اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحياء من الإيمان للشيخ : عائض القرني


الحياء من الإيمان - (للشيخ : عائض القرني)
في هذا الدرس شرح لحديث: (الحياء من الإيمان) وفيه تعرض الشيخ لكثير من المسائل والأحكام المتعلقة بالحياء، تعريفه، أنواعه، ... ثم تطرق للحديث عن بعض مسائل الإيمان، فذكر أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان وأن الشهادتين مجردة عن الأعمال لا تعصم الدم عند أهل السنة والجماعة خلافاً للأشاعرة وغيرهم، وأن الأحكام للظاهر، والسرائر إلى الله تعالى, وفيه عدم تكفير أهل البدع إلا ما استثني كغلاة الرافضة، وتقديم النفع المتعدي على القاصر, وأن اختلاف إجاباته صلى الله عليه وسلم إنما هو بحسب الأحوال والمخاطبين.
شرح حديث: الحياء من الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستيعنه ونستغفرهونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب الحياء من الإيمان.حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب , عن سالم بن عبد الله , عن أبيه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإن الحياء من الإيمان).هذا الحديث، وأحاديث أخرى معه هي موضوع درسنا إن شاء الله.
 قوة النبي صلى الله عليه وسلم في الحق
ثبت في سنن أبي داود:{ أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مضمخ بطيب -والطيب له لون أحمر، ونحن منهيون جملةً عن الصبغة الحمراء، أو عن لبس الثوب الأحمر الذي ليس فيه أعلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه- فنظر صلى الله عليه وسلم إلى الناس، ثم قال: لو نهيتم هذا} وهو صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم، وهو المسئول عن إخبار الناس بالأحكام، لكن حياءً ألا يواجه الناس بما يمكن أن يثير في أنفسهم شيئاً، فهو صلى الله عليه وسلم حيي ويستحي, لكنه لا يستحي صلى الله عليه وسلم من الحق، بل تقول عائشة: {كان إذا غضب صلى الله عليه وسلم لله لا يقوم لغضبه أحد} ونحن نعلم أنه ليس هناك أشجع منه صلى الله عليه وسلم، حتى يقول علي رضي الله عنه -وتعرفون من هو علي أبو الحسن -: [[كنا إذا لقينا القوم، واشتد الكرب اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أقربنا إلى القوم]] وكانوا يتقون به من السيوف والرماح.ولذلك لم يثبت أبداً -وهذا معروف بالاستقراء- أنه صلى الله عليه وسلم فر من معركة، بل واجب عليه ألا يفر، ويحرم عليه صلى الله عليه وسلم لو فر الناس جميعاً أن يفر، حتى يقول بعض أهل العلم منهم القرطبي وابن العربي: لو قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الدنيا بأسرهم، وكانوا في صف وكان في صف، لما تأخر ولما فر أبداً، لأن الله يقول: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء:84] فهو لا يكلف إلا نفسه بالثبات، أما غيره فله أن يوصيهم بالثبات عليه الصلاة والسلام.ولذلك في حنين، لما أتى مالك بن عوف النصري، واقتحم باثني عشر ألف مقاتل على جيش الرسول صلى الله عليه وسلم، ففر الناس، قال جابر: فأمطرونا بالنبل حتى كأنه الغمام على رءوسنا، ففرت الدواب، والجمال والخيول بأصحابها.فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {يا عباس! نادِ في الناس}.فأخذ العباس يرفع صوته -وكان جهوري الصوت حتى كان ينادي أبناءه من بيته في المدينة، وفي الغابة فيسمعون صوته- فيقول: يا أهل سورة البقرة! يا من بايع تحت الشجرة! هلموا رحمكم الله، فلا يجيبون، ومالك بن عوف بهوازن وغطفان تعلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل.فقال صلى الله عليه وسلم: {نادِ بالأنصار، قال: يا أيها الأنصار! يا حماة الدار! يا آخذين بالثار! عودوا إلى الرسول المختار، فما سمع ولا رأى صلى الله عليه وسلم أحداً يعود} بل فروا؛ وبعضهم فرت به دابته، وبعضهم متشكك من أول الطريق، ما صمم على القتال أصلاً، منهم مسلمة الفتح.وقال صفوان بن أمية: اليوم بطل السحر - نسأل الله السلامة-، لأنه من مسلمة الفتح.فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {نادِ بني الحارث، فنادى العباس في بني الحارث، وكانوا أشجع الأنصار من الخزرج، فأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهم ثمانون- فاجتلدوا أمامه}.وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقاتل من أول النهار، لم يفر أبداً ولم يتأخر، حتى يقول العباس: كنت آخذ ببغلته علها ألا تتقدم، فأبى صلى الله عليه وسلم إلا أن يتقدم، ثم نزل عن بغلته، وسل سيفه، ويقول: {أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب} حتى رد صلى الله عليه وسلم كتيبة مالك بن عوف النصري على وجهها.قال الأنصار -بني حارثة-: ما أتينا إليه صلى الله عليه وسلم إلا وقد انهزم القوم، وأخذ حفنة من التراب فسفا بها في وجوههم، وقال: {شاهت الوجوه} فما بقيت عين إنسان من العدو إلا دخل في عينه من هذا التراب، فأخذت عيونهم تدمع، وأتى بنو حارثة, فقاتلوا أمامه صلى الله عليه وسلم حتى سمع لشظايا السيوف كسير من على رءوس الناس.فرفع صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: {الآن حمي الوطيس} وهو أول من قالها من العرب كما يقول أبو قتيبة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أول من قالها وتمثل بها, والوطيس أي: اشتد الكرب، واعتلت المعركة.المهم أنه صلى الله عليه الصلاة والسلام في وقت الشجاعة، والإقدام، وإقامة الحدود، لا يمكن أن يتأخر، ولذلك يقول فيه مالك بن عوف النصري لما رآه، وهزم جيشه، ورده صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وأنزله مكرهاً مرغماً، قال:ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم كمثل محمد أعطى وأجزى للنوال إذا اجتدى ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالزمهرير وضرب كل مهند فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة يخاذل في مرصد فحياؤه عليه الصلاة والسلام حياء تعبدي تكليفي، ولو أن الله أعطاه من الحياء الغريزي، لكان المقصود الذي نتبعه فيه صلى الله عليه وسلم هو حياء العبادة التكليفي الذي يحجم صاحبه عن القبيح، وسبق في تعريف لأهل العلم في الحياء: مراقبة القهار مخافة من النار، وبعداً من العار، فهذا هو الحياء الذي يذكره صلى الله عليه وسلم والذي قال للأنصاري: {دعه فإن الحياء من الإيمان}.ومقصد البخاري رحمه الله أن يستدل بهذا على أن أعمال القلوب والآداب تدخل في الإيمان، وهو بهذا يرد على المرجئة؛ وقد بدأ الصحيح في الرد على الطوائف المبتدعة, فرد أولاً على الخوارج، ثم على الكرامية، ثم واصل المسيرة في الرد على المرجئة، وسوف يمر معنا أنه سوف يرد على من قال: بخلق القرآن من الجهمية المعطلة.
شرح حديث: أمرت أن أقاتل الناس
الحديث الخامس والعشرون بوب له البخاري بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5].وهذا تفنن منه رضي الله عنه وأرضاه، وقد سلف معنا قول ابن حجر وأهل العلم: إن للبخاري أساليب في التبويب منها: أن يأتي بآية تشريفاً للموضوع الذي سوف يتكلم عنه، وتعضيداً إلى ما يذهب إليه، ومنها: أن يأتي بحديث إما صحيح، وإما ضعيف، فالصحيح اكتفى به في إيراده؛ لأنه على شرطه، والضعيف ليجمع بين فائدة الحديث الذي ليس على شرطه؛ لأنه لم يشترط في التعليق، ولا في الأبواب أن يكون حديثاً صحيحاً، بل اشترطه في الأحاديث المسندة.ومنها: أن يأتي باستنباط في التبويب، وهذه مهمة أهل العلم أن يستنبطوا كما استنبط هو.قال الإمام البخاري رحمه الله: بابٌ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]. حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال: حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة قال: حدثنا شعبة , عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى).هذا من أعظم الأحاديث في الإسلام، وفيه أصول يجب وينبغي أن تعتقد وأن تفهم, وفي هذا الحديث قضايا.
 عدم التعنيف على المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف
ويستفاد من هذا الحديث: اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم تثريب بعضهم على بعض، والخلاف وارد، ولذلك يقول سفيان الثوري رحمه الله: "من قلة علم الرجل أن يعنف على المخالف" إذا رأيت الإنسان يعنف على المخالف، فاعرف أنه لا أدب عنده ولا علم، ولذلك اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في الفروع، يقول ابن القيم في أعلام الموقعين: لكنهم بحمد الله وبفضله وبعونه لم يختلفوا في الأصول أبداً، وما تكلموا في الأسماء والصفات، ولا اختلفوا فيها، بل أجروها على الظاهر وسكتوا، ولذلك ما سمعنا من اختلف في الأصول، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يلقي عليهم الأسماء والصفات، فما كانوا يناقشونه، كان يقول صلى الله عليه وسلم: {يضحك ربك} وهم فيهم العلماء والعباد والأعراب، فما كانوا يقولون: هل ضحك يليق بجلاله يا رسول الله أم لا؟ سكتوا؛ لأنه يعرف على الظاهر، أما في مسائل الفروع فاختلفوا، ولذلك يؤخذ من هذا عدم التثريب والتعنيف من بعض المخالفين على بعض، ومسائل الاجتهاد واردة.وابن تيمية له كتاب" رفع الملام عن الأئمة الأعلام " يبين أن الخلاف أنه قد يكون وارداً من عهد الصحابة، وقد ورد، ثم يعلل ويعتذر للأئمة بستة أعذار، قد سبق أن أوردنا بعضها، وبعض الناس يعنف على بعض المسلمين في سنن صغيرة لا تحتاج إلى هذا التشدد والتنطع والتعمق الذي لامه صلى الله عليه وسلم.فأحدهم إن رأى بعض المسلمين يضم يديه على صدره قال: أين أنت من حديث علي: أنه تحت السرة. ثم يغضب عليه ويهجره، وهذا ما عنده من العلم إلا الجهل، والآخر يقول كذلك في دعاء الاستفتاح: لا تستفتح بذاك الدعاء؛ لأنه في أبي داود، وذاك في الصحيحين ثبت من طرق.فلسنا مأمورين بهذا، بل المنازع لا يثرب عليه، ولا يعنف، فما دام أن في المسألة خلافاً، فالأمر فيه سعة.هناك مسائل خلافية، فمن فعل هذا فقد أصاب، ومن فعل هذا فقد أصاب، لكن الإنسان يتحرى لنفسه الحديث الصحيح دون ما يعرضه على الناس، لك أن تعرف أن الحديث الصحيح الذي في البخاري يقدم على الحديث الضعيف في أبي داود، فتعمل به، لكن ترى بعض الناس يفعل هذا فلا تثرب عليه، وهذا من الاشتغال بالخلافيات، ومن التشديد على المسلمين، والتجهيل بسبب هذه المخالفات البسيطة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن فعلها فهو آثم.حتى أن ابن تيمية رحمه الله في كتاب أصول الفقه يرى أن المسائل المتنازع فيها يكون فيها سعة، وأنه لا يحرج على من فعلها، ولا يعنف عليه بل حتى ولا يرد عليه.مثلاً: الصلاة لمن دخل المسجد بعد صلاة العصر, فإن هذا وقت نهي عند بعض أهل العلم, لقوله صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس} وبعض أهل العلم يرجح أنه يصلي ركعتين لقوله صلى الله عليه وسلم: {من دخل المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} فإن رأيت أحداً من الناس يصلي ركعتين، وأنت ترى عدم الصلاة؛ فلا تثرب عليه، ولا تعنف، لأن هذا الأمر فيه سعة، نسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والهداية.
شرح حديث: أي الأعمال أفضل
ثم قال الإمام البخاري رحمه الله: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، لقول الله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93] قال: عن قول لا إله إلا الله، وقال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ الصافات:61].قال: حدثنا أحمد بن يونس , وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد , قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: (أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور).في الحديث كثير من القضايا التي مرت معنا لكن بقيت بعضها، منها:
 معنى قوله سبحانه وتعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
قال أهل العلم: إنما قال الله عز وجل: أُورِثْتُمُوهَا [الزخرف:72] دليل على الاستحقاق، أي لما أحقها الله عز وجل كانت كأنها حق لكم في الإرث, لا أنكم ورثتموها كابراً عن كابر. وقال بعضهم: لا. لما قسمت الجنة بعلم الله عز وجل أصبحت ميراثاً ينتظره المؤمن وكل من يدخل الجنة. فنسأل الله ألا يحرمنا ذاك الميراث: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] كيف هنا يقول: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] وهناك يقول عليه الصلاة والسلام: {لن ينجوا أحدكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته} فكيف ينفي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالعمل، والله عز وجل يقول: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72].لـابن القيم في هذا مذهب، ولبعض أهل العلم مذهب آخر، فـابن القيم رحمه الله يقول هنا: هي المنازل في الجنة بالعمل، أما الدخول فبرحمة الله، وأما المنازل والدرجات فبالعمل، من يدخل الجنة برحمة الله -نسأل الله من فضله- لكن المنازل والدرجات تختلف باختلاف العاملين، فالله عز وجل يقول: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا [الزخرف:72] أي: الدرجات والمنازل: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] أما الدخول فعلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فهو برحمة الله.وبعضهم يقول ويميل إليه ابن حجر: أن معناها: أنكم لما عملتم العمل، قبله الله منكم، وقبول العمل من الله رحمة، فمعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إلا أن يتغمدني الله برحمته} أي يقبل عملي الصالح، ويتجاوز عن السيىء، كقوله عز وجل: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16] فهناك تقبل من الله للعمل الصالح، وتكفيره للسيء رحمة وهذا كأنه أولى -والله أعلم- وعليه كثير من أهل العلم؛ ولأن الآيات تأتي بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] بالمقابلة والعوض، وعلق عليه الشيخ/ عبد العزيز بن باز، قال: إنها للسببية، وابن حجر يرى: أنها للمقابلة والعوض، فأما السببية، فإنه قد لا يدرى، لكن هي سبب في الأعمال، لكن الصحيح أن الله عز وجل يرحم من يرحم منا بقبول العمل، وبتكفير السيئات، وهي رحمة.وأما قول البخاري (وقال عدة من أهل العلم) أبهم الكلام وهم أنس رضي الله عنه، وابن عمر، وأبو ذر , قالوا في قول الله عز وجل: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93] قيل: عن قول: لا إله إلا الله، فشاهد البخاري أنه لما قال: لا إله إلا الله اعتده عملاً، فالقول والاعتقاد والعمل كله دين، وهنا يريد أن يثبت هذا، ويريد أن يرد على الكرامية الذين قالوا: العقيدة إنما هي قول، وعلى المرجئة الذين قالوا: إنما هي اعتقاد وقول، ثم يريد أن يثبت أن القول والعمل والاعتقاد كلها دين من دين الله عز وجل: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93] أي عن قول: لا إله إلا الله، وهذا مذهب، وقيل: عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:93] وهو رأي لبعض المفسرين: عما كانوا يعملون من الجرائم في الحياة الدنيا. وقال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61]. أي لمثل هذا النعيم الذي ذكره الله في سورة الصافات فليعمل العاملون، فاستدل به البخاري على أنه لابد أن يقدموا عملاً، فإنه دين يدخلون به الجنة، وهو دين الله عز وجل، وابن المبارك كان يدعو الله أن يتوفاه غريباً؛ لأنه ثبت في بعض الأحاديث أن الغريب شهيد، وأتى به السيوطي في تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك، وذكر أن الغريب شهيد.وكان ابن المبارك له ثوب يصلي فيه, فإذا صلى قال: [[اللهم أمتني غريباً وكفني في ثوبي هذا]] واستحب بعض أهل العلم مثل: ابن المبارك وإسحاق بن راهويه أن المسلم يدفن في ثيابه التي كان يصلي فيها ويصوم فيها، ويعبد الله فيها؛ لأن آثار العبادة عليها، ولذلك كفن صلى الله عليه وسلم في ثيابه التي كان يصلي فيها صلى الله عليه وسلم، وكفن أبو بكر في ثيابه رضي الله عنه.الشاهد: أن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة توفي في جيت -بلد من البلدان في الشمال- وهو غريب، فبكى غلامه وقال: يا أبا عبد الرحمن! أبعد العلم، وبعد الإفادة، وبعد تلك المجالس تموت وحيداً، قال: اسكت، فإني سألت الله أن يميتني غريباً، ثم التفت ابن المبارك، ثم تبسم وضحك - وهو في سكرات الموت- ثم قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] وكأنه والله أعلم رأى مقعده في الجنة، أو رأى بعض المبشرات.
شرح حديث: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه
قال البخاري رحمه الله: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام، أو الخوف من القتل، لقوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]. فإذا كان على الحقيقة، فهو على قوله جل ذكره: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ [آل عمران:19].حدثنا أبو اليمان , قال: أخبرنا شعيب عنالزهري , قال: أخبرنا عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً -وسعد جالس- فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً.فسكت قليلاً، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يكبه الله في النار) ورواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزهري عن الزهري.
 ترجمة سعد بن أبي وقاص
سعد رضي الله عنه هو خال الرسول صلى الله عليه وسلم, وخوله يعني: قريبه من قرابة خئولته صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المبشرين بالجنة.قال له صلى الله عليه وسلم يوم أحد: {ارم سعد فداك أبي وأمي} يقول علي: [[والله ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدِّي أحداً إلا سعد]] وقال صلى الله عليه وسلم: {هذا خالي فليرني كل خاله}.وسأل سعد الرسول صلى الله عليه وسلم عن أسباب إجابة الدعوة، فقال له: {أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة} ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: {اللهم سدد رميته، وأجب دعوته} فكان كلما دعا أصابت دعوته بإذن الله.وثبت عنه أنه لما قطعت الجسور بالنار، قال: يا خيل الله اركبي -خيل المسلمين- وقد وقعت في الماء، ووقع كثير من الجيش، فجمَّد الله لهم النهر فمشت بإذن الله حتى خرجتْ.يقول أبو إدريس وكان معهم: فَقَدَ رجل منا مخلاه، فرجع إليها، فوجدها معلقة في شجرة في النهر، فأخذها وخرج.وثبت في البخاري أن عمر رضي الله عنه ولاه على الكوفة , وأهل الكوفة كانوا من أشغب الناس حتى انتقم الله لسعد، وعلي بن أبي طالب بـالحجاج بن يوسف الثقفي، علمهم كيف يتعاملون مع المؤمنين، فهؤلاء نقموا على سعد حتى الصلاة يقولون: لا يعرف يصلي، فحاكموه إلى عمر رضي الله عنه.قال سعد: [[عجباً لبني أسد، قاتلتهم على الإسلام بيدي هذه، وأدخلتهم بسيفي في الدين، ثم ينقمون علي الصلاة، والله إني كنت أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين]] قال عمر رضي الله عنه: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، ثم أرسل عمر رضي الله عنه، ليستجلي الأمر؛ لأنه رضي الله عنه كان فيه من الدهاء والذكاء الشيء العجيب، والعلوم بالله عز وجل، لكن لا بد من الفطنة.فأرسل محمد بن مسلمة وقوماً معه من الأنصار، فلما وصلوا الكوفة مروا بالمساجد جميعاً ومعهم سعد شبه المعزر يماشيهم ويقول محمد بن مسلمة: هذا أميركم أتنقمون عليه شيئاً، فيثنون عليه، وعلى صدقه وأمانته، وزهده وعبادته، فمروا بمسجد بني عبس - ناحية من نواحي الكوفة - فقال شيخ كبير: أما إذا سألتمونا فوالله ما كان يمشي مع السرية، ولا يعدل في الرعية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحكم في القضية، أو كمال قال، سجع كلامه.فقال سعد: [[اللهم إن كان عبدك هذا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وكثر ماله وولده، وعرضه للفتن]] فكبر هذا الشيخ على كبر سنه وتعرض للفتن، وأكثر الله ماله وولده وشغله، حتى كان يتعرض للجواري -للبنات- في سكك الكوفة ويغمزهن، ويقول: شيخ مفتون، أصابتني دعوة سعد.وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء: أن سعداً رضي الله عنه كان يخطب في الكوفة، فنزل من على المنبر بعد أن صلى بالناس وخرج، فإذا الناس مجتمعون ويسمع ضجة وصجة، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا رجل يسب علي بن أبي طالب، فتقدم إليه سعد، وقال: لا تسب أخي -يقصد أخاه علي رضي الله عنه- فقال الرجل: والله لأسبنه، فقال سعد: اللهم اكفناه بما شئت-يعني هذا الرجل- قال: فندّ جمل من الكوفة، وأتى إلى المسجد، فتأخر الناس عنه، فقرب من هذا الرجل فلطمه الجمل بيده - لطم الرجل، وهذا سنده صحيح- فوقع الرجل ميتاً على الأرض، فأجاب الله دعوة سعد.قيل لـعامر الشعبي: ما قولك في أهل صفين؟ في قوم معاوية وعلي.قال: أهل الجنة التقوا، فاستحيا بعضهم من بعض.استحيا بعضهم أن يقر من بعض، هؤلاء من الجنة وسلفت أعمالهم.تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134] وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].إنما الشاهد أنه اعتزل الفتنة رضي الله عنه، وخرج بخيمة وبغنم يرعاها في الصحراء، فقال له ابنه: أتترك الخلافة والناس يتقاتلون على الملك وترعى شويهاتك؟قال: اغرب عني لا أم لك، والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{إن الله يحب العبد الخفي النقي التقي}.ولما أتته الوفاة كانت ابنته عائشة عند رأسه، فبكت، قال لها: [[ابكي، أو لا تبكي والله إني من أهل الجنة]].قال الذهبي: صدق والله، هنيئاً له ومريئاً، فقد أخبره صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة.
الأسئلة

 الحياء الممدوح
السؤال: ذكرت أن الحياء قسمان: ممدوح ومذموم، فكيف نجمع بين هذا، وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {الحياء خير كله}؟ الجواب: قوله: {الحياء خير كله} يريد به الحياء الممدوح فهو خير كله, والمذموم شر كله، فجمع بين الحديث وهذا، أما المذموم فيقول مجاهد -كما يمر معنا- في باب طلب العلم: "لا يتعلم العلم مستحي، ولا مستكبر".فهذا الحياء المذموم الذي يرد عن تعلم العلم، وطلبه، وعن الجلوس في حلق الذكر، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الدعوة، وعن أمور الخير، فهذا حياء مذموم، وأما الحياء الممدوح فهو: ما حمل على الجميل، ورد عن القبيح. في ختام هذا الدرس نتوجه إلى الله العلي القدير أن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يرزقنا الاستقامة في الأقوال والأعمال، وأن يثبتنا حتى نلقاه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحياء من الإيمان للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net