اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النعي وحكمه في الإسلام للشيخ : عائض القرني


النعي وحكمه في الإسلام - (للشيخ : عائض القرني)
في هذه المادة تعرض الشيخ لحديث نعي النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي، واستخرج منه عدة فوائد، وتطرق إلى بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام النعي والبكاء على الميت؛ كمثل حكم الصلاة على الميت في المسجد وفي المقبرة، وحكم الصلاة على الغائب، ومسائل أخرى.
الحديث في نعي النجاشي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْـد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.لا زلنا في كتاب الجنائز من صحيح البخاري ولا زلنا نعيش مع البخاري وهو يثلج الصدور، ويشنف الآذان، ويعطر الأنفاس بتبويباته الشائقة، وبتدبيجاته الرائعة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.يقول رحمه الله تعالى: باب الصفوف على الجنائز، أو بابٌ: الصفوف على الجنازة (على القطع) قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا معمر، عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه النجاشي، ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً).هذا الحديث في كتاب الجنائز فيه مسائل:الأولى: فائدة ترجمة البخاري.الثانية: بعض رجال السند ولطائف الإسناد.الثالثة: علم من أعلام النبوة في إخباره صلى الله عليه وسلم بموت النجاشي.الرابع: حكم الصلاة على الميت في المسجد ويأتي هذا عرضاً.الخامس: الصلاة على الغائب وفيه سبعة مذاهب لأهل العلم.السادس: النعي وحكمه في الإسلام؛ محذوره وممدوحه، وجائزه ومكروهه.السابع: البكاء وأقسامه.الثامن: نختم بمسألة البكاء على الميت وهل يعذب بها، وفيها ستة مذاهب لأهل العلم، وعلى الطريق مناظرة بين ابن عمر أوردها البخاري وبين ابن عباس، وتشترك عائشة رضي الله عنها وأرضاها بحديث من المعصوم صلى الله عليه وسلم.
 

تراجم رجال حديث نعي النجاشي
قال البخاري: باب(الصفوف على الجنائز) أو على الجنازة.
 ترجمة سيد التابعين سعيد بن المسيب
قال: عن سعيد بن المسيب سيد التابعين، كما قال ابن كثير في البداية في ترجمته، والإمام أحمد كما روي عنه متوقف في سادات التابعين قال: هم ثلاثة: سعيد بن المسيب وأويس القرني، والحسن البصري.وأتى بعض أهل العلم فقال: أما في العلم فـسعيد، وأما في الرقائق والمواعظ فـالحسن، وأما في الزهد فـأويس القرني.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {نعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً}.
فوائد من ترجمة البخاري للحديث
أما فائدة تبويب البخاري فظهر لأهل العلم فائدتان من هذا التبويب: (الصفوف على الجنازة) وهما:
 التنبيه على أن المسألة خلافية
والأمر الثاني: كأنه يشير إلى الحديث الذي ليس على شرطه من حديث مالك بن هبيرة مرفوعاً: {من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب} حسن هذا الحديث الترمذي، ورواه أبو داود وصححه الحاكم، ومعناه: وجبت له الجنة والحالة المسكوت عنها تعني: من المسلمين كما هو معروف.وفي تصحيح الحاكم له نظر، فهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب السيرة وهو مدلس، وقد عنعن في هذا السند عند الحاكم فكيف يصححه الحاكم، وتصحيحه ليس بجيد كما أشار بعض أهل العلم إلى ذلك؟!فهذا تبويب البخاري ينص على المسألتين، وهناك أحاديث تغني عن هذا الحديث الذي أورده ابن حجر في الشرح وهو حديث جابر في صحيح البخاري: {فصفنا صلى الله عليه وسلم فكنت في الصف الثاني} وفي رواية {كنت في الصف الثالث} فدل على أنه صلى الله عليه وسلم صفهم صفوفاً.وتوفي ابن لـابن عباس رضي الله عنهما في عسفان، فقال لـعكرمة: ناد الناس، فلما ناداهم صفهم رضي الله عنه ثلاثة صفوف، فعلم أنه على أثر رضي الله عنه، وكأنه يعتضد بحديث مالك بن هبيرة في ثلاثة صفوف، فالأجر والمثوبة في تعداد الصفوف، وهو مقصود في الإسلام لهذا الحديث ولحديث جابر، ولأن فيه تكثيراً للصفوف وحكماً أخرى. وهنا مسألة: هل الأفضل إذا كان الناس في صحراء أن يكونوا صفاً واحداً أم يتوزعوا صفوفاً؟الذي يميل إليه أهل العلم من المحدثين وأورده ابن حجر أن الصفوف أولى ولو اتسع المكان للناس.
من علامات النبوة الإخبار ببعض الغيبيات
العنصر الثالث: علم من أعلام النبوة في إخباره صلى الله عليه وسلم بموت النجاشي كما يأتي بيانه.
 بعض كرامات عمر بن الخطاب
وأما غير الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأخبار فهي من باب الكرامة، إذا أخبر أحد الصحابة أنه رأى خبراً وكان هذا الخبر صحيحاً فهي كرامة، ففي تاريخ داريا للمؤرخ الداري بسند جيد قال: كان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس يوم الجمعة على المنبر، فلما كان في أثناء الخطبة، قطع الخطبة مباشرة وقال: يا ساريةُ! الجبلَ، يا ساريةُ! الجبلَ، يا ساريةُ! الجبلَ، فلما نزل سأله الناس: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: جلَّى لي الله الأرض فرأيت سارية وقد أحيط به، فقلت: اعتصم بعد الله بالجبل، فالتجأ إلى الجبل فنجاهم الله هو وأصحابه، ولما قدم سارية سألوه فقال: كدنا نهلك وأحيط بنا حتى سمعت صوت عمر يوم الجمعة يقول: يا ساريةُ! الجبلَ، فعمدت إلى الجبل فنجانا الله، وهذه الكرامة أوردها صاحب تاريخ داريا بسند جيد.هذا علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم.
الصلاة على النجاشي
من هو النجاشي؟النجاشي هو ملك الحبشة، وكل من ملك الحبشة لقبه النجاشي، وكل من ملك اليمن لقبه: قَيْل، وجمعه أَقْيال أو قِيل بالكسر، ومن ملك الروم لقبه: قيصر، ومن ملك بلاد فارس لقبه: كسرى، إلى آخر تلك الأسماء للملوك الذين يملكون تلك البلاد، اسم هذا النجاشي أصحمة.وإنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي لثلاثة أسباب:السبب الأول: لأنه لم يصل عليه في الحبشة، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب.السبب الثاني: قيل فيه تأليف لقلوب ملوك العرب؛ لأنه ما دام صلى الله عليه وسلم يصلي على أولئك؛ فمن باب أولى أن يصلي أو يترحم على هؤلاء.السبب الثالث: لموقفه الكريم الشريف الماجد من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجروا إلى الحبشة، فكان حقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه صلاة الغائب، وتجتمع هذه الأسباب أو تفترق إنما المقصود: أنه صلى عليه صلى الله عليه وسلم.وعند البزار بسند فيه ضعف تقويه رواية الدار قطني في كتاب الأفراد: أن رجلاً قال: انظروا ينعى إلينا علجاً من علوج الحبشة أي: يخبرنا بموت علج وهي صفة فيها رذالة وتحقير، والعلج مفرد علوج، وقد تجمع جمع قلة على أعلاج كأسياف، فقام عليه الصلاة والسلام فصلى عليه، فأنزل الله عز وجل: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159] رواية البزار ضعيفة كما قلت لكم، لكن قد تكفي بعض هذه الأسباب الثلاثة في أن يصلي الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما المقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى عليه.
 بعض كرامات عمر بن الخطاب
وأما غير الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأخبار فهي من باب الكرامة، إذا أخبر أحد الصحابة أنه رأى خبراً وكان هذا الخبر صحيحاً فهي كرامة، ففي تاريخ داريا للمؤرخ الداري بسند جيد قال: كان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس يوم الجمعة على المنبر، فلما كان في أثناء الخطبة، قطع الخطبة مباشرة وقال: يا ساريةُ! الجبلَ، يا ساريةُ! الجبلَ، يا ساريةُ! الجبلَ، فلما نزل سأله الناس: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: جلَّى لي الله الأرض فرأيت سارية وقد أحيط به، فقلت: اعتصم بعد الله بالجبل، فالتجأ إلى الجبل فنجاهم الله هو وأصحابه، ولما قدم سارية سألوه فقال: كدنا نهلك وأحيط بنا حتى سمعت صوت عمر يوم الجمعة يقول: يا ساريةُ! الجبلَ، فعمدت إلى الجبل فنجانا الله، وهذه الكرامة أوردها صاحب تاريخ داريا بسند جيد.هذا علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم.
حكم الصلاة على الميت في المسجد
العنصر الرابع: ما حكم الصلاة على الميت في المسجد؟ وما مناسبة إيراد هذه المسألة في هذا الباب وفي هذا الحديث الذي أتى به البخاري؟ وهل في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر المسجد من غيره أو قال: اخرجوا بنا من المسجد إلى الصحراء؟نقول: وردت لأن في الرواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (اخرجوا بنا أو هيا بنا نصلي على هذا) فعلم أن الخروج من المدينة، ومن روايات أخرى عند غير البخاري أنه كان في الصحراء، فقام عليه الصلاة والسلام في الصحراء فصلى بهم، والمسألة: هل يجوز أن نصلي على الميت في المسجد؟ لأهل العلم أقوال:
 وقفة مع سعد بن أبي وقاص
ثم ورد من حديث عائشة أنها قالت -لما توفي سعد رضي الله عنه وأرضاه-: [[مروا به علينا لندعو له ]].p=1000193>سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أحد المبشرين بالجنة، وأحد أهل بيعة الرضوان ومن أهل بدر ومن الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، توفي كما يقول أبو يعلى في مسنده في بادية قلهى، فلما توفي هناك حمل إلى الصحراء فصلي عليه، فقالت عائشة: مروا بـسعد علينا لندعو له، يعني: على حجر نساء الرسول صلى الله عليه وسلم.وعند الذهبي في سير أعلام النبلاء: أنه لما توفي سعد قالت له ابنته وأظنها عائشة: يا أبتاه! أتموت في الصحراء بعد أن صاحبت الرسول صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته؟ قال: اسكتي لا تبكي علي، فوالله إني من أهل الجنة، قال الذهبي رحمه الله: صدق فهنيئاً له ومريئاً إنه من أهل الجنة.وقد اعتزل الفتنة -من باب الاستطراد للفائدة- وخرج لما اختلف علي ومعاوية -رضي الله عن الجميع- إلى الصحراء, فجاءه ابنه عمر وقال: يا أبتاه! أتتبع الضأن في هذه الرءوس وتترك الأمة تختلف في الملك، قال: اغرب عني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي} والحديث في صحيح مسلم بهذا اللفظ بدون قصة: {إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي} من حديث سعد.فمروا بـسعد رضي الله عنه فقال بعض الصحابة: لا تصلوا عليه في المسجد، فقالت عائشة: {ما أسرع ما نسي الناس! والله، لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل وسهيل ابني بيضاء في المسجد} وصدقت رضي الله عنها وأرضاها، فالصلاة في المسجد جائزة، والأولى أن يصلى عليه في الصحراء؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم داوم في الصلاة على الناس في الصحراء وخرج بهم إلا في بعض المواطن التي تقتضي الجواز، والسنة إذا وردت مطلقة ثم ورد ما يخالفها من أمر فإنما يحمل على الجواز إذا فعله صلى الله عليه وسلم على مذهب من يخصص القول الصريح بالفعل الخاص به صلى الله عليه وسلم، وهنا أحيل طلبة العلم إلى كتاب اسمه: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام لأستاذ جليل في جامعة أم القرى وهو مطبوع وموجود بالأسواق.
الترجيح في حكم الصلاة على الغائب
العنصر الخامس: هل يصلى على الغائب؟لأهل العلم فيه سبعة مذاهب أوردها، ثم أذكر الراجح منها، إن شاء الله.الول: الجواز مطلقاً: وهو قول الشافعي وأحمد.الثاني: المنع مطلقاً وهو قول المالكية والحنفية. والثالث: ابن عبد البر قال: يجوز أن يصلى على الغائب في اليوم الذي يموت فيه. والرابع: قال ابن حبان: إن كان في جهة القبلة صلي عليه وإن لم يكن فلا يصلى عليه، لأن النجاشي في جهة قبلته صلى الله عليه وسلم وهذا كما قال ابن حجر جمود. والخامس: لا يصلى عليه إلا إذا مات في أرض لا يصلى عليه فيها، وهذا رأي أبي داود صاحب السنن، والروياني من الشافعية، والخطابي منهم أيضاً، وسوف يأتي توجيه كلامهم. والسادس: خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لأن الله جلَّى له الأرض فرأى النجاشي، أما غيره فمن يجلي له المكان حتى يرى الميت؟واعتمدوا على حديث لـابن عباس عند الواقدي بسند ضعيف لا يصح: (إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى جلى لرسوله صلى الله عليه وسلم عن النجاشي حتى رآه) وعند ابن حبان عن جابر: (لقد صلى صلى الله عليه وسلم على النجاشي وإنه ليراه) وعند أبي عوانة: (صلى صلى الله عليه وسلم وقد جلى له الله جنازة النجاشي) أو كما قال، فقال هؤلاء: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.والسابع: خاص بـالنجاشي -أي أن صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي ليس فيها عموم- لأن الفعل لا يعم إذا لم يقارنه القول، وهو مذهب لبعض الأصوليين كما قاله الشوكاني في إرشاد الفحول: الفعل لا يعم ما لم يقترن بالقول، فأي الأقوال أرجح وما دليل كل قول؟
 الصلاة على الغائب فرض كفاية
وهنا مسألة: هل من صلى على الغائب يسقط فرض الكفاية؟ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يسقط فرض الكفاية، وذهب الآخرون إلى أنه لا يسقط، والصحيح أنه يسقط فرض الكفاية؛ لأن المصلين ولو كانوا غائبين فهم مسلمون، ويقوم بعضهم بهذا العمل الشرعي فيسقط عن البعض الآخر، ولأن الصلاة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ولم يلزم الرسول صلى الله عليه وسلم بقية الصحابة الذين يتخلفون عن الجنائز أن يصلوا على الميت إذا لم يحضروا الصلاة عليه، فعلم أنها فرض كفاية تسقط بمن صلى عليه.
مسائل النعي
العنصر السادس: ماذا يؤخذ من قوله: (نعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً) النعي إذا أطلق في الشريعة فهو على قسمين: بمعنى: الإخبار وبمعنى: التضجر.فأما إن كان معنى نعى: أخبر، وهذه اللغة تحتمل هذا وهذا، يقال: نعى فلان فلاناً -أي: أخبره وقد تعدى إلى فعلين- ويقال: نعى فلان على فلان -أي: بكى عليه وتضجر من موته- فأما بمعنى: الإخبار فينقسم إلى قسمين: ممدوح ومذموم.
 معنى عذاب الميت ببكاء أهله
في الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه لما حضرته الوفاة قال لأهله: {إني أحذركم أن تنوح علي نائحة، فإني أبرأ مما برئ منه صلى الله عليه وسلم، قالوا: وما الذي برئ منه صلى الله عليه وسلم؟ قال: برئ من النائحة والصالقة والحالقة والشاقة} وفي حديث: {النائحة إذا لم تتب توقف يوم القيامة وعليها درع من قطران وسربال من جرب} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث ابن عمر: {الميت يعذب ببكاء أهله عليه} وسوف تأتي مسألة: هل الميت يعذب ببكاء أهله إذا بكوا عليه، وما هو هذا العذاب، وما هي أقوال أهل العلم والراجح؟أما مسألة هل الميت يعذب ببكاء أهل عليه؟ فقد ورد من حديث عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم بألفاظ متقاربة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه} وهذا الحديث أصل في المسألة، وقابل أهل العلم هذا النص وغيره من النصوص بأقوال، كلهم يريد الخير والحق والصواب لكن بعضهم مصيب له أجران، وبعضهم مخطئ له أجر واحد، فهي ستة أقوال.القول الأول: قول من قال: الباء هنا حالية فمعنى، ببكاء أهله عليه أي: في حالة بكائهم عليه، أي: يعذب الوقت الذي يبكون عليه، نسأل الله العافية والسلامة، وأن يثبتنا الله يوم يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة والدنيا والآخرة، ففهم أنه ما أن يوضع في القبر ويبتدئ بكاء أهله عليه إلا ويعذب، فالباء هنا حالية، أي: حالة كونهم يبكون فهو يعذب، وهو رأي متأخر.والقول الثاني: أن هذا خاص بالكافر، أن الكافر هو الذي يعذب ببكاء أهله عليه، وأما المؤمن فلا يدخل في ذلك، وهذا رأي لـعائشة رضي الله عنها، ولها كلام آخر يخالف هذا الكلام في عمومه، تقول: [[والله ما كذب ابن عمر، ولا كذب أبوه ولكنهم أخطئوا]] لأنهم يقولون بهذا الحديث: {إن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بقبر من قبور اليهود فإذا به يعذب فقال: إنه يعذب ببكاء أهله عليه -وفي لفظ- مر على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها}.فعلى هذا الرأي يكون العذاب خاصاً بالكفار ولا يدخل فيه المسلمون.القول الثالث: يعذب الميت مطلقاً سواء كان مسلماً أو كافراً إذا بكى عليه أهله، وهو رأي لـأبي هريرة كما في مسند أبي يعلى بسند مقبول قال: يقول أبو هريرة: [[والذي نفسي بيده، إن الشهيد ليخرج في سبيل الله أهريق دمه، وقتل جواده، فتبكي عليه سفيهة فيعذبه الله ببكاء هذه السفيهة]] هذا رأي لـأبي هريرة.القول الرابع: يعذب إذا أمر بذلك وأقره ولا يعذب إذا نهى، وسوف يأتي الترجيح.القول الخامس: العذاب توبيخ من الملائكة لحديث أبي رافع عند أحمد: أن رجلاً أغمي عليه فأخذت أخته تصيح تقول: وا عضداه! وا ناصراه! وا حبيباه! وا سنداه! وا كاسياه! وا مطعماه! فلما استفاق قال: والله ما قلت كلمة إلا قال لي الملك: أأنت تطعمها؟ أأنت تسقيها؟ أأنت تتكفل برزقها؟ يوبخه الملك فمعنى العذاب هنا: التوبيخ.القول السادس: يتألم الميت لبكائهم، فهو لا يعذب وإنما يتألم ويصيبه مرارة وألم ولا يرتاح في قبره لأنهم يبكون عليه، وهذا رأي الطبري والقاضي عياض وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن تيمية صرح بهذا وقال: إنما ألم لا عذاب.والراجح هو الرأي الرابع: وهو الذي دلت عليه النصوص ورجحه كثير من المحدثين، وعليه سياقات الأحاديث والاعتبارات والشواهد التي تسانده في صحيح البخاري وصحيح مسلم وهو الذي يقول: يعذب بالميت إذا أمر بذلك أو أقر ولم ينه، وأما إذا نهى ولم يقر فلا يعذب إن شاء الله، ولذلك كان الصحابة إذا حضرتهم الوفاة ينهون أهلهم وأصدقاءهم أن يبكوا عليهم، ويمنعونهم من ذلك لئلا يعذبوا ببكاء هذا الحي، هذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة وهو ما إذا أقر ورضي ولم ينه وهو يعلم أنهم سوف يعملون ذلك، وأما إذا نهى ولم يرض بذلك ولم يقره فإنه لا يعذب ولو بكي عليه أو نعي بعده، هذا هو خلاصة ما أتى في هذه المسألة.وأما كلام ابن تيمية أنه يتألم، فإن نصوص الأحاديث تدل على أنه يعذب فأي قرينة تصرف اللفظ الظاهر الصريح، واللغة تؤيد أن العذاب عذاب؛ أعني أنه قد عرف من اللغة أنه يعذب؛ فنحمله كما حمله ابن عمر وعمر والمغيرة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم.
الأسئلة
.
 حكم زيارة النساء للقبور
السؤال: مسألة زيارة النساء للقبور؟الجواب: مسألة زيارة النساء للقبور مسألة طويلة اختلف فيها أهل العلم على رأيين: رأي يرى أن للمرأة أن تزور القبر، واستدلوا بأدلة:منها: أن النسخ عام من مخصص فليس للرجال دون النساء فقال: {ألا فزوروها} فاقتضى دخول المرأة مع الرجال في هذا النسخ العام. ومنها: أدلة {لعن الرسول صلى الله عليه وسلم -في رواية- زوارات القبور} قالوا: المكثرات، أما زائرات: فإن هذا على القلة، فلها أن تزور على القلة. ومنها: حديث أنس في البخاري: {مر صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي على قبر فقال: اتقي الله واصبري} فنهاها عن البكاء ولم ينهها عن الزيارة. ومنها: حديث عند الترمذي من طريق عطاء: [[أن عائشة مرت بقبر أخيها عبد الرحمن فبكت وقالت:وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعَا وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعَا فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معَا ومنها: حديث عند مسلم تقول عائشة: {كيف أقول يا رسول الله إذا زرت المقابر؟ فأخبرها صلى الله عليه وسلم} فلو أنه كان ينهاها لكان قال: لا تقولي ذلك ولا تقولي شيئاً ولا تزوري المقابر.ومنها: حديث عن أم عطية في البخاري في الجنائز: {نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا}.وقابلهم فريق من أهل العلم وقالوا: لا تزور المرأة، واستدلوا بأدلة منها: خوطب بحديث بريدة وغيره الرجال فقال: "فزوروها" والنهي كان للرجال في أول الحين أما النساء فلهن أحاديث تخصهن. ومنها: أن المرأة التي قال لها صلى الله عليه وسلم: اتقي الله واصبري قالوا: إنه نهاها عما فعلت، فنهيها عن زيارة القبور من أجل الندبة، فنهاها صلى الله عليه وسلم وقال: اتقي الله، فاتقي الله تقتضي اتقي الله ولا تزوري، واتقي الله ولا تفعلي هذا، وما هو المقصود إذاً من نهي المرأة إلا مثل هذا الأمر، ومن الأدلة -أيضاً- حديث: {ارجعن مأزورات غير مأجورات} على ما قيل فيه، ثم إن المرأة لم يعهد في عهد الصحابة أنها كانت تذهب مع الرجال، والرسول صلى الله عليه وسلم قال من حديث أم عطية: {نهينها عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا} قالوا: لم يعزم لأن هناك عجائز أو كبار السن أو ثابتات قلوب لا يندبن ولا يصرخن.ولست أرجح، هذه المسألة معروضة للأمة ولطلبة العلم وكل يجتهد في هذه المسألة إن استطاع أن يجتهد أو يوفق ويبني على النصوص، لكن الذي أرى والله أعلم على فهمي القاصر بعد أن رأيت كلام أهل العلم أن المرأة تمنع من زيارة القبور لثلاثة أسباب: السبب الأول: النهي ورد عاماً ثم أتى التخصيص للرجال.السبب الثاني: لما يخشى عليهن من الفتنة -فتنة النساء- لأنهن أرق قلوباً وأكثر تضجراً.السبب الثالث: للأحاديث التي وردت منها: {اتقي الله} ومنها: {ارجعن مأزورات غير مأجورات} هذا الذي تميل إليه النفس. وفي الختام أتوجه إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، وسوف نصلي العشاء إن شاء الله ثم نصلي صلاة الغائب إن شاء الله الذي وافته المنية صباح هذا اليوم فرحمه الله وأسكنه الله فسيح جناته، وسوف يصلي بنا فضيلة الشيخ سعيد شعلان جزاه الله خيراً.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النعي وحكمه في الإسلام للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net