اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأمنية العذبة في شرح حديث الغربة للشيخ : عائض القرني


الأمنية العذبة في شرح حديث الغربة - (للشيخ : عائض القرني)
إن الغربة سنة كونية شعر بها الإنسان أم لم يشعر، فلها مفهوم عام وخاص، ولها أنواع وحالات، بل ولها أناس يتصفون بها.فما معنى الغربة؟ وما هي حقيقتها؟ وما هي أنواعها؟ ومن هم الغرباء؟ وما هي صفاتهم؟ وما هي أحوالهم؟ هذا ما أجاب عليه الشيخ حفظه الله في هذا الدرس بالشرح والتفصيل والتوضيح بالأمثلة من التاريخ والواقع.
ابن عمر وحديثه عن الغربة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً.والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، الهادي النبيل، وعلى آله وصحبه أجمعين.وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تكون لي ولكم حجة عند الله يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. بين يدي الحديث: أتيتُ من أبها بلاد الجمال أقول: أهلاً مرحباً بالرجال تعالَ يا من قلبه في العلا يهوى المعالي ويحب الجلال أحبكم في الله سبحانه يجمعنا الله بدار الكمال روض النـبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أحفاده يا رجال نعم.. فهذا الحديث عن الغربة، يوم يعيش المسلم غريباً بين أهله، غريباً في حَيِّه، غريباً في مجتمعه، غريباً في أمته.ولنستمع خاشعين إلى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يفيض روحانية وهداية ونوراً، وكأن لسان الحال للقارئ يقول للمصطفى صلى الله عليه وسلم:بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا أم المعاني اللواتي قد أتيتَ بها أرى بها الدر والياقوت متصلا لو ذاقها مذنف قامت حشاشتُه ولو رآها غريبٌ دارُه لسلا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، كن في الدنيا كأنك غريب.. أو عابر سبيل.. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: [[إذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك]] رواه الإمام البخاري وابن ماجة والإمام أحمد والبيهقي وأبو نعيم، وجَمٌّ غفير من أهل العلموالحديث صحيح وفيه قضايا:القضية الأولى: من هو ابن عمر، صاحبنا هذه الليلة، حياه الله وبياه وحيا الله جهده وإيمانه وإخلاصه، إنه تلميذ من مدرسة المعلم الكبير محمد صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي من معلم.ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا عاش مع الرسول عليه الصلاة والسلام الإيمان والحب والطموح، وتعلم في مدرسته، وله أحاديث ذكر صاحب كتاب الزهد الإمام وكيع بسند حسن، أن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه من كثرة خشيته لله عزَّ وجلَّ ومن كثرة بكائه، قرأ من سورة المطففين حتى بلغ قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] فبكى حتى أغمي عليه، وهي والله من أعظم الكلمات، وهي والله عبرة للمعتبر، يوم يتصور المسلم والمسلمة، والذكر والأنثى يوم يقوم من القبر لرب العالمين!أيُّ منظرٍ هذا؟أيُّ هَولٍ هذا؟أيُّ دهشٍ هذا؟وهذا استطراد ولكن لحكمة! ولذلك روى ابن كثير أن الخليفة العباسي المهدي دخل المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام، فقام له الناس جميعاً إلا ابن أبي ذئب فقال له المهدي: قام لي الناس إلا أنت، قال: كِدت أقوم، فذكرت قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] فتركت هذا القيام لذاك اليوم، قال المهدي: اجلس فوالله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت.ابن عمر في صحيح البخاري أنه رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنتُ عَزَباً، وكنتُ أنام في المسجد، وكان الناس يرون الرؤى فيعرضونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح -فأراد ابن عمر أن يشارك الناس، ويرى رؤيا، فكان يتمنى أن يرى رؤيا في المنام علَّه يظفر بعرضها على المصطفى عليه الصلاة والسلام- فرأيتُ في المنام كأن رجلين أتياني فأخذا بيديَّ -باليمنى واليسرى- فذهبا بي إلى بئر مطوية، فإذا بها بئر مطوية، ولها قرنان، فخفتُ، وفزعت، فقال لي الملكان: لَمْ تُرَعْ، لَمْ تُرَعْ -أي: لا تخف، لا تخف- قال: ثم أعطياني قطعة من حرير، لا أُشير بها إلى روضة في الجنة إلا طارت بي إلى تلك الروضة، فلما أصبحتُ في الصباح، استحيت أن أعرض الرؤيا على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فعرضهتا على حفصة، فعرضتها على الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: نِعْم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل، قال نافع: فوالله الذي لا إله إلا هو ما كان عبد الله ينام من الليل إلا قليلاً) كان يسجد في الحرم، ويبكي، ويقول في سجوده: اللهم إنك تعلم أني ما تركت الخلافة لقريش إلا من مخافتك، أي نعم والله: (كن في الدنيا كأنك غريب) بقي هذا الحديث يرن في ذهنه صباح مساء، لا ينساه أبداً.. إنها وصية محمد عليه الصلاة والسلام.كان زاهداً بمعنى الزهد، ثيابه وماله وبيته كثياب ومال وبيت من ترك الدنيا لوجه الله عزَّ وجلَّ. ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان ذكياً في مجلسه صلى الله عليه وسلم، كان يقول: قال صلى الله عليه وسلم مرة من المرات: (شجرةٌ مَثَلُها كمَثَلِ المسلم، حدثوني ما هي؟ -والحديث في الصحيحين - فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي: أنها النخلة، فاستحييت، فقال عليه الصلاة والسلام: هي النخلة، فأخبرت أبي فقال: ودِدْتُ أنكَ قلتَ ذلك، وأنها بكذا وكذا من الدنيا) أو كما قال.كان يقرأ كل ليلة: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] ويبكي ويقول: [[هو عثمان بن عفان]] مضى لسبيلِه وما تدنس من الدنيا بشيء، بقي إيمانه وإخلاصه وزهده وعبادته.
 

فضايا في حديث الغربة
أما قضايا الحديث:فأولها: ما هو المعنى المتجه للحديث، عند الفقهاء من المحدثين؟والقضية الثانية: ما هية الغربة التي أشار إليها الحديث؟وأول ما نتناول بالدراسة في هذه الليلة: الغربة الأولى: غربة أهل السنة بين أهل البدعة. الغربة الثانية: غربة المسلمين بين الكفار.الغربة الثالثة: غربة المستقيمين بين المتفلتين، والعصاة.وغربة أهل السنة، هي أهم ما ندرسه في هذه الليلة، حيث: نعرِّج بمبدأ البدعة، كيف انتشرت، وكيف حاربها صلى الله عليه وسلم.ثم نمر بـعمر بن الخطاب حصن الإسلام رضي الله عنه وأرضاه، ونقف مع مبتدع يجلده عمر، ويؤدبه.ثم نمضي إلى علي بن أبي طالب وهو يصارع البدع، ويلاحق المبتدعة، ويحرقهم بالنار. ثم مدرسة واصل بن عطاء الابتداعية، وموقف الحسن من ذلك. ثم المأمون وما أدخل في ديار الإسلام من بدع، وموقف أهل السنة والجماعة على رأسهم الإمام الموفق الجهبذ العظيم أحمد بن حنبل.ثم نمُرُّ بـأحمد بن نصر الخزاعي يوم ذُبِح كما تذبح الشاة من أجل نصرة السنة، شهيداً في سبيل الله. ثم المدرسة الكبرى التنظيرية العلمية العملية، الميدانية، التي أسس كيانها شيخ الإسلام ابن تيمية.ثم التفوق السني العجيب الذي حققه الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وموقف الدنيا في تلك الفترة منه ومن دعوته.ثم مسائل في الحديث، تمر معنا إن شاء الله.
 شرح صدر حديث الغربة
يقول ابن عمر رضي الله عنهما: {أخذ صلى الله عليه وسلم بمنكبـيَّ، وفي لفظ: بمنكبِي}.ولكن الأخذ بالمنكب فيه دلالة وأي دلالة، فقد كان عليه الصلاة والسلام حبيباً إلى القلوب..كان سهلاً إلى الأرواح..كان ليناً كما وصفه الله بقوله سبحانه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].وقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].وقوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].كان ربما شبك أصابعه بأصابع أحد الصحابة، ليُظهِر الأُنس والوداد والقرب، يقول معاذ كما في: سنن أبي داود بسند صحيح: {أخذ صلى الله عليه وسلم بيَدِي، فقال: يا معاذ! والله إني لأحبك} انظر! ما أحسن القسم! {والله إني لأحبك، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك} جاءه جرير بن عبد الله البجلي، فقال: {يا رسول الله! أنا رجل لا أثبت على الخيل، فضرب في صدره، وقال: اللهم اجعله هادياً مهدياً} فثبت على الخيل بإذن الله، أيُّ حبٍّ؟وأيُّ سِعَةِ خاطرٍِ؟وأيُّ فيضٍ من الحنانِ تركه في الدنيا عليه الصلاة والسلام؟!كان ابن عمر في تلك الفترة شاباً، والشاب تضره نفسه.. عُجْبٌ.. وزَهْوٌ.. ولِبْسٌ.. وعطرٌ.. وطِيبٌ.. وأخذٌ.. وعطاءٌ.. وتناولٌ.. وتداولٌ.. لكن لقنه صلى الله عليه وسلم درساً لا ينساه، قال: {أخذ بمنكبَيَّ، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} وهذا ترقٍ عند المحدِّثين.
الغربة والغرباء
يقول له: (كن في الدنيا كأنك غريب): أرأيتَ الغريبَ الذي نزل في بلدة ليس له زوجة، ولا ولد، ولا والدة، ولا أحباب ولا أصحاب، ولا أصدقاء، ليس له دار، ولا قصر، ولا مزرعة ولا بستان، يريد صلى الله عليه وسلم من ابن عمر ومن المسلم أن يكون هكذا.أرأيت الغريب المضطهد، الذي لا يُنظَر إليه بعين الرأفة والرحمة بين قوم غرباء، يرون أنه نزل ليرتحل؟! يريد صلى الله عليه وسلم من ابن عمر ومنا أن نكون ذلك.أرأيتَ الغريبَ الذي لا يدري متى يرتحل، لا يعرف البلدة، ولا يعرف في البلدة معروفاً؟غريبٌ من الخلان في كل بلدة إذا عَظُمَ المطلوبُ قلَّ المُساعِدُ فقال له صلى الله عليه وسلم: ( كن في الدنيا كأنك غريب) أرأيت هذه الدنيا، إنها دنيا، ويكفي أنه اشتق اسمها من الدنو، أو من الدناءة، من الدنوِّ: من قرب تصَرُّمِها وانتهائها ولقائنا بالله عزَّ وجلَّ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] هذه الدنيا يريد صلى الله عليه وسلم منا أن نكون فيها غرباء.
 حقيقة الغربة وأحوال الغرباء
قال صلى الله عليه وسلم: {كن في الدنيا كأنك غريب} ثم ترقى عليه الصلاة والسلام إلى درجة أعلى فقال: { أو عابر سبيل } وعابر السبيل: أعظم من الغريب.. الغريب: يقيم يوماً أو يومين أو ثلاثة أو شهراً أو سنة، لكن عابر السبيل: لا يقيم.وأعرف الناس بالدنيا، وحقيقتها: محمد عليه الصلاة والسلام، كان يقول: {ما لي وللدنيا، وإنما مثلي ومثل الدنيا كراكب، قال في ظل شجرة ثم سار وتركها} حديث صحيح.الرسول صلى الله عليه وسلم تتوالى عليه ثلاثة أيام لا يجد فيها كسرة خبز.فما لنا نشبع من الموائد الشهية؟ونركب المراكب الوطية؟ونسكن في المنازل البهية؟كفاك عن كل قصر شاهق عمداً بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهي من الأكلات والأدم صففت مائدة للروح مطعمها عذب من الوحي أو هدي من الكلم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بيتُه من طين، إذا نام وصل رأسه إلى الجدار، وأرجله إلى الجدار الآخر، أظهر الناس عن حجر واحد يوم يحفرون الخندق يربطون بطونهم من الجوع، وأظهره على حجرين صلى الله عليه وسلم، عاش عبداً رسولاً لكن ادخر الله له الرضوان، فقال عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] يقول وهو يتلو هذه الآية، ويبكي: {والذي نفسي بيده لا أرضى وأحد من أمتي في النار، والذي نفسي بيده لا أرضى وأحد من أمتي في النار} فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.فعابر السبيل: لا يأخذ إلا ما يكفيه في الطريق..دخلوا على أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه وهو في سكرات الموت يبكي، قالوا: [[ما لك؟ قال: استثقلت من الدنيا، وأكثرت منها، وورائي عقبة كئود، لا يجوزها إلا المُخِِفّ، قالوا: ما هي دنياك يا أبا ذر؟ فنظروا في بيته، فوجدوا شملة: (فراشاً يفترشه) ووجدوا قعباً، ووجدوا صَحفة وعصا!! أهذا استكثار من الدنيا؟ قالوا: ما معك شيء، قال: إن خليلي صلى الله عليه وسلم قال لي: {ليكن زادك من الدنيا كزاد الراكب } ليكن متاعك من الدنيا كمتاع الراكب]] رضي الله عنه وأرضاه.أرسل عمر رضي الله عنه وأرضاه سلمان الفارسي، الذي استجاب لـ(لا إله إلا الله).سلمان الذي كفر بالطاغوت..سلمان الذي ترك النار وعَبَدة النار وأباه وأهله وأجداده وزوجته وأطفاله، وأتى يركب القفار والبحار حتى وصل إلى المدينة، فكان جزاؤه أن يقول له صلى الله عليه وسلم فيما يُروى عنه: {سلمان منا آل البيت} وهي والله وسام من أعظم الأوسمة، يوم يُترك أبو لهب، وأبو طالب، المدهدهان على رءوسهما في النار، أما سلمان الفارسي فهو من أهل البيت.يجلس العرب في حلقة، فينتسبون لأجدادهم، وترابهم، فيقولون لـسلمان : من أبوك؟ قال:أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم رضي الله عنك وأرضاك.أرسله عمر رضي الله عنه وأرضاه أميراً إلى العراق، فذهب على حمار.. انظر إلى صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذين فتحوا الدنيا! يركبون الحمير!الذين أسسوا حضارةً عالميةً مشرقةً وضَّاءةً يركبون الحمير!فوصل، فلما خرج أهل العراق، لاستقباله، قالوا لـسلمان : أرأيت أميراً أرسله عمر إلينا اسمه سلمان الفارسي؟ قال: أنا سلمان الفارسي، قالوا: لا تضحك علينا، قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو سلمان الفارسي!! فعجبوا وذهلوا من هذا الدين، الذي الأمير فيه كأنه أفقر فقير في الناس!!فسكن هناك، وأخذ راتبه، فوزعه على ثلاثة أنحاء: قسم يتصدق به، وقسم يهديه لإخوانه، وقسم يتقوت به.. وقيل: كان يتصدق بكل المال، ويتقوت من خصفه الذي يخصفه بيده رضي الله عنه وأرضاه.يأتي عمر رضي الله عنه وأرضاه، وهؤلاء عالم الغربة، وأهل الغربة والاستقامة، فيرسل سعيد بن عامر الصحابي الجليل إلى حمص، فيبعثه فيقول: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: [[أتولونني الخلافة في عنقي، ثم تتركونني؟ والله لتتولين الإمرة لي]] فذهب رضي الله عنه وأرضاه، ولما سافر من المدينة، قالت زوجته: [[عندي مال كثير، أعطيك إياه تستنفقه لك، أو تضعه في تجارة بيني وبينك، فأخد المال فتصدق به في سبيل الله، فقالت: أين المال؟! قال: أعطيناه شريكاً، يضاعف لنا به أضعافاً على الدرهم الواحد إلى سبعمائة درهم]] فصدقت وسكتت.دخل حمص، وأخذ هذا الغريب يَعْدِل في الناس ويصلي بهم، حتى مرَّ عمر رضي الله عنه وأرضاه على أمرائه وولاته في الأقاليم، فأخذ سعيد بن عامر وسأل أهل حمص عنه: كيف سعيد بن عامر؟أي: كيف مسيرته فيكم؟كيف عدله؟كيف زهده وورعه؟فكلهم أثنوا خيراً، لكن أخذوا عليه أربعاً من الخصال: ما هي الأربع؟قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[اللهم إني ما علمت فيه إلا خيراً، اللهم لا تخيب ظني فيه، قالوا: أما الأولى: فيُصرع بين أيدينا، وأما الثانية: فلا يخرج لنا يوماً من أيامه من الأسبوع، فلا نراه ولا يرانا، وأما الثالثة: فإنه لا يخرج حتى يرتفع النهار، وأما الرابعة: فإنه لا يخرج في الليل، مهما طرقنا عليه بابه]].لا يخرج علينا في الليل، قال عمر رضي الله عنه وأرضاه، وقد نكس رأسه، ودموعه تهراق على خديه: [[اللهم لا تخيب ظني في سعيد بن عامر، قم يا سعيد، فقام يتكلم، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لوددت أن أكتم هذا الأمر، فأما والحالة هذه فسأتكلم، فأمَّا قولهم: أني أصرع، فقد حضرتُ مشهداً ما وددت أني حضرته: رأيت خبيب بن عدي وهو يُقتل في مكة، وأنا مع المشركين آنذاك، فسمعته يقول للكفار: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فكلما تذكرت ذاك المشهد صرعت، ووددت أنني نصرته، وأما اليوم الذي لا أخرج فيه للناس: فأنا رجل ليس لي خادم، وزوجتي مريضة، أغسل ثيابي، وأنتظر جفافها، أو أغسل ثيابي وثياب أهلي في هذا اليوم -سبحان الله! أيُّ حياةٍ هذه الحياة، حياة الغرباء؟- وأما الليل لا أخرج إليهم: فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي تبارك وتعالى:قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار لَمْ ألْقَ في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحارِ وأما قولهم: لا أخرج حتى يرتفع النهار، فزوجتي مريضة، فأنا أصنع إفطاري بنفسي، فإذا أفطرتُ خرجتُ إليهم، فرفع عمر يديه إلى السماء يبكي، ويقول: الحمد لله الذي لم يخيب ظني في سعيد بن عامر]] سلام على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته.إن لم تؤخذ السيرة والعقيدة، والمبادئ الأصيلة والسلوك منهم، فمن أين تُؤخذ؟ إنهم من الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].
غربة أهل السنة بين أهل البدعة
الغربة كما أسلفت على ثلاثة عناصر، أو ثلاث مسائل:أولها: غربة أهل السنة بين أهل البدعة: يوم تجد المسلم العالم يتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء: في المعتقد، وفي حمل (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وفي الحضور في الجماعات، وفي المحافظة على الفرائض والنوافل، وفي مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات، وفي اللحية، والثوب، والسواك، والهدي الظاهرِ والباطن؛ لأنه ليس في الإسلام قشور، وليس في الإسلام تنافر، كله سنة، وكله يؤخذ جملة، وكله عبادة وشريعة من الله الذي لا إله إلا هو، لكن أهل البدع يأبون إلا أن يجعلوا أهل السنة يَحْيَون معهم غرباء.
 الغربة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم
تنتهي هذه الكلمة في مهدها، ولكنها تشب مبدءاً وتغييراً في محاربة السنة.ويموت عليه الصلاة والسلام، ويأتي أبو بكر وحربه العَقََدِية شاملة لكل جانب، حربه رضي الله عنه وأرضاه حربٌ ظاهرة.. تمردٌ على الإسلام.. أناس يرفضون من قيام (لا إله إلا الله) وأناس يرفضون أداء الزكاة، وبالفعل حاربهم وانتصر عليهم رضي الله عنه وأرضاه.ويأتي عمر بن الخطاب.. عمر الذي حمى الله به الإسلام.. لما طُعِن عمر بكى عليٌّ رضي الله عنه وأرضاه وقال: [[والله ما أريد أن ألقى الله بعملِ رجل إلا بعمل كعملك]] وقال أحد العلماء: " كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر فلما أتى عمر بخلافته الراشدة رضي الله عنه وأرضاه كان يحارب الزيادة والابتداع في دين الله، حتى كثرة الحديث لا يريدها؛ لأنها تشغل في نظره عن القرآن، فلما سمع أبا هريرة يحدث كثيراً كثيراً، قال: [يا أبا هريرة: والذي نفسي بيده إما أن تمسك عن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة، أرض دوس]] يعني: في بلاد الزهران.طرق عليه أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه، كما في: الصحيح فلم يأذن له؛ فطرق مرة ثانية؛ فلم يأذن له، فطرق ثالثة؛ فلم يأذن له، فذهب أبو موسى، وفتح عمر البابَ رضي الله عنه وأرضاه، وقال: [[يا أبا موسى: تعال، لماذا عدتَ؟ قال: سمعتُ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليعُد} قال: والذي لا إله إلا هو لتأتيني بشاهد على هذا أو لأوجعنك ضرباً]] لا يريد الزيادة في دين الله؛ يريد التثبت، ولو أن أبا موسى ثقةٌ ثَبْتٌ، عدلٌ مُرتضى من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فذهب أبو موسى يرجف فؤاده إلى الصحابة، ويقول: [[أنقذوني، أنقذوني]] يريد شاهداً، قال الأنصار: [[والله لا يقوم معك إلا أصغرنا]] فشهد له، فأمضى عمر هذه السنة في الناس.وفي يوم من الأيام جلس عمر رضي الله عنه وأرضاه وليت عمر يحضر مجالسنا، أو ليته رأى بعض مجالسنا ونحن الذين ندَّعي الغربة؛ مجالس الخلافيات الفكرية، والجزئيات التنظيرية التي لا تنفع ولا تُجْدي، مجالس التهجم على المسلمين إذا أخطأوا في جزيئات، أو خالفونا في أساليب أو فرعيات، يكيل الصاع صاعين، ولو أننا أردنا وجه الله والدار الآخرة لسعينا لجمع كلمة الإسلام، هذا يعمل على أسلوب، وهذا له مظلة، وهذا له اتجاه، نحمي عرضَه، ونُعِدُّ أنه مِن الذين أنتجوا في الساحة الإسلامية، ولهم دور في إنقاذ الهمم، وفي إمضاء هذه الصحوة وتوجيهها إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا له حسنة في المحافظة على معتقد السلف، هذا له حسنة في الرد على الشبه، هذا له حسنة في تعليم العوام.. فلماذا نصادر جهود الناس؟ لماذا نتهجم على بعضهم في المجالس؟ إسرائيل تقصفنا بالطائرات، وتغطي شمسنا بطيرانها، ونحن بيننا نتحارب؟!وأطفأتْ شهبُ الميراجِ أنجمَنا وشمسَنا، وتحدَّت نارها الخُطَبُ شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا قالوا: هم البشر الأرقى، وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا تسرُّعٌ في الفتيا موجودة في الساحة، يقول أحد التابعين للتابعين: [[والذي نفسي بيده إنكم لتفتون في مسائل، لو عرضت على عمر بن الخطاب، لجمع لها أهل بدر]].نحن تناحرنا إلاَّ من رحم الله فيما بيننا، ردود، ومسائل جزئية؛ لكن الكفار لا يعرفون هذا، الكفار ليس بينهم ردود، فكلهم يختلفون؛ لكنهم في حرب الإسلام يتفقون.فأتى رجلٌ عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! قال: نعم قال: في المعسكر رجل يعارض بين الآيات قال: ماذا يقول؟ قال: يقول: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً [الذاريات:1-2] كيف نجمع بينه وبين قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1] قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: تعال به وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً [الذاريات:1] وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1]: كلام كبير، من حكيم بصير، لو وقعت على الجبال، لتشققت الجبال، كلام الله، لا كلام مسيلمة، فجلده عمر حتى تاب.
حقيقة الغربة والغرباء
الذي ذكرتُه في هذا العنصر: هو عنصر واحد من ثلاثة عناصر، سبق أن أسلفتُ الحديث عنه. غربة أهل الإسلام بين سائر الأديان: وهذا أمر معلوم، موجود، وكثير مشهور، لا يحتاج إلى كثرة كلام. وغربة أهل السنة بين أهل البدع: وهو هذا الذي يحتاج إلى غربلة وحديث كثير. وغربة أهل الاستقامة بين أهل المعاصي: وأهل الفجور، والتفلُّت على أوامر الله، وتعدي حدود الله، وهو أمر لا بد أن يُتَنَبَّه إليه، وأن على المسلم -خاصةً المستقيم، الملتزم، طالب العلم، الداعية- أن يصبر، وأن يعرف أنه غريب، وأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يجزل له أجره، كما قال صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) وفي لفظ: (قالوا: من هم، يا رسول الله؟ قال: النُّزَّاع مِن القبائل) ولكن هذه الرواية ضعيفة، وفي لفظ آخر: (هم الذين يتحابون في الله عزَّ وجلَّ لا على أي سبب من أسباب الدنيا) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.وقد وجد الغرباء في هذا العصر؛ غرباء في العالم.. دول العالم كافرة؛ إلا من رحم الله؛ وغرباء بين المبادئ الموجودة المطروحة في الساحة.. فهم غرباء من هنا ومن هنا، غرباء في أفكارهم لسوء أفكار أهل الضلالة، وغرباء في صلاتهم لسوء صلاة المنحرفين، وغرباء في استقامتهم لتدهور استقامة السيئين، وغرباء في كتبهم التي يقرءونها؛ لأن كتب أهل الضلال غير الكتب التي يقرءونها، وغرباء في مسيرتهم، وفي اتجاههم، وفي عقائدهم وتفكيرهم؛ لأنهم أهل الخير.أنبه على مسائل:أولها: أن الغريب قد يكون واحداً، وأهل السنة والجماعة قد يكونوا شخصاً واحداً أو أشخاصاً قلة، ولا يشترط الكثرة، وأهل السنة كلهم: كل مَن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً صلى الله عليه وسلم، وكل من دان لله بالولاء، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالاتباع، وليست حكراً لأحد، أو لطائفة من الناس وإن ادعوا ذلك.وكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى وليلَى لا تُقِرُّ لهم بِذاكا فكل من حمل هذه المبادئ؛ فهو من أهل السنة والجماعة.. خفي أم ظهر، لبس لباساً يختلف عن لباس الناس، إن لم يكن محرماً أو لم يلبس؛ إنما المهم: أن يعتقد، وأن يعمل بما يعمله ويعتقده أهل السنة والجماعة، هذا أمر.الأمر الثاني: أن الغربة تختلف نسبياً من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، وفي صور عن صور، وقد تكون في بعض الأزمنة غربة الإسلام:في الحاكمية: ألا يُحَكَّم شرعُ الله في الأرض.. فهذه غربة في الحكم. تكون غربة في الجهاد: ألا تُرفع رايةُ أن لا إله إلا الله في الجهاد.. هذه غربة في الجهاد.فترة من الفترات: تكون غربة تطبيق السنة في حياة الأفراد.. هذه غربة السنة في حياة الناس.فترة من الفترات: غربة في العلم، ونشر العلم، وهذه الغربة العلمية..يوم لا ينشر العلم.غربة مكانية: تنتشر السنة في مكان من الأمكنة؛ ولكن لا تنتشر في المكان الآخر.في زمن تتقوى فيه السنة وتظهر؛ وتنهزم وتفشل في زمن آخر.. وهذه: غربة نسبية إضافية في زمن من الأزمنة.إخوتي في الله! إن أعظم قضايا الحديث، هي: قضيةٌ رقيقةٌ من الرقائق: أن تكون غريباً، عن (إذا أصبحتَ لا تنتظر المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح).والموتَ فاذكره وما وراءَهْ فمنه ما لأحدٍِ براءَةْ وإنه للفيصل الذي بِه ينكشفُ الحالُ، فلا يشتبِهِ والقبرُ روضةٌ من الجنانِ أو حفرةٌ من حُفَر النيرانِ إن يكُ خيراً فالذي مِن بعدِهِ أفضلُ عند ربنا لعبدِهِ وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وإن كان لي من شكر، فإني أشكر الله تبارك وتعالى، ثم أشكر القائمين على هذا المسجد؛ لدعوتهم، ولتسببهم في هذا الحضور، ثم أشكركم، أيها المسلمون الفضلاء النبلاء.وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.
 الغربة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم
تنتهي هذه الكلمة في مهدها، ولكنها تشب مبدءاً وتغييراً في محاربة السنة.ويموت عليه الصلاة والسلام، ويأتي أبو بكر وحربه العَقََدِية شاملة لكل جانب، حربه رضي الله عنه وأرضاه حربٌ ظاهرة.. تمردٌ على الإسلام.. أناس يرفضون من قيام (لا إله إلا الله) وأناس يرفضون أداء الزكاة، وبالفعل حاربهم وانتصر عليهم رضي الله عنه وأرضاه.ويأتي عمر بن الخطاب.. عمر الذي حمى الله به الإسلام.. لما طُعِن عمر بكى عليٌّ رضي الله عنه وأرضاه وقال: [[والله ما أريد أن ألقى الله بعملِ رجل إلا بعمل كعملك]] وقال أحد العلماء: " كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر فلما أتى عمر بخلافته الراشدة رضي الله عنه وأرضاه كان يحارب الزيادة والابتداع في دين الله، حتى كثرة الحديث لا يريدها؛ لأنها تشغل في نظره عن القرآن، فلما سمع أبا هريرة يحدث كثيراً كثيراً، قال: [يا أبا هريرة: والذي نفسي بيده إما أن تمسك عن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة، أرض دوس]] يعني: في بلاد الزهران.طرق عليه أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه، كما في: الصحيح فلم يأذن له؛ فطرق مرة ثانية؛ فلم يأذن له، فطرق ثالثة؛ فلم يأذن له، فذهب أبو موسى، وفتح عمر البابَ رضي الله عنه وأرضاه، وقال: [[يا أبا موسى: تعال، لماذا عدتَ؟ قال: سمعتُ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليعُد} قال: والذي لا إله إلا هو لتأتيني بشاهد على هذا أو لأوجعنك ضرباً]] لا يريد الزيادة في دين الله؛ يريد التثبت، ولو أن أبا موسى ثقةٌ ثَبْتٌ، عدلٌ مُرتضى من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فذهب أبو موسى يرجف فؤاده إلى الصحابة، ويقول: [[أنقذوني، أنقذوني]] يريد شاهداً، قال الأنصار: [[والله لا يقوم معك إلا أصغرنا]] فشهد له، فأمضى عمر هذه السنة في الناس.وفي يوم من الأيام جلس عمر رضي الله عنه وأرضاه وليت عمر يحضر مجالسنا، أو ليته رأى بعض مجالسنا ونحن الذين ندَّعي الغربة؛ مجالس الخلافيات الفكرية، والجزئيات التنظيرية التي لا تنفع ولا تُجْدي، مجالس التهجم على المسلمين إذا أخطأوا في جزيئات، أو خالفونا في أساليب أو فرعيات، يكيل الصاع صاعين، ولو أننا أردنا وجه الله والدار الآخرة لسعينا لجمع كلمة الإسلام، هذا يعمل على أسلوب، وهذا له مظلة، وهذا له اتجاه، نحمي عرضَه، ونُعِدُّ أنه مِن الذين أنتجوا في الساحة الإسلامية، ولهم دور في إنقاذ الهمم، وفي إمضاء هذه الصحوة وتوجيهها إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا له حسنة في المحافظة على معتقد السلف، هذا له حسنة في الرد على الشبه، هذا له حسنة في تعليم العوام.. فلماذا نصادر جهود الناس؟ لماذا نتهجم على بعضهم في المجالس؟ إسرائيل تقصفنا بالطائرات، وتغطي شمسنا بطيرانها، ونحن بيننا نتحارب؟!وأطفأتْ شهبُ الميراجِ أنجمَنا وشمسَنا، وتحدَّت نارها الخُطَبُ شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا قالوا: هم البشر الأرقى، وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا تسرُّعٌ في الفتيا موجودة في الساحة، يقول أحد التابعين للتابعين: [[والذي نفسي بيده إنكم لتفتون في مسائل، لو عرضت على عمر بن الخطاب، لجمع لها أهل بدر]].نحن تناحرنا إلاَّ من رحم الله فيما بيننا، ردود، ومسائل جزئية؛ لكن الكفار لا يعرفون هذا، الكفار ليس بينهم ردود، فكلهم يختلفون؛ لكنهم في حرب الإسلام يتفقون.فأتى رجلٌ عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! قال: نعم قال: في المعسكر رجل يعارض بين الآيات قال: ماذا يقول؟ قال: يقول: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً [الذاريات:1-2] كيف نجمع بينه وبين قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1] قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: تعال به وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً [الذاريات:1] وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1]: كلام كبير، من حكيم بصير، لو وقعت على الجبال، لتشققت الجبال، كلام الله، لا كلام مسيلمة، فجلده عمر حتى تاب.
الأسئلة

  قصائد للشيخ
السؤال: خاتمة المطاف في هذه الأسئلة: سؤالٌ موجَّهٌ، أو طلبٌ موجَّهٌ إلى فضيلة الشيخ بإلقاء القصيدة التي قالها أثناء سفره إلى أمريكا، أو القصيدة التي قالها في المجاهدين الأفغان.الجواب: القصيدة التي في أمريكا: قصيدتان، جِدِّيَّة، وهزْليَّة، الجِدِّيَّة تخاطب الأمة الإسلامية، كانت في مؤتمر أوكلاهوما للشباب العربي المسلم: يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل وتوقف التاريخ فـي خطواتها قبل الرحيل سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل يا أمة ضرب الزمان بها جموح الكبرياء رأس الدعي على التراب ورأس عزمك في السماء لو كان مهرك يا مليحة من براكين الدماء لهفا إليك اللامعون وفر منك الأدعياء يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال وهي البريئة خدرهـا فيض عميم من جلال شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال موتاً أتاتورك الدعـي كموت تيتو أو جمال يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد جثث البرايا منهم في كل رابية وواد ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام أما الهزلية: فأذكر بعض الأبيات لأنها لا تخلو من فوائد! إن شاء الله:يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي قد جئت من أبها صباحاً باكراً مشاركاً لحفلكم وشاكراً وحملتنا في السماء طيارة تطفح تارة وتهوي تارة قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديك يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا وهذه أخبار هذى النشرة مسافة السير ثلاث عشرة من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحىً هبطنا أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعدها واشنطنا ثم ركبنا بعدها سيارة مستقبلين جهة السفارة منـزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن وبعدها زرنا مباني الكونغرس ولم نجد مستقبلاً ولا حَرَسْ بها ملايين حوت من الكتب في كل فن إنه هو العجب في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة فهم قطيع كشويهات الغنم جد وهزل وضياع ونغم فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة ومنها:ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش فهو أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمة وأما قصيدة الأفغان فمن أبياتها:يا أمة النصر والأرواح أثمان في سدّة الرّعب ما هانوا وما لانوا هم الرعود ولكن لا خفوت لهم خسف ونسف وتدمير وبركان كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مرا وهو مجان وبلشفي أتى كالعير منتخيا رأى المنايا فأضحى وهو جعلان ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلان فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأمنية العذبة في شرح حديث الغربة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net