اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صفات أولياء الله للشيخ : عائض القرني


صفات أولياء الله - (للشيخ : عائض القرني)
عباراتٌ رائعة، سردها الشيح متناسبة مع روعة العنوان -صفات أولياء الله- ذكر من صفاتهم عشر صفات، أوردها إجمالاً في مستهل حديثه، ثم تكلم عنها بالتفصيل، ذاكراً في ثنايا كلامه ضوابط مهمة في الأولياء، وفي معرفتهم وآراء أهل السنة والجماعة في مختلف القضايا.
معرفة أولياء الله
يا محفل الخير حَيَوا لي محياه نداء حق من الفصحى سمعناه قد أطرب الأذن فانصاعت لنغمتـه وأطرقت برهة تسعى لفحواه يقول للجيل والإيمان رافده عودوا إلى الله قد ناداكم الله عُبَّاد ليل إذا جن الظلام بهـم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يُشيدون لنا مجداً أضعناه سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سلام الله عليكم يا أولياء الله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:101-105] هم أولياء الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63،62].. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32].عنوان هذا الدرس: صفات أولياء الله. جعلنا الله من أوليائه، وحشرنا الله في زمرة أوليائه، وأظلنا الله في ظله مع أوليائه. من هم أولياء الله؟ أمن لبس العباء وتمشلح بالقباء ونام في العراء؟ من هم أولياء الله؟ أمن أتى بالمراسيم، وقُبِّل كفه حتى أنزل منزلة العظيم، وانحني على صدره حتى كأنه ملك كريم؟ من هم أولياء الله؟أمن لبس العمائم أو الغتر الحمراء، أو الثياب البيضاء، أو المناصب العالية، أو المراكب الوطية، أو الفلل البهية؟ من هم أولياء الله؟ أأهل الحشود والجنود والبنود؟ أأهل الأعلام الفئام؟! من هم أولياء الله؟ العلماء أم طلبة العلم؟ العوام أم الجنود؟ التجار أم الفلاحون؟ من هم أولياء الله؟ ذلكم ما سوف نجيب عليه إن شاء الله.أولياء الله لهم عشر مواصفات جمعتها عموماً ومجملاً، وإلا فتفصيلها يدخل في مئات الجزئيات، فمن وجد ذلك في نفسه فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه..إذا كان هذا الدمع يجري صبابة على غير سعدى فهو دمع مضيع
 من أولياء الله أبو بكر الصديق
يا إخوتي في الله: لم ترفع أبا بكر الصديق تجارته، فقد كان تاجراً ولكن أنفقها في سبيل الله، ولا منصبه فقد كان خليفة لكن -والله- ما رفعه ذلك عند الله.الذي رفعه أنه ولي من أولياء الله. يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: {إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الريان، دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد..} إلى آخر تلك الأبوب، فينبري أبو بكر ويقول: {يا رسول الله! أيدعى أحد من أبواب الجنة الثمانية؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم. وأرجو أن تكون منهم} يقول ابن القيم:من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول و في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: {من زار منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من شيع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال صلى الله عليه وسلم: من تصدق منكم اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: لا تجتمع في رجل في يوم واحد إلا دخل الجنة} قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:1-11] هذه مواصفات أولياء الله تبارك وتعالى.
من صفات الأولياء الإخلاص
من مواصفات أولياء الله إخلاص العمل لوجه الله، قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66] تباً لمن عمل لغير الله، ونعوذ بالله من الرياء والسمعة، ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به).فصفة أولياء الله أنهم يريدون بعملهم وجه الله، يقولون لأحد الصالحين وهو ابن سيرين: صل بنا. قال: لا والله، أخشى أن أتقدم لأصلي بكم فينصرف الناس يقولون: صلى بنا ابن سيرين. فترك الصلاة خوف الشهرة!وقالوا عن إبراهيم النخعي: كان إذا جلس عنده أربعة قام وتركهم وقال: أخاف أن يجتمع علي الناس. إنهم أخلص منا، ولكن كما قال الأول يوم خالط مثلنا: لعمر أبيك ما نسب المعلى إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نبتها رعي الهشيم إنهم كانوا يلاحظون الله في خطراتهم وسكناتهم.وفي الحديث: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ قرأ القرآن، يقول الله: أقرأتك القرآن وعلمتك العلم، فماذا فعلت به؟ قال: قمت به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل تعلمت العلم ليقال عالم وقد قيل، خذوه إلى النار؛ فيدهده على وجهه في النار) وكذلك صاحب المال والمقاتل في المعركة. إذاً أول ميزة لعباد الله: إخلاص العمل، قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].فأول ما ندعو أنفسنا وإياكم إلى إخلاص العمل لوجه الله.أبو إسحاق الشيرازي عالم الشافعية في القرن الخامس يقولون: ما كان يتكلم بكلمة، ولا يلقي درساً إلا بعد أن يصلي ركعتين، ويدعو الله أن يتقبل منه. ابن الجوزي واعظ الدنيا، كان إذا أراد أن يخطب في الناس ويعظهم مرغ وجهه في التراب وبكى وقال: يا رب استرني وتقبل مني (أو كما قال).فلذلك ميز أهل السنة عن غيرهم إخلاصهم العمل لوجه الله، وفي الصحيح يقول الله عز وجل للمرائين يوم القيامة: (اذهبوا إلى من أشركتم معي فيه فخذوا أجوركم منهم) أو كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى في الحديث.
 اعتقاد أن القدرة لله سبب للإخلاص
ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء أن علي بن أبي طالب سيف الله المنتضى والإمام المرتضى جلس تحت حائط يريد أن ينقض، يقضي بين رجلين فقال أحد المسلمين لـعلي: الحائط يريد أن ينقض عليك. قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما قضى بين الرجلين وقام من مجلسه؛ انقض الحائط مكانه! قال علي رضي الله عنه في بيتين:أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أو يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا يغني الحذر فالذي بيده الضر والنفع هو الله، والمغني هو الله والمفقر هو الله والمحيي والمميت هو الله.ولذلك كان من أسباب الإخلاص عند أهل السنة والجماعة وأولياء الله أنهم جعلوا القدرة لله والنفاذ والحكم والتصريف والخلق والإماتة والرزق والتدبير لله: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].إذاً -يا إخوتي في الله- علينا أن نطالب أنفسنا بالإخلاص؟ وأخص خصائص أولياء الله الإخلاص، دعوتهم لوجه الله، صلاتهم لله، طلبهم العلم لله، وذكروا عن أيوب بن أبي تميمة السختياني أنه كان يبكي إذا ذكرت عنده أحاديث الرقائق (إذا ذكر الموت بكى) فيشوص أنفه ويقول: ما أشد الزكام! كأنه مزكوم وهو يبكي، يقول ابن الجوزي:أفدي ظباء فلاة ما عرفن به مضغ الكلام ولا مزج الحواجيب يا للصدق! يا للوضوح! بعض الناس يريد أن يدري الناس أنه زاهد، فيأخذ ثوباً ممزقاً مقطعاً، وقد سكنت الدنيا في قلبه بعماراتها وسياراتها ومعارضها وأسواقها! يشتري ثوباً بخمسة عشر ريالاً وقلبه يريد ثوباً بألفي ريال! الزهد ليس في الثياب الممزقة، ولا في الرقع المخرقة، ولكن الزهد في صدق القلوب، ومجافاة الحرام، والتقلل من الدنيا بشيء لا يزري بك عند الله ثم عند الناس.
من صفات أولياء الله الرضا برسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً وقدوة
أما الصفة الثانية من صفات أولياء الله تعالى: فهي أنهم يرضون برسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً ويحكمونه ويقتدون به، ويكون أحب إليهم من أسماعهم وأبصارهم، يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) وقال تعالى: a=6000557>فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].
 حب النبي وتقديمه على كل أحد
إذاً من صفات أولياء الله: حبهم العظيم للرسول عليه الصلاة والسلام فلا يرضون إماماً غيره. وأنا أحذر نفسي وإياكم، خاصة طلبة العلم والدعاة، أن يغالوا في بعض الأشخاص من المنظرين وممن لهم زعامات أن يجعلوا في مكانة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي صدارته.. فذلك خطأ وغلو والله تعالى يقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171].يا إخوتي في الله.. محمد عليه الصلاة والسلام معصوم، وما رضي الله إلا هو ليكون لنا قدوة، بعض الناس يذكر بعض الأشخاص أكثر من ذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام.إذاً من صفات الأولياء أنهم يقتدون بالرسول عليه الصلاة والسلام، خالف ذلك أهل البدعة فاقتدوا بأئمتهم كـالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأذنابهم وأمثالهم من الفجرة.وخالف في ذلك غلاة الصوفية فاعتقدوا بمشايخهم وجعلوهم أئمة.وخالف في ذلك متعصبة المتفقهة من أهل المذاهب الغالية فقدم بعضهم أقوال الأئمة، كـأقوال أبي حنيفة أحياناً، وأقوال مالك أوالشافعي أوأحمد أحياناً أخرى على قول الرسول صلى الله عليه وسلم!! وتوسط أهل السنة فجعلوا إمامهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.إذاً فليحفظ هذا المبدأ: إن القدوة لـأهل السنة وأولياء الله محمد عليه الصلاة والسلام في كل شيء، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فإنني أطالب نفسي وإياكم بالاقتداء به، في المعتقد والحال، والفعال والأقوال، ولا نجعل بيننا وبين الله في التبليغ واسطة إلا محمداً، وأما في الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء، فلا نجعل بيننا وبين الله واسطة أبداً.
الحب والبغض في الله
من صفات أولياء الله وهي الصفة الثالثة: حبهم وبغضهم في الله، يحبون الأشخاص لقربهم من الله ويبغضون الأشخاص لبعدهم عن الله، قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55] يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود بسند صحيح: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) إذاً فلا يحبون أحداً لنسب إضافية، أو لمواصفات أو ملابسات أو لأنه وافقهم في مشرب، أو اتجه معهم في اتجاه، أو ذهب معهم تحت مظلة، فإنهم إذا أحبوا هذا الشخص لهذه المواصفات فقد أخطئوا خطأً بيناً، ولا نعفيهم من أنهم صرفوا شيئاً من العبادة لغير الله.إذاً أهل السنة يحبون الأولياء، ولا بأس أن نقف مع الوليين العظيمين: الشافعي وأحمد اللذين هما من أولياء الله الكبار، ولذلك رفعهم الله، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] وانظر كم تردد ذكرهما في المحافل والندوات والمحاضرات والمنابر.زار الشافعي أحمد في ليلة من الليالي -كما في السير- فقدم الإمام أحمد عشاءً للشافعي من عشائه، لا طازجاً ولا مثلجاً، خبزة من شعير وزيت، ذلك هو عشاء إمام أهل السنة والجماعة p=1000023>أحمد بن حنبل الذي يحفظ ألف ألف حديث فأكلالشافعي ماشاء الله وزاد عن عادته، فلما أراد أن ينام وضع له الإمام أحمد مطهرة يتوضأ فيها ليصلي الليل، فنام الشافعي فما قام حتى الفجر، فأتى الإمام أحمد فأيقظه، فلما صليا الفجر قال الإمام أحمد: عجبت منك بخصلتين. قال: ما هما؟ قال: قدمت لك عشاء فأكثرت الأكل على غير عادة أهل العلم، وقدمت لك طهوراً تتوضأ به فما توضأت وقمت تصلي، فكأنك ما صليت الليل. قال: أما عشاؤك فلي ثلاثة أيام ما أكلت طعاماً، فأردت أن آكل من طعامك، وعلمت أنه من حلال فأكثرت منه، وأما أنني ما قمت الليل فوالله ما نمت من صلاة العشاء إلى الفجر أتفكر في آيات الله..!هذا الإمام الشافعي الذي كان يدعو له الإمام أحمد.. انظر الصفاء! أما الآن فأكثر التشريح والتجريح والخناجر المسمومة في المجالس بين بعض طلبة العلم!الإمام أحمد في السحر قبل صلاة الفجر يقول: اللهم اغفر للشافعي، اللهم ارحم الشافعي، اللهم ارض عن الشافعي؛ فيقول ابنه صالح: يا أبتاه أراك تدعو للشافعي كثيراً! قال: يا بني! أتدري ما مثل الشافعي؟ قال: لا. قال: مثل الشافعي كالشمس للأرض وكالعافية للأبدان فهل منهما بديل؟يأتي الشافعي وهو أكبر من الإمام أحمد سناً، فيزوره دائماً ويجلس معه! فيقول تلاميذ الشافعي للشافعي: كيف تزور أحمد وهو أصغر منك؟! فرد عليهم في بيتين:قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تغادر منزله إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له خرج الشافعي من بغداد وهو يعانق أحمد وهو يبكي، فيقول الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم ولا أخشى من الإمام أحمد. إمام أهل السنة والجماعة.فمن صفات الأولياء أنهم يتحابون في الله: الشافعي يكتب لـأحمد قصيدة ويقول:أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وجد من بعض الملتزمين المستقيمين من يصلي الخمس ويصوم رمضان ويحج البيت، ولكن يحب العصاة! جلساته مع العصاة، سمراته وسهراته مع أعداء الله، معهم في الليالي الحمراء، في الشاطئ الأثيم المتهم، في جلسة تغضب المولى سُبحَانَهُ وَتَعَالى!حب الله وحب أعدائه لا يلتقيان في القلب، إن من أحب الله أحب أولياء الله وكره أعداء الله.يا إخوتي في الله: تمييز الولاء والبراء لمن؟ وممن يكون البراء ولمن يصرف الحب؟ حب الإنسان لسنته، الإمام أحمد يقول: أرى الشيخ الكبير يخضب لحيته (بالحناء أو ما شابهه) فأفرح به وأحبه، لأنه أحيا شيئاً من السنة. فهنيئاً لك يا أبا عبد الله تحب إنساناً فقط لأنه أحيا سنة الخضاب من المسلمين! فكيف بمن يصلي الخمس ويصوم الشهر ويدافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويحب سنته!
 حب النبي وتقديمه على كل أحد
إذاً من صفات أولياء الله: حبهم العظيم للرسول عليه الصلاة والسلام فلا يرضون إماماً غيره. وأنا أحذر نفسي وإياكم، خاصة طلبة العلم والدعاة، أن يغالوا في بعض الأشخاص من المنظرين وممن لهم زعامات أن يجعلوا في مكانة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي صدارته.. فذلك خطأ وغلو والله تعالى يقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171].يا إخوتي في الله.. محمد عليه الصلاة والسلام معصوم، وما رضي الله إلا هو ليكون لنا قدوة، بعض الناس يذكر بعض الأشخاص أكثر من ذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام.إذاً من صفات الأولياء أنهم يقتدون بالرسول عليه الصلاة والسلام، خالف ذلك أهل البدعة فاقتدوا بأئمتهم كـالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأذنابهم وأمثالهم من الفجرة.وخالف في ذلك غلاة الصوفية فاعتقدوا بمشايخهم وجعلوهم أئمة.وخالف في ذلك متعصبة المتفقهة من أهل المذاهب الغالية فقدم بعضهم أقوال الأئمة، كـأقوال أبي حنيفة أحياناً، وأقوال مالك أوالشافعي أوأحمد أحياناً أخرى على قول الرسول صلى الله عليه وسلم!! وتوسط أهل السنة فجعلوا إمامهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.إذاً فليحفظ هذا المبدأ: إن القدوة لـأهل السنة وأولياء الله محمد عليه الصلاة والسلام في كل شيء، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فإنني أطالب نفسي وإياكم بالاقتداء به، في المعتقد والحال، والفعال والأقوال، ولا نجعل بيننا وبين الله في التبليغ واسطة إلا محمداً، وأما في الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء، فلا نجعل بيننا وبين الله واسطة أبداً.
سلامة الصدر للمسلمين
ومن صفاتهم سلامة صدورهم للمسلمين.
 جليبيب وليٌّ من أولياء الله
في صحيح مسلم أن رجلاً اسمه جليبيب وهو مولى ضعيف ممزق الثياب، ليس عنده دار ولا شيكات ولا بنوك، ولا سيارات ولا فلل، يأتي بثياب ممزقه فيتبسم صلى الله عليه وسلم من حالته، حالة أهل الإيمان الذي يقول الله فيهم:وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] يقول صلى الله عليه وسلم لـجليبيب: {ألا تتزوج؟ قال: يا رسول الله! ومن يزوجني؟! لا أهل ولا جاه ولا مال} لكن عنده أعظم من الجاه الإيمان، وعنده أعظم من المال الإيمان، وعنده أعظم من الولد الإيمان. هبوا لي معشراً قوماً صحاحاً أدك بها حصون الكافرينا ودكوا لي بالإيمان صرحـاً متيناً من صروح الفاجرينا خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا ماذا وجد من فقد الله وماذا فقد من وجد الله؟ قال في المرة الثانية: يا جليبيب ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟ لا أهل ولا جاه ولا مال. وفي الثالثة قال له: ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟! لا أهل ولا مال ولا جاه. قال: اذهب إلى أهل فلان من الأنصار واطرق بابهم وقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني ابنتكم. فذهب وطرق الباب، فخرج أبو البنت: ماذا تريد يا جليبيب؟ قال: أريد الزواج من ابنتكم. قال: الله المستعان.. جليبيب! قال: الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرني. فعاد يشاور امرأته (حق الفيتو عند المرأة) لا يصرم حبلاً ولا يبني جداراً إلا بعد أن يشاور المرأة؛ فشاورها وعرض عليها الأمر، فهزت رأسها، فهي تعرف جليبيباً، قالت: جليبيب..! الله المستعان! قال: أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم. فتلكأ الرجل وتلكأت امرأته، فسمعت البنت المؤمنة الصادقة الناصحة؛ التي نريد من فتياتنا المسلمات المؤمنات أن يكن مثلها، تحب الإيمان وتحب أن تتزوج من أهل الإيمان، ولا تفضل على أهل الإيمان أهل درهم ولا دينار ولا منصب ولا مال.قالت البنت: أتريدون أن تردوا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا والله لأتزوجنه، فذهب ليأتي بالمهر فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مالاً يشتري به الصداق، فسمع بالجهاد فاشترى به عدة للحرب وترك الزواج وحضر المعركة فقاتل حتى قتل، بحث عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين افتقد كلٌ قريبه وصاحبه فيقول صلى الله عليه وسلم: {من افتقدتم؟ قالوا: فلاناً وفلاناً وفلاناً. قال: أتذكرون أحداً؟ قالوا: لا نذكر أحداً. قال: لكني افتقدت جليبيباً، ثم ذهب يبحث عنه فوجده قد قتل سبعة ثم قتلوه، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم}.إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى وقال عليه الصلاة والسلام: {قتلت سبعة ثم قتلوك! أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك}أتى سلمان يبحث عن الإيمان، ترك أباه وأمه وزوجته وأهله، فلما تدرع بالإيمان، وهو لا يملك قصراً ولا داراً ولا منصباً، قال العرب: من أبوك يا سلمان؟ قال:أبي الإسلام لا أب له سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فأولياء الله عز وجل من مواصفاتهم حفظ أعراض المسلمين وحمايتها بظهر الغيب.
صفاتهم في العمل والمعتقد

 سلفية المعتقد
أما الصفة السادسة: فسلفيون في المعتقد ولا فخر.لا يكفي أن يكون الإنسان عابداً ويكون بدعياً، تجد من المبتدعة من يصلي في اليوم خمسمائة ركعة، لكنه مبتدع ضال منحرف.إذاً لابد من الاعتقاد السليم وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة الذي أتى به رسول الله عليه الصلاة والسلام في التوحيد بأنواعه: في الأسماء والصفات، وفي العبودية، وفي اليوم الآخر، وفي كل ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من أمور المعتقد.هذه من مواصفات أولياء الله عز وجل؛ ولذلك أشرت أنه قد يكون من المبتدعة أو من غلاة أهل التصوف من يكون عابداً لكنه منحرف سلوكاً وعبادةً.يذكر الخطابي في كتاب العزلة: أن رجلاً من الصوفية مخرف جاهل، يعبد الله كثيراً، يصلي الليل والنهار، لكن ليس على معتقد سليم، وليس على سنة، أخذ لصقة ووضعها على عينه اليسرى، قالوا: ما لك؟ قال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين. سبحان الله! خلق الله له عينين وهو يبخل بالعين الثانية! يقول الله: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9] وهو يقول: إسراف أن أنظر بعينين إلى الدنيا!أتى واحد من أوائل الصوفية إلى الحسن البصري قال: كل معي فالوذجاً قال: لا أؤدي شكره. قال: ثكلتك أمك وهل تؤدي شكر الماء البارد؟!انظر إلى الفقه الأعوج! ولذلك تجدونهم عباداً لكن لا يفقهون.أحدهم يقول: ما أكلت الرطب أربعين سنة. يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس: رأيت عابداً جاهلاً يصلي وهو ينعس في صلاة الظهر وهو واقف قلت: ما لك؟ قال: ما نمت البارحة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر أقوم الليل. فهو يقوم بالنافلة ويخل بالفريضة! فأي فقه هذا؟!
الدعوة إلى الخير
ومن صفات أولياء الله أنهم يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يبخلون بالعلم فعلماؤهم رجال عامة، وشبابهم أهل تحصيل، وعوامهم يحرصون على الفائدة. قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] وقال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].
 عوام أهل السنة يحرصون على الفوائد
عوام أهل السنة يحرصون على الفائدة، يحضرون المحاضرات والدروس والأمسيات، ويستفيدون ويسألون أهل العلم.وبخلاف ذلك من انحرف عن الطريق، فعلماء المبتدعة من أبخل الناس بالعلم، وعلمهم في الظلام، فهم لا ينشرون علمهم، وشبابهم يحرصون على الكلام (ورأيت وأرى) وهيجان ليس له حقيقة، وعوامهم لا يحرصون فهم جهلة، فنسأل الله لنا ولكم التوفيق.
محبة الجماعة وكراهة الفرقة
أما الصفة الثامنة: يحبون الجماعة ويكرهون الفرقة، ويسعون إلى جمع الشمل ونبذ الاختلاف. تكوين دوائر ضيقة لتشتيت الأمة ليس من دين الله عز وجل، وكفى بالأمة تمزيقاً. والله الذي لا إله إلا هو ما في المسجد هذا من رجل أراه أمامي إلا أحبه في الله، وأتمنى من الله عز وجل أن يجمعني وإياه في دار الكرامة، وإنني أعتقد اعتقاداً جازماً مهما خالفني في جزئية أو له مشرب -بشرط أن يكون ولياً من أولياء الله- أن من واجبي أن أحبه في الله، ولا أجد في نفسي عليه شيئاً ولو خالف مهما خالف، ولكن إدخال الأمة في دوائر ضيقة وتمزيق الأمة وتشتيتها لا يصح. كل من في المسجد جماعة المسلمين، كلهم جماعة واحدة، يدخل فيهم الأغنياء والفقراء، والرؤساء والمرءوسون، وطلبة العلم والعلماء والكبار والصغار بشرط الولاية.. هذه هي جماعة المسلمين، ليس لهم مواصفات، وليس لهم أسس تنظيرية تجمعية، بل مواصفاتهم الكتاب من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، والسنة الكتب الستة ومسند أحمد وإن زدت المعاجم فلا بأس.هذا التنظير لجماعة المسلمين، هذا التنظير أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، وأراحنا من كل تنظير وتأسيس وتأصيل، كفى، كفى، كفى..أيها الإخوة: أهل السنة يحرصون على الجماعة.ولذلك يقولون: من علامة أهل البدعة: أنهم يطعنون في ولاة الأمر، وهذه أقولها صراحة وقد قالها أبو عثمان الصابوني وابن بطة الحنبلي.فمن علامات أهل البدع أنهم يكرهون تجمع المسلمين، ويقولون: الجماعة غير هذا التجمع، ويقولون: العوام لا يدخلون في جماعة المسلمين.. خطأ، سبحان الله! قد يكونون أفضل، والكل جماعة المسلمين.
 القول بالحق
أما صفتهم العاشرة والأخيرة: فيقولون بالحق، لا يحملهم الهوى على القول بالباطل، والرسول عليه الصلاة والسلام في حديث النسائي الصحيح كان يقول في الدعاء: {اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الغنى والفقر} والشاهد: وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا،و بعض الناس الآن إذا غضب على أخيه وزميله وحبيبه، غضب عليه وحمله الهوى على أن يقول فيه ما لا يقال؛ وإذا رضي على أخيه ولو كان فيه أخطاء سكت عن أخطائه..وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا فنسأل الله أن نكون عدولاً كما أمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135] شهداء يقومون بالقسط ويقولون بالقسط والحق لا يجورون ولا يظلمون، وفي أثر يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه يقول: {وأن أقول الحق في الرضا والغضب}.فمن صفاتهم أنهم يقولون بالحق، ويحكمون بالحق، ويقبلون الحق ممن قاله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلاً [هود:119] أي صدقاً في الأقوال وعدلاً في الأحكام.وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] يقول: لا يحملكم بغض الناس على أن تحكموا عليهم بالمفتريات والزور، وتحيفون عليهم بالحكم الجائر لأنكم تبغضونهم، بل كونوا عدولاً، فـأهل السنة وأولياء الله يقولون بالحق، ولو خالفك في جزئية فيجب أن تحترمه، لا زالت له حسناته ومقامه وقيمته.هذه عشر مواصفات لأولياء الله جمعت من كتيبات لـأهل السنة، هي صفات أهل السنة وهي مجملة، ويندرج في كل صفة جزئيات كثيرة، ولكن من عرف هذه ودرسها وفهمها، وحاول أن يعمل بها، كان ولياً بإذن الواحد الأحد، واستفاد مشرباً وسلامة وقصداً؛ ولذلك علم رسول الله صلى الله عليه وسلم حصين بن عبيد الخزاعي والد عمران وقال له: قل: {اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي} وقال لـعلي بن أبي طالب كما في صحيح مسلم: {قل: اللهم اهدني وسددني} وفي صحيح مسلم عن عائشة أنه: {كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم}.والصراط المستقيم هو صراط محمد صلى الله عليه وسلم، الكتاب والسنة، وهذه مواصفات أولياء الله عز وجل من أهل السنة والجماعة، الذين لا يحتاجون إلى منظر غير محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاجون إلى تأسيس غير الكتاب والسنة قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3].. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] فهؤلاء أهل السنة أولياء الله.جعلنا الله من أولياء الله، سلام على أولياء الله، وحشرنا الله في زمرة أوليائه وأحبابه، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يقتدى به في سلوكه وأفعاله، وممن يكون على منهج الصالحين الذين مضوا من القرون المفضلة أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع سلام الله عليكم، وجمعنا بكم في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم يتقبل الله عنا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا إن السلام وإن أهداه مرسله وزاده رونقاً منه وتحسينا لم يبلغ العشر من قول يبلغه أذن الأحبة أفواه المحبينا سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 حاجتنا للفكر
السؤال: يتضح من كلامك يا فضيلة الشيخ! أن لك وجهة نظر في الكتب الفكرية مع أن هذا الزمان زمان فكر، والإسلام يواجه حرباً فكرية، فلا مجال في هذا الزمان للعاطفة ولابد من الفكر فما رأيكم؟الجواب: أولاً يا أخي: إن شاء الله أني ما دعوت للعاطفة، بل أنا أدعو إلى الكتاب والسنة، ولو قصرت أنا في اتباع الكتاب والسنة أو في الإلمام بالكتاب والسنة فأدعو إلى الكتاب والسنة، والعاطفة شيء غير الكتاب والسنة، ومن يدعو إلى الكتاب والسنة لا يدعو إلى العاطفة.أما الفكر فلابد من ضبط هذه الكلمة، فلا يجعل الفكر علماً كعلم الكتاب والسنة ونتشاغل به ونحسنه تحسيناً.. لا، هو أمر ثانوي ولابد منه، والله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم يوم علمه علم الواقع: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] أي نوضح لك الواقع الذي تعيش فيه، ونحن ندعو إلى دعاة يعرفون الواقع ولا يعيشون في عزلة عن الواقع، بل يعرفون ما يدور، والمذاهب والملل والفرق والمشارب والأحداث والوقائع التي تدور بهم وتكتنفهم ولابد من ذلك، لكن أن يجعل الفكر علماً يجتمع عليه الشباب، ويأخذ ليلهم ونهارهم فليس بصحيح، بعد ثلاثين أو أربعين سنة يخرج هؤلاء الشباب علماء ثم يبحثون عن رءوسهم، فلا يجدون إلا كلاماً ولا يجدون قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.فأنا معك ولا أخالفك أنه لابد من معرفة شيء من الفكر لنرد على أعداء الله، وقد فعل كثير من الدعاة ذلك، فردوا بالفكر وعرفوا كلام الأعداء فردوا عليهم بمثل أقوالهم، أما أن نحجب أبصارنا فليس بصحيح، لكن التحذير لأنه وجد مغالاة حتى وجد من بعض الشباب من جنح عن كتب السلف، وأعرض عنها واتخذها ظهرياً، وأتى إلى كتيبات بيض أمامه فجعل منها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويفتي منها ويحاضر ويدعو، وهي مجرد كلام وكتب مفيدة، لكن الأصل المعين والصراط المستقيم كتب السلف التي عليها العمدة وهذه زيادة خير.. هذا رأيي، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صفات أولياء الله للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net