اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التوسل بالأعمال الصالحة (1) للشيخ : عائض القرني


التوسل بالأعمال الصالحة (1) - (للشيخ : عائض القرني)
في قصص الأولين عبرة، ونحن في هذا الدرس مع قصة من قصص بني إسرائيل، وفيها من العظات والعبر والدروس المتعلقة بالعمل والاعتقاد شيئاً مفيداً، إنها قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار.
فضل مجالس الذكر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. ومع روضة من رياض الجنة، ومع الحبيب صلى الله عليه وسلم، ومع كلامٍ نقف على أبوابه التي قدَّسها الله وعظَّمها وجعله أسوة وقدوة لمن أراد أن يهتدي وأن يقتدي.من زار بابَك لم تبرح جوارحُه تروي أحاديث ما أوليت من مننِ فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسنِ الرسول صلى الله عليه وسلم جعله الله مقياساً وميزاناً لمن أراد أن يهتدي وأن يقتدي، وكل من أراد أن يخالف نهجه أو سنته فهو الضلال بعينه، والعالم اليوم -من باب ذكر النعم بين يدي هذا الدرس- عالم مقيت إلا من حفظ الله وعصم، ولذلك يقول جل ذكره: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] إلحادٌ مُزْرٍ، وطغيان وكفر، وبدع تترى، وفواحش تئن منها الأرض إلى السماء، وما هناك إلا ثلة قليلة يعيشون على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه القلة القليلة أناس قليلون يحبون مجالس رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وأنتم حينما تجلسون في هذا المجلس تحفكم الملائكة، والله يباهي بكم، وكما يقول عطاء بن أبي رباح: [[مجلس واحد يكفِّر سبعين مجلساً من مجالس اللهو واللغو]].وأي لذة في الحياة؟ أهي اللذة البهيمية التي يعيشها الكافر؟ أهي اللذة الجنسية التي يطمع فيها الملحد؟ لا، إنها لذة الاتصال بالواحد الأحد تبارك وتعالى.
 

نص حديث الثلاثة النفر
درْسُنا هذا يرويه عبد الله بن الفاروق عمر بن الخطاب.نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً ولنستمع إلى الحديث، ثم العرض، ثم الشرح بإذن الله: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غارٍِ فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما.. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة؛ فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه.وقال الآخر: -أي: الثاني- اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت أحب الناس إليَّ -وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء- فأردتُها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألَمَّت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففَعَلَتْ؛ حـتى إذا قدرت عليهـا -وفي رواية: فلما قعدت عندها- قالت: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فانصرفتُ عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها.اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت له أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين وقال: يا عبد الله، أدِّ إليَّ أجري، فقلتُ: كلُّ ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق أجرك، فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً.. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون) رواه الشيخان البخاري ومسلم.
 عرض إجمالي لقضايا الدرس
في هذا الحديث قضايا:أولها: موقفنا من الإسرائيليات.ثانيها: صدق اللجوء وإخلاص الدعاء في الأزمات إلى الواحد الأحد.ثالثها: التوسل بصالح الأعمال، وهل يجوز لك أن تتوسل بصالح العمل. أم لا؟رابعها: بر الوالدين وما جاء فيه.خامسها: فضل العفة، ومخالفة الهوى، وقصص من قصص الصالحين والأخيار.سادسها: فضل السماحة وأداء الأمانة.سابعها: إثبات كرامات الأولياء ونماذج من ذلك.
من سيرة الراوي عبد الله بن عمر
هذا الحديث يرويه عبد الله بن عمر، يقول صاحب الكتاب: عن أبي عبد الرحمن، يكنيه، والكنية تعريف وسِمَة، ومن هدي السلف الصالح التكنية، والكنى إكرام للرجل، لذلك يقول الشاعر اليمني:أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب والرسول صلى الله عليه وسلم كان يكني أصحابه ولو لم يكن لهم أولاد، فكان يقول للخليفة الأول: يا أبا بكر، ولـعلي: يا أبا الحسن، ولـعمر: يا أبا حفص، وعثمان رضي الله عنه له كنيتان: أبو عمرو، وأبو محمد.والشاهد أن الكنية جارية، وربما كَنَّى صلى الله عليه وسلم مَن لم يكن له أولاد من أصحابه، فكان يقول لأخي أنس وهو طفل صغير يلعب بنغْر معه: (يا أبا عمير ما فعل النُّغَير؟).
 استطراد مع أبي دلامة
دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور وقال: يا أمير المؤمنين! قال: نعم، قال: رأيت في البارحة أني قبَّلت رأسك وأعطيتني ألف دينار! قال أبو جعفر: أما التقبيل فأنا أؤوله لك، وأما الألف دينار فلا أفعله. قال: لا والله هي حاجتان لا بد منهما، قال أبو جعفر: فوالله لا أتركك تقبل رأسي أبداً، قال: اعطني ألف دينار وسامحك الله في التقبيل.وهذا من الكذب في الرؤيا، وإلا فيمكن أنه ما رأى، والله أعلم، ولكن حصل على ألف دينار.وأبو دلامة -للمناسبة- دخل على الخليفة المهدي بن أبي جعفر، فقال له الخـليفة: آذيتـنا بـحوائجك دائـماً -أي: دائماً تسأل: أعطوني مالاً، أعطوني خيلاً، أعطوني كذا، آذيتنا دائماً- فقال: يا أمير المؤمنين! والله لا أسألك إلا حاجة سهلة، قال: ما هي؟ قال: أعطني كلباً للصيد، قال: أعطوه كلباً، قال: وأعطني خادماً، إذا صاد الكلب الصيد يمسك الصيد، قال: أعطوه خادماً قال: وفرساً أحمل عليه الصيد، قال: أعطوه فرساً، قال: وداراً أطبخ فيها الصيد!!
بنو إسرائيل في القرآن والسنة
حديث درسنا من الإسرائيليات عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا قال: (كان فيمن كان قبلكم) فالغالب أنه من بني إسرائيل، لما قال صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم، أو سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة بالقذة... الحديث، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال فمن وفي رواية صحيحة: ومَن الناسُ إلاَّ هم) فكان الغالب في حديثه صلى الله عليه وسلم إذا قال: (كان فيمن كان قبلكم) أن يعني به بني إسرائيل.
 موقفنا من الإسرائيليات
موقفنا من الإسرائيليات نحن -المسلمين- تُقسَّم الإسرائيليات عندنا إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: ما كان في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فهذا تحصيل حاصل، مثل: الأمر بتقوى الله، كتحليل الحلال وتحريم الحرام.القسم الثاني: ما يخالف كتابنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فهذا نضرب به عُرض الحائط، ونرده رداً تاماً، ولا نقبل منه ولو ذرة.القسم الثالث: ما لا يخالف ولا يوافق، إنما هو أعاجيب وقصص وأخبار.بهذا نحدث عن بني إسرائيل، ونذكرها للعبرة بين يدي الناس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: {حدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج} حديث صحيح، وقوله صلى الله عليه وسلم: {إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم} ومعنى ذلك: ما لم يخالف كتاب ربنا أو سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن وافق قبلناه، وإن خالف رددناه، وإن لم يكن مخالفاً ولا موافقاً روينا وسكتنا، كأن نحدث أن فيهم قوماً ذهبوا في الدهر، وأنهم هلكوا، أو أن فيهم رجلاً صالحاً تعبَّد في جزيرة من الجزر، وأن فيهم قوماً استقاموا على منهج الله، وأن فيهم قوماً فسقوا فأهلكهم الله، هذه عبر، فنحدث ولا حرج.. هذا موقفنا من الإسرائيليات.و ابن كثير ذكر موقف أهل العلم من الإسرائيليات في أول تفسيره؛ ولكنه رحمه الله رحمة واسعة نسي هذا المنهج لَمَّا بدأ في التفسير، فأورد كثيراً من الإسرائيليات، ويعذره جلالته في الإسلام، وحسن نيته رحمه الله، ولكن يُتَنَبَّه لذلك، واعلموا أن أحسن تفسير على الدنيا وعلى وجه الأرض الآن هو: تفسير ابن كثير، يقول الشوكاني في البدر الطالع: ما على وجه الأرض أحسن من تفسير ابن كثير وقال السيوطي: لا أعلم في التفاسير أحسن منه فكيف بمثله. ونبهت على هذا لأنها قد تصادفكم أو صادفتكم كثيراً في تفسير ابن كثير الذي نهج نهجاً سديداً، وقعَّد قواعد في أول التفسير، لكنه نسي كثيراً من هذه القواعد لما كتب.
ضرورة الالتجاء إلى الله
الحديث: يقول عليه الصلاة والسلام، وهو يقص علينا: انطلق ثلاثة نفر النفر: يطلق على المجموعة وعلى الأفراد، والثلاثة فما أكثر يسمى: نفر، وقوله صلى الله عليه وسلم: من بني إسرائيل، حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه... الغار: الكهف، قال تعالى: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [الكهف:16] ولذلك يقولون: الأحبة في الغار أحسن من المتباغضين في الأقطار، أي: في أوسع حال، ولذلك قيل: (سَمُّ الخياط مع الأحباب ميدان) لو دخلت أنت والحبيب في سَمِّ الخياط لَوَسِعَكما، ولو دخلت مع البغيض في الأرض لضاقت بكما، إنما الضيق ضيق القلوب، والشاهد: دخول هؤلاء الغار، وقوله: فانحدرت صخرة من الجبل -في روايات في غير الصحيح: فأمطرت السماء، فالتجئوا إلى الغار- فانحدرت عليهم صخرة فسدت عليهم الغار.
 صدق اللجوء وحرارة الدعاء
المسألة الثانية: وقبل ذلك صدق اللجوء إلى الله، إذا ضاقت بك الضوائق فاصدق مع الله عز وجل، وقد ذكر أهل العلم قصصاً عجيبة لمن صدق اللجأ إلى الله في وقت الأزمات، والقصص في ذلك معروفة مشهورة، ذكر ابن القيم شيئاً منها في الجواب الكافي.فلا بد من اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء بحرارة، ومن ذلك: قال علي بن أبي طالب: ما من أحدٍ ليلة بدر إلا نائم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويبكي ويدعو، ويوم اصطف الجمعان والتحم الفريقان؛ وقف عليه الصلاة والسلام بصدق اللجأ إلى الله الحي القيوم يدعو حتى سقطت بردته من على منكبيه، فأخذها أبو بكر وأعادها عليه، وقال: هون مناشدتك ربك يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعد، والرسول صلى الله عليه وسلم أعلم بربه، ويعلم أنه لا يأتي النصر ولا الكرامة ولا الفتح إلا بصدق اللجأ، فكان يقول: يا رب! إن تُهلِك هذه العصابة فلن تُعبَد بعد اليوم، حتى نصره الله.وفي الغار يوم دخل مع أبي بكر كان صادقاً في اللجوء إلى الله فنجاه الله، كان الكافر يأتي فيطلع على سطح الغار حتى يقول أبو بكر: {يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فيتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: ما ظنك باثنين الله ثالثهما} ويأتون جماعات وأسراباً يريدون دخول فم الغار فيجدون بيت العنكبوت وعش الحمامة على فم الغار، فيقولون: ما دخلوا هنا..!ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تَحُم عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطَم
أنواع التوسل وحكمها
المسألة الثالثة: التوسل بالأعمال، يقولون: تعالوا ندعوا الله بصالح أعمالنا، فهل لك أن تدعو الله بصالح عملك؟ وهل لك أن تتوسل بأمور أخرى هي من الصلاح؛ كأن تقول: اللهم إني أتوسل إليك بهذا المصحف، أو تأتي إلى كتاب فتح الباري وتقول: اللهم إني أتوسل إليك بكتاب فتح الباري لـابن حجر العسقلاني، أو بـرياض الصالحين، أو بهذا المسجد، فتقول: اللهم إني أتوسل إليك بمسجد أبي بكر الصديق الذي صلى فيه المسلمون وذكرك فيه الذاكرون فاغفر لي، أو تقول: أتوسل إليك بالرسول عليه الصلاة والسلام فاغفر لي، أو بـالمدينة أو بـمكة، أو بـقبرص.. هل يجوز هذا أم لا؟ وهل يجوز لك أن تأتي وتقول: اللهم إني أتوسل إليك أني أذكرك وأسبحك وأصوم لك، وأتوسل إليك بطاعتي، واتباعي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم؟ هذه فيها تفصيل سيأتي.
 التوسل بذات الشيء
أما التوسل بشيء لذات الشيء فلا يجوز هذا، وهو من باب الشرك، كما قال الله عن الكفار: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] وهذا منهج الشرك، فإنهم ما عبدوا الأصنام لذاتها، ولكن قالوا: يقربوننا إلى الله زلفى، فنتوسل بهم إلى الله ليرفعوا حوائجنا إليه، وليكونوا واسطة بيننا وبين الله، وهذا هو الشرك بعينه.. فالتوسل بالأعمال الصالحة يجوز، أما بغير ذلك من الذوات فلا يجوز ولو بذات الرسول صلى الله عليه وسلم.وبعض الناس يبلغ من ولاية الله عز وجل أن يقسم على الله قسماً فيبر الله قسمه، يقول عليه الصلاة والسلام: {إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره} ويقول: {رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء ابن مالك} حتى كان يقسم على الله فيبر الله قسمه، لما التقى المسلمون في تستر مع الكفار، وكان القائد أبو موسى، قالوا: [[يا براء نسألك بالله أن تقسم على ربك أن ينصرنا هذا اليوم، فاغتسل وتحنط وتكفن وأخذ سيفه وقال: يا رب أقسم عليك أن تنصرنا هذا اليوم وأن تجعلني أول شهيد]] فكان أول شهيد وانتصر الجيش. فهذا بلغ في الولاية أن يقسم على ربه فيبر الله عز وجل قسمه.
حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة

 تثمير الأجر
وتقدم الثالث فقال: اللهم إني استأجرت أُجَراء...كان عنده خدم وعبيد يشتغلون عنده، فأعطاهم حسابهم إلا أحدهم ما أخذ الحساب، لا أدري ما الذي أغضبه! فذهب مغاضباً، فأخذ أجرته فثمَّرها، واشترى بها إبلاً وغنماً وبقراً ورقيقاً فأصبحت أموالاً عظيمة، وبعد فترة عاد هذا الخادم وقال: أعطني أجرتي، قال: خذ هذه الإبل، وهذه البقر، وهذه الغنم، وهذا الرقيق، فقال: أتستهزئ بي؟! يعني أجرة أيام بسيطة تصبح هذه الأموال كلها؟! قال: والله لا أستهزئ بك، وانظر من لؤم الخادم هذا أنه ساقها جميعاً وما ترك له شيئاً منها وذهب.قال:... اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك -والشاهد: (ابتغاء) الإخلاص- ففرِّج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون.
مسائل مستفادة من حديث الثلاثة

 من كرامات الأولياء
وفي الحديث: إثبات كرامات الأولياء، فهم دعوا بصالح أعمالهم، وتوسلوا إلى الله بذلك، ففرج الله عنهم الصخرة، وفي صحيح البخاري في كتاب الوكالة أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ذهب إلى رجل غني وراء البحر من بني إسرائيل أيضاً، وقال: أريد منك ألف دينار، قال: هل لك وكيل؟ أي: ضامن يضمنك؛ لأني ما أعرفك، قال: وكيلي الله عز وجل، قال: كفى بالله وكيلاً.. انظر ما أحسن ذاك وما أحسن هذا! رضي هذا بالله فرضي ذاك به.. قال: هل من شاهد؟ أي: ما دام أنه ليس لك وكيل إذا ما سدَّدت فشاهد يشهد أنني دفعت لك هذا المال، قال: ما لي شاهد إلا الله، قال: كفى بالله شاهداً.فركب المقترض البحر ومعه الدنانير وذهب إلى أهله، ولما حان أجل القضاء وقف هذا المدين على الشاطئ ينتظر سفينة تحمله إلى الشاطئ الآخر، فما وجد سفينة ولا قارباً أبداً، تحرى اليوم الثاني والثالث فما وجد، فأخذ خشبة فنقرها من وسطها ثم جعل فيها ألف دينار وكتب عليها اسم الرجل، ثم ضرب بها في البحر؛ لأن ذاك قد رضي بالله كفيلاً ورضي بالله شهيداً، فسوف يبلغ الله هذه الأمانـة، فلما وضعها في البحر ساقها الله عز وجل بالريح وذاك الرجل يعرف موعد الأجل، فكان قد خرج من بيته ينتظر الرجل، فوقف على الشاطئ فانتظر، حتى يئس من مجيئه، فرأى هذه الخشبة فقال: آخذها حطباً لأهلي، فأخذها وحملها على كتفه، ولما وصل إلى بيته أخذ هذه الخشبة فإذا فيها الألف دينار، وفيها ورقة من ذاك المرسل إلى المرسل إليه، وهذه من كرامات الأولياء، ومن رضي بالله كفيلاً وشهيداً بلَّغه الله ما تمنى.وكرامات الأولياء عندنا منها ما لا يحصى ولا يعد، وأكثر ما صح من كرامات الأولياء وما أُثِر منها عن صحابة محمد عليه الصلاة والسلام، وهم لا يريدون الكرامة لذاتها، ولكنهم يريدون الاستقامة، فآتاهم الله الدنيا والآخرة. والكرامة أمر خارق للعادة يثبته أهل السنة والجماعة.
صورة من صور الابتداع في الدين والتعليق عليها
السؤال: بعض الناس يدعي الاستقامة لكنه يأخذ بعض الشباب ويقودهم على طريقته في الاستقامة، ويذهب بهم إلى مقبرة الشرف، ثم يأمرهم بأن يناموا في القبر ويأخذ بدفن أرجلهم -ما شاء الله- ويقول بعض الأناشيد، وكذلك يستخف بأهل العلم ولا يقتنع بكلامهم، ومن أعماله أنه يأخذ مجموعة من الشباب ويقوم بهم في أحد المساجد في مدينة أبها، وكل من نصحه أخذ بإيراد قصص بعض الصوفية ولا يركن إلى السنة.. فما حكم الشارع في هذا؟
 دعوة إلى العلم وبيان فضله على العبادة
فأنا أدعوكم ونفسي يا شباب الإسلام إلى مدارسة العلم.. المصحف، كتب العلم، حلقات الذكر.. أيهما أفضل الليلة: أنت أم أحد الناس ذهب يصلي إلى صلاة العشاء؟ أنت الليلة -إن شاء الله- أفضل منه؛ لأنك تسمع المسائل، تسمع كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، تسمع إيرادات العلماء، تسمع مناقشات حارة وتحرير علمي، لا أقول: إني أتيت بها؛ لكن أتى بها أهل العلم، أنا ناقل فقط، أجمع ما قالوا وأعرض عليكم بضاعتهم، فالمقصود أن من حضر إلى هذه الحلقة وجلس أفضل ممن جلس يصلي ألف ركعة، لأن قصارى العبادة أن تكون لنفسك؛ لكن العلم يزيل خطرات الشيطان وتلبيسات إبليس. وقد نصح ابن الجوزي بالعلم، قال العز بن عبد السلام: " كنت في شبابي أطلب العبادة فكنت عابداً كبيراً؛ فأصابني وسواسٌ الله أعلم به، فذهبت إلى العلماء وقلت: ما علاج الوسواس؟ قالوا: عليك بطلب العلم، فطلبت العلم فأذهب الله عني الوسواس " وقال ابن القيم: " لما بدأت حياتي قبل أن ألقى ابن تيمية كان في قلبي شبه ووساوس؛ فلما رأيت ابن تيمية شيخ الإسلام شكوت عليه ذلك فقال: عليك بالعلم لا تجعل قلبك كالأسفنجة تقبض الماء وتحتبسه، لكن اجعله كالزجاجة القوية تدفع الشبهة بقوتها وتراه بصفائها. وأعظم ما يمكن جلوسك معه: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وتفتيشك ورقات الجويني أحسن من كثير من تسبيحات الصوفية الذين أتتهم الهواجس والخطرات، يقول الذهبي: يجلس أحدهم في الغرفة ثلاثة أيام لا يأكل حتى يرى الخشب أمامه أشباحاً، فيقول: هؤلاء ملائكة، قال: والله هؤلاء ليسوا بملائكة ولكن عقلك خاش وفاش. نعم، من الجوع، وإلا فطريقه صلى الله عليه وسلم طريق معروف لمن قرأ السيرة وحياة الصحابة رضوان الله عليهم، الخطابة خطابة والصلاة صلاة والقراءة قراءة، مع الأهل وفي السوق، هؤلاء هم العبَّاد، فماذا يريد الإنسان من غيرهم؟ أيريد الزوايا؟! أيريد المرقعات؟! أيريد الصوامع والغيران والكهوف؟! يريد تربية الأظافر وتربية الشعور والقذارة، وعدم الفقه في الدين، وركعات، ثم الغل والحقد على عباد الله: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27].أسأل الله لي ولكم لزوم السنة والاتباع، وترك الابتداع، وأن ننهج نهج مـحمد صلى الله عليه وسلـم، فلا سعـادة -والله- ولا فلاح ولا نجاح إلا في اتباع سنته وسيرته، ألهمنا الله رشدنا ووقانا شر أنفسنا.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبة وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التوسل بالأعمال الصالحة (1) للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net