اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سددوا وقاربوا للشيخ : عائض القرني


سددوا وقاربوا - (للشيخ : عائض القرني)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا).والله عز وجل لم يكلفنا في هذا الدين بأشياء لا نستطيع القيام بها، وإنما أمرنا بأشياء يسيرة يستطيع أن يعملها من يسرها الله عليه، والذين يكلفون أنفسهم بأشياء لا يستطيعون القيام بها؛ فإنهم يخالفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم.وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
يسر الدين
الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فمعنا في هذه الليلة حديث عظيم، من الأحاديث التي دبَّج بها الإمام البخاري رحمه الله تعالى صحيحه يقول: وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).هذا الحديث أول قضية فيه؛ هي قضية (إن الدين يسر) والرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء إلا لسعادة الإنسان وليحمل هذا اليسر، يقول تبارك وتعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] والدين الإسلامي يسير على من يسَّره الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عليه، ليس على كل الناس ميسر، بل هو من أصعب الأمور على المنافقين، نسأل الله العافية والسلامة، قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] ويقول تبارك وتعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].أي: كأنما يعرج بنفسه في السماء فيختنق من قلة التنفس، فوصفه سُبحَانَهُ وَتَعَالى بالصاعد في السماء، كلما ارتفع كلما ضاق نفسه.يقول أبو هريرة قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الدين يسر) ودائماً يمر معنا أبو هريرة رضي الله عنه، وكم من مرة مر معنا وأراد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يرفع اسمه، وأن يضوع اسمه في المنتديات، وفي مجالس المسلمين، فهذا الرجل عناية الله عز وجل أتت به من بلاده، وهو في قرية بعيدة من قرى جبال السراة، ويأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل في هذا الدين، وأكسبه الله تعالى من هذا النور، ومن هذا العلم، فرفع الله اسمه، وأبى كثير من أهل الحرم الذين كانوا يطوفون بالبيت، وكانوا بجانب الحطيم وزمزم أن يسلموا، فأخفض الله ذكرهم، وأدخلهم ناراً تلظى؛ لأنهم ما استضاءوا بهذا الدين.يقول صلى الله عليه وسلم: ( إن الدين يسر) لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8].
 اليسر في القرآن
فهو سهل ميسر، واليسر والسهولة في هذا الرجل العظيم الذي أتى ليقود البشرية صلى الله عليه وسلم يرونه فإذا هو رجل سهل، يتعامل مع الناس بوضوح ويسر وتواضع، يمازح الأطفال ويلاعبهم، ويجلس مع أصحابه صلى الله عليه وسلم، ويزورهم في أماكنهم، ويقضي مع العجوز الساعات الطويلة، فإذا هو سهل ميسر صلى الله عليه وسلم.يقول تبارك وتعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3] ويقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] ويقول سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ويقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].حينها يقول صلى الله عليه وسلم: { إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه} وسوف يأتي بعد حديثين حديث آخر يعاضد هذا الحديث، لكن لا يتوهم متوهم أن معنى اليسر هو التفلت، أن يصلي الصلاة متى يريد وفي أي وقت، وأن يصوم متى يريد، وأن يتفلت على تعاليم القرآن ويقول: الدين يسر، فهذه العبارة يستخدمها بعض الناس على أهوائهم. ولذلك يقول ابن الجوزي في أحد كتبه: إن الأعراب فهموا من أن الدين يسر، أنه التفلت على شريعة الله، حتى إن أحد الأعراب سافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقصر الصلاة الرباعية ركعتين، والظهر ركعتين والعصر والعشاء، فلما عاد سأله إخوانه من الأعراب البدو، قالوا: ماذا وجدت في سفرك هذا؟ قال: أحسن ما وجدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذف عنا ركعتين، وسوف يحذف إن شاء الله في السفر الثاني ما بقي من الركعات، يريد أن تبقى المسألة يسراً على الطبيعة، فلا صلاة ولا صيام.وذكر ابن الجوزي أن أعرابياً آخر بشروه بالهلال أنه أهل عليهم، قالوا: نبشرك بهلال رمضان، قال: والله لأشتتن شمله في الأسفار، أي: لا يستقر حتى آخر الشهر، يقول ابن الجوزي: وهذا منع فهمه كثير من الخلف، يظنون أن اليسر هو التفلت من الفرائض. لا. هناك حد وسط لا بد أن يسير معه الإنسان، ولكن لا ينقص عنه، وسوف يأتي حديث النوافل.
الغلبة للدين
( إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) لفظ الحديث: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) ويجوز على رواية: (ولن يشاد الدين أحداً إلا غلبه) على أن: (أحداً) مفعول به أو فاعل، فمعنى هذا اللفظ، أي: أن الإنسان أو المسلم إذا شاد الدين غلبه الدين، لأن كثرة طرق هذا الدين لا يستطيع أن يقوم بها الإنسان، وفكر في نفسك وأنت مسلم تحب الله والدار الآخرة: هل تستطيع أن تقوم بالجهاد، وبر الوالدين على أكمل وجه؟ وصلاة الليل، والنوافل، والعبادات، والإنفاق في سبيل الله، وتعليم الناس، والخشوع في الصلاة بحيث لا تفكر في أمر آخر؟ إلى آخر تلك الأمور لا يستطيع أحد أبداً.ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) لأن الدين دائماً يغلب، حتى القرآن غالب لن يغلب، مهما حفظ الإنسان كتاب الله عز وجل، واستجراه في صدره، ثم قال: سأصلي بالناس، يجد أنه سوف يخطئ وينسى بعض الآيات أو الحروف، لأن هذا الدين قوي ومتين، كما قال صلى الله عليه وسلم في لفظ آخر: (فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع) المنبت: هو الذي يسابق بالخيل أو بالجمال، فيسبق المتسابقين في أول الطريق، ويجهد دابته ثم ينقطع في وسط الطريق، فلا أبقى ظهر دابته، ولا قطع الطريق.ولذلك يقول أبو سليمان الخطابي : رأيت بعض الصوفية يصلون الضحى إلى مائة ركعة، فإذا أتت صلاة الظهر ناموا وتركوا صلاة الظهر إلى قرب العصر، وهذا من قلة الفقه في الدين، وبعضهم يقوم الليل من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، فإذا قربت صلاة الفجر نام عنها، وصلاها مع طلوع الشمس، ما هذا الفقه الأعوج!!فالشريعة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم هي سهلة ميسرة على من فقهها وفهمها، لا على فهم الصوفية والخوارج ، ولذلك قابلت الخوارج طائفة أهل السنة بالتشدد في الدين، حتى أنه صلى الله عليه وسلم يقول: (يحقر أحدكم صلاته إلا صلاتهم، وقراءته إلى قراءتهم، وصيامه إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) يكثرون من نوافل العبادات، ولكن ما دخل الإيمان في صدورهم، وما وقر في قلوبهم، حتى من قلة فقههم مر بهم خنزير وهم قرب دجلة ، فقالوا: مر بسلام، فقالوا للراشد منهم: كيف تقول هذا الكلام قال: لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83].أهذا الخنزير من الناس!! ثم مر بهم نصراني، فقال: إن أحدكم عدى على نخلتي فجذ منها؟ قالوا: خذ ثمن نخلتك، يعني: عوضوه ومر بهم عبد الله بن خبيب رضي الله عنه فذبحوه -وهو من الصحابة- كما تذبح الشاة، وأخذوا امرأته وهي حبلى فبقروا بطنها وأخرجوا الجنين وذبحوه.ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وقتلهم أمير المؤمنين أبو الحسن رضي الله عنه وأرضاه، وهي من حسناته عند الله تبارك وتعالى، صفى حسابهم في غداة واحدة أربعة آلاف، ثم سجد لله شكراً أن قتلهم، لأن في قتلهم قربى إلى الله تبارك وتعالى، ولما قتلهم خرج عبد الرحمن بن ملجم وكان في جبهته كركبة العنز من كثرة السجود، ومن كثرة ما يصلي في الليل، فشحذ سيفه بالسم الأزرق شهراً، ثم عدا على أمير المؤمنين سيف الله المرتضى أبي الحسن رضي الله عنه فقتله، فلما طعنه وحمل عليه رضي الله عنه دعي بهذا المجرم الخبيث عبد الرحمن بن ملجم ، وقال علي : ما حملك على ما فعلت، قال: هذا السيف شحذته بالسم شهراً، وحلفت بالله العظيم أني أقتل به شر الناس، قال علي : فأنت شر الناس، والله لا يقتل بهذا السيف إلا أنت، فقتل بسيفه الذي قتل به أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه، حتى أنه لما أتوا ليقطعوا لسانه قبل أن يقتل، قال: كيف تقطعوا لساني، وأتعطل عن ذكر الله!!! وهذا من قلة الفقه في دين الله عز وجل.بل الفقه ليس هو التخلع والتجافي كما فهمه الأعراب،ولا الانحراف عن هذا الدين،ولا هو الغلو والإفراط كما فهمه الخوارج ، لكن دين الله هو الوسط.
 البشرى لمن سدد وقارب
يقول صلى الله عليه وسلم: { أبشروا} أي: ما دمتم على ذلك فأبشروا { واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة}.عند قول الرسول صلى الله عليه وسلم: أبشروا، كلام، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعيشون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، يأتون إليه فيسمعون كلامه صلى الله عليه وسلم، فينقلهم كأنهم في رحاب الجنة، وكأنهم في عرصات القيامة، ينسون الأهل والزوجات والأموال والمساكن، وإذا رجعوا إلى دورهم غفلوا بعض الغفلة، ونسوا بعض النسيان مما ذكره صلى الله عليه وسلم، فأتى حنظلة بن الربيع الكاتب: {أتى إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقال: يا أبا بكر! نافق حنظلة! قال: غفر الله لك، وما ذاك؟ قال: نكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فيحدثنا في الآخرة حتى كأننا نراها رأي العين، ثم نعود فنلاعب أطفالنا وننسى كثيراً، فيقول: أبو بكر وأنا والله كذلك، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبروه، فقال صلى الله عليه وسلم: والله لو تكونوا كما تكونون عندي في حلق الذكر أو في الذكر، لصافحتكم الملائكة في السكك، ولكن ساعة وساعة يا حنظلة} لأن هناك ساعة للترويح، وساعة قد يخلو بها الإنسان المسلم في المباحات التي ليست بحرام، وهناك ساعات الجد والعمل والعبادة، هذا هو المفهوم،ولا يستطيع الإنسان أن يمضي في هذه الحياة إلا أن يروح على نفسه، ويأخذ بعض المباحات التي لا حرام فيها.
الاستعانة بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة
ثم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) الغدوة: هي أول النهار بعد صلاة الفجر إلى الضحى، وهي معروفة عند العرب، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا غدا المسلم إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح) ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [الأعراف:205].في كتابه بالغدو: أول النهار، والآصال: هي ما بعد صلاة الظهر إلى الغروب، يقول النابغة الذبياني:زعم البوارح أن رحلتنا غداً وبذاك خبرنا الغراب الأسود أي: في غدو النهار،فيقول صلى الله عليه وسلم: ( استعينوا بالغدوة) أي: ما بعد صلاة الفجر، وأغلى وقت في حياة المسلم هو ما بعد صلاة الفجر، إذا أراد مهمة أو عبادة أو ذكراً فعليه بذاك الوقت، وإذا أراد أن يطلع في كتاب أو يفهم فعليه بما بعد صلاة الفجر، وإذا أراد عملاً ما، أو سفراً، أو تجارة فعليه بما بعد صلاة الفجر، ولذلك روى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي صخر الغامدي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (بارك الله لأمتي في بكورها) ومن أراد كذلك أن يخصص وقتاً لقراءة القرآن وتدبره فبعد صلاة الفجر، قال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً [الإسراء:78]... وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير:17-18] قالوا: تنفس وكأنه كان في الليل مكبوتاً حزيناً، فتنفس مع الإصباح، وتنفست معه الطيور، ووزعت الأرزاق في الصباح، والمواهب والأعطيات، ونزل خير الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ورحمته، فيقول صلى الله عليه وسلم استغلوا هذه الساعة، أي: بعد صلاة الفجر وهذه بالغدوة والروحة، قال أهل العلم: الروحة بعد صلاة العصر، ومن لم يستطع بعد صلاة العصر فقبل الغروب قال تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18] فبعد صلاة الفجر وقبل صلاة المغرب هما أفضل وقت، وأصفى وقت للمسلم ليحاسب نفسه، ويراجع معاملته مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى من ذكر وعبادة.ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وشيء من الدلجة) أي: من الليل، خذوا قليلاً بعد صلاة الفجر، وقليلاً بعد صلاة المغرب، وخذوا قليلاً من الدلجة، وكأنه يقول في السحر؛ لأنها أعظم ساعة تتصل فيها بالحي القيوم تبارك وتعالى، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: واستعينوا بالدلجة؛ لأنه نهى عن قيام كل الليل، إنما يقام شيء من الليل قال تعالى: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17] وحملها بعض أهل التفسير على أنهم يصلون قليلاً من الليل، فليكن للمسلم ساعة من أي جزء من أجزاء الليل، وإن لم يستطع ذلك فليوتر قبل أن ينام، ثم ليذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى؛ لتسبح روحه في الملأ الأعلى، وليكون من الذاكرين الله وهو نائم على فراشه، وهذا هو نوم العباد الصالحين المتصلين بالحي القيوم، هذه هي قضايا هذا الحديث، يريد صلى الله عليه وسلم أن يقرب إلى الأفهام أن هذا الدين ليس بالمغالبة، وإنما هو باليسر وبالسهولة، وبأخذه بالتي هي أحسن؛ لأن الله تعالى يسره للناس.
 البشرى لمن سدد وقارب
يقول صلى الله عليه وسلم: { أبشروا} أي: ما دمتم على ذلك فأبشروا { واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة}.عند قول الرسول صلى الله عليه وسلم: أبشروا، كلام، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعيشون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، يأتون إليه فيسمعون كلامه صلى الله عليه وسلم، فينقلهم كأنهم في رحاب الجنة، وكأنهم في عرصات القيامة، ينسون الأهل والزوجات والأموال والمساكن، وإذا رجعوا إلى دورهم غفلوا بعض الغفلة، ونسوا بعض النسيان مما ذكره صلى الله عليه وسلم، فأتى حنظلة بن الربيع الكاتب: {أتى إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقال: يا أبا بكر! نافق حنظلة! قال: غفر الله لك، وما ذاك؟ قال: نكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فيحدثنا في الآخرة حتى كأننا نراها رأي العين، ثم نعود فنلاعب أطفالنا وننسى كثيراً، فيقول: أبو بكر وأنا والله كذلك، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبروه، فقال صلى الله عليه وسلم: والله لو تكونوا كما تكونون عندي في حلق الذكر أو في الذكر، لصافحتكم الملائكة في السكك، ولكن ساعة وساعة يا حنظلة} لأن هناك ساعة للترويح، وساعة قد يخلو بها الإنسان المسلم في المباحات التي ليست بحرام، وهناك ساعات الجد والعمل والعبادة، هذا هو المفهوم،ولا يستطيع الإنسان أن يمضي في هذه الحياة إلا أن يروح على نفسه، ويأخذ بعض المباحات التي لا حرام فيها.
حديث تحويل القبلة
الحديث الثاني: عن البراء رضي الله عنه وهو البراء بن عازب، وسوف نسرد الحديث وقضاياه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر إلى مكة وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت) وكان اليهود وأهل الكتاب قد أعجبهم، إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم.
 تحويل القبلة
لما نزل صلى الله عليه وسلم المدينة ظل يصلي ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، على خلاف بين أهل العلم، منهم من يحسب الكسر في الأيام فيجعلها سبعة عشر شهراً، ومنهم من يلغي بعض الأيام فيجعلها ستة عشر شهراً، كان يصلي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ولكن كان يحز في نفسه فلا يريد أن يوافق اليهود؛ لأن اليهود يأخذون هذا حجة عليه صلى الله عليه وسلم، ويقولون: انظروا إليه، حتى القبلة يستقبل قبلتنا في فلسطين وهي بيت المقدس، ما عنده قبلة يستقبلها، فكان صلى الله عليه وسلم يدعو الله كثيراً، ويقلب وجهه في السماء، ويدعو أن يحول الله قبلته إلى البيت العتيق، فيقول تبارك وتعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144] فولاه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى شطر البيت العتيق، فلما انحرف صلى الله عليه وسلم إلى البيت العتيق، قال اليهود: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة:142] فأتى الرد من الله عز وجل: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ [البقرة:142] سفهاء لا أحلام لهم ولا عقول: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة:142] وهل لكم بيت المقدس أو مكة؟ وهل هي من دخلكم أو من صنيعكم؟ يقول الله تبارك وتعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:142] لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى المشرق والمغرب، له ما كان يولي إليه في بيت المقدس وفلسطين، وله الكعبة ومكة ولا دخل لكم أنتم، قال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142] فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستقبل البيت العتيق، ويترك بيت المقدس، فوَّلى البيت العتيق، فأتى صلى الله عليه وسلم فلما ولَّى شطر البيت العتيق، أرسل رجلاً ممن كان معه صلى الله عليه وسلم، وقال: اذهب إلى بني سلمة في قباء، وأخبرهم أن القبلة قد حولت فليتحولوا، فأرسل عباد بن بشر رضي الله عنه، وهو من الشباب الذين رباهم صلى الله عليه وسلم على سمع وبصر، وتركوا كل لذة في الدنيا وكل راحة، وجعلوا أوقاتهم وأيامهم ولياليهم شهادة في سبيل الله تعالى، أرسله صلى الله عليه وسلم في مهمات، فكان يأتي في كل مهمة وهو ناجح ظافر فالح، ويدعو له صلى الله عليه وسلم بالجنة.أرسله صلى الله عليه وسلم مع رجال معه من الأنصار ليغتال سيد خيبر من كفار اليهود؛ لأنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {يا عباد! اذهب إلى ذاك} ذهب عباد ونادى ذلك اليهودي في ظلام الليل، فخرج ذلك اليهودي، فقتله بالسيف، ثم عاد عباد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى وجه عباد ذاك الشاب المستنير بالإيمان: {أفلح وجهك يا عباد قال: ووجهك يا رسول الله! قال: ماذا فعلت به؟ قال: صرخت له فلم يعلم بصوتي وأقبل طالعاً من رأس جدر فعدت له فقال من المنادي فقلت: أخوك عباد بن بشرِ فأقبل نحونا يهوي سريعاً فقطعه أبو عبس بن جبر وكان الله سادسنا فعدنا بأعظم نعمة وأجل نصر فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم اغفر لهم وأدخلهم الجنة} وبقي عباد رضي الله عنه على العهد، يقوم الليل دائماً، وكان يبكي بصوته إذا قام الليل حتى يقول صلى الله عليه وسلم: {رحم الله عباداً! لقد أذكرني البارحة آية كنت أنسيتها من القرآن} فهو صلى الله عليه وسلم ينسى فترة، ولكن يعود له القرآن لأنه منزل في قلبه لا ينسى منه شيئاً، لكنه ينسَّى ولا ينسى، إلا ما شاء الله.وحضر عباد معركة اليمامة ضد مسيلمة الدجال الكذاب، وضرب على وجهه بالسيف أكثر من عشر ضربات بعد أن قتل ما يقارب خمسمائة مقاتل حتى ما عرفوه وقتل رضي الله عنه، ولكنه لم يقتل أبداً، قال الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:170].أرسله صلى الله عليه وسلم فأتى إلى بني سلمة الذين هم في قباء -الآن المسجد المعروف- وهم يصلون العصر فقال: إن القبلة قد تحولت فتحولوا، فدار الإمام وهو في الصلاة، ولم تبطل صلاتهم؛ لأن الحركة إذا كانت في صالح الصلاة لا تبطل الصلاة، وفيه من الحكم والفوائد:أن خبر الواحد يقبل، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرسل هذا، فقبلوا خبره وامتثلوا خبره، وتحولوا عن القبلة رضي الله عليهم.هذا الحديث وهذا ما ورد فيه، ولم نعرج على بعض الخلاف للألفاظ التي لا طائل من ورائها.
الإسلام يهدم ما قبله
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنه).هذا الحديث من المبشرات، وهو من أعظم ما يهدى للأمة الإسلامية، وراوي الحديث أبو سعيد من جلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، عالم من علمائهم، وشاب من شبابهم، مات أبوه في معركة أحد قتيلاً، ولذلك هو من الأنصار، وقتل (80%) في سبيل الله من الأنصار رضوان الله عليهم، ولم يمت منهم موتاً إلا ما يقارب (20%) لكلام أهل العلم في ذلك، فدعا له أبوه وهو شهيد بأن يبارك الله فيه، فبارك الله في هذا الولد الصالح، فكان مع الرسول صلى الله عليه وسلم دائماً وأبداً، سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها) الإسلام يهدم ما قبله من أفعال الجاهلية، مهما فعل الإنسان قبل أن يدخل هذا الدين، أشرك أو قتل أو زنى أو شرب الخمر أو سرق، ثم دخل في هذا الدين فكأنه ما زال داخلاً في هذا الدين، ولا يكتب عليه شيء من أعمال الجاهلية إذا أحسن الإسلام.
 الدواوين عند الله ثلاثة
{إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها} أي: قدمها رويت أَزْلَفها، وهي بمعنى قدمها، فإذا غفر الله له كل سيئة في الجاهلية كان قدمها، كان بعد ذلك القصاص، أي كلما عمل من حسنة وسيئة وهو مسلم كان القصاص عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49] ميزان للحسنات وميزان للسيئات، والدواوين عند الله ثلاثة:الأول: ديوان يغفره الله عز وجل: وهو ما كان بين العبد وبين الله عز وجل وتاب منه.الثاني: ديوان لا يغفره الله أبداً: وهو الشرك بالله عز وجل، هذا لا يغفره سُبحَانَهُ وَتَعَالى أبداً، بل يدخل صاحبه النار، ولا يأبه بعمله، قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].الثالث: ديوان يتعلق بمشيئة العبد: وهي ذنوب العباد بين بعضهم البعض، الغيبة وظن السوء واغتصاب الأموال، وسفك الدماء، هذه تحت مشيئة العباد، إن عفوا عفا الله، وإن سامحوا سامح الله، وإن أبوا فإن الله يقتص من بعضهم البعض، فهذه الدواوين عند الله عز وجل.وكان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها، فضلاً من الله، وجوداً وكرماً إلى سبعمائة ضعف، وفي رواية ابن عباس الصحيحة: إلى أضعاف كثيرة؛ لأن الله عز وجل يقول: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] إلى أضعاف كثيرة قد يضاعفها الله إلى أكثر من سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها جوداً وكرماً من الله.فالذنوب التي نحدث بها أنفسنا ولم نعملها يكتبها الله حسنة كاملة، وإذا عملناها كتبها الله سيئة واحدة، وانظر إلى لفظ كاملة وواحدة، واللفظ واحد، لكن هذه بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجذب للأرواح واستقطاب للقلوب إلى الله عز وجل، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله تبارك وتعالى.فيا لسعادة من يدخل هذا الدين؛ ويعتنق هذه الشريعة السمحة؛ ويواصل السير إلى الله ولن يهلك على الله إلا هالك، وليتدبر المسلم منا الآن، يجد أن يومه حافل بالسعادة إذا داوم على الصلوات الخمس في جماعة، وداوم على الوضوء وقراءة القرآن والذكر والاتصال بالله؛ سوف يجد أنه لن يهلك على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى إلا هالك.هذا الحديث الذي زفه النبي صلى الله عليه وسلم بشرى للأمة، وأخبرنا أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى صاحب المن والعطايا وهو صاحب الجود والإحسان تبارك وتعالى.
تكلفة النفس بما تطيق
ثم أورد البخاري رحمه الله رحمة واسعة القضية التي كان أسلفها قبل حديثين وهي قضية يسر الدين وسهولته؛ قالت عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، فقال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها، قال: مه! عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا -أو تملوْا- وكان أحب الدين إلى الله أو إليه ما داوم عليه صاحبه).
 معنى قوله: لا يمل الله حتى تملوا
فيقول صلى الله عليه وسلم: { فوالله لا يمل الله حتى تملوا} وهنا قضية كيف يقول صلى الله عليه وسلم لا يمل الله، وهل يمل الله تبارك وتعالى؟ وهذه فيها بسط، فالله عز وجل يوصف بصفات الكمال، أما صفات النقص فلا يوصف بها سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لا يجوز أن يقول الإنسان: كل صفة يوصف بها العبد يوصف بها الله، لأن العبد يجوع ويمل وينام ولكن الله عز وجل مبرأ عن صفات النقص، فهو لا يمل تبارك وتعالى، لكن معنى الحديث، لا يقطع ثواباً، وهذا من أفعال المقابلة، كأنه يقول: فلان لا ينقطع عن خصمه حتى ينقطع، وجزاء سيئة بمثلها، والله عز وجل يقول جزاء السيئة التي يفعلها سيئة مثلها، يعني أنا نعذبه يوم القيامة مثلما فعل بالسيئة، وليس معناه أن عذاب الله سيئة، لكن من باب المقابلة،فقابل صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وقال: { لا يمل الله} على المقابلة ليس على المعنى، لأن في الكلام مجازاً ومعناه لا يقطع الله ثوابه. {وكان أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه} وورد في لفظ في الصحيح: {أحب الدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم} وكلا المعنيين صحيح، فإن المحبوب عند الله عز وجل محبوب عند رسوله صلى الله عليه وسلم،فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تبارك وتعالى.قال ابن العربي: ولا يجوز أن نسند المحبة إلى الله عز وجل، بل بمعنى الإرادة، وقال أهل السنة: الإرادة شيء والمحبة شيء، لله إرادة تليق بجلاله، وله محبة تليق بجلاله عز وجل، لا تدخل هذه في هذه، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
فضل لا إله إلا الله
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير) هذا الحديث أيضاً من المبشرات، لكن لا بد من بعض البيان وبعض الوقفات معها.أولاً: عن أنس، مر معنا أنس كثيراً، وهو خادم الرسول صلى الله عليه وسلم.وروى النعمان عن ماء السماء كيف يروي مالك عن أنس دعا له صلى الله عليه وسلم كما تعلمون بطول العمر، فأطال الله عمره حتى بلغ المائة، وأكثر الله ماله، وبارك فيه، وهو من السعداء إن شاء الله في الدنيا والآخرة، كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم دائماً وأبداً، فأورثه الله بفضل الخدمة بركة في الدنيا والآخرة.
 شرح ألفاظ حديث الإخراج من النار
ووزن شعيرة يقول ابن حجر: كأن الشعيرة في بعض البلاد أكبر من البرة؛ لأنها قدمت هنا، وهذه مقاييس هي عند الله عز وجل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقربها للأذهان، ولذلكم يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] ليقربها إلى أذهان الناس.ويقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة:7] فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا البيان، تقريباً للأذهان.قال صلى الله عليه وسلم: {ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير} والبرة قالوا: أقل من الشعيرة، وهذا فيه دليل على أن الأعمال تتفاضل، بتفاضل ما في القلوب وبعض الناس يقف بالصف بجانب صاحبه يصليان، وراء إمام واحد، في مكان واحد، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، كما قال أهل العلم.هذا في قلبه إيمان وإخلاص ومحبة وشوق، والبعيد في قلبه نفاق ورياء وسمعة، فيفاوت الله عز وجل بين الصلاتين، كما بين السماء والأرض، ويحاسب الله العباد على ما في القلوب من الأعمال، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات:10] ويقول ابن مسعود: [[الله الله في السرائر اللاتي هن خَوَافٍ على الناس، وهن باديات على الله عز وجل: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18]]]. فالمقصود أن المسلم يهتم بالقلب أكثر مما يهتم بعمل الجوارح، ولذلك طلب أهل السنة كـابن رجب وغيرهم من أهل العلم: أن يجتهد المؤمن في تصحيح قلبه، أكثر مما يجتهد في الأعمال الظاهرة، يقول إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89].{ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير} يقول ابن عباس رضي الله عنهما: [[إذا وضعت يدك في التراب، ثم نفضتها فخرج منها شيء فهو الذر]] وقال ابن حجر: الذر هو الشيء الذي لا يرى بالعين المجردة، ولكن يرى في ضوء الشمس؛ وقال غيره: الذرة هي هذه الحشرة الصغيرة التي ترى وتمشي وتسمى عند الناس (ذرة) لكن سواء كان بهذا المفهوم أو هذا، أو أقل مقدار يعرفه الناس، يحاسب الله العبد به يوم القيامة.أتى أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: { يا رسول الله، هل في الحمر زكاة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنزل علي إلا هذه الآية الفاذة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8]} فكل ذرة يعملها المسلم يلقاها عند الله عز وجل، فبكى الأعرابي وولول وهو يقول: أنحاسب على الذرة.
مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته
قال الإمام البخاري رحمه الله رحمة واسعة: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: ( أن رجلاً من اليهود، قال: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية هي؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً [المائدة:3] فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بـعرفة يوم جمعة).
 الوداع وموت الرسول
أسدل صلى الله عليه وسلم الستار، وبقي ما يقارب ثلاثة أيام، ثم خرج إلى الناس في خطبة أخيرة ليودع الناس ويودعونه، خرج وأخذ بجانبه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه، وفي الجانب الآخر علياً، وأخذت أقدامه تخط في الأرض من شدة المرض، وكان عليه عمامة دسمة أي: متينة، بدينة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: في يده قضيب.فجلس على المنبر، ثم أخبر الناس، ثم قال: {أيها الناس؛ اللهم من سببته أو شتمته أو لعنته -يعني: من المسلمين- فاجعلها له قربة ورحمة عندك، ثم قال: أيها الناس! من آذيته بسب أو شتم أو أخذت شيئاً من ماله فاقتصوا مني اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار} فبكى الناس جميعاً، وقام أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، ثم أخذ صلى الله عليه وسلم يخبر الناس، ويعظهم، ويقول: {تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي}.فودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وودعهم، ثم عاد صلى الله عليه وسلم واستمر به المرض، وفي اليوم الأخير من أيامه صلى الله عليه وسلم أتاه اليقين، وأخذ يقول: {لا إله إلا الله، اللهم أعني على سكرات الموت، لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ثم قبضت روحه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى} فتقول عائشة: {خيرت -بأبي أنت وأمي- فاخترت يا رسول الله}.وأتم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى النعمة، وأكمل الدين، قال أبو ذر رضي الله عنه: ما ترك صلى الله عليه وسلم أمراً، ولا طائراً يطير بجناحيه إلا وأعطانا منه خبراً، فأكمل الله به هذا الدين، فمن قال: إن في الدين نقصاً، أو يحتاج إلى تكميل فهو ضال مضل، أزاغ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قلبه وسمعه وبصره، بل الدين كامل، والشريعة كاملة، فله الحمد وله الشكر على هذا الدين، وله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى منا الرضى، نسأل الله أن يرضى عنا وعنكم.
الأسئلة

  التوفيق بين الحقوق الخاصة والعامة
السؤال: لله حقوق وللرسول وللوالدين وللأقارب وللمسلمين حقوق أيضاً فكيف نوفق بينهما؟الجواب: توفق بينهما بدون اختلاف، فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى علمنا بحقوقه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحقوق الوالدين والأقارب والمسلمين هي من الميسورة والمسهلة، لكن قاعدة: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق}.. [[إذا أمرتك أمك -كما قال الحسن في صحيح البخاري معلقاً- أن تصلي العشاء في البيت فصل العشاء في المسجد]] أمرتك ألا تقرأ القرآن فاعصها واقرأ القرآن، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.هذا ونسأل الله عز وجل التسديد والهداية، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يثيبنا وإياكم، وأن يجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا يجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يفقهنا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سددوا وقاربوا للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net