اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حلية طالب العلم للشيخ : عائض القرني


حلية طالب العلم - (للشيخ : عائض القرني)
العلم فضيلة، وصاحبه مفضل على غيره بالنص، والعلوم لا خير فيها إلا ما ذكر بعمل الآخرة، ولطلب العلم وسائل، ولتحصيله ضوابط، ولطالبه آداب وقيود، ولأخذ العلم من الكتب والشيوخ نظام وترتيب، وفي كل ذلك مهم وأهم، وفي هذا الدرس تطواف حول ما ذكر بأسلوب يسير مفهوم.
الرسول الأمي
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله عليه وسلم، فأظهر الله علمه على كل علم، وأظهر رسالته على كل رسالة، ونصر مبدأه على كل مبدأ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بَعْد: إخوتي الفضلاء الأجلة طلبة العلم.فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وإنها لفرصة سانحة أن يجلس الأخ مع إخوانه، والزميل مع زملائه، فأنتم شارة المجتمع، وأنتم واجهة الناس، وأنتم الخاصة إذا اتقيتم الله في علمكم، والمحاضرة ستكون عن حلية طالب العلم: ما هو لباسه؟ وما هو معتقده؟ وما هي وظيفته؟ وما هو دوره في الحياة؟ وما هو برنامجه اليومي؟ وما هو تحصيله؟ وكيف يحفظ؟ وكيف يفهم؟ وكيف يحقق المسألة، وكيف يدعو الناس، وكيف يعاملهم؟ وكيف يسير مع الناس؟ كل هذه المسائل وغيرها تكون مطرح البحث إن شاء الله. وإني أحبكم في الله تبارك وتعالى، وإنه لا يجمعنا بكم سبب من الدنيا، ولا نسب بين الناس، ولكن سبب الدين ونسب العلم. إن كيد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد أو يفترق ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يختلف نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] لمن الخطاب؟إنه للمصطفى صلى الله عليه وسلم، لصاحب الرسالة الغراء، والأمي الذي ما قرأ ولا كتب، ولا تعلم في مدرسة ولا دخل جامعة، ولا جلس في كتاتيب، وليس له أستاذ ولا شيخ، ما انتسب ولا انتظم في جامعة من جامعات الدنيا، لكن هكذا بلغ الأربعين سنة، فقال له الله عز وجل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وقال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48].أي: أنت لم تكتب ولم تقرأ، ولم تحفظ شيئاً، بل جئت من الصحراء من بين جبال مكة السود؛ لتبعث الإنسان، وترفع رأسه. اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] أين يقرأ؟ أين الصحف والمجلدات؟أين الجرائد والمجلات؟أين المصنفات؟أين السبورة؟أين الأستاذ والمعلم والدفتر؟ لا شيء. قال أهل العلم: كأنه يقول: اقرأ في كتاب الفضاء، اقرأ في سور ما قرأتها في كتاب، اقرأ في الشمس من خلقها؟ أليست آية؟اقرأ في القمر؟ أليس فيه آية؟اقرأ في النجوم اللامعة كيف تبدد الظلام! أليست آية، اقرأ في خرير الماء يوم يتسلل بين الحصى، اقرأ في هفيف النسيم بين الشجر أليست آية؟ اقرأ في السفح والغدير، والماء المرير، والجدول والرابية، اقرأ مع الطير، إنها آيات الله في الكون. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فخرج عليه الصلاة والسلام من غار حراء داعياً إلى الله ما عرف معلماً إلا جبريل، قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:1-9].الله أكبر! ياللدنيا يوم سمعت الله أكبر، يا للبشرية يوم أنصتت إلى كلمة (الله أكبر).إنها والله أمور ومعجزات تحطم القلوب التي لا تعي، وتدوس الرءوس التي لا تؤمن بالله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].وانطلق عليه الصلاة والسلام فتكلم فكان أفصح فصيح، وأفتى فكان أكبر مفتٍ، وقاد الجيش فكان أعظم قائد، وساس الأمة فكان أعظم سائس، وربى الأجيال فكان أعظم مربٍ، يقول شاعر وادي النيل للمستشرقين يوم طلبوا معجزة له صلى الله عليه وسلم:أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه أما يكفي الناس معجزة له صلى الله عليه وسلم أنه أحيا القلوب بالعلم، نزل عليه الصلاة والسلام إلى بطحاء مكة فحفظَّه الله القرآن وعلَّمه السنن، ثم قال الله له في أول الطريق: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] فقبل أن تتكلم أو تُعلِّم تَعلَّم، وقبل أن تدعو تَعلَّم، قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]. وهذه رسالتكم يا طلبة العلم، ويا حملة خلاصة الرسالات، والواجهة الوضيئة في المجتمع، يا بسمة في جبين التاريخ؛ هذه رسالتكم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].وأنا سوف أتعرض في هذه الجلسة لنقاط مهمة، تمر معنا في الفصل، وفي البيت، وفي الطريق، مع الناس كافة، ومع النفس والأهل خاصة:أولها: نبذة عن فضل العلم.ثانيها: الإخلاص في طلبه.ثالثها: التقوى.رابعها: العمل بالعلم.خامسها: التوبة والاستغفار.سادسها: الحفظ وكيف يكون.. سابعها: الفهم.ثامنها: كيف يبدأ طالب العلم.تاسعها: كيف يُكوّن مكتبته.عاشرها: لباس طالب العلم. حادي عشرها: معتقد طالب العلم. ثاني عشرها: السنن على طالب العلم. ثالث عشرها: نوافل طالب العلم. رابع عشرها: الإنفاق من العلم، والزكاة من العلم. خامس عشرها: التسرع في الفتيا؛ داؤها وعلاجها. سادس عشرها: التصدر قبل حينه. سابع عشرها: خلق طالب العلم: التواضع، الشجاعة، علو الهمة. ثامن عشرها: علم الواقع والثقافة المعاصرة. هذه سوف تكون على بساط البحث ونحن نقبل أي حوار في آخر هذه الجلسة، من عقلياتكم المشرقة، ومن فهمكم السديد لنتعاون على الخير والبر والتقوى.
 

فضل العلم
أما فضل العلم: فهو أكبر من أن يذكر فضله، وأشرف من أن ينوه بشرفه، وأعلى من أن يذكر علوه، أتقول للقمر إنه بهي وهو قمر. بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر قلن: تعرفن الفتى؟ قلن: نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر؟
 العلم يفتح البصيرة ويفتق الذهن
إن هذه الدنيا تزول ولا يعرف زوالها إلا بالعلم، إن المعصية معصية، ولا تعرف أنها معصية إلا بالعلم، وإن الخمر خمر، ولا يعرف أنه حرام إلا بالعلم، وإن الجهل جهل، ولا يعرف أنه جهل إلا بالعلم، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49].آيات راسخات، ومعان جليلة، وأهداف نبيلة، ومبادئ أصيلة في هذا الدين ولكن في صدور من؟ أفي صدور أهل المجون، وأهل الوسوسة، وشيوخ القمار، والمخططون على النجوم، وأهل السقع والرقع؟ كلا، إنما هي في صدور طلبة العلم. ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] من الذي يفهم الآيات، من الذي يفهم المنشورات، ومن الذي يفهم المبادئ، ويفهم العقليات، ومن الذي يرجح المصالح على المفاسد إلا طلبة العلم.وقد صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر} فليس ميراثه عليه الصلاة والسلام مناصب ولا وظائف، ولا ثياباً ولا دوراً، ولا عقاراً ولا قصوراً، لا والله..! فقد كان بيته من طين، وفراشه من حصير، وقعبه من خشب، وشملتة مقطعة، ولكنه بنى آلاف القلوب والأرواح. كفاك عن كل قصر شاهقٍ عمد بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم فميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العلم.تعال يا من حاله في وبال ونفسه محبوسة في عقال يا نائماً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال روض النـبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال ميراثه فينا جميل الحلا وأنتم أصحابه يا رجال من يرث محمداً عليه الصلاة والسلام إلا أنتم، من يحفظ كلماته الناصعة إلا أنتم، من يحفظ تركته وميراثه إلا أنتم، ومن يؤدي رسالته إلى العالم إلا أنتم.ففضل العلم أجل من أن يحاط به، يقول ابن كثير في تفسيره ناقلاً عن الطبراني حديثاً يجوده: {إن الله عز وجل إذا حاسب الناس جعل العلماء في ناحية من الموقف، ثم يلتفت إليهم فيقول: إني ما منحتكم العلم إلا لكرامتكم علي، أنتم تشفعون في الناس}. وفي بعض الآثار التي لا تصح مرفوعة: {توزن دماء الشهداء بمداد العلماء} فالعلم أفضل ما أجمع عليه العقلاء قاطبة، اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، والمسلمون والهندوس، فالجميع أجمعوا على أن العلم أفضل مطلوب؛ لكنهم اختلفوا في ماهية العلم وأهمه!
صفات ضرورية في طالب العلم
.
 التوبة والاستغفار
التوبة والاستغفار تدخل في العمل بالعلم، لكن فصلتها لأهميتها، العلم لا تزداد فيه بصيرة وإدراكاً وفهماً إلا مع كثرة التوبة والاستغفار، تجلس على الكرسي وأنت تستغفر، وفي الفصل تستغفر، وفي الطريق تستغفر، وفي السيارة، وفي الغرفة، ومع زملائك، لأن الله يفتح على المستغفر، قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:11-12] وقال تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [هود:3].المتاع الحسن في العقل، ترى الآية والحديث يعرضان على السبورة، فتجد هذا الطالب يفهم منها ما لا يفهم هذا، وهذا أعقل منه وأذكى، لأن ذاك تقي وهذا فيه فجور ومعصية، ومفاتيح القلوب بيد الواحد الأحد. من الذي يفتح إلا الله، ومن الذي يهدي إلا الله، العقول تحت تصرف الله، فلا يفتح على الإنسان إلا الله عز وجل، والله يوم ذكر الفتيا في القرآن أمر رسوله أن يستغفر: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:106] هذه التوبة والاستغفار أرشد بها نفسي وإياكم قبل قراءة كتاب، أو مطالعة في مادة أو امتحان، أو مراجعة درس، أو حفظ مقطوعة، أو آية أو حديث، فأكثر من الاستغفار، ومد يديك إلى الواحد الأحد. الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب فسبحان من يرضى من كثرة سؤال العباد! وكلما أكثرت من سؤاله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كلما رضي عنك ورحمك وتولاك.
الحفظ والفهم
كيف نحفظ المعلومات؟ وكيف نحفظ المتون؟ وكيف نحفظ القرآن؟
 كيف يبدأ الطالب
كيف يبدأ طالب العلم؟الناس طبقات، ولكن يبدأ طالب العلم أولاً بدراسة العلم على الأساتذة والعلماء وطلبة العلم، والثانويات والمعاهد العلمية والمدارس والكليات تكفي لمن لم يجد غيرها، وفيها خير، فإذا وجدت المساجد فهي أحسن وأحسن، وإذا وجد الشيوخ في المساجد فهم أحسن وأحسن، ولكن إذا لم نجد المشايخ، فأين نبحث؟ أنترك طلب العلم؟ لا.بل نقول: في هذه المدارس والمعاهد والثانويات والكليات البركة والنفع الكثير، وهي تعطيك المفاتيح فقط، لكنها لا تعطيك كل العلم، فأنت إذا درست تبدأ تكوّن نفسك في بيتك -وسوف يأتي معنا كيف يكون طالب العلم مكتبته- فتبدأ بنفسك فتحفظ القرآن كما أسلفت، وتطالع تفسيراً ولو مختصراً، وأحسن التفاسير ابن كثير فتمر به مرة، وتصبر حتى تنتهي منه، وتتصور معاني القرآن، أما قراءة شذر مذر من كل بحر قطرة، فيكون الإنسان مثقفاً ولكن لا يكون عالماً، ثم تبدأ بدراسة المختصرات وتكرارها؛ مثل بلوغ المرام، ورياض الصالحين، وزاد المستقنع، والبيقونية، وألفية العراقي في الحديث، والرحبية، وأمثالها، أو ماتيسر من أي متون أخر فتطالعها، فإن استطعت أن تحفظها فكمال، وإلا فكررها كثيراً، ثم تبدأ بالمطالعة الكبرى.بعض الناس يقول: إن المطالعة في المجاميع كـالمغني وفتح الباري والمجموع، والمحلى، لا تنفع، لا. بل لها نفع كبير لمن كان أهلاً، فإنها تفتق ذهنك، ويشرق عليها عقلك، وتستفيد منها ملكة ودربة في مناقشة العلماء، والأخذ والعطاء والمداولة وفحص المسألة، وتحريرها وتحقيقها، ولو لم تفهم لكنه سوف يعلق بذهنك الكثير الكثير، وسوف تتحدث بطلاقة، وسوف تكون عالماً. يقول ابن الجوزي: لا يخلو كتاب من فائدة، فأنا أرشدك أن تقرأ كل ما وقع في يدك، وكن قارئاً ممحصاً.وطالب العلم يعرف ما هو الفن الذي يجيده، فبعضهم يصلح أن يكون مفسراً لا محدثاً، أو محدثاً لا فقيهاً، قال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60].فأنت تعرف المادة التي تجيد فيها، فأشغل بها ليلك ونهارك، إن كنت محدثاً لتخريج الأحاديث، والرجال، ومخطوطات الحديث، ومراسلة طلبة العلم، والجلوس في دروس الحديث، ومسامرة العلماء، ومناقشته المشايخ، حينها تكون محدثاً.فإن كنت فقيهاً فاجمع كتب ورسائل الفقه، والبحوث العصرية، والمجلات التي تعرضت للبحوث الفقهية، واحرص على المراسلة، والمكالمة مع العلماء في المسائل الفقهية حينها تكون فقيهاً. وإن كنت مفسراً فاجمع كتب التفسير، وابحث عن دلالات الألفاظ، وعن لغات القرآن، ومقاصده، فإنك تكون مفسراً.
تكوين المكتبة
كيف يكون طالب العلم مكتبته؟ طالب العلم الذي ليس في بيته مكتبة نقص عليه خير كثير، لأن سلاح طالب العلم المكتبة، وجماله المكتبة، ولا تسمع لقول أبيك وأمك إذا قالا: أخرج الكتب؛ فإنها أخذت علينا البيت، وضايقت علينا، أو ليس من ورائها طائل، أو أنها تلهيك عن الأعمال، وتلهيك عن المهام وعن مستقبلك في الحياة..!بل هي مستقبلك وكنـزك وشرفك، فإن مكتبتك يجلس معك فيها العلماء، والفقهاء والمفسرون، والأدباء، فإذا أغلقت غرفتك على نفسك مع المكتبة، فقد جالست الإمام أحمد، ومالكاً، وسفيان الثوري، والشافعي، وأبا حنيفة، وابن تيمية، وابن القيم، ومعك الشعراء ومعك الأدباء بعد العلماء. قيل لـابن المبارك: أين تذهب بعد صلاة العصر ولا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة، وأنتم تغتابون الناس. قالوا: وأين الصحابة؟ قال: أجلس مع كتبهم أستفيد.وليست المكتبة بكثرة الكتب، وفي بعض البيوت مجالسهم الكبرى فيها من كل الكتب، ولكن لا استفادة، يعرف العناوين وأسماء المؤلفين والمحققين ولكن إذا دخلت به داخل المجلد لا يعرف شيئاً. تراه يعرف مؤلف الكتاب ومتى توفي، ومن حققه، وطبعة بولاق ودار الشروق، لكن داخل الكتاب لا يدخل إليه، والعبرة بالقراءة لا بكثرة الكتب، فإن بعض طلبة العلم، عنده عشرون أو ثلاثون كتاباً قد هضمها وشربها، وأكلها، وفهمها، وأخرج منها الكنوز، وسيرها للعالمين، فهو العالم حقاً. والمكتبة الجيدة لا بد أن تنص على هذه القائمة من الكتب:
 أهم كتب في الحديث وشروحه
أما الحديث -والواجب أن يقدم بعد القرآن- فعليك بكتب في الحديث، أولها: الكتب الستة فلا بد أن تكون في بيتك، ومسند الإمام أحمد فمدار رحى الإسلام على هذه الكتب، ويكفي من ذلك جامع الأصول لمن أراد أن يكون متوسط العلم في الحديث، وهو لـابن الأثير، فإنه جمع الكتب الستة، وجعل مكان سنن ابن ماجة موطأ مالك، وأضف إلى جامع الأصول مسند الإمام أحمد، وفتح الباري، ولا هجرة بعد الفتح، فلا يفوتك أبداً. وشرح النووي على مسلم، وتحفة الأحوذي على الترمذي، هذه في جانب الحديث، ويضاف رياض الصالحين، وبلوغ المرام، الترغيب والترهيب، وزاد المعاد.والخلاصة كل كتب ابن كثير وابن تيمية وابن القيم تكون في مكتبتك.هذه مكتبتك، وهي لا تكلفك شططاً، وليست بالكثيرة، لكن كل خير ونفع وفائدة في هذه المكتبة، فإذا قرأتها وتدبرتها، وأمعنت النظر فيها، وراجعت المسائل فيها فأنت العالم، قرة عين لك.
التركيب الشخصي لطالب العلم
.
 الشجاعة وعلو الهمة
ومنها الشجاعة في طالب العلم: شجاعة في الحوار بأدب، فلا يقول للمخطئ صدقت وأحسن الله إليك، وبارك الله فيك، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا أمر خطأ، يأتي الأستاذ بمعتقد أهل البدع والجهمية ويقول: فتح الله عليك يا شيخ! لا. عليك أن تكون شجاعاً وتقول: يا أيها المعلم! يا شيخنا! أنت أعلم مني، لكن هذا خطأ، هذا رأي ابتداعي، فإن رأيته يأتي بمسألة يبيح فيها ما حرم الله، فتوقفه عند حده بأدب، أو يأتي بقضية مجاملة ومداهنة ورياء وسمعة، أو ترى عليه معصية فتنبه عليه، أو تكتب له ورقة بأدب، أما النفس الإنهزامية والفاشلة.. فهذه نفوس اليهود؛ أهل السوط والاستعمار، ضربهم هتلر على رءوسهم حتى أصبحوا بهائم، يسكتون أبداً، هز رءوس فقط.ومن خلق طالب العلم: علو الهمة، فلا يقول أحفظ كتاباً، وأفهم كتاباً، لا. بل يجعل في ذهنه أن يصلح الكرة الأرضية، حتى استراليا يكون مصلحاً لها، ومن ذا حجبك عن أبواب الخير؟ إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن فيك ما يعجبك فليس عن المجد والمكرمات إذا رمتها حاجب يحجبك فلتكن همتك أكبر، لتكون علامة في العلوم وموسوعة فيرزقك الله على قدر همتك.أيها الإخوة الفضلاء! يا طلبة العلم النبلاء! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وهذه حلية طالب العلم، وقد بلغت، وأسأل الله أن ينفعني بها أولاً، ثم ينفعكم بما سمعتم، ويجعل طلبة العلم على ما يحبه الله ويرضاه قادة وسادة وموجهين ومربين ومعلمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حلية طالب العلم للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net