اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة للشيخ : عائض القرني


رسالة - (للشيخ : عائض القرني)
هذه الرسالة تحتوي على عدة قضايا، يحتاج إليها الفرد والمجتمع، وهي سبب السعادة في الدنيا والآخرة، وهي: الصلاة والمحافظة عليها، وبر الوالدين والتحذير من عقوقهما، والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى من الذنوب والمعاصي، وتربية الأبناء والمحافظة على حقوقهم والقيام بها كما في الشريعة الإسلامية، وسل السخيمة من القلوب، وحب المسلمين والتودد إليهم والتآلف معهم، إلى غيرها من الرسائل والمسائل.
قضايا في الحياة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم صلّ وسلم على من أرسلته هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أيها الإخوة الأبرار الأخيار: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد:فإن أعظم ما أوصي به نفسي وإياكم هذه الليلة تقوى الله عز وجل؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين، كما قال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] ونتكلم فيما يأتي عن بعض القضايا في الحياة والمجتمع.
 التوبة.. وفضلها
إذا أذنبت وأخطأت وأجرمت، وأسرفت على نفسك، ثم تفكرت في لقاء الله، وفي القبر المظلم، والعرض الأكبر على الله عز وجل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله المقصود: أن الذنوب والخطايا لا يسلم منها أحد، ولا يغفر الذنوب إلا الله ولا يستر العيوب إلا هو، ولا يسامح عن الزلل إلا الله، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] فإذا أذنبنا فررنا إلى الله، قال الله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50] فما منا إلا مذنب، وما منا إلا عاصي، وما منا إلا مسرف على نفسه. ويا أيها الإخوة الكرام! واجبنا تجاه الذنوب والخطايا أن نتوب إلى علام الغيوب، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نتزين للعرض الأكبر على الله عز وجل قبل أن نعرض عليه فلا تخفى عليه منا خافية، ولذلك طالبنا صلى الله عليه وسلم بالتوبة.يروى عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الحديث القدسي أنه قال: {يا بن آدم إنك ما دعوتي ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لغفرتها لك، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة}.فما هو الواجب تجاه ذنوبنا وخطايانا؟ الواجب أن نستغفر الله وأن نتوب إليه، وقدوتنا عليه الصلاة والسلام يقول: {يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة} وفي لفظ: {مائة مرة}.فيا إخوتي في الله! كثرة ذنوبنا وخطايانا، وما جف القطر، وفسدت كثير من البيوت، وقست القلوب، وتشتت الأسر، وتفرقت الجماعات والقبائل، إلا بسبب الذنوب والخطايا. الجار لا يسالم جاره، تحدث حرب شعواء بين الجيران وصلت إلى المحاكم، ووصلت إلى القاصي والداني بسبب عدم رقابتنا لله عز وجل، وبسبب قسوة قلوبنا، والجار في الإسلام حقه عظيم، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يوصي به. يقول أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه: {خرجت مع أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا به قائم، وإذا رجلٌ مقبلٌ عليه، فظننت أن له حاجة، فجلست، فوالله لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي له من طول القيام، ثم قمت إليه، فقلت: يا رسول الله! لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: أتدري من هذا؟ قلت: لا. قال: جبريل، مازال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، أما إنك لو سلمت عليه لردَّ عليك السلام} رواه أحمد بإسناد جيد.وأتى جار فقال: {يا رسول الله! أشكو إليك جاري. قال: ماذا فعل؟ قال: آذاني، وسبني، وشتمني، وما حفظني، ولا رعاني، إن غبت خفت على أهلي منه، قال: اصبر له واحتسب} فذهب فصبر، ولكن ذاك الجار ما اتقى الله، وما خشي من الله، فاشتكى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثانية، قال: {خذ متاعك وقف في الطريق، فأخذ متاعه، ومر الناس عليه مصبحين وممسين فقالوا: مالك؟ قال: أخرجني جاري إلى هذا الطريق، قالوا: عليه لعنة الله.فيصبح الرجل، فيقول: مالك؟ قال: أخرجني جاري، قال: عليه لعنة الله، ويمسي الممسي فيقول: مالك؟ قال: أخرجني جاري، قال: عليه لعنة الله، فعاد هذا الجار بعد أن قال له جاره: عد، والله لا أوذيك بعدها أبداً}.ولذلك أكثر ما هضمت حقوق الجيران؛ لما قست القلوب، ونسيت حقوق المسلم على لمسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام علمنا حقوق المسلم؛ نظر إلى الكعبة عليه الصلاة والسلام وقال: {ما أجلك وما أعظمك وما أشد حرمتك عند الله عز وجل! والذي نفسي بيده للمؤمن أشد حرمة منك} المؤمن أشد حرمة من الكعبة عند الله - عز وجل - وأقدس، ويقول عليه الصلاة والسلام: {والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا:من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه} هذه قضية الجيران، وحقوق المسلمين تتداخل بعضها في بعض.
حق الولد على والده
ومن القضايا الكبرى التي عشناها، ورأيناها: إهمال تربية الأبناء، وكما أسلفنا ذكر قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] تربية الأبناء أهملت إلا في بيوت من رحم الله، وكثير من الآباء يقف حجر عثرة في وجه أبنائه لئلا يهتدوا أو يستقيموا، لا يريد أن يكونوا -على زعمه- مطاوعة متزمتين متطرفين؛ يريد إسلاماً أمريكياً؛ لأن هذا الإسلام يلزمك أن تصلي وفي المثل:" مع الخيل يا شقراء" فلسان حاله: لا نريد إسلاماً متعمقاً يأتي بهذه السنن، نريد إسلاماً نعيش به كالناس، فليعلم هؤلاء أن الله عز وجل لا يرتضي إلا إسلاماً صافياً على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.أتى اليهود يتعاطفون عند الرسول عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله! إنا نحب الله لكن ما نتبعك، فكذب الله مقالتهم، وقال لهم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].وسبب فساد الأبناء: التربية في البيوت، ولذلك وجد في بيوت المسلمين من داخلتهم الأفلام الخليعة، والأغاني الماجنة، والمجلات السافلة الرخيصة؛ حتى ربت أذهانهم على بغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتنكر للمساجد. يأتي بالابن إلى المسجد، فلا يريد الانقياد للمسجد، يسمع داعي الله فلا يأتي، يسمع الدروس والندوات والمحاضرات والمراكز والمخيمات فلا يشارك؛ لأنه رُبي على أن هذا الشيء ليس جيداً ولا محموداً ولا طيباً، وأن فيه تزمتاً وتطرفاً.وكلمة (التَّزمت) ونحوها أتت إلينا بها الصهيونية العالمية. ووزعتها على إعلام العرب، وعلى إعلام العالم، تناقلوها وأصبحوا يسمون الدعاة وطلبة الاستقامة، والشباب الذين يريدون الله والدار الآخرة، والمتمسكين بالسنة (متزمتين ومطاوعة) ليصنعوا فصاماً بين الناس، بين المسلمين وبين أبنائهم، وهذا فيه خطورة عظيمة.
 الوالد قدوة صالحة لولده
ومما يجب للأبناء: أن تربيهم تربية عملية، نحن أصبحنا أمة كلام، نتكلم على المنابر ونخالف - نسأل الله العافية- لكن التربية الحقة، أن إذا أتيت أمام ابنك لتأكل قلت: بسم الله، يراك تسمي فيسمي، وتحمد الله، فيحمده. تقول: يا بني لا تكذب، فلا تكذب أنت، لأنك قدوة له حتى لو استطاع أن يقلد رموش عينك وومضات لسانك لفعل، وهذه مرحلة التقليد التي لا تفوت، وهي تربية الأطفال وتعليمهم كتاب الله عز وجل.ثم مما يجب على المسلم تجاه ابنه: أن يربيه على أشرف الخصال، فيجنبه اللعن، فلا يلعن أبداً -وليس المؤمن باللعان ولا الطعان- وإذا رأيت الابن يلعن فاعلم أن في قلبه شكاً وشبهة، وأنه ما تربى تربية إسلامية، وتحرف عنه السب والشتم، وهذا أحسن ما كتب فيه تحفة المودود في أحكام المولود لـابن القيم رحمه الله رحمةً واسعةً.
نزع الغل من الصدور
ومن القضايا المهمة في حياتنا -يا عباد الله- قضية: سل السخيمة من القلوب، الضغينة والحقد والحسد، وهذا الذي شتت القرى، وفرق القبائل، ودخل بين الأسر حتى عادى الابن أباه، والأخ أخاه، وتهاجر الجيران وتقاطعوا، والله أمرهم أن يصطلحوا وأن يترافقوا ويتراحموا، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].تعالوا إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لنأخذ بعض النماذج منها، ومن سيرة أصحابه:الرسول عليه الصلاة والسلام علم الناس الألفة والمحبة، يأتيه ضيف في ليلة دامسة فيطرق بابه، فلا يجد عليه الصلاة والسلام ما يقدم له من خبز ولا تمر ولا فاكهة، فيقول: من يضيف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله الجنة.فيأخذه أحد الأنصار فيذهب به إلى بيته فيقول لامرأته: هل عندك شيء، قالت: لا والله، إلا شيء قليل من حب الشعير لا يكفينا.قال: اطحنيه...انظر إلى حياة المشقة آنذاك ثم ما أصبحنا فيه من نعم متكاثرة متواترة لا نحصي عدها، ولا نستطيع شكرها إلا أن يعيننا الله على ذلك، أصبحت الموائد تترك وترمى في القمامات للكلاب والقطط، أصبح الناس يصابون بالتخمة والأمراض الباطنية، وكثير من الأمراض الجسمية أصبحت لكثرة الأكل والشرب..!قال: فإذا قدمت العشاء أمام الضيف فتظاهري بإصلاح السراج، ثم أطفئيه ليأكل الضيف في الظلام ولا نأكل ويظن أننا أكلنا معه.فلما قدمت العشاء للضيف، قامت إلى السراج لتصلحه فأطفأته، فصاروا في الظلام، وأتى صاحب البيت يرفع ويظهر أنه يأكل، وهو لا يأكل شيئاً حتى أكل هذا الضيف وأمسى شبعان ريان.وفي الصباح استدعاهم صلى الله عليه وسلم وقال: لقد عجب الله من فوق سبع سماوات من صنيعكما البارحة بضيفكم، وكان جزاؤهم الجنة. قال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]. ورد أنه في القرون المفضلة قد: أصابهم قحط وجوع لا يعلمه إلا الله، فأهدي إلى رجل من الأنصار رأس كبش ليطبخه، فقال: أنأكله وجيراننا ليس عندهم شيء، فأرسله إلى الجيران، فأرسله الجيران إلى الجيران، والجيران إلى الجيران حتى عاد إلى الرجل الأول الذي أرسله، وما ذاك إلا لقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].عمر رضي الله عنه وأرضاه في عام الرمادة، عام القحط والجوع والجدب قال: والله لا آكل سمناً حتى يكشف الله الضراء عن المسلمين، وكان بطنه يقرقر من كثرة الجوع فيقول: [[قرقري أو لا تقرقري، والله لا أشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] وهذا من الإيثار الذي افتقدناه في مجتمعاتنا. أحد علماء الإسلام وزهاده ابن المبارك كان له جار يهودي جاوره سنة، ثم أسلم بعد السنة، قالوا للجار: لماذا أسلمت؟ قال: وكيف لا أسلم وعبد الله بن المبارك ما شرى لحماً إلا بدأ بأهلي، وما كسا أبناءه إلا كسا أبنائي قبلهم، ولا اشترى فاكهة إلا أهدى لنا قبل بيته.عباد الله! هذه قضايا أحببت عرضها هذه الليلة، ولا أريد الإطالة فإن كثرة الكلام كما قال عمر رضي الله عنه: [[ينسي آخره أوله]] وهناك وقت للأسئلة وللحوار، وربما ترجون قضايا، وأسأل الذي جمعنا هذه الليلة على غير ميعاد إلا ميعاد الحب فيه سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يجمعنا في مستقر رحمته في روضة من رياض الجنة، نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يغدق على قلوبنا وقلوبكم برد اليقين، وأن يرينا سبل السلام، وأن يهدينا طريق الجنة. اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم أصلح بيوتنا وأبناءنا وزوجاتنا وإخواننا وجيراننا، اللهم أصلحنا ظاهراً وباطناً، اللهم تغمدنا برحمتك، اللهم وفقنا لكل خير واهدنا سبل السلام.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وإن كان من شكر فإني أشكر الله- سُبحَانَهُ وَتَعَالى- شكراً جزيلاً، ثم أشكر من كان سبباً في هذه الجلسة الطيبة الخيرة، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
 الوالد قدوة صالحة لولده
ومما يجب للأبناء: أن تربيهم تربية عملية، نحن أصبحنا أمة كلام، نتكلم على المنابر ونخالف - نسأل الله العافية- لكن التربية الحقة، أن إذا أتيت أمام ابنك لتأكل قلت: بسم الله، يراك تسمي فيسمي، وتحمد الله، فيحمده. تقول: يا بني لا تكذب، فلا تكذب أنت، لأنك قدوة له حتى لو استطاع أن يقلد رموش عينك وومضات لسانك لفعل، وهذه مرحلة التقليد التي لا تفوت، وهي تربية الأطفال وتعليمهم كتاب الله عز وجل.ثم مما يجب على المسلم تجاه ابنه: أن يربيه على أشرف الخصال، فيجنبه اللعن، فلا يلعن أبداً -وليس المؤمن باللعان ولا الطعان- وإذا رأيت الابن يلعن فاعلم أن في قلبه شكاً وشبهة، وأنه ما تربى تربية إسلامية، وتحرف عنه السب والشتم، وهذا أحسن ما كتب فيه تحفة المودود في أحكام المولود لـابن القيم رحمه الله رحمةً واسعةً.
الأسئلة

 خطر هجران المساجد
السؤال: بني مسجدان في قرية واحدة، والمسجد الأول قرأت قاعدة مكتوبة فيه يقول فيها الأولون: ما دام الغراب أسود فلن يحرفوا هذا المسجد من مكانه، فما رأيك في ذلك؟الجواب: إن كان المسجد الآخر يأخذ الجماعة فيصلون فيه ويكفي عن المسجد الأول وهو أقرب إليهم وأصلح، فكلام الأولين لا يحرم ولا يحلل، وإن هجر المسجد القديم وأصبح الناس في غنية عنه بحيث لا يصلي فيه أحد فيباع ويستفاد من أرضه بأخذ أثاث لتوسعة المسجد الجديد، ودورات المياه، والطريق، وهذا من نقل الأوقاف من مكان إلى مكان، وأما هذه الكتابة (ما دام الغراب أسود وكذا) فلا تنفع ولا تضر، وليست عهداً وميثاقاً حضره أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي فهذا إذا أجمع الناس أنه الأصح، أما إذا كان هناك جماعة، وهنا جماعة، فلا يجوز أن يهجر المسجد ولا أن يعطل، وإذا بقي فيه كبار السن ورأوا أنه أقرب إليهم فيبقى بحاله، لا يغير منه شيء، ويبقى بخدماته، وأنا قلت في كلامي: إذا لم يكن هناك تفرقة ولا شقق لعصا الجماعة، ولا يحدث بغضاء وضرراً، أما إذا أحدث بغضاء أو ضرراً فالأصح أن يجتمعوا في مسجد واحد، وإذا كان بالتي هي فأحسن الاجتماع في مسجد هو الأولى والأحسن، وأما التفرقة فلا تجوز في الإسلام. هذا وفي الختام أشكركم، وأصلي وأسلم على الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net