اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأسد في براثنه للشيخ : عائض القرني


الأسد في براثنه - (للشيخ : عائض القرني)
للإسلام رجال بذكرهم توقظ الهمم وتحيا القلوب، وفي قصصهم عبرة، وفي هذا الدرس قصة لأسد من أسود الإسلام، وزاهد من زهاده، ورجل من كبار رجاله، ألا وهو سعد بن أبي وقاص.
من هو الأسد في براثنه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أيها المسلمون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، في هذا الأسبوع الأخير من شهر محرم مساء يوم السبت لعام 1413هـ أحييكم بتحية الإسلام الخالدة، وعنوان هذا الدرس: "الأسد في براثنه".
 آثاره وقصصه وما يستفاد منها
أيها الإخوة الفضلاء: أحاديثه عطرة، وسيرته مجيدة، وسوف تكون هذه المحاضرة على شقين: الشق الأول: ما ورد فيه من آثار وقصص، وسوف أسردها سرداً مع بعض التعليق، وأعتني بتخريج أحاديثها إن شاء الله، وبعزوها إلى مصادرها في كتب الأحاديث والسير والتراجم.الشق الثاني: ماذا نستفيد من القصص العجيبة لهذا الرجل، الذي هو من رجال الأمة الخالدة المجيدة، وتلميذ من تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم، وبطل من الأبطال، فتح العراق ودكدك فارس، وقاد المؤمنين في معركة من أعظم معارك الإسلام، قادهم في القادسية، إنها قادسية (لا إله إلا الله) وليست قادسية الرافضة والبعث؛ حاشا وكلا!!لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم
مقتطفات من سيرة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
روى الإمام أحمد والحاكم وابن جرير والبزار وابن مردويه أن سعداً رضي الله عنه مر على عثمان بن عفان فسلم عليه، فلم يرد عليه عثمان السلام، وهذه في خلافة عمر، فذهب سعد إلى عمر وكانوا يعيشون على الصراحة وعدم المجاملة والنفاق، وعلى البعد عن المراءاة، والتزكية والتلميع والتطبيل والدجل.ذهب إلى عمر وهو أمير المؤمنين فاشتكاه وقال: يا أمير المؤمنين! سلمت على عثمان فلم يرد السلام، فاستدعاه عمر، وقال: سلم عليك أخوك فما رددت عليه السلام؟ قال: والله ما رأيته ولا سمعته، قال: يا سعد! ما هذا؟ قال: والله لقد سلمت عليه ومررت به فما رد عليَّ السلام. فقال: ما هذا يا عثمان؟ قال: يا أمير المؤمنين! أنا واله، غشي بصري وقلبي أمرٌ الله أعلم به، حتى إني أذهل كثيراً فلا أعلم من يسلم علي ومن يمر بي، قال: وماذا أذهلك؟ قال: كلمة سمعتها من الرسول صلى الله عليه وسلم ما حفظتها، من قالها أدخله الله الجنة وأنجاه من النار. قال عمر: ما هذه الكلمة؟ قال سعد رضي الله عنه: أنا يا أمير المؤمنين! أعرف هذه الكلمة، قال: ما هي؟ قال: (بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى بيته وإذا أعرابي وراءه يسعى يقول: يا رسول الله! أخبرني بكلمة تدخلني الجنة وتباعدني عن النار، قال: هي دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فهذا موقف، وهو علم تلقاه عثمان من سعد رضي الله عنهم وعاد الصفاء.
 سعد يعتزل الفتنة
اختصم بعض الصحابة على بعض الأمور التي لا يسلم منها المسلمون، فخرج سعد إلى الصحراء في مسألة علي ومعاوية رضي الله عنهما، فلحقه ابنه عمر بن سعد بن أبي وقاص، هذا ابنه عمر شارك في قتل الحسين بن علي، الله المستعان! لحق أباه فلما رآه سعد أقبل على جملٍ قال: [[اللهم إني أعوذ بك من شر هذا الراكب]] فأتاه في الصحراء، وسعد في الصحراء يرعى غنمه، هذا الرجل الذي فتح القادسية، ودمر إمبراطورية كسرى دولة فارس فحطمها في الأرض، هذا الرجل الذي هو مهيأ للخلافة صراحة، وقال: [[والذي نفسي بيده، إني أولى بالخلافة مني بهذه الجبة]] وصدق، فيأتي ابنه ويقف أمامه ويقول: [[يا أبتاه! ترعى الضأن والناس يختصمون على الملك؟ قال: اغرب عني، فإني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي}]] وهذا الحديث رواه مسلم وأحمد.قام رجل في المسجد في الكوفة يسب علي بن أبي طالب وعلي قد مات، رجل من المهرجين الدجاجلة الذين يلغون في أعراض الصالحينفقل للعيون الرمد للشمس أعين تراها بحق في مغيب ومطلعِ وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي قام رجل يسب علي بن أبي طالب -علي (والذي لا إله إلا هو) أننا نفتخر أن نذكره في المجالس، علي بن أبي طالب الذي هو تاج على رءوس الأمة- فقال سعد وهو في المسجد: لا تسب أخي. قال: والله لأسبنه. فقام سعد في طرف المسجد وصلى ركعتين وقال: اللهم اكفنيه بما شئت. فأرسل الله جملاً من الكوفة -أمام الناس- فأتى الجمل فاعترض الرجل عند بلاط المسجد، فضرب الرجل برجله فأسقطه على الأرض، وإذا نخاعه على البلاط ميتاً]] أليست هذه إجابة للدعوة؟ رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود وأبو نعيم في الحلية وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء.
من البشارات لسعد

 دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بإجابة دعوة سعد
روى الحاكم في المستدرك والترمذي وابن حبان والبزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اللهم استجب لـسعد إذا دعاك} فكان إذا دعا استجاب دعاءه، حتى أعداؤه كانوا يخافون منه إذا رفع يديه، ويقولون: اتق الله فينا ولا تدع علينا، وسوف يأتي معنا سبب هذا الدعاء وإجابة الدعاء، وأن السبب العظيم فيه طيب المطعم، وفي بعض الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: {يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك} فكان دخل سعد ومطعمه وملبسه ومشربه حلالاً، فاستجاب الله دعاءه.روى ابن سعد في الطبقات والحاكم في المستدرك وصححه قال سعد رضي الله عنه: حضرت أنا وعبد الله بن جحش في أحد -وهو أول من أطلق عليه اسم أمير، حيث أرسله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة ليقاتل تجاه ساحل البحر الأحمر وقال: {والذي نفسي بيده لأرسلن معكم رجلاً صبوراً على الجوع والعطش} فأرسل عبد الله بن جحش وسماه أميراً- قال: [[حضرت أنا وعبد الله بن جحش فقال لي عبد الله: تعال ندعو الله يا سعد قبل المعركة، قال: فأما أنا فقلت: اللهم إني أسألك هذا اليوم أن تلاقي بيني وبين عدو لك كافر شديد حرده، قويٌ بأسه فأقتله وآخذ سلبه، قال: فقام عبد الله بن جحش بعدي وقال: اللهم إني أسألك هذا اليوم أن تلاقي بيني وبين عدو لك شديد حرده، قوي بأسه، فيقتلني، فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذني، فإذا أتيتك يوم القيامة قلت لي: يا عبد الله! لماذا صنع فيك هذا؟ فأقول: فيك يا رب، قال سعد: فوالله ما انتهينا من المعركة إلا وقد قتلت كافراً وأخذت سلبه، وأتيت وإذا عبد الله بن جحش قد قتل وبقر بطنه وجدع أنفه وفقئت عيناه ورأيت أذناه معلقة بخيط]] قال سعيد بن المسيب معلقاً: اللهم أتمم له ما سأل، أي: يوم القيامة.
سعد والمواقف الخارجية

 الرؤيا الصالحة تبشر سعداً حين اعتزل الفتنة
قال حسين بن خارجة الأشجعي: [[لما قتل عثمان رضي الله عنه رأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط، فصعدت الحائط فإذا أنا بصعدات ودرجات، فصعدت فيها في المنام فرأيت الرسول صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام، فإذا الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: يا إبراهيم! استغفر لأمتي، قال إبراهيم عليه السلام: إنهم أحدثوا بعدك، ألا فعلوا مثل خليلي سعد بن أبي وقاص، قال الرجل: فأتيت سعد بن أبي وقاص في النهار فأخبرته بالرؤيا، قال: فلم يعرها اهتماماً -أي: ما اهتم بها اهتماماً كبيراً- ثم قال: خاب من لم يكن إبراهيم خليله، قلت: ماذا تشير علي؟ قال: أعندك غنم؟ قلت: نعم. قال: الحق بها ودع هذه الفتنة، قال: فلحقت بغنمي]] هذا رأي سعد، وهي رؤيا ذكرها الحاكم في المستدرك وابن حجر في الإصابة، وهي في سير أعلام النبلاء الجزء الأول صفحة (120).[[دخل سعد على معاوية يسلم عليه وقد تولى معاوية الخلافة، فلم يسلم عليه بالإمرة، فقال معاوية: والله لو شئت لقلت غيرها، قال: كأنك معجب بما حصلت عليه من إمرة، والله ما أريد أنني فيما أنت فيه، وأنني قدمت محجماً من دم]] يقول: هناك دماء وتبعات، روى هذا الذهبي في السير.قال مصعب بن سعد: لما توفي أبي كان رأسه في حجري وهو يقضي، فبكيت فقال: [[يا بني! لا تبك علي، فوالذي نفسي بيده إني من أهل الجنة]] رواه ابن سعد في الطبقات، قال الذهبي: صدق والله! فهنيئاً له. وفي رواية أخرى: [[لا تبك علي فوالله لا يعذبني الله أبداً]] وهو حديث صحيح إلى سعد رضي الله عنه، وفيه حسن الثقة بالله والرجاء وتصديق موعود الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر أن سعداً في الجنة وهذا مما تلقته الأمة بالقبول.قال الزهري رحمه الله: [[لما احتضر سعد دعا بجبة عنده فقال: كفنوني بها، فإني لقيت المشركين فيها في يوم بدر]] رواه الحاكم والطبراني في المعجم الكبير، وفيه أن العبد يدفن في ثياب الطاعة كالثياب التي يصلي فيها والتي جاهد فيها، أو الثياب التي طلب فيها العلم، أو حج واعتمر فيها، وسوف يأتي تفصيل ذلك وكلام أهل العلم بإذن الله.
الدروس والعبر من سيرة سعد رضي الله عنه
هذه بعض قصص (الأسد في براثنه) رضي الله عنه، والآن أخرج معكم لبعض الدروس والعبر والفوائد من هذه السيرة:
  استحباب الدفن بثياب العمل الصالح
الرابع عشر: الدفن في ثياب الطاعة، كما فعل سعد، فإنه قال: ادفنوني في جبتي فإني لقيت فيها المشركين يوم بدر، وأثر عن ابن المبارك أنه أمر أصحابه أن يدفنوه في ثوبين له كان يصلي بهما، فمن كان عنده ثوب يتهجد فيه بالليل فلو دفن فيه كان حسناً عند أهل السنة، ومن كان عنده ثياب جاهد فيها في سبيل الله أو كان يصلي بها باستمرار فله أن يدفن فيها، لأن آثار الطاعة مطلوبة، ويذكر بعض العلماء فيقول: إن ثياب أهل الطاعة معروفة، وثياب أهل المعاصي معروفة، فنسأل الله أن يجعلنا من الطائعين له.هذا هو صحابي من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام عشنا معه في هذه الليلة، وإنما المقصد من مثل هذه المواعظ والدروس وهذا الطرح: أن نكون على قرب من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لنرى أي جيل كان ذاك الجيل، ولنرى كيف كانوا وكم رفعهم الله عز وجل، وكم أعطاهم الله عز وجل من الإيمان والعمل الصالح؛ علنا أن نقتدي بهم، وأن نحبهم فإن المرء يحشر مع من أحب.أسأل الله عز وجل أن يجمعنا بهذا الرجل المبارك المرضي عنه في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
الأسئلة

 عصمة الله لنبيه حتى يبلغ رسالته
السؤال: قوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] مع ذلك ذكر بعض المحدثين وعلماء الأمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات بأثر السم الذي دس له في لحم الشاة؟الجواب: بعض أهل العلم جمع بينهما فقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] حتى تبلغ رسالته، ففي الكلام تقديم وتأخير ومحذوف، والله يعصمك من الناس حتى تبلغ رسالته، فلما بلغ رسالته ووقف في عرفة وأنزل الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً [المائدة:3] مات. فبلغت الرسالة والحمد لله، هذا من الجمع.وبعضهم يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] أي: من القتل، فلا تقتل ولا تغتال؛ أما السم فأمر آخر.أسأل الله سبحانه لي ولكم التوفيق والهداية، والرشد والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأسد في براثنه للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net