اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذين بدلوا نعمة الله كفراً للشيخ : عائض القرني


الذين بدلوا نعمة الله كفراً - (للشيخ : عائض القرني)
نعم الله جل وعلا تغمرنا من كل حدب وصوب، ولكن هناك من يبدل هذه النعمة إلى نقمة بسبب كفره وإعراضه وفسقه، وفي هذا الدرس بعض أخبار من بدلوا نعمة الله كفراً؛ وأخرى عمن قيدوا هذه النعم بشكرهم الله عليها، فإذا أنعم الله على الإنسان بالمال والبنين والأمن والاستقرار، فقد تزول وقد تبقى، وهناك أسباب لبقاء النعم وأسباب لزوالها.
حقيقة الذين بدلوا نعمة الله كفراً
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على معلم الخير وهادي البشر، ما اتصلت أذن بخبر، وعين بنظر، وما تألق ورق على شجر، وما هطل مطر وانهمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد:فعنوان هذا الدرس: (الذين بدلوا نعمة الله كفراً).من هم الذين بدلوا نعمة الله كفراً؟ هو الذي ترك النعمة وراء ظهره، وارتكس على رأسه، واستدبر الصراط المستقيم، واتخذ كتاب الله ظهريا، إنه صنف من الناس يتكرر، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28]. والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وصح عن ابن عباس أنه قال: [[الذين بدلوا نعمة الله كفراً هم قريش؛ أتاهم محمد عليه الصلاة والسلام، فكذبوه ولم يطيعوه، فبدلوا نعمة الله كفراً]]. وأقول: بل قال كثير من العلماء: كل من أعرض عن كتاب الله عز وجل وعن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام فهو من الذين بدلوا نعمة الله كفراً.وانظر إلى أسلوب القرآن الجميل الرائع؛ رؤى وأشواق ومرئيات، ألم تر يا محمد إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً، ولم يقل نعم الله؛ لأن نعمة الله لا يؤدى شكرها، فكيف إذا ذكرت النعم، ولذلك قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18] ولم يقل: نعم الله؛ لأن الناس إذا لم يستطيعوا لنعمة واحدة فما بالك إذا كانت نعماً. وعند أحمد في كتاب الزهد بسند جيد مرفوعاً إلى رب العزة تبارك وتعالى أنه قال: (عجباً لك يا بن آدم، خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتشكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، خيري إليك نازل، وشرُّك إلي صاعد) وهذا شأن العبد يوم يترك منهج الله عز وجل، ويرتكس ويعرض عن الطريق المستقيم الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام.يا مسلمون! يا صادقون! أبواب الجنة أغلقت من يوم بعث محمد عليه الصلاة والسلام، أغلقت فلا يدخل الداخل إلا من طريقه: إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى محمد عليه الصلاة والسلام: قال: (قال الله تعالى: يسبني ابن آدم) سبحان الله! للحديث قصة لكن قصتها لم يوردها البخاري أوردها أهل السير:موسى بن عمران عليه السلام كان جريئاً شجاعاً في الأسئلة هو الذي يقول: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] لم يقلها أحد من الناس، ولكن قالها موسى عليه السلام. يقول في سؤال: يا رب! أسألك مسألة، قال: ما هي يا موسى؟ قال: أن تمنع ألسنة الناس أن يتكلموا في أي: ألا يغتابوني، قال الله عز وجل: يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وقد خلقتهم وأعافيهم ويقولون: إني اتخذت صاحبة وولداً، وأنا الله لا إله إلا أنا لم أتخذ صاحبة ولا ولداً، ولكن لفظ البخاري (يسبني ابن آدم وما كان له ذلك، ويشتمني ابن آدم وما كان له ذلك، أما سبه إياي، فيسب الدهر وأنا الدهر أقلِّب الليل والنهار كيف أشاء، وأما شتمه إياي فيقول: إني اتخذت صاحبة وولداً، ولم أتخذ صاحبة ولا ولداً) هذا بلفظ.أيها المسلمون! كثر الكفران بالنعم، ولكن في هذه المحاضرة مسائل منها:العنصر الأول: آثار.والعنصر الثاني: نداءات. والعنصر الثالث: شكر النعم. والعنصر الرابع: النعمة الحقيقة. والعنصر الخامس: كفران النعم.
 

آثار الكفر بأنعم الله
أما الآثار: فقد ورد بعضها عن عمر رضي الله عنه وأرضاه وسند الحديث إليه حسن أنه دخل على إبل الصدقة، فقال له أحد الناس: يا أمير المؤمنين! صدق الله، يوم يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] وقال عمر: أتظن أن الرحمة هي الإبل، لا والله، أتدري ما رحمة الله؟ قال: لا. قال: هي العمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله. ترك المعصية بنور من الله: أي تخاف عذاب الله، الرحمة والنعمة ليست السيارات والقصور، لأننا رأينا الناس يوم أعرضوا عن الله تحولوا إلى عصاة. سل الشواطئ:أرى شطآنكم أضحت خراباً وعرضاً للمفاسد والمعاصي سل الشطآن ماذا يفعل فيها، وإنه ليؤسفني ويؤسف كل مسلم، أن تكون هذه الشطآن في الجزيرة في بلاد مهبط الوحي، أرض المقدسات وبلاد الرسالات الخالدة، لتختلط المرأة بالرجل، ولتتعرى المرأة في الماء، ولتبدي مفاتنها، ولتضيع أو تؤخر الصلوات، ولترتفع النغمة البائسة الحقيرة من الأغاني، ولتنتشر الفاحشة في جيل صحا وعاد إلى الله، أليس هذا من كفران النعم، بلى.
 سبأ كفروا بأنعم الله
وينتقل بنا القرآن مباشرة إلى اليمن، لنعيش قصة هائلة محزنة هناك، وقعت لأمة أعرضت عن منهج الله قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17].زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير نقصان وكل وجدان قوم لا ثبات لـه فإنما هو في التحقيق خسران أعرض عن منهج الله، قال ابن كثير وغيره من المفسرين: آتى الله كل رجل من سبأ بجانب بيته بستانين وجنتين، عن يمين وعن شمال، يخرج من بيته وبستان عن يمينه وبستان عن شماله، شجر متدلٍ ونعيم خالد، ظل وارف، وماء بارد، وطيور ترفرف، وحياة رغيدة، ولكن القلوب أعرضت عن منهج الله، مثلما يفعل الآن: بيوت وقصور وفلل وسيارات ورغد ومطاعم ومشارب، ولكن هناك من يفسد ويريد ألا ينكر عليه، ومن يفجر ويريد أن يسكت عنه، ومن يتخلع عن الدين، ويقيم المنكر ويستهزئ بالرسالة، ومن يعارض المسجد، ويقاطع لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً [نوح:5-7]. أيها الإخوة الذين جلسوا على الخشب والحديد: انتبهوا لا يسقط بكم كما يسقط بعض الناس برسالته ومبادئه وبإيمانه، وسقوطكم أهون؛ لأن مؤداه ينحصر بالموت، وسقوط بعض الناس إلى جهنم، يقول ابن القيم: "مرض الجسم سهل بسيط، وكسر الجسم يُجبر، لكن كسر الدين لا يجبر أبداً، وسقوط الاستقامة إنما يؤدي بصاحبه إلى نار جهنم".فأعرضت قرية سبأ يقول ابن كثير: كانت المرأة تذهب بسلة على رأسها فتمتلئ السلة من الثمار التي تتساقط على السَّلة، ولكنهم ما قدروا هذه النعم، بل أعرضوا تماماً وفحشوا بأسلوبهم مع الله، بعض الناس يحارب الله جهراً؛ يقاطع المسجد، فلا يعرف الصلاة، ليله ونهاره غناء وتطبلمتى يهديك قلبك وهو غافٍ إذا الحسنات قد أضحت خطايا ونحن نقول: ليت السيئة تنحصر فيهم وتتركنا، لكنَّ الشر يعم والخير يخص.نعم إذا لم ننه وننكر، ولم ندع وننزجر؛ فإن معنى ذلك أننا سوف نُجتاح كلنا ونعوذ بالله من غضب الله.قرية سبأ أغضبوا الله، فما حاربهم الله بجيش أو أنزل عليهم ملائكة؛ لأنهم أصغر وأذل، قال بعض العلماء: يا ضعيف العزم! يا فقير الإرادة! أتحارب الله؟ الله لما حاربه نمرود بن كنعان، أرسل له بعوضه فقتلته، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:73-74] ويقول سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [سبأ:22] ويقول سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41] أرسل الله عليهم فأرة، يقول سحبان بن وائل ليمني عند معاوية: " أيها اليمني! أخبر بكم هدهد، ونقض سدكم فأر، وتكلمت عليكم وزغة فلا تفخر، الهدهد نم عليهم عند سليمان، والفأر نقَّض عليهم جسرهم وسدهم، ولا نستنقص منهم، لأن معالم الإقبال في اليمن {فالإيمان يمان والحكمة يمانية} ولكن ذاك الجد البائس الذي ما عرف الله، جدنا جميعاً.غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبابة المتندم غضب الله عليهم؛ فأرسل عليهم فأرة فنحت السد، فهوى السد، فاجتاحهم الماء، فصاروا شذر مذر، بكى الأطفال والشيوخ وولولت، النساء، ولكن ولات ساعة مندم! كذلك من يخرج عن شريعة الله ومن يتذمر عن رسالة الله ويغضب الله.
قيدوا النعم بالشكر
إخوتي في الله: نعم الله لا تقيد إلا بالشكر يقول الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].البرامكة أسرة عاشت في عصر العباسيين وزراء، وكانوا يُطْلون قصورهم بماء الذهب، لكن هل أرضوا الله؟ ما عدلوا ولا خافوا الله، وكان كأس الخمر والفتيات والغانيات في قصورهم، وتر ونغم في قصورهم، فحذرهم أحد العلماء وقال لهم: انتبهوا إن النعم لا تقيد إلا بالشكر.إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وحافظ عليها بتقوى الإله فإن الإله سريع النقم قال: قيدوها بالشكر، لكن لم يفعلوا، وفي لحظة من اللحظات أغضب الله عليهم أقرب الناس إليهم هارون الرشيد فاجتاحهم بالسيف، قتل شبابهم ضحى، وأخذ شيوخهم وقادهم وهم يتباكون إلى السجن، حبسهم حبساً عظيماً، وقد بكى خالد بن يحيى البرمكي في السجن سبع سنوات، وطالت أظفاره؛ وما وجد ما يقلم أظفاره بعد النعيم، وطال شاربه وما وجد مقصاً، وعميت عيناه، قال له أحد الناس وقد زاره في السجن: ما هذا البلاء يا خالد؟ قال: دعوة مظلوم سرت بليل، غفلنا عنها وما غفل الله عنها..!قيل لـعلي بن أبي طالب: ما بين التراب والعرش؟ قال: [[دعوة مستجابة]].وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران:145] قيل لأحد علماء السلف: ما هو الشكر؟ قال: شكر العين البكاء من خشية الله -لأن بعض الناس إذا سمع الموسيقى بكى؛ لكنه لا يبكى عند تلاوة القرآن وسماع الذكر! كان أبو بكر وعمر تبتل لحاهما بالدموع إذا سمعوا آيات الله تتلى- قال: شكر العين البكاء، وشكر القلب الحياء من الواحد الأحد؛ إذا استحى القلب من الله فقد سَعُد في الدنيا والآخرة، والحياء لا يأتي إلا بخير، يقول الشافعي: " والله الذي لا إله إلا هو لو علمت أن شرب الماء ينقص من مروءتي وحيائي ما شربته أمام الناس " قلنا: يا شافعي لله درك! والله لقد وجد من الجيل من تفسخ عن شريعة الله بلا حياء، وأدبر عن المسجد بلا حياء، وكفر بالله بلا حياء، وسبَّ الرسول بلا حياء، وهجر القرآن بلا حياء. إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء الحياء جلباب وضعه الله على وجه العبد، يستحي العبد من الله إذا هم بمعصية فعينه تقول: انظر، والحياء يقول: لا تنظر، أذنه تقول: اسمع، والحياء يقول: لا تسمع، رجله تقول: امش، والحياء يقول له: لا تمش في معصية الله، قال الشافعي في نظم:لسانك لا تذكر بها عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل يا عين للناس أعين
 سبأ كفروا بأنعم الله
وينتقل بنا القرآن مباشرة إلى اليمن، لنعيش قصة هائلة محزنة هناك، وقعت لأمة أعرضت عن منهج الله قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17].زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير نقصان وكل وجدان قوم لا ثبات لـه فإنما هو في التحقيق خسران أعرض عن منهج الله، قال ابن كثير وغيره من المفسرين: آتى الله كل رجل من سبأ بجانب بيته بستانين وجنتين، عن يمين وعن شمال، يخرج من بيته وبستان عن يمينه وبستان عن شماله، شجر متدلٍ ونعيم خالد، ظل وارف، وماء بارد، وطيور ترفرف، وحياة رغيدة، ولكن القلوب أعرضت عن منهج الله، مثلما يفعل الآن: بيوت وقصور وفلل وسيارات ورغد ومطاعم ومشارب، ولكن هناك من يفسد ويريد ألا ينكر عليه، ومن يفجر ويريد أن يسكت عنه، ومن يتخلع عن الدين، ويقيم المنكر ويستهزئ بالرسالة، ومن يعارض المسجد، ويقاطع لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً [نوح:5-7]. أيها الإخوة الذين جلسوا على الخشب والحديد: انتبهوا لا يسقط بكم كما يسقط بعض الناس برسالته ومبادئه وبإيمانه، وسقوطكم أهون؛ لأن مؤداه ينحصر بالموت، وسقوط بعض الناس إلى جهنم، يقول ابن القيم: "مرض الجسم سهل بسيط، وكسر الجسم يُجبر، لكن كسر الدين لا يجبر أبداً، وسقوط الاستقامة إنما يؤدي بصاحبه إلى نار جهنم".فأعرضت قرية سبأ يقول ابن كثير: كانت المرأة تذهب بسلة على رأسها فتمتلئ السلة من الثمار التي تتساقط على السَّلة، ولكنهم ما قدروا هذه النعم، بل أعرضوا تماماً وفحشوا بأسلوبهم مع الله، بعض الناس يحارب الله جهراً؛ يقاطع المسجد، فلا يعرف الصلاة، ليله ونهاره غناء وتطبلمتى يهديك قلبك وهو غافٍ إذا الحسنات قد أضحت خطايا ونحن نقول: ليت السيئة تنحصر فيهم وتتركنا، لكنَّ الشر يعم والخير يخص.نعم إذا لم ننه وننكر، ولم ندع وننزجر؛ فإن معنى ذلك أننا سوف نُجتاح كلنا ونعوذ بالله من غضب الله.قرية سبأ أغضبوا الله، فما حاربهم الله بجيش أو أنزل عليهم ملائكة؛ لأنهم أصغر وأذل، قال بعض العلماء: يا ضعيف العزم! يا فقير الإرادة! أتحارب الله؟ الله لما حاربه نمرود بن كنعان، أرسل له بعوضه فقتلته، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:73-74] ويقول سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [سبأ:22] ويقول سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41] أرسل الله عليهم فأرة، يقول سحبان بن وائل ليمني عند معاوية: " أيها اليمني! أخبر بكم هدهد، ونقض سدكم فأر، وتكلمت عليكم وزغة فلا تفخر، الهدهد نم عليهم عند سليمان، والفأر نقَّض عليهم جسرهم وسدهم، ولا نستنقص منهم، لأن معالم الإقبال في اليمن {فالإيمان يمان والحكمة يمانية} ولكن ذاك الجد البائس الذي ما عرف الله، جدنا جميعاً.غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبابة المتندم غضب الله عليهم؛ فأرسل عليهم فأرة فنحت السد، فهوى السد، فاجتاحهم الماء، فصاروا شذر مذر، بكى الأطفال والشيوخ وولولت، النساء، ولكن ولات ساعة مندم! كذلك من يخرج عن شريعة الله ومن يتذمر عن رسالة الله ويغضب الله.
النعمة قسمان
قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28] قال بعض العلماء: النعمة قسمان: نَعمة -بالفتح- سميت في سورة الدخان، ونِعمة بالكسر.فالنِّعمة يدخل فيها ما قربك إلى الواحد الأحد، والنعمة بالفتح هي نعمة يشترك فيها الناس، وتشترك فيها البهيمة، الثور والحمار والخواجة الأحمق، والبلشفي الأشقر، والوثني، كل هؤلاء يدخل في هذه النعمة، وقال الله عن النعمة: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].والله عز وجل جعل لهؤلاء أكلاً وشرباً، ولذلك قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] كالأنعام في أكلهم وشربهم، وفي خروجهم ودخولهم، ولذلك لما وصفهم الله في موضع آخر أخبر أنه أعطاهم الجوارح والأعضاء، ولكن ما استغلوها، عين وأذن ويد ورجل قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]. فليس أعمى من عميت عيناه، بل من عمي قلبه قال تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] وقال تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19] أفمن يعلم أن المسجد خير من المقهى، وأن المصحف خير من المجلة الخليعة، وأن التلاوة خير من الأغنية الماجنة، وأن صحبة الأخيار خير من الأشرار، كمن ارتكس على رأسه وأعرض عن طاعة الله وأصبح شيطاناً، يقول أحد شياطين الإنس الذين يدمرون الأجيال: وكنت امرءاً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي يقول: كنت في فترة من الفترات أطيع إبليس في الحاشية فقربني إبليس، ثم زاد بي الحال فتَرقيتُ حتى أصبحت أسيِّرهُ، لذلك يسمى هذا المارد الإنسي، والمارد الإنسي هو الذي يتعدى ضرره إلى الناس، بعض الناس فاسد في نفسه، لكن بعضهم يفسد مجتمعه وإخوانه، ملطخ في السر والعلانية، أينما ذهب أفسد، بينما يقول الله سبحانه عن أحد الصالحين من الأنبياء والمرسلين: مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31] قالوا: كلما حل في بلدة كان مباركاً، قال المتنبي:وكذا الكريم إذا أقام ببلدة سال النضار بها وقام الماء الكريم عبد الله إذا حل في مجلس تحول المجلس إلى روضة من رياض الجنة، إذا سافر معك أسعدك، وإذا صحبك آنسك، وإذا فارقك دعا لك، وإذا فارقته بكيت عليه، , وأما الفاسد فشؤم عليك؛ يحل معك فتحل معه الشياطين، وتحل معه المعصية والغضب من الله، قال جعفر الصادق لابنه: لا تصاحب ثلاثة قد غضب الله عليهم: لا تصاحب من عصى الله، فقد قطع حبل ما بينه وبين الله، ولا تصاحب عاق الوالدين فهو ملعون، ولا تصاحب كذاباً، فإنه يقرب لك البعيد ويبعد منك القريب.
 (نِعمَة) بالكسر
النِعمة بالكسر: هي ما أعانك على طاعة الواحد الأحد، وهي ما ساعدك في طريقك إلى الجنة، ولذلك جعل صلى الله عليه وسلم المال مشترك، وتألف به القلوب، لكن الإيمان جعله لناس من البشر لا يشاركهم فيه أحد، فتح صلى الله عليه وسلم حنين، والحديث صحيح -فلما أتت الغنائم لم يعط الأنصار، وهم أهل بدر وأحد، الأنصار سيوف تقطر من دماء أعداء الله، الأنصار الذين قتل منهم في المعارك (80%) الأنصار أهل الشهداء والقرَّاء، تركهم عليه الصلاة والسلام، وأعطى الغنائم صناديد العرب ممن بعضهم أسلم البارحة وبعضهم قبل البارحة، فالأنصار وجدوا في أنفسهم شأنهم في ذلك شأن البشر، وقالوا: غفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي الناس ويتركنا ونحن نصرناه وآويناه وحميناه، ما قالوا إلا هذا..!ومضت المقالة وارتفعت إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فدعا سعد بن عبادة، سيد الأنصار وقال: {ما قالة بلغتني عنكم؟ قال: هو كما قيل: قال وأنت؟ قال: ما أنا إلا من قومي، أقول مثلما يقول قومي} كقول الشاعر:وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويـت وإن ترشد غزية أرشد قال عليه الصلاة والسلام: اجمع لي قومك، فجمعهم في حظيرة، فأطل محمد عليه الصلاة والسلام كالبدر ليلة أربعة عشر، وقال: {يا معشر الأنصار! ما قالة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو كما سمعت يا رسول الله! قال: يا معشر الأنصار.. أما أتيتكم متفرقين فجمع الله شملكم بي؟ قالوا: المنة لله ولرسوله، قال: ألم آتكم فقراء فأغناكم الله بي؟ قالوا: المنة لله ورسوله، فرفع صوته، وقال: يا معشر الأنصار، والذي نفسي بيده لو شئتم لقلتم؛ فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وفقيراً فواسيناك، وشريداً فنصرناك، قالوا: المنة لله ولرسوله، فرفع صوته وقال: يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فوالله لما تذهبون به خير مما يذهب به الناس، غفر الله للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، الناس دثار، والأنصار شعار، ولو سلك الناس شعباً ووادياً، لسلكت شعب الأنصار، ووادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، فأجابته دموع الأنصار حتى اختضبت لحاهم} ولماذا؟ لأنه عليه الصلاة والسلام يقول: إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، وفي البخاري يقول عليه الصلاة والسلام: {يا أيها الناس، إني أعطي بعض الناس، لما جعل الله في قلوبهم من الجشع والهلع، وأدع بعض الناس لما جعل الله في قلوبهم من الخير والإيمان؛ منهم عمرو بن تغلب} قال: عمرو بن تغلب: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها.
نداءات
يا مسلماً! أجزاء نعمة الله من الشباب وصحة الأعضاء، وسلامة البدن والأمن في الوطن، أن تنهار أمام مغريات الدنيا؟ أجزاء هذه النعمة، أن تنقض العهد بينك وبين الله؟ أجزاء هذه النعمة، أن تقطع هذه الصلة مع الله؟يا فتاة مسلمة.. يا امرأة مسلمة! حفظها الله ورعاها، وحلاها وحماها، ثم تخرج على منهج الله، تخرج ولكن سافرة، تخرج غير محتشمة إلا من رحم ربك، فتنه العالم اليوم النساء، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء). النساء فتنة لكل مفتون، وسبب لإعراض كثير من الشباب عن الدين، امرأة تخرج من بيت زوجها متجملة متطيبة متعطرة بلا إذن، تمر على الخياط البوذي السيخي، الهندوكي الملحد، أين إيمانها؟!!ونساء المسلمين أصبحن في معرض الأزياء على الموضات الجديدة، كان المرأة في عهده عليه الصلاة والسلام محجبة تتلو القرآن وتدارسه وتتفقه في الدين، وطائعة لزوجها، تحب الله ورسوله..إليك نشكو حالنا يا رب! وإنا لا نزال نكرر للمرأة أن تعود، وأن تعرف أن في السنن: (إذا خرجت المرأة متعطرة متجملة من بيت زوجها بدون إذنه فهي زانية) ونقول لها أيضاً: إن التوبة بابها مفتوح، وإن الله لا يزال ينادي، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
 لا أحد يدخل الجنة بعمله
بل أورد بعضهم في كتب الآثار: أن رجلاً من بني إسرائيل، عبد الله في جزيرة من الجزر، ومعه رمانة، منقطع عن كل شيء -المنقطع لا يعرف الكذب ولا يزني ولا يغش ولا يغتاب؛ فليس عنده إلا حجارة وحطب- فجلس على هذه الجزيرة عنده رمانة يعبد الله خمسمائة عام، فلما توفاه الله، قال: يا عبدي، ألك ذنوب؟ قال: لا. ما أظن أني أذنبت ولا أسأت ولا عصيتك يا رب! قال: هل تريد تدخل الجنة بعملك أو برحمتي؟ قال: بل بعملي -يعني تكاثر الخمسمائة عام- قال الله عز وجل: يا ملائكتي أحصوا عمله ونعمتي عنده، فأحصوها، فوجدوا أن صلاته وعبادته وشكره في خمسمائة عام لا تعادل إلا نعمة البصر، والبقية هالك فيها، قال: خذوه إلى النار، فصاح وقال: يا رب أدخلني الجنة برحمتك.فيقول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته} لا يُعرف أحد أبداً عنده يد عند الواحد الأحد، كلنا عنده فقراء ومخطئون، كلنا مسيئون ومقصرون. يا من تمنن بركعتين اثنتين أو بعشرة ريال دفعتها إلى فقير، أو بقراءة بعض الآيات، أو بعض التسبيحات، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قدموا أنفسهم في سبيل الله، أصحاب محمد أصبحت أجسامهم جراحات، يقول عروة بن الزبير: [[والله إني كنت ألعب في جسم أبي بعدما كبرت من آثار جراحات المعارك في الإسلام]] كان الزبير جسمه مغارات، جسم الزبير جرح هنا وهناك، وفي ظهره وفي رأسه، وفي وجهه من ضربات السيوف في سبيل الله.ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب رحماك يا رب! لم نقدم للإسلام شيئاً، نريد فقط منا يا جلوس، ويا أمثالكم من الصالحين أن ننـزل إلى الشارع الإسلامي، ننـزل إلى الشاطئ، ننزل إلى المقهى بحكمة، ننزل إلى مجمع الناس، ليأتي كل واحد منا بعاص واحد إلى المسجد، أنا أسألك بالله أن تذهب وتدل عاصياً أو تأتي به إلى محاضرة، أو إلى درس، أو تهدي له شريطاً أو كتيباً أو كلمة نافعة: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم} نريد أن ندل الناس على منهج الله؛ لأننا إن سكتنا وداهنا وتركنا العصاة؛ زاد الحال وتحول إلى سوء المنقلب وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] ونعمة الجوارح من أعظم النعم، وعند الترمذي بسند يحسنه بعض العلماء، يقول عليه الصلاة والسلام: {استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله! إنَّا نستحي من الله حق الحياء، قال: ليس ذلك بحق الحياء، حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى} نظر رجل من الصحابة إلى امرأة جميلة فبكى وذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: {يا رسول الله! نظرت إلى امرأة فما كفارة ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: اصبر فإني لا أعلم في ذلك كفارة حتى ينزل عليَّ، فأنزل الله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] -وقيل بدل النظرة قبلة- قال: ألي يا رسول الله خاصة، قال: لك ولكل من عمل بعملك إلى يوم القيامة}.أيها الصحابي الجليل! ليتك تدري أن من الشباب من أطلقها نظرات وفاحشات ومنكرات، سافر بعضهم إلى بلاد الكفر، سافر بعضهم وترك مهبط الوحي إلى بانكوك، هل ليعتمر أو يحج، أو ليطلب العلم؟ بل ليضيع رسالته الخالدة، وليبيع إيمانه وليتحول إلى بهيمة أو دابة، قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] تنَّزل بهم الحال، وساء بهم المنقلب إلى أن أصبح الإنسان يطارد معصيته وفجوره، ويعلن تمرده على الله، فأحدهم خرج من الجزيرة إلى بلاد الغرب، قال له أحد الدعاة: اتق الله، قال: الله في الجزيرة أما هنا فلا.. سبحان الله! قال تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219] يعلم السر وأخفى.في كتاب الزهد لـأحمد: " أن أبا بكر الصديق يقول: [[يا أيها الناس، استحيوا من الله حق الحياء، والله الذي لا إله إلا هو أني لأذهب إلى الخلاء لأقضي حاجتي، فأضع ثوبي على وجهي حياء من الله]].جزاك الله عن الإسلام مغفرة؛ حياء من الله حتى في هذا الحال! ولذلك يقول مُطرف [[ما غلبهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صدقة ولا صلاة، ولكن بإيمان وقر في صدره]] ويقول عثمان: [[لم أغتسل قائماً منذ أن أسلمت حياء]] وإلا فالغسل قائماً جائز ووارد، لكن يستحي من الله، فتستحي منه الملائكة.ونريد هذا الحياء أن يتحول إلى مجتمعاتنا وبيوتنا، إلى قلوبنا، مع زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا.
شكر النعم يكون بأمور
يا مسلماً! يا شاباً! يا شيخاً كبيراً! خذ لك ذرة من الحياء تسعدك في الدنيا والآخرة، الحياء من الواحد، فإذا فعلت ذلك فقد شكرت النعم، وشكر النعم يأتي بأمور:أولها: إقامة الفرائض في جماعة. ثانيها: كثرة ذكر الواحد الأحد: فالله كلما ذكر وشكر كلما زاد قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد [إبراهيم:7] نعوذ بالله من الكفران.ثالثها: أن تكون داعية مصلحاً وأن تكوني -أيتها المرأة- داعية، توجه الكلمة الطيبة، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:25]. رابعها: بأن تمتنع من المعاصي، بأن تغض الطرف، تتحكم في الأذنين؛ تحفظ سمعك وجوارحك عن المعصية، هذا هو حفظ الواحد الأحد، فإذا علم هذا الشكر وكان؛ فأبشر بالزيادة من الواحد الأحد، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالى جعل درجة الشكر أعظم الدرجات، ولذلك عند أهل السنة، أن درجة الشكر أعظم الدرجات،وتسمى ذخيرة الشاكرين، وقالوا: الطاعم الشاكر، كالصائم الصابر، أو كما قالوا، فإذا شكرت الله فقد زادك وحباك.
 لا أحد يدخل الجنة بعمله
بل أورد بعضهم في كتب الآثار: أن رجلاً من بني إسرائيل، عبد الله في جزيرة من الجزر، ومعه رمانة، منقطع عن كل شيء -المنقطع لا يعرف الكذب ولا يزني ولا يغش ولا يغتاب؛ فليس عنده إلا حجارة وحطب- فجلس على هذه الجزيرة عنده رمانة يعبد الله خمسمائة عام، فلما توفاه الله، قال: يا عبدي، ألك ذنوب؟ قال: لا. ما أظن أني أذنبت ولا أسأت ولا عصيتك يا رب! قال: هل تريد تدخل الجنة بعملك أو برحمتي؟ قال: بل بعملي -يعني تكاثر الخمسمائة عام- قال الله عز وجل: يا ملائكتي أحصوا عمله ونعمتي عنده، فأحصوها، فوجدوا أن صلاته وعبادته وشكره في خمسمائة عام لا تعادل إلا نعمة البصر، والبقية هالك فيها، قال: خذوه إلى النار، فصاح وقال: يا رب أدخلني الجنة برحمتك.فيقول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته} لا يُعرف أحد أبداً عنده يد عند الواحد الأحد، كلنا عنده فقراء ومخطئون، كلنا مسيئون ومقصرون. يا من تمنن بركعتين اثنتين أو بعشرة ريال دفعتها إلى فقير، أو بقراءة بعض الآيات، أو بعض التسبيحات، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قدموا أنفسهم في سبيل الله، أصحاب محمد أصبحت أجسامهم جراحات، يقول عروة بن الزبير: [[والله إني كنت ألعب في جسم أبي بعدما كبرت من آثار جراحات المعارك في الإسلام]] كان الزبير جسمه مغارات، جسم الزبير جرح هنا وهناك، وفي ظهره وفي رأسه، وفي وجهه من ضربات السيوف في سبيل الله.ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب رحماك يا رب! لم نقدم للإسلام شيئاً، نريد فقط منا يا جلوس، ويا أمثالكم من الصالحين أن ننـزل إلى الشارع الإسلامي، ننـزل إلى الشاطئ، ننزل إلى المقهى بحكمة، ننزل إلى مجمع الناس، ليأتي كل واحد منا بعاص واحد إلى المسجد، أنا أسألك بالله أن تذهب وتدل عاصياً أو تأتي به إلى محاضرة، أو إلى درس، أو تهدي له شريطاً أو كتيباً أو كلمة نافعة: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم} نريد أن ندل الناس على منهج الله؛ لأننا إن سكتنا وداهنا وتركنا العصاة؛ زاد الحال وتحول إلى سوء المنقلب وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] ونعمة الجوارح من أعظم النعم، وعند الترمذي بسند يحسنه بعض العلماء، يقول عليه الصلاة والسلام: {استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله! إنَّا نستحي من الله حق الحياء، قال: ليس ذلك بحق الحياء، حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى} نظر رجل من الصحابة إلى امرأة جميلة فبكى وذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: {يا رسول الله! نظرت إلى امرأة فما كفارة ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: اصبر فإني لا أعلم في ذلك كفارة حتى ينزل عليَّ، فأنزل الله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] -وقيل بدل النظرة قبلة- قال: ألي يا رسول الله خاصة، قال: لك ولكل من عمل بعملك إلى يوم القيامة}.أيها الصحابي الجليل! ليتك تدري أن من الشباب من أطلقها نظرات وفاحشات ومنكرات، سافر بعضهم إلى بلاد الكفر، سافر بعضهم وترك مهبط الوحي إلى بانكوك، هل ليعتمر أو يحج، أو ليطلب العلم؟ بل ليضيع رسالته الخالدة، وليبيع إيمانه وليتحول إلى بهيمة أو دابة، قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] تنَّزل بهم الحال، وساء بهم المنقلب إلى أن أصبح الإنسان يطارد معصيته وفجوره، ويعلن تمرده على الله، فأحدهم خرج من الجزيرة إلى بلاد الغرب، قال له أحد الدعاة: اتق الله، قال: الله في الجزيرة أما هنا فلا.. سبحان الله! قال تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219] يعلم السر وأخفى.في كتاب الزهد لـأحمد: " أن أبا بكر الصديق يقول: [[يا أيها الناس، استحيوا من الله حق الحياء، والله الذي لا إله إلا هو أني لأذهب إلى الخلاء لأقضي حاجتي، فأضع ثوبي على وجهي حياء من الله]].جزاك الله عن الإسلام مغفرة؛ حياء من الله حتى في هذا الحال! ولذلك يقول مُطرف [[ما غلبهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صدقة ولا صلاة، ولكن بإيمان وقر في صدره]] ويقول عثمان: [[لم أغتسل قائماً منذ أن أسلمت حياء]] وإلا فالغسل قائماً جائز ووارد، لكن يستحي من الله، فتستحي منه الملائكة.ونريد هذا الحياء أن يتحول إلى مجتمعاتنا وبيوتنا، إلى قلوبنا، مع زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا.
فوائد الشكر
فوائد الشكر ثلاث:1- رضا الواحد الأحد، إذا رضى الله عنك أسعدك في الدارين. 2- كفاية السؤال في الآخرة (سؤال التوبيخ) أما سؤال التقرير فلا بد منه. قال تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:1-8] قال بعض العلماء: والله لتسألن عن الماء البارد، فكيف بمن أخذ الدور والأموال، وكفر بنعم الله؟ رأينا بعض الناس يملك من الدنيا أموراً لا يعلمها إلا الله، باستطاعته أن يدخل الجنة بشيء يسير من هذا المال. وهو جار للمسجد يسمع الآذان يطرق ذهنه وأذنه بحي على الصلاة وحي على الفلاح، ويتقلب على فراشه كالبهيمة، حسيبه الله، ما عرف طريق قلبه ولا زاد روحه، عرف طريق البطن، أما طريق الجنة فما عرفه، ارتكس على وجهه والعياذ بالله.3- ومن فوائد الشكر كذلك: يدعى لك بخير، فإن الشاكرين يدعى لهم ممن يحسنون إليهم في ظهر الغيب، ومما يكتسب العبد دعاء الإخوة والخلان.يا أيها المسلمون! إن علينا قضية كبرى وهي أن نستلهم هذا الشكر، شكر النعم، وأن نحتفظ به، وأن ننظر في القرى من حولنا كيف غضب الله عليهم، فجعلهم أثراً بعد عين، حول أمنهم إلى رعب، واستقرارهم إلى فزع، وشبعهم إلى جوع، وحول نهارهم إلى ليل، فلنحافظ على النعم، ولنشكر الواحد الأحد، ولننطلق داعين، لا يكفي أن تكون ملتزماً في نفسك حتى تدعو إخوانك أينما تسير، داعية في المقهى أو على الشاطئ أو في السوق؛ لأنك تحمل الخير للعالمين، فإذا لم تفعل فقد كتمت، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:160] ( نظر الله امرأ سمع مني مقالة فوعاها فبلغها كما سمعها؛ فرب مبلغ أوعى من سامع) لكن دعوة بلين، دعوة بلا عنف؛ نحن ما أتينا لنكسر رءوس الناس، بل لنهدي قلوبهم، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] كلمة طيبة، هدية، بسمة حانية، عطف، معانقة حارة تقود العصاة إلى المسجد، ومن المسجد إلى الجنة.وكلمة أخيرة إلى النساء:سلام من الله عليكن أيها النساء! دائماً النساء شقائق الرجال، لا بد أن يكون للنساء نصيب من الكلام، علَّ سامعة أن تسمع، وعلَّ داعية أن تفقه كثيراً، وعل معرضة أن تعود إلى الله.إن القضايا التي تتكرر في مواضيع النساء هي قضايا التبرج دائماً وأبداً، وقد عظم بنا الحال حتى قال بعض الناس: والله لقد رأيت من المناظر ما أفزعني في هذه الشواطئ حتى ظننت أنه سوف ينزل بنا خسف أو قذف -نعوذ بالله من الخذلان- فحذار حذار أن يذهب مسلم أو مسلمة فيعرض قريبته، فتكون عرضة لأنظار الذين أعرضوا عن منهج الله! والأمر الثاني: مجالس النساء، تشغل ربما بالغيبة والبعد عن الله والكلام الذي لا ينفع، فلتشغل بطاعة الواحد الأحد أو ما يقربهن من الله. الأمر الثالث: المرأة داعية، فلا بد أن تدعو أخواتها بالهاتف، وبالكلمة والشريط، وبالكتيب؛ علَّ الله أن ينفع بها، وأن يزيدها توفيقاً وهداية.الأمر الرابع: غرس لا إله إلا الله في قلوب الأطفال، وطاعة الزوج في طاعة الله، وغض البصر، وحفظ النفس؛ حافظات للغيب بما حفظ الله.وشكراً لكم، وأسأل الله أن يجمعني بكم في دار الكرامة، وأن يغفر لنا ولكم ذنوبنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 لا أحد يدخل الجنة بعمله
بل أورد بعضهم في كتب الآثار: أن رجلاً من بني إسرائيل، عبد الله في جزيرة من الجزر، ومعه رمانة، منقطع عن كل شيء -المنقطع لا يعرف الكذب ولا يزني ولا يغش ولا يغتاب؛ فليس عنده إلا حجارة وحطب- فجلس على هذه الجزيرة عنده رمانة يعبد الله خمسمائة عام، فلما توفاه الله، قال: يا عبدي، ألك ذنوب؟ قال: لا. ما أظن أني أذنبت ولا أسأت ولا عصيتك يا رب! قال: هل تريد تدخل الجنة بعملك أو برحمتي؟ قال: بل بعملي -يعني تكاثر الخمسمائة عام- قال الله عز وجل: يا ملائكتي أحصوا عمله ونعمتي عنده، فأحصوها، فوجدوا أن صلاته وعبادته وشكره في خمسمائة عام لا تعادل إلا نعمة البصر، والبقية هالك فيها، قال: خذوه إلى النار، فصاح وقال: يا رب أدخلني الجنة برحمتك.فيقول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته} لا يُعرف أحد أبداً عنده يد عند الواحد الأحد، كلنا عنده فقراء ومخطئون، كلنا مسيئون ومقصرون. يا من تمنن بركعتين اثنتين أو بعشرة ريال دفعتها إلى فقير، أو بقراءة بعض الآيات، أو بعض التسبيحات، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قدموا أنفسهم في سبيل الله، أصحاب محمد أصبحت أجسامهم جراحات، يقول عروة بن الزبير: [[والله إني كنت ألعب في جسم أبي بعدما كبرت من آثار جراحات المعارك في الإسلام]] كان الزبير جسمه مغارات، جسم الزبير جرح هنا وهناك، وفي ظهره وفي رأسه، وفي وجهه من ضربات السيوف في سبيل الله.ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب رحماك يا رب! لم نقدم للإسلام شيئاً، نريد فقط منا يا جلوس، ويا أمثالكم من الصالحين أن ننـزل إلى الشارع الإسلامي، ننـزل إلى الشاطئ، ننزل إلى المقهى بحكمة، ننزل إلى مجمع الناس، ليأتي كل واحد منا بعاص واحد إلى المسجد، أنا أسألك بالله أن تذهب وتدل عاصياً أو تأتي به إلى محاضرة، أو إلى درس، أو تهدي له شريطاً أو كتيباً أو كلمة نافعة: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم} نريد أن ندل الناس على منهج الله؛ لأننا إن سكتنا وداهنا وتركنا العصاة؛ زاد الحال وتحول إلى سوء المنقلب وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] ونعمة الجوارح من أعظم النعم، وعند الترمذي بسند يحسنه بعض العلماء، يقول عليه الصلاة والسلام: {استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله! إنَّا نستحي من الله حق الحياء، قال: ليس ذلك بحق الحياء، حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى} نظر رجل من الصحابة إلى امرأة جميلة فبكى وذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: {يا رسول الله! نظرت إلى امرأة فما كفارة ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: اصبر فإني لا أعلم في ذلك كفارة حتى ينزل عليَّ، فأنزل الله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] -وقيل بدل النظرة قبلة- قال: ألي يا رسول الله خاصة، قال: لك ولكل من عمل بعملك إلى يوم القيامة}.أيها الصحابي الجليل! ليتك تدري أن من الشباب من أطلقها نظرات وفاحشات ومنكرات، سافر بعضهم إلى بلاد الكفر، سافر بعضهم وترك مهبط الوحي إلى بانكوك، هل ليعتمر أو يحج، أو ليطلب العلم؟ بل ليضيع رسالته الخالدة، وليبيع إيمانه وليتحول إلى بهيمة أو دابة، قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] تنَّزل بهم الحال، وساء بهم المنقلب إلى أن أصبح الإنسان يطارد معصيته وفجوره، ويعلن تمرده على الله، فأحدهم خرج من الجزيرة إلى بلاد الغرب، قال له أحد الدعاة: اتق الله، قال: الله في الجزيرة أما هنا فلا.. سبحان الله! قال تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219] يعلم السر وأخفى.في كتاب الزهد لـأحمد: " أن أبا بكر الصديق يقول: [[يا أيها الناس، استحيوا من الله حق الحياء، والله الذي لا إله إلا هو أني لأذهب إلى الخلاء لأقضي حاجتي، فأضع ثوبي على وجهي حياء من الله]].جزاك الله عن الإسلام مغفرة؛ حياء من الله حتى في هذا الحال! ولذلك يقول مُطرف [[ما غلبهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صدقة ولا صلاة، ولكن بإيمان وقر في صدره]] ويقول عثمان: [[لم أغتسل قائماً منذ أن أسلمت حياء]] وإلا فالغسل قائماً جائز ووارد، لكن يستحي من الله، فتستحي منه الملائكة.ونريد هذا الحياء أن يتحول إلى مجتمعاتنا وبيوتنا، إلى قلوبنا، مع زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا.
الأسئلة

 علاج قسوة القلوب
السؤال يقول: القلوب إذا قست بسبب حب الدنيا، فما هو الأمر الذي يلينها؟ الجواب: ذكر الله عز وجل قسوة القلوب في مواضع من القرآن، أذكر ثلاثة مواضع: 1- ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]. 2- قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13]. 3- وقال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد:16] ولـابن القيم كلام جيد في ذلك: تقسو القلوب أعظم قسوة وذلك بالكفر كترك الصلاة.الأمر الثاني: المعاصي تقسي القلب حتى يكون كالحجر.الأمر الثالث: كثرة المباحات من نوم وكلام بغير ذكر الله وخلطة، ويلين القلوب الصلوات الخمس واعتزال الغناء، وذكر الله عز وجل، والصحبة الصالحة، وكثرة الاستغفار، والتقليل من الضحك والمزاح، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: {لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب} أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذين بدلوا نعمة الله كفراً للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net