اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مكة في يوم الميلاد للشيخ : عائض القرني


مكة في يوم الميلاد - (للشيخ : عائض القرني)
هذا درس يتناول فتح مكة، وقد أفتتح الشيخ درسه بذكر حديث علي في قصة حاطب في صحيح البخاري.ثم ذكر سبب فتح مكة ومسير أبي سفيان إلى المدينة ومحاولته تأكيد الهدنة، وعرض قصة العباس مع أبي سفيان عند دخول الجيش مكة، ومقتل عبد الله بن خطل، واغتسال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وإسلام بعض الوجهاء من كفار مكة كصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام، وما وقع من معجزات يوم الفتح.
اكتشاف الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة حاطب إلى قريش
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.ومع (مكة في يوم الميلاد) يوم أن أذَّن بلال رضي الله عنه وأرضاه يوم الفتح الذي يقول الله فيه: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً *لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:1-2].
 موقف النبي صلى الله عليه وسلم من حاطب
استدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة، وقال: ما حمَلك على ما فعلتَ؟ -كيف خنتَ الله ورسوله- فقال حاطب: والله يا رسول الله! ما تبدلت بالكفر بعد الإيمان، ولكني رجل حليف لقريش، ولستُ من أنفس قريش، وأطفالي وأهلي ومالي عند قريش، وأصحابك كل منهم من قريش، فخفت على أهلي ومالي، فأردت أن أتخذ يداً عندهم، فهذا الذي حملني على ما صنعتُ، فقام عمر فقال: يا رسول الله! دعني لأضرب عنق هذا المنافق، فإنه خان الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عمر! أما تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم -وكان حاطب من أهل بدر - فبكى عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، فأنزل الله عز وجل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1]} وهذا الحديث اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، وهو يشتهر بحديث حاطب بن أبي بلتعة، وله أسباب أوردها أهل العلم.ثم أخذ الإمام البخاري يستطرد بقصة الفتح، والكتائب التي جمعها صلى الله عليه وسلم.
نقض قريش للصلح
وفتح مكة كان في السنة الثامنة للهجرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وذلك أنه عاد صلى الله عليه وسلم من صلح الحديبية، ولما اصطلحوا كان من ضمن بنود الصلح: أن تضع الحرب أوزارها عشر سنوات، ولكن كفار قريش غدروا، وأتوا إلى حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من حلفائه خزاعة، فكانت بطن نصحٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، وبنو بكر كانوا حلفاء لقريش.فقام بنو بكر بقتل رجال من خزاعة، وهذا معناه نقضٌ للصلح الذي تم ووقع عليه كلا الطرفين، طرف الرسول عليه الصلاة والسلام، والطرف الآخر طرف المشركين ووقع عنهم سهيل بن عمرو. فلما قتلوا هذا القتيل خاف أبو سفيان وهو في مكة أن يأتي الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وإذا أتى الرسولََ صلى الله عليه وسلم الخبرُ بأن أحلاف قريش قتلوا رجالاً من حلفائه، فسوف يغضب عليه الصلاة والسلام، ويعلن الحرب على أبي سفيان وعلى القرشيين. فسبق بُدَيْل بن وَرْقاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فوصل إلى المدينة في الليل وأخبره، قال: (يا رسول الله! نقضت قريش عهدك ووعدك، وقتلوا رجالاً منا فسكت عليه الصلاة والسلام واحمر وجهه مُغْضَباً) فرجع بُدَيْل بن وَرْقاء مندوب خزاعة، فلقيه أبو سفيان، وقال له: من أين أتيت؟ -و أبو سفيان كان ذكياً من أذكياء الناس، ورجلاً داهيةً- قال: من أين أتيتَ يا بُدَيْل؟ قال: كان لي مال بالغابة ذهبت إليه، ثم مررت على خزاعة أسلم عليهم -يعني: قبيلته- فنزل أبو سفيان إلى بَعَر بَعِير جمل بُدَيْل، ففَتَّه، فوجد النوى فيه، قال: كذبتَ؛ ولكنك كنتَ في المدينة تخبر محمداً. ثم ركب أبو سفيان ناقته وذهب إلى محمد عليه الصلاة والسلام فوصل إلى المدينة، فلم يجد أحداً في البيوت، حيث كانوا في اجتماع مع الرسول عليه الصلاة والسلام في المسجد، فدخل على ابنته -وابنته كانت زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام- فلما رأته ما استقبلته ذاك الاستقبال الحافي، وما رحبت به، وما هشت وبشت في وجهه؛ لأنه كافر، وهذه علامة الموالاة والصدق مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فدخل وبيده عصا، وقد ربط ناقته، فأتى إلى مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى فراشه، فسبقته إلى الفراش فلفَّتْه وسحبته عنه، فقال: لقد أصابك بعدي شر، كيف تسحبين عني فراش زوجك؟ قالت: هو طاهر وأنت مشرك نجس، فأخبرها الخبر، فقالت: ما أجد لك إلا هؤلاء النفر يشفعون عند الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: من هم؟ قالت: اذهب إلى أبي بكر ليشفع لك؛ لأنه خاف أن يهاجمه صلى الله عليه وسلم بجيش في مكة. فذهب أبو سفيان إلى أبي بكر فأخبره الخبر، قال: وتظنني يا أبا سفيان أشفع لك عند الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قال: نعم، قال: والله ما أنا بفاعل، فذهب إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه فأخبره الخبر، وأبو سفيان عنده، قال عمر: ماذا تريد؟ قال: تشفع لي عند الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: اللهم ما كان بيننا وبينك من عهد نسأل الله أن يقطعه، وما كان بيننا وبينك من حبل نسأل الله ألا يتمه، والله لو أني لا أجد إلا الذر لحاربتكم بالذر، فقال أبو سفيان: جزاك الله من رحم شراً، ثم خرج من عنده فوصل إلى عثمان، فأخبره، قال: لا أشفع، فذهب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عن الصحابة أجمعين فوصل إلى علي فوجده في البيت، فأخبره الخبر، قال: ما أجترئ، فقام أبو سفيان إلى فاطمة بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: يا فاطمة! اشفعي لي إلى أبيكِ ألا يطأنا بالخيل بكرة النهار، قالت: ما أجرؤ، قال: فقومي بابنك الحسن، فضعيه في حِجْر جده؛ ليكون هذا الحسن سيداً أبد الدهر ليشفع بين الناس، قالت: ما بلغ السن أن يشفع، فقال: يـابن أبي طالب: أنت أقرب الناس مني رحماً -وهذا صحيح؛ لأنهم أبناء عم، هؤلاء من بني عبد شمس.من الأعياص أو من آل شمس أغَر كغُرَّة الفرس الجواد وهؤلاء من بني هاشم -فقال علي: وجدتُ لك حلاً، قال: وما هو؟ قال: اذهب فإذا صلى الناس العصر، فقل: أجرتكم أيها الناس -وأراد علي أن يضحك عليه أمام الناس رضي الله عن علي -فلما صلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالناس العصر، قام أبو سفيان، فوقف في المحراب، والتفت إلى الناس -وهو لم يصل معهم- وقال: قد أجرتُ ما بينكم أيها الناس، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: (أتقول ذلك يا أبا حنظلة؟) قال: نعم، ثم ولى إلى مكة.وصل إلى أهل مكة، وأهل مكة على أحر من الجمر؛ لأنهم يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام أتاه الخبر بقتل الخزاعي، وهذا معناه نقض الصلح وبداية المعركة.فوصل أبو سفيان إليهم، فقالوا: ما الخبر؟ فأخبرهم، قال: وجدتُ الناس قريبين إلا عمر فوجدته أدنى العدو، قالوا: فماذا فعلتَ؟ قال: تكلمتُ في الناس، فأجرتُ فيما بينهم، قالوا: فماذا؟ قال: محمد! يعنون: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تبسم، وقال: (أهكذا تقول يا أبا حنظلة؟) قالوا: قد ضحك عليك ابن أبي طالب، وما أجدى موقفُك منك شيئاً، فتَرَصَّدْ.صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر في اليوم الثاني، فلما انتهى من الصلاة، وإذا رجل خزاعي اسمه: عمرو بن سالم، من القوم الذين قتل منهم القتيل، دخل بعصاه، وعقل ناقته في طرف المسجد، ورفع صوته ينشد، ويقول:يا رب إني ناشد محمدا حِلف أبينا وأبيه الأتلدا فانصر هداك الله نصراً أيدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو مصعدا إن سيم خسفاً وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم، وقال: (نصرت يا عمرو بن سالم!) ثم التفت عليه الصلاة والسلام فوجد السحابة قد مرَّت من أمام المسجد متجهة إلى مكة -سحابة في السماء- فقال: (هذا النصر على كفار قريش) ثم التفت عليه الصلاة والسلام ورفع يديه، ثم قال: (اللهم خذ عليهم أسماعهم وأبصارهم، فلا يعلموا بنا حتى نطأ أرضهم) فأخذ الله أسماعهم وأبصارهم. ولكن حاطب بن أبي بلتعة -وهو أحد الصحابة الأخيار من أهل بدر - تذكر أن له أطفالاً ونساءً في مكة، فأراد أن يمنعهم من كفار قريش؛ ليتخذ عند كفار قريش يداً، فكتب رسالة -الرسالة السابقة- وأتى الوحي من السماء على لسان جبريل، يخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن حاطب بن أبي بلتعة قد كتب رسالة يخبر كفار قريش، ومعناه: إذا أخبرهم اعدوا واستعدوا وتواجهوا في الطريق، والرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يفاجئهم فلا يشعرون به إلا وقد طوق مكة من كل جوانبها، فأخبره جبريل، فأرسل صلى الله عليه وسلم علياً وهو فارس الطوارئ، هو والزبير بن العوام، البطل الحواري، والمقداد رضوان الله عليهم جميعاً، فأخذوا الرسالة، وعرضوها على الرسول عليه الصلاة والسلام، فاستدعى حاطباً، فأعلن معذرته، فصدَّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عمر لحماسه للإسلام، ولغضبه لله ولرسوله ما صدَّقه، حتى أنه قال له صلى الله عليه وسلم:(أما تدري يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) فهذه من الذنوب التي غفرها الله لـحاطب. ولذلك ضربَ حاطبٌ مولى له، فذهب هذا المولى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: (ضربني حاطب، والله إن حاطباً لمن أهل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتَ، كذبتَ، كذبتَ، حاطب من أهل الجنة، إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم).وهذا ثبت، فإن الله عز وجل تجلى للناس يوم بدر، يوم التقى الجمعان، يوم كان المسلمون بالعُدوة الدنيا، وهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منهم، فتجلى لهم الحي القيوم، وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم. وفتح الله لهم أبواب الجنة؛ فهم من أفضل الناس، ومن أفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
 موقف النبي صلى الله عليه وسلم من حاطب
استدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة، وقال: ما حمَلك على ما فعلتَ؟ -كيف خنتَ الله ورسوله- فقال حاطب: والله يا رسول الله! ما تبدلت بالكفر بعد الإيمان، ولكني رجل حليف لقريش، ولستُ من أنفس قريش، وأطفالي وأهلي ومالي عند قريش، وأصحابك كل منهم من قريش، فخفت على أهلي ومالي، فأردت أن أتخذ يداً عندهم، فهذا الذي حملني على ما صنعتُ، فقام عمر فقال: يا رسول الله! دعني لأضرب عنق هذا المنافق، فإنه خان الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عمر! أما تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم -وكان حاطب من أهل بدر - فبكى عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، فأنزل الله عز وجل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1]} وهذا الحديث اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، وهو يشتهر بحديث حاطب بن أبي بلتعة، وله أسباب أوردها أهل العلم.ثم أخذ الإمام البخاري يستطرد بقصة الفتح، والكتائب التي جمعها صلى الله عليه وسلم.
التهيؤ لفتح مكة
لما انتهى صلى الله عليه وسلم من التحقيق مع هذا الصحابي الجليل عذره وعفا عنه، وأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يتهيئوا، فكانوا عشر كتائب: سعد بن هُذَيْم، وجُهَيْنة، وأسد، ومُزَيْنة، وأشجع، وغِفار، وأسلم، ومَن لَفَّ لفَّهُم، والأنصار في كتيبة، والمهاجرون في كتيبة.ومضوا رضوان الله عليهم وأرضاهم والرسول صلى الله عليه وسلم قائدهم، وقد أنزل عليه من ذي قبل: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:1-2] فقالوا: أي فتح يا رسول الله؟ فأخبرهم أنه فتح خيبر، ثم فتح مكة.وتحرك عليه الصلاة والسلام هو والجيش وكان في رمضان، فلما بلغ الكديد شق الصيام على الناس، وكانوا ما يقارب عشرة آلاف، فدعا بالإفطار، فأفطر صلى الله عليه وسلم وأعلن الإفطار في الناس، فأفطروا جميعاً إلا بعض الناس أبوا أن يفطروا، وتحرجوا وتأثموا.يا سبحان الله! أتقى الخلق لربه، وأخشاهم لمولاه، رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر في رمضان، وهم يتحرجون؟! فلما سمع صلى الله عليه وسلم أنهم لم يفطروا قال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة) وهذا في صحيح مسلم.فلما بلغوا مَرَّ الظهران قال أنس: (فنزلنا، فأتى صلى الله عليه وسلم في منزل، فمَرَّت أرْنَبَة، فأنفجناها -أي: طاردناها- ففرت فصدتُها، فأتيت بها أبا طلحة، الفار المشهور، فذبحها وطبخها، وأهدى وِركها لرسول البشرية صلى الله عليه وسلم فقَبِلَه وأكله). وهذه من الأحداث التي حدثت في الطريق، يرويها ابن كثير وابن حجر، متابَعةً لوقائع انتقال الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة.ونزل صلى الله عليه وسلم قبل الظهر، فوجد الأراك وعليه ثمرٌ أحمر، فبدأ يأكل صلى الله عليه وسلم منه، فلما رآه الصحابة نزلوا يأكلون معه مشاركة له؛ لأنهم إذا رأوه في أمر شاركوه فيه من الحب ومن التوقير والاحتشام، فقال:( عليكم بالأسود من الكُباث -أي: من الثَمَر- فتبسم الصحابة، وقالوا: كأنك رعيت الغنم يا رسول الله قال: نعم رعيتها. وما من نبي إلا رعى الغنم.) لأنه لا يعرف الثمر الأسود من الأحمر من الجيد من الكُباث إلا من رعى الغنم، فأخبرهم بذلك.وصل عليه الصلاة والسلام إلى مشارف مكة، وما أتى قريشاً؛ لأنه دعا عليهم أن يأخذ الله أبصارهم وأسماعهم، فلا يأتيهم أي خبر، فما علموا أبداً أنه تحرك بجيش، وهذا خلاف ما أقره العقلاء - باستقراء من أحوال الأمم - أن الجيوش العظيمة إذا تحركت من مكان إلى مكان لا بد أن يأتي خبر، من التجار والرعاة، والمسافرين، والمتنقلين، والأعداء، ومن الجواسيس؛ لكن هؤلاء ما أتاهم أي خبر، وهم في مكة.
 تقسيم الجيش
وعندما نزل عليه الصلاة والسلام قسَّم جيشه إلى أربع كتائب:الكتيبة الأولى: يقودها سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه وهي (كتيبة الموت) كما سماها أبو سفيان -و(الموت الأحمر)كان كامناً في هذه الكتيبة كما يقول ابن حجر - وقائدها سعد بن عبادة الخزرجي رضي الله عنه وأرضاه.الكتيبة الثانية: يقودها خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه ودخل من الخندمة، وهي التي قاتلت أشد القتال يوم الفتح.الكتيبة الثالثة: يقودها أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه.الكتيبة الرابعة: يقودها الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه حواريِّ الرسول عليه الصلاة والسلام وقد أتت من جنوب مكة.فلما نزلوا طوَّقوا مكة من كل النواحي، وأمر الرسولُ عليه الصلاة والسلام الجيشَ أن يشعل كل واحد منهم ناراً تتوقد، فقام كل جندي وجمع حطباً وأشعل ناراً، فأخذت جبال مكة تلمع في الليل، حتى أصبح كأنه نهار، فخرج أبو سفيان، وأخبره بعض الرعاة: أنهم يرون ناراً في جبال مكة، فقال للعباس: يا أبا الفضل! اخرج معي فإني سمعتُ أن هناك نيراناً في نواحي مكة، فخرجوا ومعهم حكيم بن حزام وبُدَيْل بن وَرْقاء، فنظروا إلى الجبال، قال أبو سفيان: ما هذه النيران؟ كأنها نيران عرفة، أي: يوم الحج، فقال حكيم: أظنها نيران بني عمرو، قال: بنو عمرو أذل وأقل من ذلك، قال: أظنها نيران خزاعة، قال: خزاعة أذل وأقل من ذلك، فقال العباس لما علم أنه الرسول عليه الصلاة والسلام: يا أبا سفيان، أنقذ نفسك، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلنك بكرةً نهاراً، قال: وما الحل يا أبا الفضل! فداك أبي وأمي؟ قال: اركب معي، فهذه بغلة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكانت بغلته شهباء، فركب في عجزها، ومر بالمخيمات والمعسكرات خيمة خيمة ومعسكراً معسكراً، لا يعرفه الأنصار، لا يعرفون أبا سفيان إلا النادر منهم، ولا تعرفه قبائل العرب. فلما مر بخيمة عمر، ثار عمر إلى خيمته فاختلع سيفه سالاًّ إياه، وأتى وراء البغلة، فلما رأى العباسُ أن عمر يطاردهم، حرك البغلة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وعمر ينادي في الناس: عليكم بـأبي سفيان، عدو الله، أمكن الله منه، فدخل أبو سفيان وراء العباس في خيمة الرسول عليه الصلاة والسلام حيث القيادة، وحيث الحِلْم والكرم.من زار بابك لم تبرح جوانبه تروي أحاديث ما أوليتَ من مِنَنِ فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر، والسمع عن حسنِ فنزل العباس، وأنزل أبا سفيان، فلما رآه صلى الله عليه وسلم تربع، وقال: {يا أبا سفيان! أما علمتَ إلى الآن أن (لا إله إلا الله)؟ أما علمتَ أنه لا أكبر من الله؟ فما لك تفر يا أبا سفيان؟ فدخل عمر ولم يَرُد أبو سفيان، فقال عمر: يا رسول الله! أمكني من عدو الله ومن عدو رسوله والمسلمين، هذا أبو سفيان أمكن الله منه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اجلس يا عمر} والسيف مسلول بيد عمر رضي الله عنه وأرضاه.قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها فنزل وجلس، فأخذ عمر يُلِحُّ، لا يريد الصلح مع أبي سفيان، يريد قَتْله، فقال العباس غضباناً: {هوِّن يا عمر! فوالله لو كان من بني عدي بن كعب ما فعلتَ ذلك -يقصد: أسرة عمر - فقال عمر: وهوِّن أنت يا عباس! فوالله لإسلامك أحب إلي من إسلام أبي الخطاب؛ لأن إسلامك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام أبي، وما يحبه صلى الله عليه وسلم أقدم مما أحبه أنا، ثم تكلم صلى الله عليه وسلم مع أبي سفيان، فقال: ألا تقل: لا إله إلا الله؟ فقال أبو سفيان: ما أحلمك! وما أكرمك! وما أوقرك! وما أجلك! -ومن هذا الكلام الذي يريد أن يستدر عطف الرسول عليه الصلاة والسلام به، فقال العباس: يا أبا سفيان، أسلم، لا يقتلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: اشهد أني رسول الله، قال: أما هذه ففي النفس منها شيءٌ، قال العباس: يا أبا سفيان! أسلم، قال: وأشهد أنك رسول الله -دفعها؛ لأنه خاف من السيف المصلت- فقال عليه الصلاة والسلام لما خرج أبو سفيان، وقد حقن دمه بالإسلام، قال لعمه العباس: يا عم! احبسه عند غدير الخُطَم} وقيل: {عند العُقُنْقُل} وقيل: {عند مجرى الوادي حتى تمر عليه الكتائب في الصباح} لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خشي منه أن يذهب فيدبر جيشاً يصادم جيش الرسول عليه الصلاة والسلام فيريد أن يرهبه برؤية الجيش يوم يَمُر، فذهب به العباس فأنزله عند الخُطُم، فأوقفه.ولما ظهر الصباح، وأشرقت الشمس أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الجيش أن يتحرك إلى مكة، لأن الله يقول: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح:1].واستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلالِ فوقف أبو سفيان ومعه العباس فمرت (كتيبة جهينة) وهم ألف مقاتل، لا يرى منهم إلا الحدق، أي: مدجَّجون بالسلاح، قال: من هذه؟ قال: جهينة، قال: وما لي ولجهينة، بمعنى: هل أنا قاتلتُ جهينة؟ ثم مرت كتيبة غِفار فقال: من هذه؟ قال: غِفار، قال: وما لي ولغِفار، حتى مرت كتيبة الموت معها سعد بن عبادة، وهم الأنصار، وهي أعظم كتيبة وجدت في الجيش، فلما مرَّ سعد بن عبادة زاحم أبا سفيان عند مضيق الوادي، حتى كاد أن يُتْلِفَه من مكان هناك، ثم قال: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة، يقصد: يوم القتل، فصفَّق أبو سفيان بيديه، وقال: أُبيدت خضراء قريش، أي: معناه القتل، وذهب أبو هريرة يسعى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو في آخر الجيش، وقال: يا رسول الله! أما سمعتَ ماذا يقول سعد بن عبادة؟ قال: ماذا يقول؟ قال: اليوم يوم الملحمة، قال: خذ الراية من سعد بن عبادة -كالمؤدِّب والمعزِّر له- واعطها ابنه قيس بن سعد، فانظر إلى الحكمة، لو أخذها منه إلى غيره لغَضِبَ سعد، ولو تركها عنده خاف أن يُفْشِي قتالاً؛ لأن الرجل جديرٌ وشجاع ومن أرهب الرجال، فأخذها منه تعزيراً لـه، ودفعها إلى ابنه لئلا يجد في نفسه، فأخذها قيس بن سعد، ومضى عليه الصلاة والسلام فلما مرَّ بـأبي سفيان قريباً منه، قال أبو سفيان: من هذا؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون، وكان بعيداً عنه قليلاً، فقال: من هذا الرجل الذي يتبسم إليه ويتبسم إليه أي: أن هذا يتبسم لهذا وهذا يتبسم لهذا، قال: هذا أبو بكر، قال: لقد عظم قدر ابن أبي قحافة، أي أنه كان في الجاهلية ما له ذاك الصيت كـأبي سفيان، والآن هو من القواد الكبار مع الرسول عليه الصلاة والسلام
فتح مكة
ومرَّ عليه الصلاة والسلام فقال: (متى تسمعوا بأول راية تصل إلى الحرم فأخبرونا) فكان الزبير بن العوام، أبو عبد الله، الحواريّ الكبير هو أول من كان له شرف السبق، نزل بجيشه بـ(ريع الحُجُون) قريباً من الحرم، فنصب رايته، فلما رآها صلى الله عليه وسلم تلمع مع الهواء، دمعت عيناه فرحاً بنصر الله، ونكس رأسه تواضعاً لله عز وجل. قال ابن كثير: فانظر إليه في وقت النصر، كيف يتواضع ويهضم نفسه عليه الصلاة والسلام؟!ثم مضى صلى الله عليه وسلم وكان يسأل: (هل هناك من قتال في أطراف الناس؟) فيخبرونه أن لا قتال، ويلتفت عليه الصلاة والسلام إلى جهة الخندمة، وهي مدخل من كِداء، فيجد السيوف تلمع في الضحى، والغبار ينقاد من على جبال مكة، فيسأل: (من هذا؟ فيقولون: خالد بن الوليد يقاتل كفار قريش فاحمرَّ وجهه صلى الله عليه وسلم) لأنه لا يريد القتال، فأرسل أناساً من الصحابة، اسألوا: ما الخبر؟ فأتوا وأخبروه: أن عكرمة بن أبي جهل رصد كميناً لـخالد، فتقاتلوا معه، فعاد خالد إلى الصحراء، وهذا من دهاء خالد، ولذلك فإن من عباقرة العسكريين في تاريخ العقلاء وفي تاريخ العالم: خالد بن الوليد، وكتب عنه حتى أهل الغرب الأعداء، كتباً جردوها لسياسته، فإنه لما دخل في سكك مكة بالجيش، قام نساء مكة عليه بالحجارة من على السطوح، وخرج عليه مقاتلون من السكك والشوارع، فتظاهر بالانهزام، فانهزم معه الناس، فلما خرج إلى الصحراء، كرَّ عليهم فأباد خضراءهم. ولذلك روى ابن كثير والذهبي أن رجلاً من كفار قريش أخذ سيفه يسمُّه شهراً -يسقيه السم من رأس السيف- وكان يرقص عند زوجته ويتمدح عندها ويقول:هذا سلاحٌ كاملٌ وأَلَّه وذو غِرارَين سريع السله قالت: ماذا تفعل به؟ قال: أفتك بمحمد وأصحابه، وأقودهم لك خدماً يخدمونك في بيتك.وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا فأتت المعركة، فأتى هذا الرجل، فدخل مع صفوان وعكرمة يوم الخندمة، فقاتل فتظاهر خالد بن الوليد بالانهزام، فخرجوا له بنسائهم وأطفالهم، فكر عليهم، فأخذ المسلمون يضربونهم بالسيوف ضرباً لا مرحمة فيه، فدخل هذا الرجل وقد تثلم سيفه ولما دخل بيته أغلق على نفسه الباب وزوجته معه، هذا صاحب التمدح القائل:هذا سلاحٌ كاملٌ وألَّه وذو غِرارَين سريع السلَّه قالت: أين أنتَ؟ ما أجدى عنكَ سيفكَ؟ قال:إنكِ لو شهدتِ يوم الخندمه إذْ فرَّ صفوان وفر عكرمة يقول: إذا كان فر صفوان وعكرمة وهم القادات فأنا من باب أولى.والمسلمون خلفنا في غمغمه يلاحقونا بالسيوف المسلمة أي: أنهم لا يتكلمون مثل الناس.لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه ودخل خالد رضي الله عنه وأرضاه، ولما وصل صلى الله عليه وسلم إلى ريع الحجون - كما يقول ابن كثير - التَفَتَ فرأى الخيالة، -خيالة خالد - وقد دخلوا من سِكَّة من جانبه، وإذا النساء القرشيات الكافرات يلَطِّمْنَ بالخُمُر على وجوه الخيول، يُرِدْن رَدَّ الخيول، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال لـأبي بكر -وكان أبو بكر حفاظة نسابة علامة في الأشعار والأخبار- قال: (يا أبا بكر! كيف يقول حسان؟) لأن حسان يقول قبل ستة أشهر:عَدِمْنا خيلَنا إن لم تروها تثيرُ النَّقْع موعدها كِداءُ تظل جيادنا متمطرات تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُر النساءُ فوقع ما قال تماماً، فإنهم دخلوا من كِِداء، ولطمت النساء الخيل بالخمر، حتى أنه يقول:تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخُمُر النساءُ يرد على أبي سفيان بن الحارث، يقول: هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ أتهجوه ولستَ له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداءُ فتبسم عليه الصلاة والسلام، وأشار وقال: ادخلوا من حيث يقول حسان، ثم دخل عليه الصلاة والسلام، والصحيح عند أهل العلم أنه دخل من باب بني شيبة، وقيل: من باب تجاه المروة؛ لكن لا يهمنا هذا.دخل عليه الصلاة والسلام فلما رأى البيت كبر، وهلل اللهََ عز وجل وأخذ المنادي ينادي: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، فأخذ كفار قريش يلقون السلاح، ويتكدسون في الحرم، ويغلقون عليهم بيوتهم ويدخلون في بيت أبي سفيان، وأخذت هند تتعلق برأس زوجها أبي سفيان، لأنها تقول: إنه هو الذي فشل الناس، أي: ما قاتل، وتقول: ماذا تغني عنك دارُك؟ لا أغناك الله، أو كما قالت.
 أمر الرسول بقتل ابن خطل
ونزل عليه الصلاة والسلام من عند باب الكعبة، وتوجه إلى سارية في آخر المسجد، فجلس وألقى خوذته في الأرض، ثم خلع العمامة ليبرك تحت السارية، وقام الصحابة والسيوف حوله، فقالوا: {يا رسول الله! ابن خطل معلق بأستار الكعبة} أي: ما الحل فيه؟ابن خطل اسمه: عبد الله بن عبد العزى، ونعوذ بالله من الخذلان، يقول ابن تيمية: قد يوجد بعض الأسماء، مثل: بأن يُسمى: تقي الدين، أو صدر الدين، أو ظهير الدين، أو نجم الدين، ومع ذلك يكون من أعدى الأعداء لأهل الدين، وتجد من الناس من يكون اسمه: عبد الله، أو عبد الرحمن، أو عبد الرحيم، أو عبد السلام ويكون من أعداء الله. فهذا اسمه: عبد الله بن خطل أسلم وارتد على عقبه، أرسله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وأعطاه خادماً معه، قال: {هذا يخدمك} انظر إلى الإحسان وحسن الخلق منه صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يجبي بعض الزكوات أو في مهمة، وقال: {هذا خادم يخدمك، وهذان تَيْسان معك، أحدهما غداء لك اليوم، والآخر غداء لك غداً} فذهب فلما قرب من مكة، نام في الطريق، وقال للخادم: اذبح لنا هذا التيس غداءً ونام، والخادم كان كالاً ومالاً وفاتراً فنام أيضاً، فاستيقظ فإذا الخادم نائم وإذا التيس يقظان، فقام على الخادم فقتله. وارتد عن الإسلام, ولم يَكْفِه هذا بل أخذ عوداً ومغنية، وجلس عند الحجر الأسود لتغني له المغنية الشعر الذي يُهْجَى به صلى الله عليه وسلم، فلما أتى يوم الفتح، أراد أن يستنجد بأستار الكعبة، فتعلق بثياب الكعبة، وهو يقول: إنه يريد أن يعفو عنه صلى الله عليه وسلم، فأتى الخبر الرسولَ عليه الصلاة والسلام، قالوا: {ابن خطل معلق بأستار الكعبة، قال: اقتلوه فتناوله الزبير بن العوام وأبو برزة، كلٌّ بيد، حتى طرحوه عند المقام وقتلوه}.
إسلام بعض الوجهاء من كفار مكة
ولما انتهى عليه الصلاة والسلام قام وترك الناس مكانهم، ثم أخذ طريقه إلى بيت أم هانئ، وهي ابنة عمه -أخت علي بن أبي طالب - وكانت مسلمة، لكنها كانت في الحرم، فسبقها صلى الله عليه وسلم إلى البيت، ومعه ابنته فاطمة، فدخلت فاطمة وراء الرسول عليه الصلاة والسلام، وأتى عليه الصلاة والسلام ليغتسل، وهذا من نظافته واعتنائه بجسمه، حتى أن سعيد حوى يقول: مع هذه المشاغل، وهذه الدواعي، والأحداث لم يترك صلى الله عليه وسلم الاعتناء بنفسه وبجسمه. تقدم عليه الصلاة والسلام إلى البيت وأمر فاطمة أن تستره بثوب، فاغتسل عليه الصلاة والسلام، وبينما هو في المغتسل إذ دخلت أم هانئ، وقالت: السلام عليكم، فقال عليه الصلاة والسلام وهو في المغتسل، وفاطمة تستره بثوب، وهي من وراء الثوب: (من هذه؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحباً بـأم هانئ).ولذلك يستدل به بعض أهل العلم في استخدام الألفاظ كـمرحباً وأهلاً وسهلاً، وكلها واردة.فقالت أم هانئ: فجلستُ في البيت وخرج صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة وصلى ثمان ركعات ضحى، قالت: ما أدري هل يقرأ الفاتحة أم لا؟ من سرعة الركعات، قيل: هذه ركعات الضحى،وقيل: ركعات الفتح، فلما سلم عليه الصلاة والسلام التفت إلى أم هانئ، وقال: (ما الخبر؟ قالت: زعم ابن عمك أنه يقتل ابن هبيرة، وقد أجرتُه يا رسول الله! فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ). وابن هبيرة هذا كافر، قريب لـعلي بن أبي طالب. ولما دخل علي رضي الله عنه ذاك اليوم رأى ابن هبيرة بين الناس، فأخذ علي يتفلت عليه بالسيف يريد قتله في الحرم، فأخذ الناس يحولون بينه وبين علي رضي الله عنه وعلي يأبى إلا أن يقتله، فأتى ابن هبيرة النساء، وهن عمات علي وخالاته ليمسكن علياً -لأن ابن هبيرة وعلياً أقارب- فيتفلت علي والسيف مسلول، ويقول: أقتله اليوم، فأتت أم هانئ تقول: أجرتُه أجرتُه، فما سمع لها علي حتى ذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: (قد أجرنا من أجرتِ). فأتت وأخبرت علياً فسكت رضي الله عنه وأرضاه.
 إسلام عكرمة بن أبي جهل
عكرمة بن أبي جهل:-وأما عكرمة فذهب إلى أرض اليمن، فلَحِقَتْه زوجته، فأتت به -ابن الطاغية الكبير، ابن فرعون هذه الأمة: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:27].فأتى عكرمة -فلما رآه الرسول عليه الصلاة والسلام مقبلاً مع زوجته انظر إلى الاحتفاء والعفو والسماحة، لو كان غيره من الأقزام، كان تهدد عكرمة، وقال: انظر كيف فعلنا بكم وهزمناكم وسحقناكم؛ لكن لا، بل قام عليه الصلاة والسلام يجر رداءه حتى لقيه على الفرس، قال: {مرحباً بالراكب المهاجر} -يقصد أنه راكب ومهاجر إلى الله ورسوله، لم يقل: إنك منهزم، وفار، وقال: {مرحباً بالراكب المهاجر، فقال عكرمة: لا أترك موقفاً وقفت فيه ضدك أو مع من حاربك إلا وقفت معك فيه يا رسول الله}. فَصَدَقَ موعود الله، وبايع الله، فبقيت بيعة الإسلام في عنقه حتى يوم اليرموك، يوم انهزمت ميمنة المسلمين في عهد أبي عبيدة وخالد، فقام عكرمة وذهب إلى خيمته، فاغتسل وتحنط ولبس أكفانه، وسل سيفه، وقال: من يبايعني على الموت؟ فبايعه أربعمائة بطل، فشق بهم الصفوف، وقُتِلوا وأُتِي به إلى خالد، وقد تجندل، وكان قبلها يقرأ القرآن ويقبله ويبكي ويقول: [[كلام ربي كلام ربي]] واستدل بعض أهل العلم على جواز تقبيل المصحف من فعل عكرمة. ولا بأس بالاستطراد مع عكرمة. فلما أُتي به إلى خالد، وضعه خالد في حجره، ووضع ابن عكرمة وكان شاباً صغيراً في حجره كذلك؛ لأن خالد هو القائد، وأتى بـالحارث بن هشام رضي الله عنه وأرضاه. الحارث بن هشام: عم عكرمة، أخو أبو جهل، انظر كيف هدى الله حارثاً إلى الجنة، وأخذ أبا جهل إلى النار. و الحارث بن هشام من أغنى أغنياء مكة، كان يطوف بجفنته على رأسه مكللة بالثريد كل صباح إلى الأيتام والمساكين.فلما خرج إلى الجهاد في الشام بكى أهل مكة جميعاً عليه، والحارث بن هشام، هو الذي هجاه حسان يوم بدر، لأنه فر من بدر، حين كان مع المشركين، فيقول حسان:إن كنتِ كاذبةَ الذي حدثْتِنِي فنجوتِ منجى الحارث بن هشامِ ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجى بفضل طمرَّةٍ ولجامِ فلما أتى يوم اليرموك صدقوا الله جميعاً فقُتِلوا، فكانوا أربعة: فقال خالد لـعكرمة: ماذا تريدون؟ فما استطاع عكرمة أن يتكلم -لأن الموت قد داخَلَهُ، وموعود الله عز وجل قد وصله، والعهد الذي قطعه مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قد ختمه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111]-.فظن خالد أنهم يريدون الماء، فَدُعِا بماء بارد من الخيمة، فقدمه لـعكرمة فرفض، وأشار إلى عمه الحارث، ليشرب قبله -انظر إلى الإيثار حتى في سكرات الموت: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها الأشجارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا فوصل الماء إلى الحارث، فقال: إلى عكرمة، فأعطوه عكرمة فرفض إلا أن يشرب المسلم الرابع قبله، فرفض المسلم، فعادوا إلى عكرمة، فوجدوه قد مات، ودفعوه إلى الحارث، فإذا هو قد فارق الحياة، وإلى الثالث فإذا به قد مات، وإلى الرابع فوجدوه ميتاً، فرمى خالد بالكوب، وقال: [[اسقهم في جنتك، زعم الناس أنا لا نموت، بلى والله نموت تحت قصع السيوف وضرب الرماح]].
حب الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم
ووصل بعض الناس، وأسلموا عند الرسول عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، فقبل إسلامهم، وعاد عليه الصلاة والسلام وإذا الأنصار قد اجتمعوا، فقال: ما لكم رحمكم الله؟ فإذا التأثر قد ظهر عليهم، وبعضهم قد دمعت عيناه، وقالوا: يا رسول الله! سمعنا أنك تقول: سوف تقيم في مكة وتتركنا في المدينة، وكان المتكلم سعد بن عبادة -كما قيل- وقال: يا رسول الله! نصرناك، وآويناك، وبعدها تقيم مع أهل مكة وتتركنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: (الحياة حياتكم، والموت موتكم). ولذلك أكثر من يَرِدُ الحوض والرسول عليه الصلاة والسلام واقف يسقي الناس جماعات، الأنصار، وهو يقول لهم في الدنيا: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض) فهو العلامة الفارقة بين الأنصار والوعد، والرمز الذي جعله صلى الله عليه وسلم هو الحوض المورود، وطوله شهر، وعرضه شهر، والرسول عليه الصلاة والسلام على الصحيح يسقي الناس بيده صلى الله عليه وسلم، فهو يسقيهم بيده يوم القيامة، نسأل الله أن يسقينا بتلك اليد الشريفة، وبذاك الحوض المورود شربة لا نظمأ بعدها أبداً.(فلما أقنعهم صلى الله عليه وسلم فرحوا وارتاحوا، وأتى رجل آخر، فقال: أين تنزل غداً يا رسول الله؟ -يقصد: في مكة، هل لك أملاك تنزل فيها؟- قال: وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟) و عقيل بن أبي طالب، ابن عم الرسول عليه الصلاة والسلام، أخو علي وأبو طالب مات مشركاً كما تعرفون وقد خلَّفَ أربعة أبناء: أما اثنان فسبقا إلى الإسلام، وكانا نجمين ساطعين في تاريخ الدعوة المحمدية والرسالة الخالدة: جعفر الطيار: الذي مُزِّق وقُطِّع في مؤتة، والذي ارتفع إلى الله وله جناحان، يطير بهما في الجنة حيث يشاء. أبو الحسن علي بن أبي طالب: الزاهد العابد، صانع الكلمة الحارة.وأما الآخران فكانا غير مسلمَين:طالب: مات مشركاً.عقيل: كان همه بيع الأملاك، أملاك الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة، وأملاك علي بن أبي طالب، يوزعها على الكفار، فباعها جميعاً.فهم جميعاً أربعة:طالب أكبر من عقيل بـ(10) سنوات.و عقيل أكبر من جعفر بـ(10) سنوات.و جعفر أكبر من علي بـ(10) سنوات.و علي الأصغر.فبين الأكبر والأصغر (40) سنة.فلما سُئِلَ الرسول صلى الله عليه وسلم: أتنزل في دارك؟ -أي: قبل أن تهاجر- قال: (وهل ترك لنا عقيل من رباع؟) أي: ما أبقى لنا شيئاً، لا بيتاً ولا وادياً، والله المستعان.لما حانت صلاة الظهر سكت الناس جميعاً، وأمر صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يقوم فيؤذن على الكعبة. وكان يستطيع أن يؤذن على البساط أو بجانب سارية؛ لكن هكذا؛ ليكون صوت الحق عالياً، وكأنه يقول: هذا العبد الفقير الحقير الذي أخرجتموه، والذي ردَّد: أحدٌ أحد، يردد الآن صوت الحق.وكان بلالٌ قليل اللحم، فقيل: لَمَّا تسلق الكعبة كان كأنه صقر، لم يكن هناك سُلَّم، وإنما وثب وثباً حتى صعد.فلما صعد أخذ يصدح بصوته الندي الشجي الذي يأخذ بأطناب القلوب.فيقول عتاب بن أسيد، أحد سادات مكة: لقد كان من الفتح أن يموت أسيد قبل أن يسمع هذا الغراب يؤذن على هذا المكان.ويقول عمرو بن سعيد بن العاص: لقد كان سعيد موفقاً يوم أن لم ير هذا السواد على هذا البيت، وسعيد هو أبوه، وكان قد قتل في بدر.ويقول أبو سفيان: دعوه، فإن كان موفقاً أَتَمَّ، وإلا فسوف يخسف الله بهم الكعبة، بمعنى: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان موفقاً في دعوته أَتَمَّ الله له، وإلا فسوف يخسف الله بهم الكعبة؛ لأنهم أطلعوا العبد على الكعبة، انظر إلى الورع والزهد!! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35] أي: هل هؤلاء أهل صلاة وأهل عبادة؟! إنهم لا يعرفون إلا تصفيقاً وغناءً.ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: سَامِراً تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67].ولذلك ليسوا بأوليائه؛ إنما أولياؤه: محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه.فلما أذن ذلك اليوم، كان يوماً مشهوداً في تاريخ البشرية، وكان ميلاد مكة ذلك اليوم، وكان هو الفتح، فإنها - كما يقول أبو ريشة:فاستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلالِ لأنه قبل هذا البيت قال:قال: ياعمِّ! لا تدعني هنا وحدي ما لي سواك من مفضالِ فتلقاه بالدموع وسارت بهما الخيل في شعاب التلالِ فاستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلالِ فرضي الله عن بلال، وأكرم مثواه، وحشرنا معه، ومع كل صِدِّيق.وعاد عليه الصلاة والسلام بعد هذا الفتح، وأحداثه تطول؛ لكن فيها دروس وعبر، وسيرته صلى الله عليه وسلم مناطها يدور على ثلاثة أمور:الأمر الأول: العقيدة:فإن المعتقد يطلب من السيرة.الأمر الثاني: الأحكام:فإن السيرة مليئة بالأحكام. قال ابن سريج الشافعي: من أراد دقائق الأحكام فليقرأ السيرة.الأمر الثالث: الآداب والسلوك والتربية:فإنها في السيرة.
 إسلام عكرمة بن أبي جهل
عكرمة بن أبي جهل:-وأما عكرمة فذهب إلى أرض اليمن، فلَحِقَتْه زوجته، فأتت به -ابن الطاغية الكبير، ابن فرعون هذه الأمة: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:27].فأتى عكرمة -فلما رآه الرسول عليه الصلاة والسلام مقبلاً مع زوجته انظر إلى الاحتفاء والعفو والسماحة، لو كان غيره من الأقزام، كان تهدد عكرمة، وقال: انظر كيف فعلنا بكم وهزمناكم وسحقناكم؛ لكن لا، بل قام عليه الصلاة والسلام يجر رداءه حتى لقيه على الفرس، قال: {مرحباً بالراكب المهاجر} -يقصد أنه راكب ومهاجر إلى الله ورسوله، لم يقل: إنك منهزم، وفار، وقال: {مرحباً بالراكب المهاجر، فقال عكرمة: لا أترك موقفاً وقفت فيه ضدك أو مع من حاربك إلا وقفت معك فيه يا رسول الله}. فَصَدَقَ موعود الله، وبايع الله، فبقيت بيعة الإسلام في عنقه حتى يوم اليرموك، يوم انهزمت ميمنة المسلمين في عهد أبي عبيدة وخالد، فقام عكرمة وذهب إلى خيمته، فاغتسل وتحنط ولبس أكفانه، وسل سيفه، وقال: من يبايعني على الموت؟ فبايعه أربعمائة بطل، فشق بهم الصفوف، وقُتِلوا وأُتِي به إلى خالد، وقد تجندل، وكان قبلها يقرأ القرآن ويقبله ويبكي ويقول: [[كلام ربي كلام ربي]] واستدل بعض أهل العلم على جواز تقبيل المصحف من فعل عكرمة. ولا بأس بالاستطراد مع عكرمة. فلما أُتي به إلى خالد، وضعه خالد في حجره، ووضع ابن عكرمة وكان شاباً صغيراً في حجره كذلك؛ لأن خالد هو القائد، وأتى بـالحارث بن هشام رضي الله عنه وأرضاه. الحارث بن هشام: عم عكرمة، أخو أبو جهل، انظر كيف هدى الله حارثاً إلى الجنة، وأخذ أبا جهل إلى النار. و الحارث بن هشام من أغنى أغنياء مكة، كان يطوف بجفنته على رأسه مكللة بالثريد كل صباح إلى الأيتام والمساكين.فلما خرج إلى الجهاد في الشام بكى أهل مكة جميعاً عليه، والحارث بن هشام، هو الذي هجاه حسان يوم بدر، لأنه فر من بدر، حين كان مع المشركين، فيقول حسان:إن كنتِ كاذبةَ الذي حدثْتِنِي فنجوتِ منجى الحارث بن هشامِ ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجى بفضل طمرَّةٍ ولجامِ فلما أتى يوم اليرموك صدقوا الله جميعاً فقُتِلوا، فكانوا أربعة: فقال خالد لـعكرمة: ماذا تريدون؟ فما استطاع عكرمة أن يتكلم -لأن الموت قد داخَلَهُ، وموعود الله عز وجل قد وصله، والعهد الذي قطعه مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قد ختمه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111]-.فظن خالد أنهم يريدون الماء، فَدُعِا بماء بارد من الخيمة، فقدمه لـعكرمة فرفض، وأشار إلى عمه الحارث، ليشرب قبله -انظر إلى الإيثار حتى في سكرات الموت: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها الأشجارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا فوصل الماء إلى الحارث، فقال: إلى عكرمة، فأعطوه عكرمة فرفض إلا أن يشرب المسلم الرابع قبله، فرفض المسلم، فعادوا إلى عكرمة، فوجدوه قد مات، ودفعوه إلى الحارث، فإذا هو قد فارق الحياة، وإلى الثالث فإذا به قد مات، وإلى الرابع فوجدوه ميتاً، فرمى خالد بالكوب، وقال: [[اسقهم في جنتك، زعم الناس أنا لا نموت، بلى والله نموت تحت قصع السيوف وضرب الرماح]].
بعض المعجزات التي حدثت في فتح مكة

 معجزة الرسول مع أبي سفيان
أورد ابن كثير قوله: ومر عليه الصلاة والسلام وإذا بـأبي سفيان جالس عند المقام، لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد الصلح والعفو وبعد الدخول والخطبة، جلس أبو سفيان يقول في نفسه: كيف تجتمع العرب على محمد هذا الاجتماع؟! لأغزونه بالجيش مرة ثانية -يقول في نفسه، لم يحدث أحداً- فأتى صلى الله عليه وسلم فقال: أما آن لك يا أبا سفيان؟ قال: وماذا فعلتُ يا رسول الله؟ قال: تقول لنفسك: كذا وكذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
بعض الفوائد من فتح مكة
في هذه القصة -كما قلنا- دروس وفوائد:
  عدم عودته صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى مكة
الفائدة الرابعة والعشرون: عدم عودته صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى مكة:-فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ما عاد إلى مكة، وما لبث فيها بعد الهجرة.هذا، ونسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يفقهنا وإياكم في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي سيرته، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يأخذ بأيدينا لكل خير.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مكة في يوم الميلاد للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net