اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الرسالة في الإسلام للشيخ : عائض القرني


آداب الرسالة في الإسلام - (للشيخ : عائض القرني)
الرسالة وسيلة مهمة من وسائل الدعوة، وقد استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته في الدعوة إلى الله.لكن لكتابة الرسالة أحكام وآداب، لابد من معرفتها، وفي هذه المادة تعرض لتلك الآداب والأحكام.
حديث رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:فنسأل الله تعالى أن يجمعنا بكم وبكل مؤمن يريد الله والدار الآخرة في دار الكرامة، فإنه لا جمع في هذه الدار، وإنما هي دار الهم والحزن والغم، وما فيها أنس إلا بمثل هذه الوجوه الصالحة النيرة، وما هناك أنس إلا بسماع قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أنزل نور مع هذا النور الوهاج الذي أرسله محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا.نور الهداية ونور الوحي ونور الرسالة، وكل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يشرق بهذا الدين فهو قلب مغضوب ومسخوط عليه.يحدثنا الإمام البخاري فيقول: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلاً، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: "فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق". هذا الحديث ذكره الإمام البخاري تحت (باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان).في هذا الحديث مسائل:أولاً: ترجمة بعض الرجال الذين روى لهم البخاري ولا نأخذ رجال السند كله، لأننا أعفينا أنفسنا وأعفيناكم من طول السند، ولكن نذكر بعضهم، وأنتم تعرفون أن المقصد من عرض تراجم السلف الصالح هو التربية، وإثارة الحمية فينا أن نقتدي بآبائنا وأجدادنا الذين سلفوا.
 عبد الله بن حذافة حامل الرسالة
أخبر ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلاً، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين -والبحرين هي الأحساء - فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه، فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق.وبعد وصول هذه الرسالة إلى كسرى أرسل كسرى إلى واليه في اليمن، وأمره أن يرسل رجلين يأتيان بمحمد صلى الله عليه وسلم مقيداً، فذهب الرجلان هذان حتى وصلا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ماذا جاء بكما؟ قالا: أتينا نأخذك ونوصلك إلى كسرى.بهذه البساطة يأخذون رسول البشرية صلى الله عليه وسلم، ويشاء الله أن يسحب آل كسرى من على كراسيهم، ويداسون بخيول المسلمين بعد أقل من خمسة عشر عاماً من هذه الرسالة، فيقول صلى الله عليه وسلم: {من أمركما بحلق لحاكما؟ قالا: ربنا أمرنا بذلك، قال: فإن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي} ثم مكثا عنده، فقال صلى الله عليه وسلم: {إن ربي قتل ربكم البارحة}.فأرخوا من تلك الليلة، فوجدوا أن كسرى قتل في تلك الليلة، وقاتله هو ابنه.ومزق الله ملك الأكاسرة بدخول سعد المدائن، فدخل سعد إيوان كسرى وهو يتلو قول الله عز وجل: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِين َ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29]. وهذا الرجل الذي بعثه صلى الله عليه وسلم بالكتاب هو عبد الله بن حذافة، الرجل الدعوب المرح، القرشي المهاجري الكبير، الإمام الأمير، ولاه صلى الله عليه وسلم على بعض السرايا، وكان فيه دعابة لما ودع الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله! مرهم أن يطيعوني، فقال صلى الله عليه وسلم: أطيعوه ولا تعصوه، فأخذها فرصة رضي الله عنه، فقال لهم: اجمعوا حطباً، فجمعوه، قال: أشعلوا الحطب، فأشعلوه، قال: ادخلوا في النار! هكذا قال، فتهيبوا، قال: أما قال لكم الرسول صلى الله عليه وسلم: أطيعوني، وهو صلى الله عليه وسلم يريد الطاعة بالمعروف، لا على إطلاقها، قال: فَهَمَّ بعضهم أن يلقي بنفسه في النار، وأحجم بعضهم، فتم أمرهم بالإجماع الأخير أن يعرضوا الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.فإن أمرهم بذلك اقتحموا النار، فلما وصلوا المدينة، قالوا: يا رسول الله! أمرنا عبد الله بن حذافة الذي أمرته، فجمعنا حطباً وأشعلنا ناراً وهممنا أن نقع في النار، ولكن قلنا: نعرض الأمر عليك فما عصيناه، فتبسم صلى الله عليه وسلم، وقال: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} ثم قال: {لو دخلوها ما خرجوا منها} وذلك جزاء لهم لأنها معصية، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لا يريد من الإنسان أن يهلك نفسه، لكن كان عبد الله بن حذافة يمزح.كان من مواقفه المشهودة أنه وقع أسيراً في الروم، وكان معه بعض الأسرى، فقال ملك الروم: أخرجوا لي أعقلهم وأذكاهم كي أكلمه فخرج عبد الله بن حذافة فقال له: يا عبد الله! أتريد أن أعطيك نصف ملكي وآبائي وأجدادي وتعود عن ملة محمد صلى الله عليه وسلم، قال: [[والله لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أعود عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت]] قال: خذوه وألقوه في قدر يغلي، فلما ذهبوا به ووجد بعض الأسارى قد تفسخت لحومهم عن عظامهم، وهي تغلي بهم، بكى رضي الله عنه.فأعاده الجنود إلى العظيم، وقالوا: إنه بكى قال: لماذا بكيت؟ قال: [[أبكي على أنه ليس لي إلا نفس واحدة تُعذب؛ فليت لي بعدد شعر رأسي أنفساً تعذب في سبيل الله]] قال: والله لا أطلقك حتى تُقبِّل رأسي، فقبل رأسه وتفل عليه، فأطلقه وأطلق الأسارى معه، فلما وصل عبد الله بن حذافة إلى المدينة، ودخل المسجد، قال عمر: [[حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة]] فاجتمع عليه المسلمون في المسجد يقبلون رأسه، فكان يفر في ميمنة المسجد فيلحقونه إلى الميمنة، فيأخذ الميسرة، فيلحقونه إلى الميسرة ليقبلوا رأسه، فيمزح يقول: تريد يا أمير المؤمنين أن تجعل رأسي من التقبيل أصلع كرأسك؛ لأن عمر رضي الله عنه ليس في رأسه شعر، رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد مات عبد الله شهيداً ورفع الله درجته عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، نسأل الله أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته.
آداب الرسائل
وقبل أن ندخل شرح رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، أحب أن أبين آداب الرسالة أو الكتابة في الإسلام.
 حديث سرية عبد الله بن جحش
يقول البخاري: واحتج بعض أهل البخاري في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث وكتب لأمير السرية، وقال: {لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا} فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.ومفاد هذه القصة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل رجلاً من الصحابة، فقال: اذهب إلى وادي نخلة، وائتني بخبر قريش، فذهب هذا الرجل، فلما جاع في الطريق عاد بالسرية، ودخل المدينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أرسلتك؟ قال: يا رسول الله! ذهبت فأصابني جوع وظمأ فعدت.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والله لأرسلن معكم رجلاً يصبر على الجوع والظمأ، أين عبد الله بن جحش؟} القرشي الكبير الخطيب الذي قتل في أحد رضي الله عنه وأرضاه، وهو أول أمير سمي في الإسلام، فأرسله صلى الله عليه وسلم، وكتب له كتاباً، وقال: {لا تقرأ هذا الكتاب إلا بعد يومين، واقرأه على أصحابك ولا تُكره أحداً} أي: بعد أن تقرأ الكتاب لا تكره أحداً على المضي معك، فلما ذهب ليومين يريد وادي نخلة جهة مكة، قرأ الرسالة وفضها، وقرأها على الناس، فعاد رجلان ممن كانا معه، وذهب الجميع معه رضي الله عنه وأرضاه، فلما وصولوا إلى وادي نخلة، عرضت له قافلة لقريش فيها عمرو بن الحضرمي فقتلوه في رجب، وهو من الأشهر الحرم، فقالت قريش: كيف يستبيح محمد القتل في الأشهر الحرم؟انظر ما أحسن ورعهم! يخرجون الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، ويطردونه، ويبيعون أملاكه، ويفتون بالورع والزهد، يقولون: كيف تقتلون ابن الحضرمي في الأشهر الحرم؟ فأنزل الله عز وجل: يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217].أي: تخرجون الرسول صلى الله عليه وسلم، وتكفرون بالله، وتبصقون في المسجد الحرام، وتطردون أهل المسجد الحرام، وتستفتون الآن، أتى عندكم الورع؟ عجيب هذه الفتوى وهذا الذكاء، ويشبه هذا قول ابن عمر حين أتاه رجل من أهل العراق في الحج، قال: يا أبا عبد الرحمن ما حكم قتل البعوضة للمحرم؟ قال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: [[قاتلكم الله يا أهل العراق! لطختم أصابعكم بدم الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألون عن دم بعوضة]] يقتلون الحسين ويسألون عن البعوضة.هذا مثل من يحافظ على الإبرة ويُضِّيع الجمل، فلما قتلوه رضوان الله عليهم وأرضاهم وعادوا، كانت معركة بدر بعدها، لأن هذا القتل كان في السنة الثانية، هذا مفاد هذا الحديث، وما هناك شيء يستوجب الإطالة والوقوف عنده، ولكن ننتقل إلى قضايا أخرى تمر بنا في السند.
حديث نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم
قال البخاري رحمه الله: وعنقتادة عن أنس بن مالك، قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً، أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت: لـقتادة، من قال: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس.
 ترجمة رجال الحديث (قتادة)
وقتادة وهو قتادة بن دعامة السدوسي، والعجيب في أسماء المحدثين أن أكثرها على السجع، يقولون: إنه ولد أعمى فكان أحفظ أهل الدنيا.يقول ابن المبارك: [[ إذا غير الدهر حفظ أحد من الناس فما غير حفظ قتادة]]. وفد قتادة على سعيد بن المسيب العالم الكبير الزاهد الذي دخله لا يكفيه ولا يكفي أحداً، فجلس عنده ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام قال سعيد بن المسيب: متى تخرج يا أعمى من بيتي فقد أنهكت مالي؟لأن سعيد بن المسيب ليس عنده دخل ولا راتب، عنده قطعة من الخبز، وقليل من الزيت، وقليل من العدس، فكان دائماً إذا أتى الصبوح وإذا قتادة جالس، يأتي الغداء وإذا قتادة على المائدة، وكذلك العشاء، فقال: متى تخرج يا أعمى فقد أنهكت مالي؟ قال سعيد بن المسيب: ما رأيت أحفظ منه، سمعت له سورة البقرة فوالله ما أخطأ في حرف، وكان يقول: إذا نزلت السوق وضعت أصابعي في أذني حتى لا أسمع شيئاً فأحفظه.ومن حفظه أمسكه عمران بن حطان الخارجي في السوق، وهو شاعر من الخوارج، وهو الذي يقول في مدح ابن ملجم الذي قتل علياً: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً إني لأذكره يوماً فأحسبه بين البرية أوفى الناس ميزانا فَرُدَّ عليه:يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إني لأذكره يوماً فأحسبه من شر خلق عباد الله ميزاناً وكان عمران بن حطان من أشعر العرب، فأمسك قتادة في السوق، فقال: احفظ مني يا أعمى بيتين لا تنساهما أبداً، قال: قل، قال: أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجُوَّع أراها وإن كانت تسر فإنها سحابة صيف عن قريب تقشع أي: الدنيا.وللعلم فإن قتادة مدلس، إذا عنعن فانتبه له، إلا عند البخاري فإن البخاري يعرف من أين تؤكل الكتف، فلا يأتي بأحاديث مدلسة، لكن إذا قال (عن) في غير الصحيحين فانتبه للرجل فإنه يدلس، قد يكون بينه وبين هذا الرجل اثنين فيقول عنه، مثل أن ألقاك مثلاً فأروي عنك أحاديث، وبعد فترة آتي بأحاديث عن رجال عنك، وأقول: عن فلان، فيتوهمون أني رويته عنك، هذا هو التدليس.
حديث اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً
عن أنس بن مالك، قال: (كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً، أو أراد أن يكتب فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة، نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت لـقتادة: من قال لك: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس).
 نقش الخاتم بآية أو ذكر لله
ومن نقش خاتمه بآية أو كلام فيه ذكر الله عز وجل، فلا يدخل به الحمام، لحديث معاذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم {كان إذا أراد أن يدخل الحمام خلع خاتمه} رواه أبو داود، وهذا الحديث معلول، قيل سبب العلة: أن الزهري لم يلق معاذاً. وقيل: فيه راوٍ ضعيف فالحديث لا يصح، ويرى الإمام أحمد أن يجعل فص الخاتم في جهة الكف إذا كان فيه شيء مكتوب، وأن يقبض إذا دخلت الخلاء، ذكره صاحب المغني وغيره من أهل العلم، وورد فيه حديث هو أحسن سنداً من ذاك الحديث الذي فيه خلع الخاتم، فإن خلعه فلا بأس به على فرض صحة الحديث وللتأدب عند دخول الخلاء، وإن وضع الفص داخل كفه فلا بأس بذلك إن شاء الله.ونقش الرسول صلى الله عليه وسلم على خاتمه (محمد) في سطر، و(رسول) في سطر، و(الله) في سطر، وكان يختم رسائله صلى الله عليه وسلم بذلك، ويبعثها إلى الناس فيقبلونها؛ لأنها من الرسول صلى الله عليه وسلم، فلك أن تنقش على خاتمك آية أو حديثاً كما فعل بعض أهل العلم، ولا شيء في ذلك، والعجيب أن عمران بن الحصين كان نقش خاتمه صورة أسد كما يقول صاحب سير أعلام النبلاء: وبعضكم يتساءل: كيف يضع صورة أسد على الخاتم؟ والصحيح أن هذا من الصور الممتهنة التي لا تضر إن شاء الله فيها.لأن عائشة تقول كما في صحيح البخاري: {كان لي نمرقة فيه صور، فهتكه صلى الله عليه وسلم فجعلناه وسادتين يتكئ عليها صلى الله عليه وسلم} فإذا كانت الصورة مما يمتهن كالخاتم أو كالوسادة أو البطانية أو ما يقاربها، فالظاهر أنه لا شيء فيها، وتعودون إلى قصة عمران فإنه فعل ذلك.والعجيب أن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث معه، فلما مات أخذه أبو بكر وجعله في يده الشريفة.فلما مات أبو بكر، أخذه عمر وتقلده، تشريفاً وتكريماً وتوقيراً، فلما مات عمر أخذه عثمان وجعله في يده، وبقي ست سنوات من حياته، فوقف عند بئر أريس فسقط منه الخاتم في البئر، فأمر بنزح بئر أريس فنزح الماء فما وجدوه أبداً، فبكى عثمان وقال: الله المستعان! فبدأت المشاكل والفتن من ذلك اليوم، حتى انتهت بقتله، وارتفع السيف في المسلمين، وتقلد كثير من الصحابة خواتيم في أيديهم للسنة، وتشريفاً لهم، ومن باب الجمال، ولا شيء فيه إن شاء الله.
شرح حديث أبي واقد الليثي وما يستفاد منه
ثم قال البخاري: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلَقة -بفتح اللام وسكونها- جلس فيها.عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفه، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فاوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه).هؤلاء ثلاثة نفر دخلوا والرسول صلى الله عليه وسلم عنده حلقة في المسجد، فأما أحدهم فذهب معرضاً وهو الأخير في الترتيب، وأما الثاني فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الثالث فما وجد مكاناً فاستحيا أن يذهب، واستحيا أن يزاحم فجلس خلف المجلس، ولما انتهى صلى الله عليه وسلم من حديثه وقد لمح الثلاثة، قال: (أما ذاك فاوى إلى الله فآواه الله إليه -أي: رحمه وأدخله في كنفه وفي رحمته وبره- وأما الثاني فاستحيا من الله عز وجل -ثم استحيا من الناس أن يزاحم- فجلس حيث انتهى به المجلس، وأما الثالث -فغلب عليه مزاجه المريض فأعرض، فأعرض الله عنه) هذا هو مفاد الحديث أو جملة ما في الحديث.أما سند هذا الحديث فيكفينا فيه النجم العلم مالك بن أنس الذي لا يسأل عن مثله، مالك الذي يقول صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.قال عبد الرزاق: أرى أنه مالك بن أنس، رفعه الله بتقواه وبعلمه وبزهده وبورعه، وقد مر معنا في مناسبات وتحدثنا عنه. وأما الحديث ففيه قضايا:
 كيفية الجلوس في مجالس العلم
القضية الثالثة: استحباب التحلق: من السنة في مجالس العلم أن تكون حلقة، أي: دائرة، لكن إذا كان هناك كلفة على الناس، أو لم يتسع المكان فلا بأس أن يجلسوا صفوفاً، لأنه ثبت أن الصحابة جلسوا مع النبي حلقاً، وثبت أنهم جلسوا صفوفاً، وثبت أنهم جلسوا وبعضهم ولى بظهره إلى القبلة.بل بعض الصحابة كان في عهد أبي بكر وعمر، يسمع الخطبة وظهره إلى جهة القبلة، فإذا قامت الصلاة استقبل القبلة فليس في الأمر شيء، فهذا إن شاء الله وارد، لكن أورده ابن حجر فأحببت أن أنبه عليه.والقضية الرابعة: يقول صلى الله عليه وسلم: { فاستحيا فاستحيا الله منه} فيه إثبات صفة الحياء لله عز وجل، وصرفها ابن حجر عن ظاهرها لأنه أشعري في الصفات كما يظهر، ولذلك تجدون سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يتعقبه في الصفات في الحاشية. يقول ابن حجر: استحيا الله منه أي: رحمه ولم يعاقبه، فأوَّل الصفة، والصحيح أننا نثبت صفة الحياء لله عز وجل كما تليق بجلاله لا نشبه ولا نمثل ولا نكيف، لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً [البقرة:26] فلما نفى الاستحياء عن نفسه في ضرب المثل عن البعوضة، دل على أنه تعالى يستحيي من أشياء أخرى.فعلم بمفهوم المخالفة أنه يستحيي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولذلك ورد حديث سلمان في السنن بسند حسن، قال: يقول صلى الله عليه وسلم: {إن الله يستحيي من أحدكم إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا} الله عز وجل الذي خلق السماوات والأرض وخلقنا وخلق الناس أجمعين يستحيي منك أيها العبد الضعيف أن يرد يديك صفراً بلا عطاء منه.لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من جود كفيك ما علمتني الطلبا يقول أهل العلم: في هذا الحديث فضل سد الفرجة، ووصل الصفوف، لأن هذا الأول رأى فرجة فدخل فيها، فدل على فضل من عمل هذا العمل، وهو أحسن الثلاثة عند الله عز وجل قال النبي: {أوى فآواه الله} وآوى الأولى تنطق: بالمد، وبالقصر، والأرجح أنها بالقصر لقوله تعالى: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [الكهف:16] وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50] فلكم المد ولكم القصر، والقصر أولى.ورد حديث في سد الفرجة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: {من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله} وهو صحيح، واعلموا أن من أتى والصفوف قد اكتملت فإنه لا يجر رجلاً من الصف، والحديث الذي فيه ذلك حديث باطل، فيه السري بن إسماعيل وهو متروك، يقول الناظم:و الطبراني قد روى جر الرجل فيه السري ضعفوا ما قد نقل فهو متروك ولا يصح أن يستشهد به.فلك أحد الحلول الثلاثة: إما أن تدخل مع الإمام، وإما أن تراص الصفوف مراصة، فتدخل فيها وتصلها، وإما أن تنتظر قليلاً؛ فإذا لم يأت أحد فتصل وصلاتك صحيحة، ولا شيء فيها إن شاء الله، لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وهذا هو الموافق لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
الأسئلة

 زينة المرأة وضوابطها
السؤال: هل المرأة التي تلبس الزينة ملعونة؟ وهل يجب عليها أن تتعلم العلم؟ وما مقدار ما تحتاجه من العلم؟الجواب: هناك آثار تدل على أن من تطيبت بقصد الفتنة فإنها ملعونة -نسأل الله العافية- فعلى المسلمة أن تنتبه لهذا الأمر، إذا خرجت من بيتها، لأن الزينة إنما هي للزوج، أما للأجانب فلا، فإن فعلت فقد انتهكت حرمات الله عز وجل، وتعدت حدود الله، ولو كان أخا الزوج؛ لأن أخا الزوج اشتهر عند الناس أنه من أهل البيت، أي: أن له الحق في أن ينظر لأنه أمين، والحقيقة أنه هو الموت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الحمو الموت} لأنه قد يتسبب في مشاكل وفتن عظيمة، فالواجب عليه ألا ينظر إلى امرأة أخيه، ولا تنظر إليه أبداً.وهذه حالات تحدث في المجتمع كثيرة، وتسمعون عنها.فإذا اضطر الشاب أن يسكن مع أخيه أو مع إخوانه في بيت، وعندهم زوجات، فلتكن له غرفة واحدة، ويؤتى بأكله فيها، ولا يرى زوجة أخيه، ولا زوجات إخوانه، ولا يرونه أبداً؛ لأن هذا يحرم عليه.إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر على حال بواديها ويجب على المرأة وجوباً أن تتعلم من العلم ما ينفعها، من أمر دينها بادئ ذي بدء، لأنه لا يطلب منها أن تفتي المسلمين، يطلب منها أن تتعلم الصلاة، وما يتعلق بالصلاة، وحق الزوج، وما يجب عليها تجاه بيتها وأطفالها، فإذا تعلمت ذلك واتقت الله فهي المؤمنة الصالحة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها} فهذه هي المرأة التي يرفع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ميزانها يوم القيامة، وهي التي تربي الرجال.فالأم مدرسة إن أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق وللمرأة أن تحضر مجالس العلم، والذكر، وتستفيد كما كانت النساء في عهده صلى الله عليه وسلم، فقد حضرن مجالس العلم، وخصص لهن يوماً من أيامه المباركة هو يوم الإثنين، يلتقي بهن فيجدهن وهو المعصوم، وربما ما زحنه من حسن خلقه وكن عنده في يوم من الأيام وكن يرفعن أصواتهن، فأتى عمر فلما سمع النساءُ عمر، ابتدرن الحجاب، وكدن يتكسرن في الطريق من مخافة عمر، فقال عمر: يا عدوات أنفسكن الرسول صلى الله عليه وسلم معكن لا تهبنه وتهبنني، ظن عمر أنها من منزلته رضي الله عنه، فخرجت امرأة عاقلة رشيدة منهن، فقالت: {أنت أفظ وأغلظ من رسول الله والرسول صلى الله عليه وسلم رحيم رءوف بالمؤمنين} أو كما قالت.فكان صلى الله عليه وسلم يجلس معهن، فمن واجب المرأة أن تحضر وأن تحرص على ما ينفعها.وأحسن ما أرشد المرأة إليه (برنامج نور على الدرب) لأن فيه الفقه في الدين، وفيه تعليم للمرأة، وأن تحرص على العلم الذي ينفعها في حياتها، فإننا لا نطلب من المرأة أن تكون مهندسة ولا طيارة، ولا جندية، ولا تظنوا أن الإسلام ينتقص المرأة، أو يحرم المرأة حقها حين يمنعها من الاختلاط، نحن في الإسلام نكرم المرأة، ونعظم المرأة، ونشرف المرأة، فنقول: تبقين في بيتك شريفة موقرة، تربين أبناءك ولك كل الحقوق كاملة.أما أن تصارع المجتمع، وتبقى سكرتيرة على المكتب، وتستقبل وتودع، فليس في الإسلام هذا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة} أن ترأس مكتباً أو أن تكون مسئولة، فليست بمفلحة لا في الدنيا ولا في الآخرة، والذين تتولاهم المرأة هم أنقص منها حظاً ونصيباً، ولذلك ألقى السباعي محاضرة في مصر، فقال: إن الإسلام وفىَّ المرأة حقها، فقامت امرأة مصرية، فقالت: كيف وفّى الإسلام حقها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إنهن ناقصات عقل ودين}.قال السباعي وكان سريع البديهة ذكياً: نعم يقول صلى الله عليه وسلم: {إنهن ناقصات عقلٌ ودين} وهذا في نساء الصحابة، أما أنتن فلا عقل ولا دين، فقامت أخرى، وقالت: كيف لا تلطفون بنا في محاضراتكم؟ وكانت هذه المرأة لما قامت كانت سمينة، وقامت من آخر الحفل، وقالت: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {رفقاً يا أنجشه بالقوارير}؟ فقال السباعي: نعم! يقول: رفقاً بالقوارير، ولم يقل: رفقاً بالبراميل.نسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يرشدنا لما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل أعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يأخذ بأيدينا وأيديكم لما يحب ويرضى، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا، وأن يتولانا في الدارين، وأن يفقهنا في دين وميراث محمد صلى الله عليه وسلم.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الرسالة في الإسلام للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net