اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه للشيخ : عائض القرني


رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه - (للشيخ : عائض القرني)
لقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وما ذاك إلا لأنهم تربوا على يد المعلم الجليل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخرجوا من مدرسة النبوة. ومن هؤلاء الخلفاء الراشدين، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الذين قادوا الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومنهم سعد بن أبي وقاص ، خال رسول الله وقائد معركة القادسية، ومنهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ومنهم أيضاً إمام العلماء معاذ بن جبل.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أيها المؤمنون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.هذا درس رمضاني بعنوان: "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"وهؤلاء الرجال هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان، وأئمة أهل الإسلام. أولاً: الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وأبو بكر أول الخلفاء الراشدين وأول العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم. أبو بكر لم يملك شيئاً من ميزات الدنيا إلا أنه عبدٌ لله، وكان أول من أسلم من الرجال، وقدَّم ماله للرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان صلى الله عليه وسلم يقول: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن) عليه الصلاة والسلام.هو تيمي من قريش، لم تكن أسرته بتلك القوية العريقة، ولكن رفعه إسلامه وإيمانه، يقول عمر: قلت في نفسي لأسبقن أبا بكر هذا اليوم، فأخذ نصف ماله فذهب به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال-: يا رسول الله! خذ هذا النصف من المال، قال: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم نصف المال، فجاء أبو بكر فتصدق بماله كله، فقال صلى الله عليه وسلم: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قال عمر: والله لا أسابق أبا بكر بعدها أبداً.وكما هو معلوم أن النار لها سبعة أبواب أعاذنا الله من النار رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران:192].وللجنة أبواب ثمانية؛ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداخلين من تلك الأبواب. بشرى لنا معشر الإسلام أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (ما بين المصراع والمصراع في الباب الواحد كما بين أيلة إلى صنعاء -وأيلة هي بيت المقدس الذي يرضخ اليوم تحت الاحتلال، هذا مقدار الباب الواحد- وإنه يأتي يوم القيامة وهو كظيظ من الزحام) فنسأل الله أن يجعلنا ممن يزاحم في ذاك الباب، فقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: (إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة) يعني من أكثر من الصلاة حتى اشتهر بها، ولا يقصد مجرد الصلوات الخمس؛ لأن كل إنسان يصلي الصلوات الخمس، لكن يقصد عليه الصلاة والسلام الذي يتنفل حتى يعرف بالصلاة، قال: (فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! أيدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية؟ قال: نعم. وأرجو أن تكون منهم) هو يدعى يوم القيامة من الأبواب الثمانية، هو أول المصلين، ومع الصائمين في أولهم، ومع الذاكرين في مقدمتهم، ومع المجاهدين رضي الله عنه وأرضاه.وفي الأثر المشهور: والله ما فاقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بإيمان وقر في قلبه، فميزة أبي بكر على غيره من المسلمين أنه يعبد الله كأنه يراه، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أنه قال وهو على المنبر: [[يا أيها الناس! استحيوا من الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إني لأذهب إلى الخلاء فأضع ثوبي على وجهي حياءً من الله]] بلغت منزلة مراقبته لله أنه يستحي منه في وقت قضاء الحاجة، لأنه يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وهذه درجة الإحسان.وقد امتاز أبو بكر رضي الله عنه كذلك بالخشية، وهذا الذي ينبغي أن نستحضره في هذا الشهر الكريم، خشية الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لأن المقصد من الصيام والصلاة هو خشية الله تبارك وتعالى، فامتاز أبو بكر من بين الناس بشدة خشيته لله، يذكر عنه الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول: دخل أبو بكر مزرعة رجل من الأنصار بعد موت الرسول، وفي أثناء دخوله إذا بطائر يطير من شجرة إلى شجرة، فجلس أبو بكر يبكي، قال له الصحابة: مالك يا خليفة رسول الله؟ قال: ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت طائراً أرد الماء وأرعى الشجر ثم أموت لا حساب ولا عقاب..فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيٍ ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيّ ومن ميز الصالحين هضم النفس، تجد المصلي الصائم المتصدق العابد يهضم نفسه، وتجد المعجب المغرور المنافق يمدح نفسه، قال البخاري في كتاب الصحيح: وقال الحسن البصري: "ما خافه -أي النفاق- إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق".
 دروس من حياة أبي بكر رضي الله عنه
ونأخذ من هذا الدرس دروساً:أولها: أن التفاضل بخشية الواحد الأحد، وليس بكثرة الصيام ولا الصلاة، ولا الزكاة ولو أنها من أسباب الخير؛ لكن إذا لم تؤد إلى الخشية فيبقى التفاضل بها نسبياً فأفضل الناس أخشاهم لله.الأمر الثاني: أننا مهما فعلنا فلن نوازن ولو قلامة ظفر من فضل الصحابة رضوان الله عليهم، ولو أنفق أحدنا مثل أحد ذهباً أو فضة ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.الأمر الثالث: أن نوافل الأعمال هي المقربة من الواحد الأحد وهي التي تقرب العبد إلى الله، لا أسرته ولا وظيفته، ولا جاهه، ولا منصبه، لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {قال الله تبارك وتعالى -في الحديث القدسي- ما تقرب إلي عبد بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه}.الأمر الرابع: أن التوكل على الله عز وجل لا ينافي الأخذ بالأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر تحصن بالدروع وأخذ السيوف والرماح صلى الله عليه وسلم، وكذلك أبو بكر، ومع ذلك يقول: {يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟} يقول بعض العلماء: ترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع، والسلامة أن تجمع بين التوكل والسبب، وحتى نفهم هذا أضرب مثلاً بطالب يريد أن ينجح في الامتحان، قلنا له: ذاكر، فإذا ترك المذاكرة وقال: أنا أنجح متوكلاً على الله بدون مذاكرة ففي عقله شيء، وإذا اعتمد على المذاكرة ونسي الله فهذا قدح في الشرع. وإذا قال: أنا أنجح بلا مذاكرة، ولا توكل على الله فقد قدح في العقل والشرع، ويمكن أن يصل إلى درجة النفاق، وإذا أخذ بالتوكل والسبب فذاكر وتوكل على الله، فهو المؤمن الكامل، وكذلك كان أبو بكر قال بعض أهل العلم: ومن شدة توكل أبي بكر على الله عز وجل أنه أنفق أمواله في سبيل الله وما خاف العنت، وقال بعض أهل العلم: إذا خفت لأنك ما بلغت هذا المستوى فلك أن تبقي بعض مالك، لأنه لا يصل إلى درجة أبي بكر إلا القليل من الناس، رضي الله عنه وأرضاه.فهو أفضل الناس بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه الصديق الأكبر وأنه أول الصحابة فضلاً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي خلافاً لأهل البدعة.وقد روى ما يقارب مائة وثلاثة وثلاثين حديثاً أو قريباً من ذلك كما في مسند الإمام أحمد ، وفيه كذلك فائدة أن العلم ليس بكثرة الرواية، وأن الخوف من الله ليس بكثرة الكلام وإنما هو بخشية الله الواحد الأحد.أسأل الله أن يجمعنا وإياكم بـأبي بكر الصديق، وأن يرينا وجه أبي بكر الصديق، وأن يجعلنا ممن يجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق.
عمر بن الخطاب
ثانياً: عمر بن الخطاب وسنتعلم منه الزهد:في درس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه نتعلم الزهد والعدل والشجاعة، الزهد في سيرة رجل، والشجاعة في سيرة إمام، والعدل في سيرة حاكم، وكلها تجتمع في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.هو أبو حفص أسلم متقدماً قيل: في الثامنة عشرة من عمره أو التاسعة عشرة، كان قبل أن يسلم ميتاً لا يعرف الحياة، لأن الحياة في كتاب الله عز وجل وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم معناها الحياة بالإيمان والقرآن: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].كان شجاعاً رضي الله عنه، أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام متوشحاً سيفه يريد البطش بالمسلمين، فسمع أن أخته أسلمت فاستمع لقراءتها، ثم دخل فضربها فأدماها، فقال: ناوليني الصحف، قالت: أنت مشرك نجس لا أناولك شيئاً من القرآن حتى تتطهر، فقرأ شيئاً من القرآن، وقرأ تلك الليلة: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [طه:1-4]. فدخل الإيمان قلبه، وامتلأ بلا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فبايعه على نصرة هذا الدين، فكان إسلامه نصراً لهذا الدين، ولشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
 دروس وعبر من سيرة عمر
وفي سيرته دروس:أولها: أنه لا ينبل العبد ولا يقرب من الله إلا بالصدق والإخلاص، وقد تجلت هذه في سيرته.الدرس الثاني: أن الزهد من أعظم الأعمال عند الله عز وجل، زهد أهل السنة لا زهد أهل البدعة، وهو الزهد في الحرام والمكروه، والزهد في المباح الذي يشغلك عن طاعة الله، قال ابن تيمية: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. هذه الكلمة تحفظ، لأن بعض الناس الآن يزهد في الثياب، وربما لا يشتري سيارة، ولا يسكن فلة، ثم يتعطل عن كثير من الفرائض والعبادات بسبب ترك هذه الأمور، وهذا ليس من الزهد، إذ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، أما ترك ما ينفع في الآخرة فحمق، وكل شيء لا ينفعك في الآخرة؛ مثل كثرة الثياب والسيارات، وكثرة المال إذا لم تنفق منه في مرضاة الله، أما إذا أنفقت من المال وخدمك في الآخرة ورفع درجتك فليس تركه من الزهد بل من الحمق.الدرس الثالث: العدل؛ وهذا على مستويات أدناها أن تعدل -كما يقول ابن تيمية- بين طالبين أو بين تلميذين، لو عرض لك تلميذان لتصحح لهما فظلمت أحدهما لقيت الله يوم القيامة ظالماً، والظلم يدخل على رب الأسرة بأن يحكم بين بناته أو أطفاله فيقدم هذا ويؤخر هذا، وقد أتى والد النعمان بن بشير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أريد أن تشهد أني أعطيت النعمان هذا المال، قال: ألكل ولدك أعطيت ذلك؟ قال: لا، قال: استشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.ومن الظلم ظلم القضاة، وظلم المسئولين على كافة مستوياتهم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}. ومن الدروس: أن الرؤيا الصالحة للمؤمن من المبشرات، ولكن لا تبنى عليها أحكام، فإذا رئيت لك رؤيا صالحة فاحمد لله، أو رأيت لرجل من الصالحين رؤيا فأخبره بها فهي من المبشرات التي تركها صلى الله عليه وسلم لنا.ودرس أخير: أن عمر عند أهل السنة والجماعة هو في المرتبة الثانية بعد أبي بكر، ثم عثمان ثم علي؛ هذا ترتيبهم عند أهل السنة ولو خالف أهل البدعة، لأن أهل الرفض نسأل الله أن يعافينا مما أصابهم يسمون أبا بكر الجبت، ويسمون عمر الطاغوت، أولئك الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104].
عثمان بن عفان
ثالثاً: أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونتعلم من سيرته ثلاث مسائل:أولها: الحياء.وثانيها: البذل.وثالثها: الخشوع.الحياء والبذل والخشوع كلها في سيرة عثمان رضي الله عنه. كان صلى الله عليه وسلم جالساً في بيته معه أبو بكر وعمر بل ورد في الرواية عن عائشة أنه كان صلى الله عليه وسلم كاشفاً عن فخذه، وقيل عن شيء من ساقه، فدخل أبو بكر فما تزحزح صلى الله عليه وسلم عن مكانه، ودخل عمر فما غير مجلسه، فلما دخل عثمان ستر صلى الله عليه وسلم رجله، فلما انتهوا قالت عائشة: يا رسول الله! دخل أبو بكر فما تغيرت، ودخل عمر فما حولت مجلسك، ثم دخل عثمان فرأيتك تسترت، قال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة. فالرجل الذي تستحي منه الملائكة هو عثمان بن عفان، يقول: والله ما مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول عنه أهل السير: ما اغتسل إلا جالساً حياء من الله، هو في الظلام يغتسل لكن معه الله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] والاغتسال واقفاً حلال ومباح، لكنه يجلس حياء من الله:حياء من إلهي أن يراني وقد ودعت دارك واصطفاكا
 دروس من حياة عثمان
وسيرته طويلة رضي الله عنه لكن أخذت منها نقاطاً نتعلم منها الخشوع والبذل والحياء.أما الحياء فكله خير كما قال عليه الصلاة والسلام، وتعريفه من سيرة عثمان: أنه ما صدك عن المحارم، فالحياء الذي يصدك عن المحارم هو الذي يحبه الله، أما الذي يمنعك عن طلب العلم، أو التفقه في الدين، أو سؤال العلماء، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فليس من الحياء في شيء بل هو الخجل المذموم.وفي البخاري موقوفاً على مجاهد بن جبر المفسر قال: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر، فلا ينبغي أن يكون بينك وبين العلماء حاجز؛ أن تقول: أستحي أن أسأله أو أن أناقشه في أمور منزلية، أو عائلية أو شخصية، لا. بل اسأله {إنما شفاء العي السؤال} كما قال عليه الصلاة والسلام، وقالت عائشة: [[نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين]] وكان أكثر الناس حياء موسى عليه السلام وهو القوي الأمين، حيي لكن عن المحارم، بنت الرجل الصالح -قيل شعيب وقيل غيره- لما أتت تدله على منزل أبيها قال: تعالي ورائي، انظر إلى الأمين الذي يحفظ الله في الغيب، حتى لا ينظر إلى شيء منها، فكانت وراءه فكانت تقول: خذ يمينك، خذ يسارك، الطريق من هنا، الطريق من هناك حتى وصل إلى بيت أبيها، قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26] أما القوة فزحزح الصخرة ولا يستطيع لها عشرة، وأما الأمانة فرأته في الطريق، ولذلك رزقه الله عز وجل الرسالة الخالدة ورفع الله اسمه، وأنتم تسمعون في صلاة التراويح ما نقرأ صفحات إلا ويطالعنا حديث موسى، نعيش كما قال سيد قطب: معركة نسف وإبادة مع بني إسرائيل في هذه الليالي، يا بني إسرائيل، ولقد أرسلنا موسى، وإذ قال موسى، وواعدنا موسى، حتى قال بعض علماء الإسلام: كاد القرآن أن يكون لموسى، هذا هو الحياء المطلوب في الإسلام.وأما البذل: فهو البذل في سبيل الله بلا رياء ولا سمعة، بعض الناس يبذل للرياء والسمعة ملايين مملينة أو ألوفاً مؤلفة، ولكنه في الخير من أبخل الناس، وهذه صفة اليهود: يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء:37] والبذل ليس فقط بالمال، بل قد يكون بالجاه؛ بأن تبذل جاهك عند المسئول شفاعة للناس، وقد يكون بالبسمة الحانية الرقيقة لإخوانك المسلمين، وقد يكون بأن تجود بوقتك لزوارك وضيوفك وللدعوة، يقول ابن القيم عن رجل: من كرمه أنه يسامر ضيفه ولا ينام حتى ينام الضيف.متيم بالندى لو قال سائله هب لي فديت كرى عينيك لم ينم أي: لو قال له الضيف أرجوك لا تنام لقال: لن أنام هذه الليلة، فهذا الكرم بالوقت، والكرم بالعلم، وهو أن يبذله لمستحقيه، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه.يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود وأما الخشوع فهو سيرة عثمان الدائمة، فالقرآن والبكاء، والمناجاة في السحر حين ينزل الله في الثلث الأخير فيعطي من سأل، ويغفر لمن استغفر، ويتوب على من تاب هي ديدنه.سلام على عثمان في الخالدين، وألحقنا الله به في الصالحين، وأجلسنا معه في مقعد صدق عند رب العالمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
علي بن أبي طالب
رابعاً: علي بن أبي طالب.أبو الحسن رضي الله عنه وأرضاه رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو بمكانة هارون من موسى من الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي غزوة خيبر قال عليه الصلاة والسلام للصحابة قبل أن يناموا: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه). قال عمر ما أحببت الإمارة إلا في تلك الليلة، لأن من مواصفات هذا الأمير أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وفي الصباح قال عليه الصلاة والسلام: أين علي بن أبي طالب؟ قالوا: يا رسول الله! هو مريض بالرمد، والله ما يرى مد يده، قال: عليَّ به، فذهبوا فأخذوا بيديه يقودونه حتى وقف بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فبصق في عينيه، لأن ريق الرسول عليه الصلاة والسلام فيه بركة، وفيه من الخير ما الله به عليم، فإذا هو يبصر وقبلها يقول: اذهب، قال: والله يا رسول الله! ما أرى مد يدي، وقال: ادن مني، فدنا فتفل في عينيه فإذا هو يبصر، وقال: اذهب علَّ الله أن يفتح عليك، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، فذهب يهرول إلى حصن خيبر فنزل له مرحب اليهودي بطل من أبطال اليهود الشجعان، والشجعان في اليهود قليل لأن اليهود من أجبن الأمم في الأرض، لكن قد تأتي نادرة، ولكل قاعدة شواذ، فجاء مرحب هذا فنزل بالسيف وعليه لأمة، وكان كبير الجسم وأخذ يرتجز ويقول:قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب وما درى مرحب أن أمامه علي بن أبي طالب، وما درى أن أبا الحسن له بالمرصاد، شاب يشرب الموت مثل ما نشرب الماء، فنزل علي بن أبي طالب وقال: أنا الذي سمتني أمي حيدرة وحيدرة اسم الأسد، وللأسد عند العرب تسعة وتسعون اسماً، منها حيدرة، وقد كانت أمه تلاعبه وهو صغير وتقول: حيدرة، فقال: أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه المنظرةأكيلكم بالسيف كيل السندرة فاختلفا ضربتين، ثم ضربه علي بن أبي طالب فأطار رأسه كأنه ما خلق له رأس، وعاد يكبر ويهلل ويكبر معه المسلمون ويهللون.وخرج عليه الصلاة والسلام إلى تبوك فأراد رجلاً أميناً ليكون على أهله وقرابته وعلى نساء المدينة، فاختار علي بن أبي طالب وقال: أنت خليفتي في المدينة، فلما خرج صلى الله عليه وسلم من المدينة جاء المنافقون إلى علي، وانظر إلى أهل الغش والدسائس قالوا: ما تركك إلا تثاقلاً منك، فلبس سلاحه يريد أن يخرج إلى الغزوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلقيه وهو يبكي ويقول: يا رسول الله! تثاقلت مني وتركتني، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي) فأعاده إلى المدينة وفي سيرة علي ثلاث مبادئ: المبدأ الأول: مبدأ الشجاعة.المبدأ الثاني: مبدأ الزهد.والثالث: مبدأ الفصاحة.
 دروس من سيرة علي بن أبي طالب
نستفيد من هذه السيرة دروساً:أولها: الزهد؛ وهو منزلة عالية، وهو الذي فارق بيننا وبين الصحابة، فالصحابة زهدوا في الدنيا فرفعهم الله وجعل الجنة مثواهم، ونحن أحببنا الدنيا فأخذت أوقاتنا وليالينا وأيامنا إلا من رحم ربنا.وثانيها: أن الشجاعة في ذات الله هي المحمودة، وأنه لا يمدح الجبان، ومن استخدم شجاعته في رضى الله كانت له شرفاً في الدنيا وذخراً في الآخرة، وبعض الناس شجاعته على جيرانه وإخوانه وأرحامه، حتى أن بعض القبائل ليس لديهم كلام إلا صبحنا آل فلان، ومسينا آل فلان، وضربنا آل فلان، وقاتلنا آل فلان وهم مسلمون، فهذه ليست بشجاعة، هذه معصية يحاسبون عليها عند الله، إنما الشجاعة على الكافر عدو الله، والشجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما العنصريات، وشجاعة التفاخر على المسلمين فليست بشجاعة.وثالثها: أن الصدق في الكلمات دليل على صدق القلوب، فصادق القلب يجعله الله صادق اللسان، ولذلك كان علي بن أبي طالب صادقاً في كلماته، يقول ابن كثير: (باب في كلماته الحاصلة التي إلى القلوب واصلة).ورابعها: أن من تقلل من هذه الدنيا فما عند الله له خير وأبقى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] فقد ذهب علي بن أبي طالب، وذهب أبو بكر، وذهب عمر، وذهب عثمان، وذهب فرعون، وذهب قارون: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].ستعلم أينا أهدى سبيلاً إذا عرضت على الله الأمور
سعد بن أبي وقاص
خامساً: سعد بن أبي وقاص.كنيته: أبو إسحاق، أسلم قديماً يوم سمع لا إله إلا الله محمد رسول الله، وسعد بن أبي وقاص قيل: هو الثالث في الإسلام وقيل: الرابع، وعلى كل فهو بالمنزلة العليا عند الله عز وجل، ولما أسلم غضبت أمه وكانت وثنية مشركة، فتهددته بكل شيء، وأضربت عن الطعام والشراب، وتألت ألاَّ تأكل ولا تشرب حتى يرجع ابنها عن دين الإسلام إلى الكفر، فحاول إقناعها فلم تقتنع، وحاول معها فلم تستجب، قال: [[يا أماه! والله الذي لا إله إلا هو لو أن لك ألف نفس فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني، فكلي واشربي أو دعي]] قالوا: فاستمرت ثم أكلت وشربت وأظنها أسلمت فيما بعد، والقصة في صحيح مسلم، فأنزل الله عز وجل: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15]. فلما استمر رضي الله عنه في الإسلام كان يمين الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو من خئولة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (هذا خالي فليرني امرؤ خاله) يقول: من عنده خال مثل هذا فليبرز لنا خاله الذي كخالي هذا.كان شديد البنية، متماسكاً، قائداً عسكرياً يصلح لقيادة الجيوش، ولذلك ولاَّه عمر رضي الله عنه الجيش الإسلامي الذي فتح العراق، واجتاح دولة الأصنام والعمالة والضلالة، دولة المجوس، دولة كسرى، إمبراطورية التخلف، اجتاحها ودخل الإيوان، ولما رأى إيوان كسرى، قال: الله أكبر! فانصدع الإيوان، فقال وعيناه تدمع من الفرح، وبعض الناس عيناه تدمع من الفرح:طفح السرور علي حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني قال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29].يقول سعد: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك) أي: ليكن مطعمك وملبسك وشربك حلالاً، ليستجيب الله دعاءك، وفي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم: (ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) فالمرابي والغشاش والمرتشي لا يستجيب الله دعائهم، ثم قال عليه الصلاة والسلام لسعد: (اللهم أجب دعوته وسدد رميته) فما كان يدعو بدعوة إلا تأتي كفلق الصبح، وإذا رمى كانت بإذن الله لا تخطئ أبداً.وفي معركة أحد كان عليه الصلاة والسلام عنده كنانة، والكنانة تشبه الحقيبة فيها السهام، فكان يأخذ صلى الله عليه وسلم السهم ويعطيه فيضرب سعد المشرك فتقع في عين المشرك أو في رأسه ولا تخطئ، فكان يتبسم عليه الصلاة والسلام، ويقول: (ارم سعد فداك أبي وأمي، ارم سعد فداك أبي وأمي). من يقول: فداك أبي وأمي؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يظفر بكلمة فداك أبي وأمي إلا سعد، قال علي بن أبي طالب ما سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يفدي أحداً بأبويه إلا سعد بن أبي وقاص يقول: (ارم سعد فداك أبي وأمي) فكان يرمي فتصيب بإذن الله عز وجل.وأما إجابته الدعاء: فقد كان الله يستجيب دعوته؛ لأنه كان طيب المطعم والسريرة، والعمل والأخلاق، شاب لكنه يريد الله والدار الآخرة، ولاَّه عمر رضي الله عنه على الكوفة أميراً، وكان أهل الكوفة مشاغبين، يشتكون أميرهم ولو كان من الملائكة، فقال لهم عمر: كيف أميركم؟ وكان عمر يجمع الناس في الحج من الأقاليم والمدن، ويسألهم: كيف أمراؤكم؟ فإذا شكوا من الأمير أتى بالأمير وأوقفه أمامهم وحاسبه وهم يرون، فقال: كيف سعد؟ قالوا فيه خير، ولكن شكوا بعض الأمور، فأرسل لجنة يرأسها محمد بن مسلمة أحد الأنصار الكبار الصادقين، وقال: اذهب إلى أهل الكوفة وسلهم عن سعد، فذهب يمر بمساجد الكوفة، كيف سعد بن أبي وقاص الأمير؟ قالوا: من أحسن ا لناس، عبد صالح، فذهب حتى وصل إلى مسجد من مساجد الكوفة فيها شيخ كبير أضل الله عقله، فقال: كيف سعد بن أبي وقاص؟ فقام هذا الشيخ وقال: أما إن سألتنا عن سعد بن أبي وقاص فإنه لا يخرج في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، هذه ثلاث مثالب.فقام سعد وهو يسمع الكلام، فقال: [[اللهم إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن]] قال: فاستجاب الله دعوته، فاستمر في الحياة حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري يغمزهن في شوارع الكوفة، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد.وخرج سعد بن أبي وقاص من المسجد بعد أن صلى الجمعة، فإذا برجل يسب علي بن أبي طالب وقد قتل علي، فقال: لا تسب أخي، قال: والله لأسبنه، قال: لأدعون عليك، فلم ينزجر فقال: [[اللهم اكفنا هذا الظالم]] هذه القصة ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء، وبينما هذا الساب الذي سب علياً واقف مكانه وإذا بجمل أتى من ناحية الكوفة لا يلوي على شيء، فتأخر الناس عنه فاقترب من الرجل ثم لطمه بيده أو برجله فإذا الرجل ميت على الأرض، وهذا سنده صحيح.وكان سعد رضي الله عنه من أقوى القواد، ولما أرسله عمر قال: يا سعد بن وهيب! لا يغرنك قول الناس إنك خال الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، فكان يوصيه بتقوى الله عز وجل، وبطلب ما عند الله.
 دروس وعبر من حياة سعد بن أبي وقاص
ونأخذ من حياته دروساً:-أولها: أن إجابة الدعوة مقترنة بطيب المطعم، فمن أراد أن يستجيب الله دعاءه فليكن مطعمه، وملبسه، ومشربه، ومسكنه حلالاً، وإلا فلا يطمع في إجابة الدعاء.الدرس الثاني: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا أمرك الوالدان أو غيرهما بمعصية أو بمنكر، أو فاحشة فلا طاعة في ذلك، قال تعالى: ((وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)) [لقمان:15].الدرس الثالث: أن الله عز وجل ادخر للمؤمن أكثر مما في الدنيا، وأن الدنيا ليست غاية؛ لأن بعض الناس مقاييسهم ضحلة، ونظرتهم ضيقة، ينظرون إلى من أمده الله بصحة أو مال أو ولد أو عقار فيقولون: هذا لمنزلته عند الله، وهذا خطأ في الفهم وضلال في التوجه، لأن الله عز وجل قد يحرم عبده المؤمن من الدنيا فيبقى فقيراً كـسعد رضي الله عنه، يقول سعد ولا بأس أن نعود إلى كلمة له: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد أتت علي أيام في أول الإسلام ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ولقد كنا نأكل من أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقنا -أصبحت مثل أشداق الجمال من أكل أوراق الشجر- قال: فانتهى ورق الشجر حتى وجدت جلد ميتة فأخذته فأحرقته بالنار ثم سحقته ثم شربته على الماء]] هل بقي وراء هذا جوع؟ ولكن ادخر الله لهم الجنة، مقعد صدق عند مليك مقتدر.ومن سيرة سعد نأخذ أن الفضل في الإسلام بالبلاء الحسن والأسبقية، وليس بالتبجح بالكلمات، فإن أكثر الناس قدماً عند الله أكثرهم بذلاً وعطاء وعبادةً، وزهداً ودعوة وإخلاصاً وكرماً، فهذا هو المقدم عند الله، فلا للأسرة، ولا للمنصب، ولا للمال، ولا للولد.الدرس الخامس: اعتزال الناس عند الفتن، فإذا أتت الفتن والخصومات والمشاكل في القرى أو المدن فالأسلم للمؤمن أن يعتزل الفتنة، إما أن يبقى في بيته ولا يحضر إلا الجماعات والجمعة والعيد، وإما أن يخرج إلى قرية أخرى. وعند البخاري من حديث أبي سعيد: {يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن}.فسلام على سعد في الخالدين، وجمعنا الله به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ونسأل الله أن يثبتنا كما ثبت عباده المؤمنين.
ابن عباس
سادساً: ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فمن هو هذا؟ إنه شاب نشأ في عبادة الله، وهو من أذكى الناس، وفتح الله عليه فتحاً لا يدور في الخيال ولا يخطر بالبال، علمه كالبحر، حتى قيل فيه لما ذكر علمه: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] هو عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والده العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.أسلم من صغره، وأوى إلى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان حافظاً لله منذ نعومة أظفاره، ركب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمار، وبينما هما يمشيان في الطريق إذ قال عليه الصلاة والسلام: (يا غلام! قال لبيك وسعديك قال: يا غلام! قال: لبيك وسعديك، قال: يا غلام! قال: لبيك وسعديك، قال: إني أعلمك كلمات) هذه الكلمات -أيها المسلمون- تجمع أصول الإيمان، وأصول الإسلام، وأصول الوصاية، وهو من أعظم الأحاديث في الإسلام: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك،، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء إلا قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي بسند صحيح ورواه أحمد وزاد: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً، وأن الفرج مع الكرب) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث حديث عقدي في التوحيد، وفيه قضايا: أولها: أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، والمجلد الأول من فتاوى ابن تيمية حول هذه المسألة، وهو أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، وكثير من الناس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بلسانه، ويصلي، ويصوم، ويحج، ويعتمر، ولكنه يخاف الناس أكثر من الله، ويرهب الناس أكثر من الله، ويحب الناس أكثر من الله، ويخشى أن ينقطع رزقه من طريق الناس، فيخشى الناس أكثر من خشيته لله، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) فالمسألة الأولى: أنه لا ينفع إلا الله.والمسألة الثانية: أنه لا يضر إلا الله، والله لو اجتمعت الدنيا عن بكرة أبيها لتضرك ولم يرد الله ذلك؛ فلا يمكن أن تصاب بضرر، ومصداق ذلك: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).والقضية الثالثة: أن من يحفظ الله يحفظه الله، ومفهوم المخالفة أن من ضيع أوامر الله يضيعه الله، واقرأ تاريخ الناس، وتصفح تاريخ ابن كثير وتاريخ ابن جرير وتاريخ ابن الأثير لتجد سيرة الرجل من أول حياته، فإذا وجدته في أول حياته معرضاً عن الله لا يصلي، ويستهزئ بالقرآن، فستجد في الأخير الطامة الكبرى؛ بأن يخزيه الله خزياً ما بعده خزي، ويكتب عليه اللعنة، ويأتيه من النكال والهوان والعذاب والأذى ما الله به عليم، واقرأ سيرة الرجل الآخر الذي قيل فيه: كان صالحاً يحافظ على الصلوات الخمس، ويحب القرآن والصدقات، فستجد العاقبة له، والعاقبة للمتقين. حفظ الله بالتقوى؛ أن تحفظ حدود الله وتحفظ جوارحك مع الله، يحفظك الله وقت الهرم، والشدة، والكرب، والحاجة، والموت، يوم العرصات، يوم الزحام، يوم العرض الأكبر على الله، فـابن عباس أخذ هذا الدرس وبدأ يحفظ الله من صغره.
 صور من حلم ابن عباس
أما حسن أدبه، وكمال خلقه، فكان من أحلم الناس، صدره كالبحر، أتاه رجل في الحرم فسبه أمام الناس فتبسم ابن عباس، وقال للرجل: كيف تسبني وفي ثلاث خصال، قال الناس لـابن عباس ما هي الثلاث الخصال يا ابن عباس! قال: [[والله الذي لا إله إلا هو ما نزل قطر في بلاد المسلمين إلا فرحت به، وليس لي فيه ناقة ولا جمل]] انظر محبة الخير للناس، وبعض الناس الآن يكره إذا رأى جاره أو أخاه رزقه الله مالاً أو عقاراً أو ولداً، فهذا من أحقد الناس وأحسد الناس وفيه شبه من اليهود في قلبه، وقد وجد في بعض المجتمعات -والله- أن أحدهم إذا رزق بوظيفة، أو بنى عمارة فكأنها على قلبه ما كأنها على الأرض، قال ابن عباس: [[أما أنا فما سمعت بقطر نزل في أرض إلا فرحت به، وليس لي فيه جمل ولا ناقة، قال: ولا فهمت آية من كتاب الله إلا وددت أن الناس يعرفون منها ما أعرف، ولا سمعت بقاضٍ عادل إلا دعوت الله له وليس لي عنده دعوى]] فدعا الناس لابن عباس بالخير، وهذا ما يسمى صفو النفس وكمالها حتى تبلغ إلى الدرجة القصوى.ولذلك فقد شهد صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة ثلاث مرات أنه من أهل الجنة، فنام معه صحابي ورأى صلاته فلم يجد كثرة صلاة في الليل، ولا كثرة ذكر قال: مالك؟ قال: هو ما رأيت غير أني أبيت وليس في قلبي غل على أحد، فرحم الله ابن عباس رحمة الأبرار.
معاذ بن جبل
سابعاً: معاذ بن جبل، أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام، كان يشهد العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع إلى قومه ويصلي بهم إماماً وهم مأمومون، ويجعل صلاته الثانية نافلة له ولهم فريضة، وفيه دليل على جواز ائتمام المفترض بالمتنفل، وأنتم ترون بعض الناس إذا أتى متخلفاً ونحن في التراويح والنافلة لا يدخلون معنا وهذا خطأ، بل الأحسن والسنة أن يدخل ولو كان مفترضاً ونحن متنفلون، فإمامة المفترض بالمتنفل واردة لحديث معاذ هذا وهو صحيح، وإمامة المتنفل بالمفترض واردة لحديث الأسود بن يزيد عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم كان في مسجد الخيف، ثم مال فوجد رجلين فأنكر عليهما يوم تركا الصلاة وقال: (مالكما؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما والناس يصلون فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهنا أربع صور صحيحة، إمامة المفترض بالمفترض وهذا بالإجماع، وهو الذي نفعله، إمامة المتنفل بالمفترض وإمامة المفترض بالمتنفل، وإمامة المتنفل بالمتنفل وكلها واردة، وعلى كل صورة حديث وإنما ذكرتها للفائدة.وكان معاذ رضي الله عنه يطول بأصحابه إذا صلى بهم، فشكاه أحدهم بعد أن ترك الصلاة معه، وقد كان كما في بعض الروايات يقرأ سورة البقرة أو بعضها في صلاة العشاء، فأتى رجل كان يشتغل في النخل مجهداً، ثم دخل بيته فتوضأ وأتى يلحق معاذاً، فانتظر ركوعه وإذا هو يقرأ وكلما انتهى من مقطع من القرآن بدأ بالمقطع الآخر، معاذ عالم وفاهم وقلبه منشرح للعبادة نشيط، ولكن ظروف الناس تختلف؛ فيهم الضعيف والصغير وذو الحاجة والمريض، فمال هذا الرجل وانفصل فصلى وحده، ثم ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سأل معاذ عنه ماله ما صلى معنا؟ قالوا: ترك الصلاة معك وصلى وحده قال: هو منافق، فذهب الرجل فشكاه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فتغير الرسول صلى الله عليه وسلم وغضب غضباً شديداً واستدعى معاذاً ليحاكمه وقال: (أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ؟! اقرأ بالليل إذا يغشى وسبح اسم ربك الأعلى؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والصغير والمريض وذو الحاجة) فأخذها معاذ درساً في التيسير ومراعاة الناس في الإمامة، ومراعاتهم في أحوالهم وحاجاتهم، وهو العدل الذي أتى به سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لكن حمل بعضهم لسوء فهمهم إلى التخفيف المفرط الذي يضيع روح الصلاة وخشوعها وهدوءها، فهؤلاء مخطئون في صلاتهم.وأرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، لما أتى وفد اليمن فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى أصحابه ليرسل أحدهم، ومن مواصفات الذي يرسل إلى اليمن أن يكون عالماً، وداعية وفقيهاً، وهي مجتمعه في معاذ رضي الله عنه، فهو عالم وداعية وفقيه، فأرسله صلى الله عليه وسلم وودعته أمه وهي تبكي فقال: يا أماه! أَمْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منه بد، فذهب، وودعه عليه الصلاة والسلام، وعند الترمذي أنه قال: (يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) وهو حديث حسن، وعند الذهبي في سير أعلام النبلاء بسند جيد: (يا معاذ! اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر) وبقي في اليمن حتى توفي عليه الصلاة والسلام ثم أتى إلى المدينة.وللفائدة فهناك شريط منشور بين الناس وقد سمعتموه عن وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بصوت ملحن وهذا لا يصح، وفيه أحاديث مكذوبة وموضوعة على المصطفى عليه الصلاة والسلام، ومن ضمن الشريط قال: فدخل معاذ على أبي بكر فأنشد، قال: من بالباب؟ ثم ألقى محاضرة عند الباب، فأنشد معاذ قصيدة وأبو بكر قصيدة، وعمر قصيدة، وعثمان قصيدة، وعلي قصيدة، وكل هذا ليس بصحيح ولا حدث، والذي أتى بهذا الشريط عامي لا يفقه في الإسلام ولا في السنة شيئاً، فليتنبه له.وقبل أن يذهب معاذ إلى اليمن كان له مع الرسول عليه الصلاة والسلام موقف، ففي الموطأ يقول: (يا معاذ أحسن خلقك للناس) ويظهر أنه كان فيه حدَّة، فالرسول عليه الصلاة والسلام أتى يداوي هذه الأمراض بعلاج من عنده عليه الصلاة والسلام علمه الله إياه، خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، فذهب هو والمصطفى عليه الصلاة والسلام والجيش، فاقتربت راحلة معاذ من راحلة الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الليل، فأخذها معاذ فرصة ليسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، فقال عليه الصلاة والسلام: (يا معاذ لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه) والحديث في الترمذي وعند أحمد بسند صحيح (تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قال: بلى. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير، الصوم جنة) يعني غطاء ووقاء وستر من النار (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا عليه الصلاة والسلام تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] -إلى آخر الآية- ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ -يعني: ما يجمع لك أمرك ذلك- قال: بلى. يا رسول الله! قال: كف عليك هذا وأخذ بلسانه -أي: احبسه وألزمه بالخير وجنبه الشر- قال: يا رسول الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال: على وجوههم- إلا حصائد ألسنتهم) وهذا الحديث أصل من أصول أهل الإسلام، وجعله النووي في الأربعين النووية، وفيه قضايا:أولها: لا عبادة إلا بتوحيد، ولا خير ولا بر إلا بعقيدة صحيحة.ثانيها: التدرج في التعليم، فلا تبدأ بتعليم الناس السنن وتنسى الفرائض، كأن تأتي إلى أناس لا يصلون الصلوات الخمس فتحدثهم في اللحى، وتقصير الثياب، فلو ربوا لحاهم وهم ملاحدة أو زنادقة فإن ذلك لن ينفع.ثالثها: أن أبواب الخير طرق إلى الجنة، وأن الناس يتفاضلون بالنوافل، ولذلك قال عز من قائل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32] فالسابقون بالخيرات هم أهل النوافل، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي في الصحيحين عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) الحديث.رابعها: أن اللبيب العاقل الفقيه قد يخفى عليه بعض المسائل، فـمعاذ خفي عليه أن الكلام من اللسان يؤاخذ به العبد، فأخبره عليه الصلاة والسلام أن أكثر ما يدخل الناس النار الألسنة، وتسعة أعشار ذنوبنا وخطايانا من اللسان، فالكذب من اللسان، والغيبة، والنميمة، والاستهزاء، والبذاءة، والفحش، واللعن، وقذف المحصنات، والبهتان، والزور، كل هذه من ذنوب اللسان، ولذلك قال بعضهم: تسعة أعشار الذنوب من اللسان والعشر يوزع على بقية الأعضاء.
 دروس وعبر من سيرة معاذ
ونستفيد من سيرة معاذ دروساً:أولها: ينبغي على الإمام كما مر معنا في الصحيحين أن يتوخى حال المأمومين قوة وضعفاً وشيخوخة وحاجة ومرضاً، فلا يطول عليهم التطويل الممل، ثم لا يقصر تقصيراً مخلاً بل يكون وسطاً كما كان عليه الصلاة والسلام.ثانيها: أنه قد يخفى على العالم بعض الأمور فإنه قد خفي على معاذ وهو من أعلم الناس بعض المسائل وما نقص من قدره لأن علم الصحابة علم الخشية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ثم ألحقوا علم الجزئيات فقد يخفى على أحدهم جزئية ولا تنقص من قدره بل إذا قال: (لا أدري) ازداد ثقة عند الناس وتمكناً في فنه وعلمه.ثالثها: أن العلماء يتفاضلون، وأفضل علماء الأمة فيما نعلم أو قائدهم خلا الخلفاء الراشدين معاذ بن جبل، فقد حسن عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أنه قال: {معاذ يأتي يوم القيامة أمام العلماء برتوة}.رابعها: أن طريق الجنة عمل عندنا، وليس كما قال غلاة الصوفية من تصوف فصفا، ومن أخذ الوفاء حتى تدرع بالوفاء، هذه كلمات ما أنزل الله بها من سلطان وخزعبلات: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] طريق الجنة عندنا في سورة يونس: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].طريق الجنة عندنا في سورة الأنبياء: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103]. وطريق الجنة في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في فصلت: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:30-31]. هذا أبو إسحاق الأندلسي يوصي ابنه ويقول في طريق الجنة: وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناده ذو النون بن متى إذا ما لم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا وأنا أكرر مسألة هي معلومة لديكم أن الفارق بين علم السلف والخلف هي خشية الله، ولذلك لم يرتفع علماء الصحابة إلا بخشية الله، كان أحدهم لا يحفظ إلا ثلاثين حديثاً أو عشرين أو أربعين ولكنه من أعلم العلماء قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ووجد في المتأخرين من يحفظ القرآن كاملاً وآلاف الأحاديث ولكنه فاسق وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون [الأعراف:175-176].سلام على معاذ في الخالدين، ورضي الله عنه مع الصديقين والشهداء والصالحين، وألحقنا الله به في جنة المكرمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net