اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دور الأدب في معايشة النكبات للشيخ : عائض القرني


دور الأدب في معايشة النكبات - (للشيخ : عائض القرني)
إن الأدب في اللغة العربية هو البيان الساحر الذي يبين الحقائق والمستشكلات، وقد كان للأدب بين العرب مكانة ومنـزلة، والإسلام أشاد بالشعر والبيان، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشجع شعراءه، فيذبون عن الإسلام، وكذلك أصحابُه مِن بعده، ومَن بعدهم.إن الأدب الذي يوافق المكارم ويصفها، ويمدح الكرم والجود، ويصف الشجاعة هو الأدب الباقي، والأدب الذي يتألم لما يحصل للمسلمين هو الأدب الرائع الجميل، فلابد أن نحييه وننشره ونحافظ على بلاغته وفصاحته.
الكلمة ما لها وما عليها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أمَّا بَعْد:فإن الكلمة تحكم الكون منذ البدء.فسِّر وجود الكون يكمن في كلمة، أليس الخالق -تبارك وتعالى- يقول لخلقه: (كن فيكون) وبالكلمة نحيا.أليست حياتنا سلسلة كلمات تحمل عقائد وشرائع وعهوداً ومواثيق وعقوداً وإجراءات وبالكلمة ندين؟أليس مفتاح الإيمان كلمة أو عدداً من الكلمات؟ألسنا نتعبد الله بكلمات؟أليس نهاية المطاف كلمة أو عدداً من الكلمات؟أوليس أنه قد تقتلنا كلمة واحدة، وترفعنا كلمة، وتخفضنا كلمة، وتبكينا كلمة، وترضينا كلمة، وتغضبنا كلمة؟إذاً: فالكلمة سلطان لا ينازع في عالم البشر، فحين نفرح نخف إلى الكلمات نستسرها فرحتنا وبهجتنا وسرورنا، وحين تضيق علينا السبل ويتملكنا الكرب لا نجد إلا الكلمات، ننفس بها عن همومنا، ونفرج بها كربنا، فنجهر بالدعاء إلى الله القادر تارة، ونبث شكوانا للخلائق تارة أخرى، وكل ذلك بكلمات منثورة ومنظومة.والأدب أيها الأحبة في الله! هو الكلمة في أرقى صورها الجمالية، وهو الشعر، والقصة، والرواية، والخطبة، والخاطرة، والمقالة؛ فما موقع أرقى أشكال الكلمة من حياتنا؟إن موقعها في الصميم، وأمة بلا أدبٍ أمة بلا حياة، أمة جافة خاوية، وأدبٌ لا يمثل أمة أدبٌ جاف خاوٍ.ودور الأدب في الحياة مما لا يجادل فيه، فإذا اشتدت الخطوب، وقطب الزمان حاجبيه، ففي الأدب ملجأ ومتسع، ونحن المسلمين نعتز دائماً بموقف الأدب من الرسالة الشريفة، حيث وقف الشعراء مع الرسول صلى الله عليه وسلم في ضيقه، ونصروه وآزروه ونافحوا عنه بتشجيع منه عليه أفضل الصلاة والتسليم.ونحن نعتز كذلك بتراثنا الأدبي العظيم الذي نستجلي فيه وبه وقفات شرفية لأدبائنا وشعرائنا مع أمتهم، وقد ترك أُدباؤنا الأوائل نتاجاً عظيماً في صدر الإسلام وعهد الفتوحات، وتركوا لنا مثل ذلك بعد سقوط الأندلس، وخلال الحروب الصليبية، وفي هذا العصر وجد أدبٌ متميز واكب الأحداث العظام في الحربين العالميتين وفي فلسطين وأفغانستان وغيرهما، وكما نلمسه هذه الأيام مواكباً للأحداث المؤلمة الحاضرة.أيها الأحبة في الله: لتجلية أكثر لدور الأدب في معايشة النكبات، دعاكم النادي الأدبي في الرياض إلى هذه المحاضرة التي تسعدنا جميعاً أن يتحدث إلينا فيها مفكرٌ وأديب إسلامي هو الشيخ: عائض القرني.
 

الأدب في غير موضعه
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله القائل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24-25].والصلاة والسلام على من قال فيه ربه: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69] فهز بفصاحته البلغاء، وأسكت بمنطقه الشعراء، وأفحم ببيانه العرب العرباء، وعلى آله وأصحابه اللُّسَّن المفوَّهين، والكماة الباسلين.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وشكر الله لأهل الفضل فضلهم، وعلى رأسهم الأستاذ الجليل والأديب النبيل عبد الله بن إدريس رئيس النادي الأدبي في الرياض، أدام الله سعوده، وسدد جهوده، وقد دعاني لإلقاء هذه المحاضرة بعنوان: (دور الأدب في معايشة النكبات) وهي تحمل الرقم (302) فلبيت دعوته، وأقول له كما قال أبو الطيب المتنبي لـسيف الدولة:أتاني رسولك مستعجلاً فلباه شعري الذي أدخر ولو كان يوم وغىً قاتماً للبَّاه سيفي والأشقر أصرف نفسي كما أشتهي وأملكها والقنا أحمر أيها الحضور! الأدب كلمة مؤثرة حية تبعث في الشعوب الحياة، عاشها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بنفسه متكلماً وسامعاً، وخطيباً وفقيهاً ومفتياً، وقبل أن أبدأ اسمحوا لي بكلماتٍ سطرتُها، ومعذرة إن ندَّ بيان أو اختل لفظ.سيدي علل الفؤاد العليلا أحيني قبل أن تراني قتيلا إن تكن عازماً على قتل روحي فترفق بها قليلاً قليلا الأدب الراقي سوف أذكره بعد هذه الأسطر؛ لكن أتحدث عن أدبٍ رخيص، وعن أدبٍ متبذل، وعن أدبٍ ليس مقصوداً في الإسلام.نعيش اليوم أدباً في مجموعة لا تحمل مبدأً، ولا يتعامل مع قضيتنا الكبرى، ولا يتحمس لرسالتنا الخالدة.أدباً غلب عليه التذبذب، ويبدل المواقف بحسب المنافع والأغراض.أدباً يسترضي الخواطر، ويجامل على حساب الحق.فإذا قائله أول من يُكَذِّبُه ولا يؤمن به، أدباً مزوقاً مستهلكاً، مجته الآذان، وعافته القلوب، وتمردت عليه الأجيال؛ لأنه لا يلبي حاجتها، أدباً يجعل السارق محترماً، والأمين خائناً، والسفاك فاتحاً عظيماً، وإمام المسجد متطرفاً مريباً، والمتزلج على الثلج وجامع الطوابع حكيماً عبقرياً.أدباً سهلاً لسذج البادية، تلطيخ صحف الأمة بساقط القول ومتبذل الهراء، فأصبح دراويش الأعراب حملة فكر، وروَّاد قلم، في حين أَفَلَ نجمُ الطليعة وغاب شمس الرواد وأصحاب المبادئ.إذا عَيَّرَ الطائي بالبخل مادر وعيَّر قساً بالفهاهة باقل وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل أدباً مجمركاً! عليه الوصاية، يصف الزوارق البحرية في شواطئ اللهو والضياع، ويبكي على موت أرانب الصحراء، ويحدثنا عن امرئ القيس وتدمر، والأمة تغرق في بحور الدماء، وتئن تحت سياط الجلادين، وتموت في زنزانات الطغاة الدجاجلة، وتحاصر بطوابير الملحدين المرتزقة.
 الأدب الذي نريد
نريد أدباً جميلاً طموحاً عفيفاً، أدباً يستفيد من روعة السبع المثاني والقرآن العظيم، أدباً يلهب حماس الأمة فيوقظ الغافل، وينبه البليد، ويزجر العاصي، أدباً يعيد لنا مجدنا ويذكرنا تاريخنا، ويحمل مبادئنا.أدباً يوصلنا بالماضي، ويحثنا إلى المستقبل، في ظلاله نعيش، في ظلال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].وفي أحيائه نحيا تحت أفياء لا إله الله محمد رسول الله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].أدبٌ يزكي النفس من أوضارها ويرتل التوحيد في أذن الملا فرسولنا عليه الصلاة والسلام عاش الأدب بكل معاني هذه الكلمة، عاش الأدب فجاشت روحه، ودمعت عينه، وعاشت نفسه مع الأدب، ففي صحيح مسلم عن عمر بن الشريف قال: {رُدِفْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتحفظ لـأمية بن أبي الصلت قلت: نعم. قال: هيه أنشدني، فأنشدته بيتاً، قال: هيه، فأنشدته ثانياً، فما زال يقول: هيه حتى أنشدته مائة بيت، ثم علق محمد عليه الصلاة والسلام، فقال: آمن لسانه وكفر قلبه}.كان عليه الصلاة والسلام يجيد الأدب، فإذا تكلم بذَّ الفصحاء، يقول عليه الصلاة والسلام: {أوتيت جوامع الكلم} أحيا من الأمة الخام، أمة الصحراء، أمة الأرانب والضب، أحيا منها أمة فريدة تكتب باسم الله في قرطبة، وتصلي في إشبيلية، وتسجد في ضفاف دجلة والفرات.يقول الزبيري قاضي اليمن وهو يمدح بلاغة المصطفى عليه الصلاة والسلام:ما بنا جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء يقول: ما قال كلمة إلا أحيا جيلاً، وما خطب خطبة إلا جهز جيشاً، وما أرسل عبارة إلا فتح مدينة، هذا هو الأدب الذي سيطر به عليه الصلاة والسلام على العقول وملك به الأفئدة.
الأدب في الإسلام
وكان عليه الصلاة والسلام يجعل من مسجده منتدىً، فيظهره للأنظار، ويقرب المنبر لـحسان، ويقول: (اهجهم وروح القدس يؤيدك).
 اهتمام الصحابة بالأدب
يتولى أبو بكر الخلافة فيجعل الأدب المؤمن في حياته جزءاً كبيراً، بل هو نفسه من مواصفاته ومن مؤهلاته أنه كان خطيباً نَسَّابةً أديباً.في اليوم الأول يعقد مجلس في دار بني ساعدة، وكاد هذا أن يتحول إلى كارثة، وكاد أن يصبح نكبة من النكبات التي أستعرضها لكم هذه الليلة، كاد أن يكون هذا المجلس معناه تغيير مسار الخلافة، كان الأنصار يريدون به أن يتولوا زمام الحكم أو يشاركوا الخليفة خلافته، فتحرك أبو بكر إليهم ومعه عمر وأبو عبيدة وأسكتهم؛ لكن ما سكتوا، وأراد عمر أن يحد القول لكن ما نفع إحداد القول؛ فما هي الحاجة؟ وما هو الموقف؟ وما هو الحل؟الحل هو أن يتكلم أبو بكر، والحل أن ينطق بالكلمة اللينة التي قالها الله لموسى يوم أرسله إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].قال أبو بكر: [[يا معشر الأنصار! آويتم وواسيتم ونصرتم وأكرمتم، فجزاكم الله عنا خير الجزاء، والله ما مثلنا ومثلكم أيها الأنصار إلا كما قال طفيل الغنوي:جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلَّتِ هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفاتٍ أدفأت وأظلتِ أبوا أن يملونا ولو أن أُمنا تلاقي الذي يلقون منا لَمَلَّتِ فتهللت وجوههم، وانشرحت صدورهم، وحيوا القائد العظيم، وقاموا فبايعوه.إن الكلمة المؤدية المؤمنة الصادقة تغير أفكار الشعوب وتوجه طاقات الأمم.ويتولى عمر الجاد الخلافة، فلا يتبسم لأنه صارم، فالشيطان يسلك فَجَّاً، وعمر يسلك فَجَّاً آخر، وإن الأعداء تهاب عمر، وإن الأكاسرة والقياصرة على منابرهم وفي دواوينهم يخافون من سمعة عمر وهو في المدينة، كما يقول محمود غنيم:يا مَن يرى عمراً تكسوه بردتهُ والزيت أدمٌ له والكوخ مأواهُ يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاهُ لكن يرتاح للأدب، وأنا أورد قصة طريفة: أرسل عمر رضي الله وأرضاه النعمان بن عدي أميراً على ميسان قريباً من البصرة، فتولى الإمرة، وكان النعمان صحابياً؛ لكن يجيش الشعر بما لا يستطيع أن يحمله، وينفذ المصدوق وربما قال الشاعر ما لم يعمل، كان هذا الصحابي خفيف الدم، لطيف الشذا، جلس مع أصحابه في سمر، وقال:فمن مبلغ الحسناء أن حليلها بـميسان يُسقَى مِن زجاجٍ وحَنتمِ إذا كنتَ ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلمِ لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدمِ ما معنى الأبيات؟لما ولاه عمر يقول: من يبلغ زوجتي في المدينة أنه تطور بي الحال بعد ثورة (14) سبتمبر وأصبحتُ بعد أن كنت أنام على الرصيف أصبحت أميراً، وبعد أن كنت أشرب الماء الحار أشرب الخمر، ولا أشربه إلا في الحنتم والزجاج: فمن مبلغ الحسناء أن حليلها بـميسان يُسقَى مِن زجاجٍ وحَنتمِ إذا كنتَ ندماني: إن تريد أن تسمر معي وعازم على السمر، فلا تسقني في الكاسات الصغيرة، ابحث لك عن كأس كبير:إذا كنتَ ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلمِ ثم قال: لعل خوف عمر يدخل معه حتى في الجوسق:لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدمِولم يفعل ولم يشرب الخمر، وما كان له أن يشرب الخمر وقد آمن بالله، وما كان له أن يشرب المسكر وقد عاهد الله وباع نفسه إلى الله.وتصل الأبيات إلى عمر، ويقرأ عمر رضي الله عنه الخبر، ويستدعي أميره، وعمر ليس عنده كل شيء على ما يرام، وليس عنده أنصاف الحلول، كان في الحج يؤدب العمال بالعصا، وكان يتفقد الأمراء، ويسيس سياسة الأمة، ويقبل الرأي الموجَّه والعقل السليم والكلمة الصادقة الحارة.يوافقه أعرابيٌ على المنبر يوم الجمعة وعمر يتحدث للناس، فيقول عمرأيها الناس! ما رأيكم إن رأيتم فِيَّ اعوجاجاً، فيقوم الأعرابي فيسل سيفه، ويقول: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده! لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا، فيتبسم الزعيم، ويقول: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر، من لو حاد عن الطريق قوموه إلى الطريق بحد سيوفهم أو كما قال.استدعى الأمير، وقال له: ما قولك:لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادنا بالجوسق المتهدم الحد عليك، وقد ساءني والله، قال: يا أمير المؤمنين! لا تعجل علي، والله ما شربت الخمر، وإنَّما قال الله عز وجل: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ [الشعراء:224-226] قال عمر: أما الحد فقد أسْقَطَتْهُ عنك بهذه الآية، ولكن والله لا تلي لي عملاً، ثم عزله.وكانعمر ينشد هذه الأبيات، -كما قال أهل التاريخ- ويستأنس بها؛ لأنها جميلة ورائعة، فما جعل ما فيها من خدش يسكت عمر أن ينشدها لجمالها، بل هو العاطفة والأدب والرقة رضي الله عنه وأرضاه.
دور الشعر الإسلامي في النكبات
يستمر الحال، وتتوالى النكبات على المؤمنين، فيعيش الشعراء مع النكبة يصورونها، لا يعيشون تحت الأرض والأمة تعيش فوق الثريا، فهم لا يعيشون في البر والأمة تعيش في البحر، ولا يضحكون مع لعبات البلوت والكيرم والأمة تُسحقُ جماجمُها بدبابات الغزاة.
 الشعر في نكبة الأندلس
تسقط الأندلس، ونصاب بنكبة؛ قلوبنا ودموعنا وأسرارنا وتاريخنا هناك، هل سمعت بنكبة سقوط الأندلس؟ آهٍ يا تلك الأيام! وآهٍ يا تلك المعالم!بنفسي تلك الأرض ما أحسن الربا وما أحسن المصطاف والمتربعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا دفنا علماءنا في الأندلس وتاريخنا وليالينا وسمرنا وقمرنا ونجومنا، دفنا أشجاننا وعتابنا هناك ثم عدنا بلا مصير.يا ليلة الجزع هلَّا عدت ثانية سقى زمانك هطال من الدِّيَمِ عسى الله أن يعيدنا إلى الدنيا، يبكي العالَمُ الإسلامي الأندلس، ولكن بكاءهم ناقص في جانب بكاء أبي البقاء الرندي، فاسمع إليه وهو يستفتح قصيدته باكياً متأثراً صارخاً من ألم النكبة التي عاشها الأطفال والنساء، والكيان والدعاة والعلماء، كما يعيش أهل الكويت اليوم، يعيشونها مرارة كمرارة أهل الأندلس.لكل شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يغتر بطيب العيش إنسانُ ويمضي مع القافلة، ثم يقول ونغمته في الإيمان، ومسجده لا يفارقه، ومصحفه في جيبه:ما ذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوانُ لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ من منكم لا يعرف بغداد؟بغداد الحب والجمال والطموح.بغداد أرض أحمد بن حنبل، والشافعي، وابن الجوزية، والجيلاني.بغداد أرض المنصور، والرشيد والمأمون والمعتصم.بغداد أرض أبي تمام والبحتري وأبي العتاهية تصاب بنكبة التتار، يوم انحرف أهلها في مرحلة عن الصلاة، وعن إقامة الإيمان، وعن لا إله إلا الله، وعن التحاكم إلى شرع الله، وأصبح العلماء في الطابور السادس، وأصبح الأوباش والجواري وباعة القيم والرخصاء في الطابور الأول، أصيبت بنكبة: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً [الطلاق:8-9]. ويبكي الناس ويقوم شاعر فيخاطب بغداد وهي أطلال والدماء تسيل، والأطفال تحت سنابك الخيل، وكُتُبُ دار الحكمة رُمِيَت في نهر دجلة، فيقول:من ذا أصابك يا بغداد بالعين ألست كنت زماناً قرة العين أستودع الله قوماً ما ذكرتهم إلا تحدر ماء العين من عيني إنه بكاء، وإنه الأدب الذي يتقطع لوعة وحسرة، وهو الأدب الذي نفقده يوم أصبح الكلام بغير حماس، وبغير إحساس، يخرج لكن من اللسان فهو لا يخرج من القلب.
الشعر وموت العظماء
ومن النكبات المدلهمة -أيها البررة-:موت العظماء، وقتل النبلاء، يقول ابن دريد:والناس ألف منهم كواحدٍ وواحدٌ كالألف إن أمر عنا
 الوزير ابن بقية ومرثية الأنباري
ابن بقية وزيرٌ عباسي، أطعمَ الناس وكسا العلماء، فحسده عضد الدولة؛ لأنه أخذ عليه الاسم الإعلامي، وأصبح رمزاً دائماً، فالصحف الصباحية تحيي ابن بقية في عهد العباسيين، وتركت السلطان عضد الدولة؛ فأتى عضد الدولة فتربص بهذا الوزير حتى أوقعه في حديقة، وأغلق عليه وأرسل عليه الفيل فركضه حتى مات، وفي الصباح تفاجأت الأمة الإسلامية بهذا الكريم الوزير الباذل التقي، وإذا هو مصلوب عند باب الطاق في بغداد، وقد صُلِبَ جثمانُه على خشبة الصلب، فيأتي أبو الحسن الأنباري أحد العلماء والأدباء العاشقين لـابن بقية فينظر إلى الجثمان، وإذا هو مصلوب فيقول:علوٌ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزاتِ عجيب أمرك حتى في الموت ما يدفنونك في الأرض، دائماً تحب الخلود والعلو، انظر إلى الروعة والإبداع، يقول ابن خلكان: وأجزم جزماً أنه لا توجد مثلها مرثية يقول:علوٌ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزاتِ كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصِّلاتِ الناس الذين حول الجذع والجثمان كأنهم يمدون أيديهم لتعطيهم الدنانير في الدنيا.كأنك قائم فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة مددت يديك نحوهم احتفاء كمدهما إليهم بالهباتِ ثم قال:ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيه تلك المكرمات أصاروا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافياتِ يقول: ضاقت الأرض أن تواري مكارمك ولموعك وسطوعك وكرمك، فجعلوك في الجو، إلى آخر تلك القصيدة البديعة.
من أشعار النكبات
أصابت مصر هزة أرضية بالذنوب والخطايا، فنحن لا نقول كما يقول الطبائعيون الماديون: قشرة أرضية انكسرت، نعم. ولكن من الذي كسرها:تقضون والفلك المسير سائرٌ وتقدرون فتضحك الأقدار من الذي يبدي ويعيد، ويعز ويذل، ويخلع ويعزل، ويقوي ويضعف، ويعطي ويمنع؟إنه الله.هز مصر في عهد الفاطميين زلزال، فخاف الخليفة الفاطمي وقيل الحاكم بأمر الله وقيل ابنه- من هذه الهزة، فأتاه العلماء، وقالوا: احذر من سخط الله، هذه بسبب الذنوب، فحاول أن يتوب، فدخل عليه شاعر، وقال: لا ليست بالذنوب.ما زُلْزِلَت مصر من كيدٍ ألمَّ بها لكنها رقصت من عدلكم طربا يا سلام على الخيبة! وعلى قلة الحياء من الله! وعلى قلة المبادئ!شاعر الأندلس الحسن الذي ذكره الذهبي وترجم له، ثم فضحه في آخر الترجمة، يقول: مبدع! لكنه كلب دخل على السلطان، يقول:ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ فاحكم فأنت الواحد القهارُ فعلمه الله مَن هو الواحد القهار! أصابه مرض عضال حتى كان يتقلب على فراشه، ويقول:أبعين مفتقرٍ إليك نظرت لي فأهنتني وقذفتني من حالق لستَ الملوم أنا الملومُ لأنني علقت آمالي بغير الخالقِ الأدب الذي يجعل من السفاك حليماً حكيماً، ومن المجرم عبقرياً فاتحاً: يا درة الزمان! يا فاتح الدنيا! يا بركة الوقت! بوجودك سالت الأمطار، وكثرت الأشجار، ورخصت الأسعار، وبردت درجات الحرارة.فيقولون: إنه لما سمع عضد الدولة -وكان فتاكاً- بما قيل في ابن بقية، وكذلك ما قيل في الديلمي الذي مدحه أبو الطيب المتنبي بقصيدته الرائعة التي يقول فيها:فداً لك من يقصر عن فداكا فما ملك إذاً إلا فداكا إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٌ تبين من بكى ممن تباكا يقولون: يقول عضد الدولة: والله الذي لا إله إلا هو لوددتُ أني قُتِلْتُ وصُلِبتُ وقيلَتْ فيَّ هذه القصيدة، فما دام المسألة مسألة مجد وشهرة وددت أنها قيلت فيَّ (علو في الحياة وفي الممات).
 نكبة البرامكة
إن من أعظم النكبات في التاريخ نكبة البرامكة، وقيلت فيهم قصائد تربوا على العشرين قصيدة يقول يحيى بن خالد البرمكي حين أُدخل السجن ومكث فيه سبع سنوات لا يرى الشمس وقتل أبناؤه جميعاً، ودخل عليه أحد الناس بعد النعيم الذي كان فيه البرامكة في عهد هارون الرشيد، فقد كانوا في نعيم لا يعلمه إلا الله، وقد بلغ فيهم الترف أنهم يموهون القصور بماء الذهب، مثلما فعل شاه إيران يقولون: كان السيفون عندهم في دورة المياه من ذهب، بطرت معيشتها: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16].أصبح الكافر -الآن- يسير النعمة لمبادئه وماديته أعظم مما يفعل كثيرٌ من المسلمين في تبديد الثروات والأموال، يدخل هذا الرجل على البرمكي، فيقول: يا يحيى! ما هذا بعد النعيم؟قال: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها.لا إله إلا الله! يقول أحد أهل العلم: أسأل الله أن يغفر له في هذه الكلمة: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها.سجن المهدي أبا نواس في السجن، فأرسل له قصيدة يقول فيها:أما والله إن الظلم شؤمٌ وما زال المشوم هو الظلوم إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصوم فبكى وأطلقه.فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل:52] استبداد، ونكاية بالشعوب، وقتل للصوت الحر، وعدم سماع الرأي الآخر، وقتل الإرادات، وتحطيم المبادئ باسم الحكمة، فالبرامكة فعلوا ذلك ولكن هذا الرجل نسأل الله أن يغفر له حين قال هذه الكلمة.قيل لـعلي بن أبي طالب: [[كم بين العرش والتراب؟ قال: دعوة مستجابة]].
من أشعار المعاصرين في النكبات

 قصيدة للشيخ عائض بعنوان: (بين الأمس واليوم)
وهنا قصيدة قلتها في هذه الأحداث بعنوان: (بين الأمس واليوم) قلت فيها:صوتٌ من الغور أم نورٌ من الغار أم ومضة الفكر أم تاريخ أسرار هذه في مدح الرسول عليه الصلاة السلام، وهو أعظم من مدحي، وأقول كما قال أحمد شوقي لما مدح الرسول عليه الصلاة والسلام:أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك غير أن لي انتسابا يقول: أنا تطفلت على جنابك الشريف.صوتٌ من الغور أم نورٌ من الغار أم ومضة الفكر أم تاريخ أسرار يا عيد عمري ويا فجري ويا أملي ويا محبة أعمار وأقطار تطوي الدياجير مثل الفجر في ألَقٍ تروي الفيافي كمثل السلسل الجاري الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار فما لقومي بلا وعيٍ قد انتكسوا أصغوا لصيحات عربيدٍ وخمار ما جاءهم من صلاح الدين موعظة فما انجلت عن حماهم وصمة العار هم الأسود ولكن في حظائرهم هم الثعالب عند الفاتك الضار لهم لموعٌ ولكن لا شموس لهم لهم سلاحٌ ولكن غير بتار جمع الطوابع من أسمى هوايتهم أعلى مفاخرهم من يوم ذي قار الشاربون دماء الجيل في دعة الراقصون على ناي وأوتار الساهرون على كأسٍ وأغنية العاكفون على طبلٍ وقيثار هل حرروا القدس من صهيون أو حضروا يوم الوغى وارتدوا أسياف أحرار هل طهروا المسجد الأقصى وهل طهرت أكفهم ويحهم ليسوا بأطهار هل أعلنوا الحرب إسلاماً وتضحيةً هل واصلوا سيل سلمان وعمَّار تبرأت منهم الأجيال وانسحبت جيوشهم وعليها وصمة العار وطاردتهم جيوش البغي فانحسروا يروون ملحمةً للقط والفار تبكي المنابر منهم كلما هتفوا لأن في يدهم سكين جزار عروبة ليس للإسلام في دمها وحيٌ وليس عليها فطرة الباري عروبة برئت منها جحافلنا ما لم تتوج بإيمانٍ وأذكار أروي حياة رسول الله أبعثها شذاً تفوح بآمالٍ وأزهار يخشى إعادتها لصٌ ويحذرها نذلٌ تربى على أنغام غدار لأن مجد رسول الله تذكرة على جبين العلا كالكوكب الساري عدلٌ وفضلٌ وإحسانٌ ومرحمة وحيٌ ونورٌ وتخليدٌ لأعمار يغرد المجد في بستان شرعته في هيبة النور لا تغريد أطيار أصحابه عبروا التاريخ وانتصروا وحدثوا طلعة الدنيا بأسرار في قندهار دماء من عروقهم تكفي طموحاً لمهزومٍ ومُنهار سل نخل بيسان والحمراء ما فعلوا اقرأ مكارمهم يا أيها القاري ثم اكتفينا بآمالٍ وفلسفة نيل العجائز أو أخبار سُمَّار عاش الفريق ولا ذلٌ يفارقه تيجان أوهام لا تيجان أحرار عاش اللواء وكم قد باع ألوية قالوا عقيد ولا عقدٌ لختار فن الهزيمة سهلٌ كم تعلمه جيش الموسيقى بطبلاتٍ وأزيار أبكي وأضحك من أفعال صبوتهم يا ألف صدَّام بل يا ألف عمَّار شادوا الدنانير هالات مزخرفة جمَّاعُها لا يساوي ربع دينار يبيع قيمته بالرخص من سفهٍ والدين ينهار منه في شفاً هار دروسٌ من هذه النكبة في عالم الأدب، النكبة التي حلت بشعب الكويت حلت بكل مسلم، أمن وسكينة وهدوء في الليل وفي الصباح دمار.يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا هذا بشار يقول: يا نائم على الأغنية والموسيقى ربما تصحو على دبابة ومن يدريك!أليس الصبح بقريب؟! وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].يقول عبد الله بن المبارك الزاهد العابد الولي أمير المؤمنين في الحديث: قصيدة عدي بن زيد خيرٌ عندي من قصر طاهر بن الحسين.وطاهر بن الحسين أمير عباسي كان في خراسان له قصرٌ عجيب، لكن القصيدة التي يقول فيها عدي بن زيد والتي ذكرها ابن كثير وابن خلكان وأثنوا عليها ثناءً حسناً يقول:أيها الشامت المعير بالدهـ ـر أأنت المبرأ الموفورُ يا من يعرينا بالمصايب! يا من يعيرنا بالنكبات! أتظن أنك سوف تسلم: وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ [إبراهيم:45] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27].يقول عدي:أين كسرى كسرى الملوك أنوشروان أم أين قبله سابور إلى آخر ما قال عدي بن زيد، وهو جاهلي لكن ما كان يشرب الخمر، نزل مع النعمان بن المنذر في نزهة، فقال: أبيت اللعن، هل تسمح لي بالكلام؟قال: تكلم، قال: هل تدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك؟قال: ما أدري! وهل يتكلم الشجر؟قال: تقول:رب ركبٍ قد أناخو حولنا يخلطون الماء بالخمر الزلال قد مضوا حيناً وساروا زمناً وساروا جثثاً تحت الرمال فبكى النعمان ورفع الخمر، فهذا نذير أمة، يقول: يا نعمان! لا تضيع حياتك في الخمر، فهذه الشجرة تخبرك أن قبلك ملوك سكنوا وجلسوا هنا، وضحكوا وشربوا لكن ذهبوا.
ما يستفاد من النكبات
يقول صاحب كليلة ودمنة، عبد الله بن المقفع: أرسل الأسدُ الحيوانات تجمع له صيداً، فأتت بغزال وأرنبٍ وظبي، قال: من يقسم بيننا؟فأتى الذئب -الذئب دائماً فيه عجلة سامحه الله- فقال: أنا، قال: تفضل يا أبا حسل -وقيل: أنها كنية الضب- قال: أما الأرنب فللثعلب أبي معاوية، وأما الظبي فلي، وأما الغزال فلك، فالغزال أكبرها، فغضب الأسد ومد ذراعه فخلع رأس الذئب فإذا هو ميت، قال: من يقسم؟قال أبو معاوية الثعلب: أنا، قال: تفضل، قال: أما الأرنب ففطورٌ لك، وأما الظبي فغداء لك، وأما الغزال فعشاء، لك قال: أحسنت، بارك الله فيك، من علمك هذه الحكمة؟ قال: رأس الذئب المخلوع.
 النكبات تربي الرجال
إن هذه النكبة علمتنا أن علينا أن نكون رجالاً، وأن نعد للموقف عدته، وأن نحفظ عهد الله، وأن نسير أمورنا على منهج: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فالشعر خالد، والأدب إذا وجه بهذه الوجهة الصحيحة أصبح أدباً رائداً، أمَا تعرف أن الجاهلي يتحول من بخيل إلى كريم بسبب أبيات؟يقولون عن المحلَّق إنه كان أبخل العرب، عنده ثمان بنات نشبن في حلقه لم يتزوجن؛ لأن العرب تعفو عن كل شيء إلا عن بخل البخيل، كُن عند العرب الجاهليين ما كنت: كن مجرماً، كن سكيراً، خماراً، مجرماً، ضائعاً؛ لكن لا تكن بخيلاً! فـالمحلق لم يتقدم إليه رجل يخطب بناته، فهن ثمان، فذهب فشاور امرأته: ما رأيكِ في هؤلاء الثمان البنات؟قالت: اذهب إلى الأعشى، شاعر العرب وضيفه وأعطه هدية علَّه يمدحك، فيسري مديحه في العرب فيتزوجون بناتك، فذهب فاستدعى الأعشى، وضيفه وذبح له ناقة، وكساه جلباباً، وأعطاه دنانير، وخرج الأعشى ولما ركب الناقة طَرِب وقال:لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ إلى ضوء نارٍ باليفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق وذهبت هذه الأبيات كالسحر وكالماء وكالضياء حتى بلغت آذان العرب، فقالوا: فما أتى شهرٌ إلا وقد تزوجن بناته جميعاً، الأدب الذي يحول أفكار الناس وأنظارهم. أبو نعامة قطري بن الفجاءة خارجي حضر المعركة، ولما رأى القوم كادوا أن يفروا تماسك، وقال وهو في المعركة، وأحسنُ الشعر ما كان وقت المعمعات:أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحكِ لن تراعي فإنكِ لو سألتِ بقاء يوم على الأجل الذي لكِ لم تطاعِ فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاعِ إلى آخر ما قال، ثم قُتِل في المعركة، لكن قُتِلَ شريفاً، فإن قتل المرء وهو مقدمٌ صابرٌ محتسبٌ على مبادئه أحسن من أن يؤخذ وهو فارٌ هارب يترك حذاءه وأهله وعرضه، وهذا هو العار.يقف حسين بن الحمام الجاهلي في المعركة ويقول:وليس على الأعقاب تدمى كُلومُنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما يقول: أنا لا أموت إلا مقبلاً، وهذه شارة الإيمان التي علمها الله أولياءه.
الشعر وتخليد المواقف ونزع الأحقاد

 الحسن بن هانئ وعلي الرضي
يقول الذهبي كان علي بن موسى الرضا ولي عهد المأمون ممدوحاً عند الشعراء وهو من أحفاد علي بن أبي طالب مدحه الناس إلا الحسن بن هانئ فاستدعاه وقال: [[لماذا هجرتني ولم تمدحني؟ فاعتذر بقصيدة هي من أجمل الأبيات -يقول الأصمعي: أجزم جزماً أنه ما قيل في المديح كهذه الأبيات- يقول الحسن بن هانئ في علي بن موسى الرضا: قيل لي أنت واحد الناس في كل معنى من الكلام بديهي لك في جوهر الكلام بديعٌ يجتنى الدر من يدي مجتنيه فعلام تركتَ مدح ابن موسى بالخصال التي تجمعن فيه قلت لا أهتدي لمدح إمامٍ كان جبريل صاحباً لأبيه هذا إبداع، يقول ابن هاني: قيل لي: أنتَ واحد الناس معكوسة، لكن الذهبي غيرها فغيرتها معه يقول:قيل لي: أنت واحد الناس في كل معنى من الكلام بديهي لك في جوهر الكلام بديعٌ اجتنى الدر من يدي مجتنيه فعلام تركتَ مدح ابن موسى بالخصال التي تجمعن فيه قلت: كيف أهتدي لمدح إمامٍ كان جبريل خادماً لأبيه قال الذهبي: ليس بخادم ولكنه صاحب، وهو الصحيح فهذا هو الإبداع، ورضي عنه علي بن موسى وأيده وأصبح شاعراً من شعراء الدعوة.
خاتمة في موضوع الأدب

 الفرق بين الشعر والنظْم
هناك فرق بين الشعر والنظم، فالشعر شيء والنظْم شيء آخر، وبعض أهل الخير من طلبة العلم والعلماء ينظُمون قصائد ويقولون: لماذا لا تنشر ولماذا لا يعجب بها الناس؟والجواب: لأنه نظْم! فهناك فرقٌ بين النظْم والشعر، الشعر أسلوب وخيال وإبداع.وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال غضب الإمام محمد بن علي بن دقيق العيد مجدد الشافعية والمالكية في القرن السادس، العالم الكبير الفقيه، ذكره ابن خلدون في المقدمة، وغيره وذلك لأنه يريد أن يكون شاعراً لكنه ليس بشاعر يقول ابن دقيق العيد:واختلف الأصحاب في وصلنا فرجحوا نجواك وهو الصحيح فـ(اختلف) عبارة فقهية، و(الأصحاب) عبارة فقهية، و(رجحوا) عبارة فقهية، (وهو الصحيح) عبارة فقهية، فلذلك يموت شعر العلماء بسبب أنه نظْم.أحد الإخوة جلس معنا في مجلس وأرغمنا وأغضبنا وأغضبناه بسبب قوله: لماذا لا تجعلون ابن القيم أشعر من أبي الطيب المتنبي؟! وهل الفضل عند الله بالشعر؟! وهل المنزلة عند المسلمين بالموهبة؟لا. قلنا: اسمع إلى شعر المتنبي واسمع إلى شعر ابن القيم. المتنبي يقول في الحمَّى:وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف نجوت أنتِ من الزحام إذا ما فارقتني غَسَّلَتْنِي كأنَّا بائتَين على حرام واسمع لـابن القيم رحمه الله يقول:إسناده حسن ومصداقٌ له في الترمذي فافهمه بالبرهان قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان والله إن ابن القيم أحب إلينا من ملء الأرض من أمثال المتنبي؛ ولكن ذاك شاعرٌ لا يُبْلَغُ هامتَه وهذا ناظم عالم فلا ندخل هذا في هذا، ففرق بين النظم وبين الشعر، ولذلك نسمع صحفنا دائماً والمجلات، خاصة مجلة اليمامة أكثر المجلات اعتذاراً كلما ضاق بها الحال، قالوا نعتذر لسوء أو لعدم إقامة الوزن وربما تكون من أبدع ما يكون لكن ما ندري عنهم، وعلى كل حال شكر الله سعيهم، ولكن ربما أنهم يصدقون في كثير مما يقولون إنها مكسرة الأضلاع، فكثير من القصائد موجودة غير موزونة ولا مقفاة.أيها الإخوة الكرام! دور الأدب: أنه كلمة مؤثرة تصل إلى القلوب وتعيش على المبادئ، وعندنا الكلمة الأدبية، وعندنا إيمان وخلود ويدعو إلى المسجد وإلى الفضيلة وإلى المصحف، وليس ضياع وقت ولا ترضية خواطر ولا استجابة لنزوات المغرضين، ولكنها وقوف مع الحق أينما وقف.وانتهت محاضرة: (دور الأدب في معايشة النكبات).وأشكر رئيس النادي مرة ثانية وأشكركم والآن يفتح المجال للتعليق والمداخلات.وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
مداخلات

 مشاركة الشيخ محمد القحطاني
قبل البداية أنا كتبت في ورقة التعليق اسمي بدون لقب وأنا في هذا المكان وفي هذه الدرجة، كتبت محمد بن دريم القحطاني ولم أكتب الشيخ فالألقاب نؤمن بأنها وسيلة للدفاع، أو لحث الإنسان أن يرتقي بمستوى الدفاع عن القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى درجة التضحية في زمنٍ افتقدنا فيه التضحية خاصة من أصحاب هذه الألقاب.وما أودُّ قوله باختصار:نحن لا نؤمن في زمن التقنية والتكنلوجيا والصناعة والذرة والرقي بكل مفاهيم الرقي والتقدم لـأوروبا وأمريكا؛ أن نلتزم بالثرثرة، وتركيب الجمل، وزخرفة الكلمات، في وقت يُداس فيه شرف الأمة، ويُطعن فيه القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحطم قيمة الأخلاق إلى درك الحضيض... إلخ.أقول: أنا أسأل الأدب الملتزم واللا ملتزم، الأدب بكل الصفات التي يحلو لكثيرٍ من الإخوان أن يعلقوها على الأدب المعاصر: ماذا قدم لهذه الأمة؟فالعلم والثقافة سببان رئيسيان للارتقاء بمستوى الإنسان والمجتمع والفرد والأمة والعالم من درك الحضيض إلى قمة الفضيلة، ومن قاع التبعية والاستعباد والذل إلى قمة القيادة والريادة والسمو.ففي عام: (1914م) حتى عام (1919م) قضى طه حسين فترة نقاهة في باريس وعاد من بعدها بالثقافة الفرنسية كتبعية مطلقة للاستشراق والتغيير، ثم إلى هذه اللحظة نحن نتكلم في الندوات، نتكلم في بطون الكتب، ونتكلم بالألفاظ الطيبة النقية الطاهرة، لكن تصاغ المناهج التعليمية والتربوية عكس ما نسمعه في مثل هذه اللقاءات، فالذي يدرس الآن في كثير من المناهج التعليمية وخاصة على مستوى الجامعات هو الأدب التغريبي والاستشراق.وأنا لا أحتاج لأن أستشهد بكثير من هذه الأمور، إنما مما قاله أحد دكاترة الأدب في جامعة الملك سعود: إذا لم يكن المثقف حداثياً فلا يستطيع أن يكون مثقفاً... هذا أمر، فالذي نريده من هذه الأمور أن نرتقي من مستوى الكلمة الطيبة إلى مستوى العمل، وأن يكون لنا منبراً، وأن تكون هي اللفظة الدارجة على ألسنتنا عندما ندرس هذا الجيل معنى الأدب، وأن تستفيد هذه الأجيال من الأدب، فنحن نسمع كثيراً لكن الواقع يشهد عكس ذلك.إن المناهج التربوية والتعليمية لا تعكس على الإطلاق أدباً رفيعاً وإن كان هناك قلة في مثل هذه المناهج أو الأماكن التربوية، الحكم بالشريعة للعموم وليس للخصوص، ما صنع الأجيال المعاصرة الآن يجعل لي الحق في الاستشهاد، الثقافة والعلم والأدب المعاصر هو الذي أحط وأوصل الأمة إلى درجة السقوط، ونحن مررنا بمرتبة الخواء الفكري ومرحلة الانبهار والإعجاب، ثم مرحلة التقليد للغرب ولثقافة أوروبا التي أتت من بعد القرن الرابع عشر حتى هذه اللحظات، لوثة بعد لوثة كما ذكر سيد قطب رحمه الله، ثم مرحلة السقوط ونحن نعيشها الآن، فمن المسئول عنها؟هل هو الأدب الذي ارتبط ونسمع أنه مرتبطٌ بالقرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟كلا. إنه الذي ارتبط بجميع المذاهب والنظريات الأدبية المستوردة من الغرب، ففي هذا المقام نسأل القائمين على النادي الأدبي بوجه خاص والقائمين على النواحي الأدبية أن يوجهوا الكلمة الصالحة الطيبة الطاهرة المرتبطة بالقرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم توجيهاً عملياً صادقاً مخلصاً عبر المناهج التعليمية، أما أن يُدرَّس بدر شاكر السياب، وطه حسين فلا.أنتم تعلمون وقائع وشواهد التاريخ، فضلاً عن شواهد التاريخ والأحداث المعاصرة على رداءة الأدب المعاصر ممثلاً بـالحداثة أو الرجعية. وأن نجلس نتسلَّى بالعبارات الطيبة فقط في المحاضرات وفي الندوات هذا أمر لا يسكت عليه على الإطلاق، فنحن نعيش في مرحلة يجب أن تتكافأ فيها الجهود حتى نكون كلنا عمليين بالقرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.ثم ننبثق في جميع تصوراتنا كلها من القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم سواءٌ في الأدب، أو التقنية أو التكنولوجيا أو أي صناعة فكرية أساسها كلمة، ثم تأتي بكلمة ترفع من مستوى الأمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله).الرد: أولاً: أشكر فضيلة الشيخ عبد الوهاب بن ناصر على تعقيبه، وعلى جمله المفيدة والمتوعية والبصيرة، وهكذا عودنا -لا نقولها مجاملة- ووددت أن النص الذي معه كان في محاضرتي، لكن سبقني.وكذلك الأخ محمد القحطاني أشكره كذلك، وأقول له: ماذا بيدك وبيدي؟! ما نملك إلا الكلمة، أتريد مني أن أغير مجال الأدب أو المقررات أو الإعلام؟! أتريد أن نلغي المحاضرات؟! أتريد أن أذهب بالبندقية لأقتل صدام حسين أو أصنع حنفية أو طائرة أو صاروخاً، فأنا أملك الكلمة وغيري يملك الهندسة، والثالث يملك الإعلام، والرابع يملك الأدب، على كل حال قد علم كل أناس مشربهم، فإن كان عندك تغيير أنت فتفضل.واعذر حبيبك إن فيه فهاهة نبطية ولك العراق وماؤها
الأسئلة

 موقف الشيخ عائض من الشعر النبطي
السؤال: موقف الشيخ عائض من الشعر النبطي فيه بعض القسوة، رغم وجود كثير من نماذج هذا الشعر فيها دعوة إلى الله وسمو بالأخلاق، ودعوة إلى مكارم الأخلاق، فكيف يرى الشيخ عائض هذا الجانب من هذا النوع من الشعر؟الجواب: على كلٍّ أنا لا أنكر أن فيه بعض الإبداع والفضائل، فحتى كلام العجائز فيه دعوة إلى الفضائل والمبادئ، لكني أنكر أن يكون هذا أدباً خالداً للأمة وأن يكون مرآة لها، وأن يكون طموحاً وأملاً لها ولأدبائها وأقلامها وإعلامها وصحفها، فلا يصلح أن نبيع أفكارنا بهذا المستوى.أوليس في الأمة علماء وأدباء ومفكرون حتى نأتي برجل لا يعرف الفاتحة ولا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ولم يصلِّ في الشهر إلا مرتين أحياناً، ونقول: تفضل يا شاعر الأمة ويا أستاذها فيخلط علينا أفكارنا وأمتنا ومقدراتنا، فهو بعشر ريال يمدح وبسحب عشرة ريال يذم، لا يحمل مبدأ ولا عنده فكر ولا قلم وأنا لا أستصغر أحداً، وإلا فأنا أحفظ شعراً نبطياً، وقلت قصيدتين لكني استغفرت الله عز وجل، ففيه الطيب وفيه كلمات تعجب.أقول: الله الله في رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي هذه اللغة الحية التي أثبتت وجودها وخلودها أن تطفأ بهذا الشعر النبطي، وأن تتحول الأمة إلى أمة لا تعي الشعر ولا تفهمه ولا تستسيغه، حتى لو ألقيت على جمهور من الناس قصيدة للمتنبي فلن يتفاعلوا وسينامون، ولو أتيت برجل من البادية وألقيت من خزعبلاته كل عشرة أبيات بقرش أصغوا وبكوا وسبحوا وحَمَدوا، وهذا من فساد الأمزجة؛ لأننا نحن أطعنا طه حسين فتحولت مقدرات الناس إلى شعر نبطي، حتى الدكاترة الذين في الجامعات أصبحوا يشعرون، فالحمد لله الذي حولهم من عربية إلى نبطية، أصبح في جريدة عكاظ يفتتحها بقصيدة نبطية بتوقيع الدكتور فلان متخصص في قسم اللغة والبيان والأدب، على كل حال هذا ما تم توقيعه.وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومعذرة.سامحن بالقليل من غير عذل ربما أقنع القليل وأرضى سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دور الأدب في معايشة النكبات للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net