرها بالسيف والقلم، وهو مسئول عن فترته، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، ونحن نسأل عن هذه الفترة ولا يسأل عنها محمد بن عبد الوهاب.ثم الخلافة العثمانية وموقفها من البدع. - ثم نعرج على القضايا العصرية وعلى بعض الأمور بدون أن نتعرض لأشخاص ولا لحكومات ولا لهيئات، فإن موقفنا هنا أن نبين الإسلام، ولا نتعرض لأحد مهما كان إلا أن يقدح في الإسلام؛ حينها نبين خطأه وظلمه وضلاله، وهذه أمانة الله عز وجل على طلبة العلم والدعاة.
 موقف السلف الصالح من البدع
قال سفيان الثوري: [[البدعة أحب إلى إبليس من المعصية]] علق ابن تيمية على هذا المقال بقوله: لأن البدعة قليل من يتوب منها، أما المعصية فكثير من يتوب منها؛ ولأن المبتدع يرى أنه محق ويرى أنه على صراط مستقيم وأنه مهتدٍ، فلا داعي لأن يتوب وهو على صراط سوي.قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عائشة مرفوعاً وهذا الحديث عمدة من عمد الدين، وقاعدة قوية، وصخرة تتكسر عليها رءوس المبتدعة قال صلى الله عليه وسلم: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} وفي لفظ: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} لكن تعالوا إلى كلام السلف في البدعة، قال بعض السلف في البدعة: لا تجالسوا مبتدعاً ولا تؤاكلوه ولا تشاربوه، فإنه أعدى من الجرباء.وقال ميمون بن مهران: ثلاث لا تسلم لنفسك فيها انقياد:الأولى: لا تخلو بامرأة ولو أن تقول: إني أعلِّمها القرآن، أو أعظها، فإنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما}.والمسألة الثانية: لا تقبل على السلطان ولو أن تعظه، فإنك لا تدري ماذا تفعل، أي: تتنازل عن دينك.والمسألة الثالثة: لا تستمع لصاحب بدعة، فإنك لا تدري ماذا يقذف في قلبك من بدعته.فالأهواء أسرع إلى أهل البدع، وهي السم الزعاف، وهي أعدى من الجرب للأمة إن لم يتداركها الله برحمته تبارك وتعالى.
أسباب البدعة
لماذا يبتدع المبتدع بدعته؟وعند الإجابة على هذا السؤال سوف نتعرض إلى: - بدع العقائد. -بدع العبادات. -بدع الآداب والسلوك. ما هي الأسباب التي تجعل كثيراً من الناس يبتدعون في دين الله وهو الشريعة كاملة، قال سبحانه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]؟ الجواب: لا يبتدع مبتدع إلا لأحد أسباب ثلاثة:
 السبب الثالث: اتباع المتشابه
في النصوص القرآنية والسنة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام: نصوص تحتمل التأويل، تحتمل هذا وذاك، تحتمل الاستنباط وغيره، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران:7]. والمحكم في آيات القرآن كثير، والمتشابه ما يحتمل وجوهاً.أو ما لا يدرك علمه، فعلماء الإسلام وأهل السنة، يقولون: آمنا به ووكلنا علمه إلى عالمه، أما المحكم: فنؤمن به ونعمل به، والمتشابه نؤمن به ونكل علمه إلى الله. لكن أهل البدع يأخذون المتشابه، فيدخلون من هذا المدخل؛ لأنه يحتمل وجوهاً، وسوف نضرب على هذا أمثلة.
واقعة الخوارج
نستمع الآن إلى أمثلة من تاريخ الإسلام، وأنت بإمكانك أن تقيس الأحداث والوقائع والأسماء على هذه النوازع.هل تعلمون أعدل من رسول عليه الصلاة والسلام في البشر؟ هل تعلمون أكرم منه في البشر؟ هل تعلمون أنصف منه في الحكم؟ الجواب: لا يوجد أحد والله... أتى يوزع الغنائم بين الناس؛ لأنه القاسم والله المعطي، فلا يوزع من نفسه ولا يسبقه الهوى؛ لأنه أخوف الناس لله، أتى يعطي هذا ويعطي هذا، فأتى رجل من الخوارج. والخوارج لهم سمات منها:
 قصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب
جاء عمر رضي الله عنه وأرضاه فوقف للناس كالحصن.قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها يقول لـأبي موسى: [[إنك سوف تذهب إلى أهل الكوفة، فلا تشغلهم بفتياك عن قراءة القرآن، فإنك سوف تسمع لهم دوياً كدوي النحل بالقرآن]] يأتي أبو هريرة فيحدث حديثاً طويلاً، فيقوم عمر ويقول: [[والله إما تركت الحديث يا أبا هريرة! وإلا فوالذي نفسي بيده لألحقنك بأرض القردة، أرض الدوس -يعني بلاد زهران - فسكت]].يأتي أبو موسى فيطرق عليه الباب، فيقول عمر: من؟ فلا يسمع إلا الطرق، من؟ فلا يسمع إلا الطرق، فرجع أبو موسى لأنه لم يسمع الإذن بالدخول، فلحقه عمر، وقال: [[تعال، لماذا لم تدخل؟ فقال: أمرنا صلى الله عليه وسلم إذا استأذنا ثلاثاً، فلم يؤذن لنا أن نرجع. فقال عمر: والذي نفسي بيده لتأتيني بشاهد على هذا الحديث أو لأوجعنك ضرباً]] واقفٌ كالحصن وكالجبل ضد كل ابتداع في اللفظ والأخلاق والسلوك، فذهب أبو موسى وهو يرتجف ويرتعد إلى مجلس الأنصار، فشكا عليهم الحال، فأرسلوا معه أصغرهم، فشهد له بذلك فمرَّت سُنَّة.وأتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! قال: نعم. قال: في الجيش -جيش الإسلام الذي يزحف إلى القادسية - رجل يقول: كيف تجمعون بين هذه الآيات، يقول الله عز وجل: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً [الذاريات:1-3] ويقول الله عز وجل: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات:1] ويقول عز وجل: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1]؟!قال عمر: أهو موجود في الجيش؟ قال: نعم، قال: عليَّ به؟ ثم دعا سعد بن أبي وقاص، وقال: يا سعد! -والذي نفسي بيده- إن أفلت هذا الرجل ليكون لي ولك شأن. فذهبوا إلى الرجل، وأتوا به إلى عمر -وفي هذه الفترة جهز عمر عراجين النخل، وهي: عصي لدان، لا يضرب بها إنسان إلا رأى رشده، أو إنسان موسوس إلا خرجت الوسوسة من ذهنه، أو إنسان مصروع إلا خرج الجانُّ من قلبه وفؤاده، فرشها عمر بالماء وتركها، ثم قال عمر: عليَّ بالرجل. فأُدخل، فقال للرجل: من أنا؟ قال: أنت أمير المؤمنين. قال: أمسكوه، فأمسكوه بأيديه وأرجله؛ لأن هذا علاجه لا فتيا ولا مناقشة، فدبغه ظهراً لبطن. كل بطاح من الناس له يوم بطوح لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح فلما بطحه ظهراً لبطن حتى أغمي عليه، فرشوه بالماء؛ فاستفاق -أصبحنا وأصبح الملك لله- فأخذه فبطحه حتى أصبحت دماؤه في الأرض، ثم استيقظ، قال عمر: أعرفتني؟ قال: أنت أمير المؤمنين!!فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد علاجي فقد شُفيت -والحمد لله- قال عمر: اذهب ولا تكلم أحداً، ولا يكلمك أحد أبداً. فكان لا يسلم على أحد ولا يسلم عليه أحد، حتى كُتب إلى عمر أن الرجل قد صلح واستقام، فقال عمر: كلموه.بهذا الأسلوب منع عمر قضية التكلم في كتاب الله عز وجل، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنع الكلام الغير مسئول والتمحل والابتداع لأنه يريد أن يقيم الأمة على كتاب وسنة.
موقف السلف الصالح من أهل البدع

 موقف خالد القسري من الجعد بن درهم
خالد القسري والجعد بن درهم:الجعد بن درهم أسس مدرسة نفي الأسماء والصفات، وهي أقرب إلى الإلحاد في دين الله عز وجل، ويقول بعض الناظرين في العقائد: إنها أساس لـمدرسة الحلول والاتحاد. يقول الجعد: إن الله لم يكلم موسى، سبحان الله! يقول تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] قال الجعد بن درهم: " وددت أني أحك آية في كتاب الله بدمي" قالوا: ما هي، قال:" وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] ".رآه بعض أهل العلم بعد أن توفي في صورة كلب ممسوخ، أتي به يوم عيد الأضحى -وهو الصحيح- يقول: "لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً، ولم يكلم الله موسى تكليماً " قال له خالد القسري -حاكم العراق-: تب إلى الله، فحفظ مبدأه ورفض أن يتوب، قال: " سأذبحك اليوم بيدي إن لم تتب"، قال: " لن أتراجع عن مبدئي أبداً " -انظر إلى الصلابة قوة أهل الباطل على باطلهم، وفشل بعض أهل الحق عن حقهم، مبتدع ضال، يعارض أهل السنة والجماعة ويعارض الملايين منهم، والحاكم ضده والوزراء والأمراء، والجيش والعامة والأطفال، وهو يقول: " لا "- وفي الأخير خطب خالد القسري بالناس، ثم نزل وقال: " يا أيها الناس! ضحوا تقبل الله منكم فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم " فنزل إليه في أصل المنبر فذبحه.تقبل الله منا ومنك، والبدنة عن سبعة، قال تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج:36] قال ابن القيم:ولذاك ضحى خالد بـالجعد في يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان ذبحه ورفع جثمانه، ووري التراب، وسكنت وفترت البدعة، لكنها نشأت فيما بعد، وأججها الخليفة المأمون العباسي.
موقف الإمام أحمد من فتنة خلق القرآن

 موقف الإمام أحمد مع المتوكل
وأتى المتوكل الخليفة السني رحمه الله، فأعطى الإمام أحمد الذهب فرفض الإمام أحمد: وقال لا أريد درهماً أبداً، وانتصرت السنة بموقفه العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، هذا هو الإمام أحمد، هذا هو الأمة الذي كان قانتاً لله، وما كان من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه وجعله من الصالحين. هذا الإمام أحمد بن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن، فالقرآن ليس من خلق الله بل هو من صفاته، يتكلم الله بما شاء متى شاء.
الإمام مالك يندد بالبدعة
كان الإمام مالك يُدرس السنة في مسجده، ويأبى الإمام مالك البدعة -لا يريد أي بدعة- يتحفظ في كل شيء؛ لأنه لا زيادة في الدين، فدين الله كامل قال سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] وكان الإمام مالك رجلاً مهاباً كالسلطان، يخاف منه الناس ولا يستطيعون الكلام معه ولا المفاوضة. هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي يقف في بغداد في القصر ويقول للسحابة: " أمطري حيث شئتِ فإن خراجك سوف يأتيني" يدخل على الإمام مالك في المدينة في بيته، فيأتي أطفال الخليفة: الأمين والمأمون فيرون الإمام مالك فيهربون! قال هارون الرشيد: " أتدري يا أبا عبد الله! لماذا يهرب أبنائي؟ قال: " لا أدري. قال: هيبةً منك والله ". قال أبو جعفر المنصور لوزرائه: ما هي عجائب الدنيا؟قال بعضهم: الحدائق المعلقة، وقال البعض الآخر: حوطة دمشق.قال: عجائب الدنيا هي: عقل الإمام مالك.أتى يدرس في المسجد، فدخل رجل فقال: " يا أبا عبد الله! -يسأل الإمام مالك - الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟!" فنكس الإمام مالك رأسه؛ لأنه لم يعرف هذا السؤال من ذي قبل، ولم يكن معهوداً إلا التلقي وعدم الأسئلة البدعية، حتى تصبب العرق من على جبينه، ثم قال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، أخرجوا هذا المبتدع ".فقام التلاميذ فسحبوه بأيديه وأرجله حتى وضعوه في بـقيع الغرقد؛ لأنه مبتدع.وهذا جواب أهل الإسلام ضد من يريد أن يبتدع ولا يدخل معه في حوار، بل يتوقف على السنة والأثر. ثم استمر الحال على ذلك، والبدعة مرة تخبو، ومرة تنشط، وسبب نشوئها حينما يجهل الناس بالأثر، حينما تعطل الصحاح والأسانيد والسنن، إذا رأيت أمة لا يدرَّس فيهم القرآن والسنة، فاعلم أن البدعة سوف تخترقهم، ولو كانوا مثقفين؛ لأن الثقافة شيء، والعلم شيء آخر، وسوف أبين ما هي الأسباب التي تطرد بها البدعة.
 موقف الإمام أحمد مع المتوكل
وأتى المتوكل الخليفة السني رحمه الله، فأعطى الإمام أحمد الذهب فرفض الإمام أحمد: وقال لا أريد درهماً أبداً، وانتصرت السنة بموقفه العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، هذا هو الإمام أحمد، هذا هو الأمة الذي كان قانتاً لله، وما كان من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه وجعله من الصالحين. هذا الإمام أحمد بن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن، فالقرآن ليس من خلق الله بل هو من صفاته، يتكلم الله بما شاء متى شاء.
أحمد بن نصر الخزاعي وموقفه من أهل البدع
أتى الواثق بعد المعتصم، وأصر على الابتداع بالقول بخلق القرآن، وفي الأخير أتى أحمد بن نصر الخزاعي وأراد أن يقلب الدولة العباسية عن بكرة أبيها، عالم جليل سني، جمع الناس فاكتشف، فأتي به وكان من أزهد وأعبد الناس، فدخل على الواثق فقال الواثق: عُدْ عن كفارتك؟ قال: لا أعود؛ لأنه على الحق، فقام الواثق فأخذ الخنجر، وقال: والله إني لأحتسب عند الله أجري في ذبحك، فذبح هذا العالم الجليل، فهو العالم الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي.
 موقف الإمام أحمد مع المتوكل
وأتى المتوكل الخليفة السني رحمه الله، فأعطى الإمام أحمد الذهب فرفض الإمام أحمد: وقال لا أريد درهماً أبداً، وانتصرت السنة بموقفه العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، هذا هو الإمام أحمد، هذا هو الأمة الذي كان قانتاً لله، وما كان من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه وجعله من الصالحين. هذا الإمام أحمد بن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن، فالقرآن ليس من خلق الله بل هو من صفاته، يتكلم الله بما شاء متى شاء.
ابن تيمية يتصدى للبدع ويحاربها
ثم جاء ابن تيمية رحمه الله في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع، وهذا الرجل أيقظ الله به الهمم، وأصلح الله به الشأن، وهو رجل لا كالرجال، هو عظيم من العظماء، ولا نغلو فيه، لكننا نتقرب إلى الله بحبه، أوتي أموراً قل أن تجتمع في الإنسان، منها ذكاء خارق وعبقرية فياضة مشرقة مطلقة، يقول: أقرأ المجلد الكامل مرة، فينتقش في ذهني حفظاً، تعجم عليه المسألة فيستغفر الله ألف مرة فيفتحها الله عليه.قرأ كتب الفلاسفة ففهمها ورد عليها، وكان يؤلف المذكرة أو الكتاب من بين صلاة الظهر إلى العصر، فيقرأها الناس سنَةً فلا يفهمونها.كان عمره ما يقارب الثلاثة والستين سنة، لم يتزوج ولو أن الزواج أفضل، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38] لكن شغل ليله ونهاره وأوقاته في خدمة الإسلام.أما ليله فجعله لله عز وجل، من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر وهو بين تلاوة وتسبيح، ونوم قليل، وتهليل وقراءة قرآن. أما نهاره فكان بين أمور، يجلس بعد صلاة الفجر يذكر الله حتى يتعالى النهار، فيتنفل صلاة الضحى، ثم يتوزع في الحلقات يدرس الناس، ما بين تفسير، وفقه، وحديث، وعلوم أخرى، ثم ينزل إلى السوق، فيأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، فيسأل عن الأيتام والأرمل والمساكين، ثم ينطلق إلى (المارستان) وهو مستشفى الأمراض العقلية، فيسلم عليهم ويدعو لهم ويرقيهم، ثم يذهب إلى مستشفى المرضى -الأمراض العضوية- هناك حيث وضع السلاجقة، فيسلم عليهم ويدعو لهم، وربما وقف عليهم وبكى، ثم يعود ويمر بالمقبرة فيعود ويسلم ويزور أياماً بعد أيام.كان إذا مر سلم عليه الناس؛ ودعا لهم، ودعوا له.يقول البزار أحد تلاميذه: مررت بـابن تيمية فسأله فقير فلم يجد شيئاً فخلع له أحد ثوبيه، وكان عنده ثوبان، قال: ومررنا مرة أخرى فلم يجد ابن تيمية شيئاً إلا ثوباً واحداً، ولم يجد شيئاً غيره، فأخذ عمامته، وشقها نصفين، وأعطى الفقير نصفها.كان يفسر القرآن كالبحر، مكث في سورة نوح ثلاثين سنة يفسرها، أخبرنا بعض طلبة العلم الثقات أنه يوجد في ألمانيا في مدينة بون تفسير لـابن تيمية يبلغ خمسمائة مجلد، فإن وصل فإنه العجب العجاب.يطوي رجله ليرد على ثمانية أبيات ليهودي، فيرد عليها بما يقارب المائتين والثمانين بيتاً في جلسة واحدة.يذكر الله فتكاد القلوب تنخلع من قوة ذكره، أوتي صحة في الجسم، وبراعة في القتال، قاتل التتار وكان يأخذ السيف ويضرب به، فكان فلال السيف وكسر السيف له دوي وحنين على رءوس الناس، هو رجل عملاق، مجاهد ومفتي ومعلم ومربي ومدرس وآمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر ومتصدق؛ رحم الله تلك العظام.واجهته بدعة الاعتزال، فأتى عليها بمجموعة من القواعد فسحقها.وأما بدعة الأشاعرة فقد أخذوا شيخ الإسلام وأخذهم حتى سجنه الأشاعرة، لكنه انتصر عليهم بمؤلفاته، ولو أن الأشاعرة أقرب الناس إلى السنة من غيرهم.أتى إلى غلاة الصوفية فنازلهم وشكاهم إلى السلطان حتى جلدهم السلطان بالخيزران، ثم ألف كتباً واستتابهم، وقصَّ شعورهم بالمقص حتى نصر الله الإسلام على يديه.طارد النصيرية في جبال كسروان، ودخل بالجيش عليهم حتى هدم بيوتهم على رءوسهم، وقال: حكمي فيهم أن يُصب السم في آبارهم، وأن تحرق أشجارهم، وأن تهدم بيوتهم.أتى التتار فزحفوا من جنوب الصين ومن شرقها، ومن سيبيريا، فتصدى لهم وأفطر الناس في نهار رمضان ووافاهم في معركة شقحب، وأخذ يقول: والله لننتصرن اليوم، والله لننتصرن اليوم، فقال له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، فكان كما قال.قال ابن كثير: وما أتى وقت العصر إلا وقد خرجت النساء والأطفال في دمشق يتباكون؛ لأن هذا سيل جارف إذا دخل دمشق فعل بها كما فعل بـبغداد فسوف يحطمها ويعدمها تماماً، قال: فأخذ النساء والأطفال يخرجون على أسقف المنازل يتباكون، وسيوف أهل الإسلام مع ابن تيمية تلمع ولها صريف على رءوس الناس، وخنين ودوي وانكسار على رءوسهم، وما أتت صلاة العصر إلا وابن تيمية والأبطال يلاحقون التتار، وكانوا ألوفاً مؤلفه، يلاحقونهم تحت الشجر، ويذبحونهم ذبحاً. وابن تيمية لا يستوفى بمحاضرة ولا محاضرات، حتى إن كتباً في الأسواق موجودة كتبها أعداء الإسلام من الفرنسيين، والأمريكان والإنجليز يقولون: ابن تيمية أيضاً، ويسأل أحدهم ويقول: ليس في الإسلام معجزة بعد القرون الثلاثة غير ابن تيمية! رحم الله ذاك الرجل.استمر على هذا وله مدرسة فكرية منظرة، ومعه الذهبي وابن كثير والمزي وابن مفلح، وهذه الطائفة من أهل الحديث استمرت.
 موقف الإمام أحمد مع المتوكل
وأتى المتوكل الخليفة السني رحمه الله، فأعطى الإمام أحمد الذهب فرفض الإمام أحمد: وقال لا أريد درهماً أبداً، وانتصرت السنة بموقفه العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، هذا هو الإمام أحمد، هذا هو الأمة الذي كان قانتاً لله، وما كان من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه وجعله من الصالحين. هذا الإمام أحمد بن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن، فالقرآن ليس من خلق الله بل هو من صفاته، يتكلم الله بما شاء متى شاء.
الإمام محمد بن عبد الوهاب والدولة العثمانية
ثم أتت البدع تجوب وتنتشر في الجزيرة العربية، فقيض الله محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فهو شيخ الإسلام، وهو تلميذ لكتب ابن تيمية حتى يقول أحد المستشرقين: مع ابن تيمية ألغام في الأرض فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر حتى اليوم. وكانت رسالة محمد بن عبد الوهاب على شقين: شق علمي تدريسي تنظيري منهجي للناس، وشق عامري ميداني بالسيف.وكان ناصره العالم السني محمد بن سعود، وهذه الجهود تحسب له، والمحسن نقول له: أحسنت، والمسيء نقول له: أسأت، وقام على دحض البدع، وكان من عواملهم: تعليم وتفهيم الناس، وبث الأمهات في الناس، وتعليم كتب ابن تيمية وابن القيم في المساجد، وفي المهاجر والقرى، حتى وصلت دعوته إلى الهند وزنجبار وغرب إفريقيا فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69].ومن الخصوم الذين قاموا عليه: الدولة العثمانية، وهذه الخلافة خيرها -إن شاء الله- أكثر من شرها، ولها حسنات، ولكنها أخفقت في هذا الجانب يوم أن سمحت للبدع أن تنتشر، بل وجد من حكامها خرافيون، ونحن نقول الحقيقة والتاريخ، والإنسان عليه أن يتلقى الحقيقة.نحن نقول: إن هذه الخلافة أمسكت على ضميمة المسلمين، وجمعت شملهم، وجاهدت في سبيل الله، ورفعت لا إله إلا الله، وردت اليهود عن فلسطين في فترة السلطان عبد الحميد، وقاتلت روسيا في سيبيريا وغيرها، ولكنها أخفقت يوم أن سمحت للرأي الفكري الابتداعي أن ينتشر في بلاد المسلمين، وكانت بعض الكتب التي استهزأت بـأهل السنة، وبـالسلف الصالح والمحدثين كانت تطبعها الدولة العثمانية، وتولي هؤلاء العلماء القضاء والمدارس والمظالم، فكان هذا جانباً مخفقاً ومظلماً في الخلافة العثمانية.
 موقف الإمام أحمد مع المتوكل
وأتى المتوكل الخليفة السني رحمه الله، فأعطى الإمام أحمد الذهب فرفض الإمام أحمد: وقال لا أريد درهماً أبداً، وانتصرت السنة بموقفه العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، هذا هو الإمام أحمد، هذا هو الأمة الذي كان قانتاً لله، وما كان من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه وجعله من الصالحين. هذا الإمام أحمد بن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن، فالقرآن ليس من خلق الله بل هو من صفاته، يتكلم الله بما شاء متى شاء.
ثلاث قضايا مهمة
بدأ في الساحة الكثير من الدعاة ومن الجماعات، منهم محسن مصيب له أجران، ومحسن مخطئ له أجر واحد، وصاحب هوى يريد هواه ظالم لنفسه.والأمة الآن تعيش في خير وشر، وإرباك وهدوء، والمباشرات الآن في الساحة الإسلامية في تخوف ومحاذير تتوقف على ثلاثة أمور:في الساحة الإسلامية صحوة واتجاه إلى الله وبالخصوص في الشباب المسلم.والقضية الأولى أن هذه الصحوة يخاف عليها من ثلاثة أمور:أولاً: من قلة العلم الشرعي بأن يستقيم الشباب على الحماس والهيجان، ولا يكون عندهم علم شرعي، ولا حديث ولا تفسير ولا فقه وهذا خوف. ثانياً: من تمزق واضطراب وانتماءات كل يحمل على الآخر، وهذا يورث العداء والضغينة والبغض والحسد، ولا حل إلا بالعودة إلى الإخاء: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].ثالثاً: من أن يكون الفكر مقدماً على الروح، أو يأخذ مساحة الروح، فلا يكون هناك نوافل، ولا أوراد ولا أذكار، ولا كثرة صلاة، فتقسو القلوب، وقسوتها داء عضال، فحلها كثرة النوافل، وكثرة قراءة القرآن. ويخاف كذلك من التسرع في الفتيا بين الشباب، وأن هناك مداً ابتداعياً يريد أن يسيطر على العالم وأنتم تعرفونه، ولكن حله أن ينزل علماء الإسلام، وفقهاء السنة ودعاتهم، فيدرسون القرآن، وكتب السنة، كـالصحيحين والمسانيد، حينها ينتصر الإسلام، وتنتصر السنة. القضية الثانية: قضية توحيد المصير القادم في الكتاب والسنة. القضية الثالثة: التحذير من المبتدعة والمبتدعين بالخطابة والصحف، وسائر وسائل الإعلام، بالدروس والندوات، ونشر الفكر الإسلامي السني في البوادي والقرى؛ حينها ينتشر الإسلام ويعم الخير.
 موقف الإمام أحمد مع المتوكل
وأتى المتوكل الخليفة السني رحمه الله، فأعطى الإمام أحمد الذهب فرفض الإمام أحمد: وقال لا أريد درهماً أبداً، وانتصرت السنة بموقفه العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، هذا هو الإمام أحمد، هذا هو الأمة الذي كان قانتاً لله، وما كان من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه وجعله من الصالحين. هذا الإمام أحمد بن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن، فالقرآن ليس من خلق الله بل هو من صفاته، يتكلم الله بما شاء متى شاء.
الأسئلــة

  حكم التصدق للميت
السؤال: هل يصل ثواب الصدقة إلى الميت؟الجواب: إذا تصدق على الميت وهو مسلم من مسلم نفعت عنه ووصلت بإذن الله قال عليه الصلاة والسلام: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حرب طاحنة بين السنة والبدعة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net