اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حتى لا نتخلف عن الركب للشيخ : عائض القرني


حتى لا نتخلف عن الركب - (للشيخ : عائض القرني)
التخلف عن ركب محمد صلى الله عليه وسلم خسارة كبيرة جداً، فعلى كل من تخلف عن ركبه صلى الله عليه وسلم أن يتوب ويستغفر وينيب إلى الله عز وجل، وينضم إلى ذلك الركب الجليل، ولا يتخلف عنهم فيصبح من المنافقين، أو يلتفت إلى المغريات فيتأخر عن اللحاق بهم.
غزوة تبوك
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن.من أطاعك أحببته، ومن تذلل إليك قرِّبته، ومن حاربك أدَّبته، ومن ناوأك خذلته.لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.أشهد أنك الملك الحق وأن ما سواك باطل، وأشهد أنك الباقي وأن ما سواك فان، وأشهد أنك قوي وما سواك ضعيف، وأشهد أنك الغني وما سواك فقير، وأشهد أنك الدائم وما سواك زائل.أشهد أن محمداً خاتم، وصادق، وناصح، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أشكر لأهل الفضل فضلهم، وعلى رأسهم القائمون على هذه القاعدة، أسأل الله أن يثبتهم على الحق، وأن يرزقهم القبول، وأن يسددهم إلى طريق الطاعة.عنوان المحاضرة: حتى لا نتخلف عن الركب.ركب من؟!ركب محمد عليه الصلاة والسلام.ومسيرة من؟! مسيرة محمد صلى الله عليه وسلم.طريق من؟! طريق محمد صلى الله عليه وسلم.لكن قبل ذلك من واجبي التحية إلى أحباب أحببتهم في الله، وهم أحبوني فيه، فأشهد الله في هذه الليلة -وهو يسمع ويرى- أني أحبكم فيه، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمعني بكم في دار الكرامة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55] يوم يجمع الأشقياء الخونة العملاء في دار الضلال والشقاء، جهنم وبئس المصير:سلامٌ على الأحباب ما بارقٌ سرى أرصعه مسكاً وأرويه عنبرا لمن سكن الدمام من كل ماجدٍ بنفسي تلك الدار ما أحسن القرى أتيتك من أرض الجنوب مسلماً على ملة التوحيد لا نهج قيصرا إذا نحن سرنا فالرسول إمامنا دم الجيل من أجل المبادئ قد جرى رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا أيها الأخيار: يا حملة المبادئ! يا من باعوا أنفسهم من الله! حتى لا نتخلف عن الركب.. أرويها قصة وأربطها بواقعنا، ونعيشها كلمة نسأل عنها عند الله يوم القيامة.
 دور المنافقين في غزوة تبوك
يأتي المنافقون وهم في كل زمان موجودون، إن سكنت قرية فمعك الأعداء، وإن سكنت مدينة جعل الله لك أعداء:ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل والله يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] وهو الصراع العالمي: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251].في النادي مصارعة بين الحق والباطل، وفي الملعب حرب بين الحق والباطل، وفي الحارة، والحديقة، والشاطئ، والساحة، والجامعة، والمدرسة، وحول المسجد، وفي كل مكان صراع بين الحق والباطل، فقد أراد الله أن يتصارع الحق والباطل، وأراد الله معتركاً عالمياً بين (لا إله إلا الله) (ولا إله والحياة مادة) مثل عراك النور والظلمة، والحلو والحامض، والحار والبارد.جلس المنافقون يتشفون في محمد صلى الله عليه وسلم، يسبون ويسخرون مثل من يسخر الآن بالأخيار؛ يصفونهم بالتطرف وبالفضوليين وبالأصوليين وبالمتزمتين، وغيرها من التهم التي لا توجه إلا لليهود والنصارى.فقالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء؛ يقصدون الصحابة أنهم جبناء ويأكلون كثيراً.وكان المنافقون مندسين في الصف، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وإنما يعلمه الله الذي يعلم السر وأخفى.نزل جبريل عليه السلام يقول: في الصف دخلاء وعملاء وخونة، استدعهم الآن واسألهم ماذا قالوا البارحة، فاستدعاهم صلى الله عليه وسلم فكانوا يتعلقون بناقته، ويقولون: يا رسول الله! إنما كنا نمزح البارحة، ونخوض ونلعب، ونقطع الطريق، ما أردنا الإساءة: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أبلله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] فالمسألة ليست مسألة استهزاء باللحى والثياب القصيرة والخطب والوعاظ والعلماء، المسألة مسألة هجوم ساحق على الإسلام وعلى الدين، وعلى شباب الصحوة.إذاً: الحرب شعواء منذ القدم، فالذي يحاربني ويحاربك الآن قد حارب محمداً عليه الصلاة والسلام، فوالله لقد نجح محمد عليه الصلاة والسلام في حرب الإغراء والابتلاء؛ والوسائل التي يجربها دائماً أهل الباطل هي نفسها، جربوا معه الدراهم والدنانير فأبى عليهم، قالوا له: نزوجك أجمل فتاة؟ قال: لا. قالوا: نملكك على العرب؟ قال: لا. قالوا: نجمع لك مالاً حتى تكون أغنى الناس؟ قال: لا. قالوا: أتترك مبادئك وعقيدتك؟ قال: {والذي نفسي بيده! لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه} فلله درك، هكذا فلتكن التضحيات والشجاعة، وجربوا معه الإيذاء.سجد عند الكعبة فأتوا بسلى الناقة فوضعوه على رأسه، فقام يبعد الدم عنه، ويقول: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون}.أخذوا بناته يضربونهن في وجوههن أمامه، فقال: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون}.أخرجوه من مكة وحاصروه، فقال: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون}.طردوه إلى الطائف فطرده أهل الطائف وأدموا قدميه، فقال: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون}.يقول له ملك الجبال، أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين؟ -جبلي مكة -فيقول: {إني أسأل من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً} هذا الذي نجح فيه صلى الله عليه وسلم.هؤلاء استهزءوا فكفرهم الله: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].
كعب بن مالك وتخلفه عن الركب
وانتهت الغزوة في مواصفات كثيرة، وفي أحداث مبكية مضنية، ورجع عليه الصلاة والسلام.أما كعب بن مالك فهو في المدينة يعيش أياماً سوداء في حياته، قال: [[كنت أخرج بعد ذهاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعد ذهاب الصحابة فلا أرى إلا شيخاً كبيراً في السن، أو عجوزاً، أو امرأة، أو رجلاً مغموساً عليه في النفاق، فلما اقترب عليه الصلاة والسلام من المدينة قال: حضرني بثي وحزني]] وكان كعب بن مالك شاعراً بليغاً، يجهز المعاذير لكنها سوف تتساقط، ويأتي بحجج يتحفظها في صدره لكنها سوف تهوي.واقترب صلى الله عليه وسلم من المدينة، وكان إذا اقترب من المدينة يدخلها وقت الضحى فيستقبله أهل المدينة كأعظم ما يستقبل الأخيار إمامهم وعظيمهم وفاتحهم.والصحيح عند أهل السير أن الأطفال خرجوا يحيونه بـ(طلع البدر علينا) يوم أتى من تبوك، خرج الأطفال من المدينة والجواري -البنات الصغار- خرجن على أسقفة المنازل يحيون أعظم قائد عرفه تاريخ الإنسان، فقد أخرج الناس من عبودية الإنسان للإنسان لعبودية الإنسان لرب الإنسان، وأخذوا يهتفون:طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع
 تعزيز المقاطعة باعتزال النساء
وعاد كعب بن مالك وأتى الإعلان الثاني، قال صلى الله عليه وسلم: اذهبوا إلى الثلاثة الذين تخلفوا وقولوا لهم: اعتزلوا نساءكم.الله أكبر! فذهبوا إلى الثلاثة فأخبروهم، فقال: كعب بن مالك: ماذا نفعل: أنخرجهنَّ من بيوتنا؟ قال: لا. بل لا تقربوهن، فهي تبقى عندك في البيت ولكن لا تقربها أبداً؛ جزاءً ونكالاً حتى يتحرر هذا الإنسان ويكون عبداً لله عز وجل؛ لئلا يكون للشيطان فيه حظ وللرحمن حظ، لأننا نجد كثيراً من الناس أن للمجلة الخليعة وللمصحف منه حظ، وللمقهى وللمسجد منه حظ، وللموسيقى وللتلاوة منه حظ، ولأولياء الله وللشيطان والشريرين في العالم منه حظ، لا. بل لا تكون عبداً لله حتى لا يكون لأحدٍ سوى الله منك حظ.كان عمر يسجد، ويقول: [[اللهم اجعلني عبداً لك وحدك]] لله درك فما أحسن هذا الكلام.فإنك ترى من الناس من هو عبد للسيارة، وعبد للوظيفة، وللمنصب، وللأغنية، وللكرة، وللمجلة، وللفيديو، وللمسلسل، وللهواية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثـية:23] ويقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {تعس عبد الدينار -بعض الناس يعبد المال، وهو أحب إليه من الله- تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش} وبعضهم يعبد العمارة والتخطيط والصبة والخلطة والحديد ولبن البناء.وبعضهم يعبد السيارة، فتجد اعتناءه بشخصيته وسيارته أكثر من اعتنائه بصلاته، وهؤلاء يسمون الهامشيون في الحياة، أو الذين هم خارج الخارطة.يقول كعب بن مالك عن المعاناة: [[فنزلت إلى المسجد، فكنت أسارق الرسول صلى الله عليه وسلم النظر، فإذا أتيت إليه، قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فألتفت إليه هل يحرك شفتيه بالسلام عليَّ فلا أسمعه يقول شيئاً، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل عليَّ، وإذا سلمت انحرف عني]] تصور معلم البشر عليه الصلاة والسلام أفضل من خلق الله، وأصدقهم وأخلصهم يعامل هذه المعاملة.يأتي يسلم عليه فلا يرد، فيقبل كعب بن مالك على صلاته فينظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فينظر في قامته وفي وجهه ويتأمل فيه صلى الله عليه وسلم، وذاك يشعر في الصلاة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فإذا نظر إليه كعب رجع صلى الله عليه وسلم ونكس ببصره الشريف إلى الأرض.واستمرت الليالي تلو الليالي، واستمرت المعاناة:أيها المحرقون في كفى دار فالدموع التي تركت غزار كلها ومضة إلى المصطفى الهادي وفي كفنا العظيم انتصار
الفرج بعد الكرب ينزل على كعب بن مالك
أتى الفرج من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى والفرج دائماً يأتي من عنده، ولذلك يقول تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] والذي في السماء هو الله.يعرفها الأعرابي البسيط الذي علمه محمد صلى الله عليه وسلم، أعرابي يصلي مع الناقة لكنه مثقف ثقافة إيمانية أوصلته إلى أن يعرف الله عز وجل، فيصلي ركعتين في الصحراء للواحد الأحد.قال له أحد الوثنيين الملحدين: "لمن تصلي؟ قال: لله. قال: هل رأيته حتى تصلي له. قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وليل داج، ونجوم تزهر، وبحر يزخر، ألا يدل على السميع البصير" بلى، هذه عقيدة التوحيد التي أخرجها صلى الله عليه وسلم إلى الناس.إنها ثقافة الإنسان يحملها الأعرابي في الصحراء.أعرابي بدوي صلى مع عمر بن الخطاب في آخر الصفوف، ومعه سيف بتار، فخطب عمر، وعلى عادته يفتح مجال الشورى، وسماع الحوار، والنصيحة، والرأي الآخر.قال عمر: [[أيها الناس! كيف أنتم لو رأيتموني ملت عن الطريق هكذا -يشير بيده على المنبر- يعني: ما رأيكم لو اعوججت عن الطريق، أي: ملت، أو خنت، أو تركت شرع الله، أو حكمت بغير ما أنزل الله.فسكت الصحابة، وقام الأعرابي من آخر المسجد -أقلهم ثقافة، أو يعرف بمستوى عصرنا الإسلام، لا من أعرفهم- وسل سيفه، وأشاح به في آخر المسجد، وقال: والله يا أمير المؤمنين! لو رأيناك ملت عن الطريق هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم عمر، وقال: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو ملت عن الطريق هكذا لقال بالسيف هكذا]] لم يقل: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه، اغمطوه، ورشوه، واسحقوه، هذه مسيرة ميشيل عفلق "أمة واحدة ذات رسالة خالدة" حتى يقول فيهم الشاعر:وحدويون: هم هذا العرب بدون إسلام.وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أجزاء ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء ماركسيون في عدن يقولون: أتينا نحرر الإنسان، أتى رجل عدني مسلم يحج ويعتمر فقال له أحد العلماء في المسجد الحرام: "كيف حالكم مع الماركسية والشيوعية؟ قال: القائم سدحوه، والقادح قدحوه".هذه هي شيوعية الغاز، وشيوعية السكر، وشيوعية الخطوط المزفلتة، يقف الواحد عندهم طابوراً بالبطاقة يأخذ كيلو سكر في ساعتين؛ ولذلك خرجوا ثائرين في موسكو ضد هذه الخيانة والظلم والتعسف وكسروا الحديد.يقول أحد العلماء: سافرت إلى موسكو في عهد برجنيف في مهمة في جمع مخطوطات ومعلومات، قال: "مررت بالحدائق ذات الأسلاك، وقد وضع فيها الناس كالحيوانات، عندهم ماء وخبز وصناديق تظللهم من الشمس؛ لأنهم خرجوا على الحزب الشيوعي "مثل معاملة الحمير، كأنها حظيرة حمير.فالرسول صلى الله عليه وسلم أوقفهم أمام الأمر الواقع حتى يأتي العفو من الله، لأنه إذا عفا عنك البشر ولم يعفُ عنك الله فلن ينفعك، والله يقول: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135] ثم قال: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].هل سمعتم أن أحداً من الناس يملك أن يغفر ذنبك إلا الله؟هل سمعت أن باستطاعة أي إنسان أن يمحو خطيئتك إلا الله؟لا. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].ثم ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى أنه يجيب المضطر، وهذه من الأمور التي تقصم ظهور الشيوعية، أنه لا يجيب المضطر إلا الله، وفي حالة من اضطرار الإنسان يعرف أن هناك إلهاً واحداً مدبراً رازقاً خالقاً متصرفاً في الكون.يركب الوثني العربي سفينته في البحر الأحمر، فإذا هزته الريح -وهذا قبل مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام- يقول: يا الله! يا الله! يا الله! فالله يذكرهم، يقول: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65].ولذلك مجموعة الأمريكان الذين ألفوا كتاب: الله يتجلَّى في عصر العلم، إنما أسلموا بسبب رسو سفينة في المحيط الأطلنطي وأخرجهم الله؛ لأنهم نادوا الله.لأن الإنسان على الفطرة، إذا ضاقت به الحيل التفت إلى الله ودعا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].
 من ثمار التوبة
قال صلى الله عليه وسلم: {يا كعب بن مالك! -هذا بيانه صلى الله عليه وسلم بالتوبة- أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك} خير يوم منذ ولدته أمه هو ذاك اليوم، قال شيخ الإسلام: "وفيه أن يوم التوبة هو أفضل يوم يمر على الإنسان، وفيه أن العبد يكون بعد التوبة أرفع منه قبل التوبة"؛ فإن كعب بن مالك قبل هذا الذنب لم يكن كدرجته بعد الذنب والعودة إلى الله عزوجل، بل كان أرفع وأرفع كثيراً.وفيه: أن الخطايا يكفرها الله لمن تاب.وفيه: أن الله لا يتعاظمه ذنب.وفيه: أن العبد عليه أن يصلح حاله بعد الذنب ليدرأ بالحسنة السيئة... إلى غير ذلك من القضايا.قال كعب: [[يا رسول الله! أمن عندك أم من عند الله؟]] يريد أن يتأكد من الخبر، يقول: التوبة من عندك يا رسول الله! أو من عند الله عز وجل؟ قال: {بل من عند الله} لأنه هو الذي يتوب على من تاب، وهو الرحمن الرحيم.قال: يا رسول الله! فإن من توبتي أن أنسلخ من مالي.يقول: مالي أدفعه يا رسول الله! مزارعه وأملاكه وماله ودراهمه ودنانيره، يدفعه للرسول عليه الصلاة والسلام في سبيل الله، لا إله إلا الله! أي قدرات تلك القدرات، أي تضحيات أن يبلغ بالإنسان أن يتخلى في لحظة واحدة عن كل ما يملك، تصور وأنت جالس تتوب أمام الله، وتقول: لا أعود بشيء وأتوب إلى الله وأنسلخ من مالي.قال صلى الله عليه وسلم: {أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك} وهذه حكمته عليه الصلاة والسلام ألا يتخلى الإنسان ويضيع أمواله، أو ينفقها مرة واحدة ويبقى متكففاً للناس، لأن الحياة تحتاج والأسرة والأطفال محتاجون إليه، ولا بد أن يبقى معه شيء من قوام عيش ومن عصب حياة.
ما يستفاد من قصة كعب بن مالك
تلكم هي قصة كعب وتوبته وإنابته، وعودته إلى الله. فما هي الدروس المستفادة إذن، من الدروس أيها المسلمون:
 امتثال أمر الله والفرح بتوبته
ومنها أيضاً: أن على الناس أن يمتثلوا أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] بل عليهم أن يذعنوا ويسلموا ويؤمنوا ويتبعوا نهج الله الذي أرسل به رسوله عليه الصلاة والسلام.ومنها أيضاً: تبشير التائبين بتوبة الله عليهم، وتبشير أهل الالتزام أنهم على خير، وتشد من عضدهم، وتَحْبوهم، وتقف بجانبهم، وتدلهم على الخير: {من دل على خير فله مثل أجر فاعله}.ومنها أيضاً: أن على العبد أن يفرح برحمة الله ويستبشر: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] فأنت ترى حملة المبادئ يفرحون بنصر الدين، ولا يفرحون بشيء آخر، وإنا نعلم من الصادقين لله عزوجل أنهم إذا سمعوا انتشار الإسلام في بقعة من بقاع الأرض والله يتهلل وجه أحدهم مثل ما يتهلل وجه أحدكم إذا سمع أنه زاد راتبه، أو نجح ابنه، أو حصل على أرض، أو على سيارة، أو على قصر، يقول القاضي الزبيري:خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا قرأت في أحد الجرائد قصيدة لرجل نبطي موحد مؤمن داعية، يتحدى الأشرار في أنه سوف يعلن مبادئه مهما كان الثمن، هذه الشجاعة الإيمانية، يقول:أنا يا كرى مثلك أحب العلا شجعان يراهن براسه ما يخاف الشماليه أنا بعت راسي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النيه هذا بطل، فهذه تصلح في عقيدة الطحاوية معتقد أهل السنة والجماعة تكتب في الأخير، وتدرس في الجامعات.يقول: أنا يا كرى؛ أي: يا صاحب الباطل، يا أيها اليهودي، أو النصراني، أو البعثي، أو الوثني، أو العلماني، أنا أشجع منك، أنت تموت تحت الدبابة من أجل مبادئ ميشيل عفلق، وأنا من أجل مبادئ محمد صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا أضحي؟ أنا يا كرى مثلك أحب العلا شجعان، يراهن برأسه -هذا ما عند الإنسان إلا رأس واحد- ما يخاف الشمالية أي: دار أبى سفيان.أنا بعت رأسي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النيه قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ [التوبة:111] والله تعالى يقول: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] ويقول تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140].حدثنا الشيخ عبد الله عزام رحمه الله قبل أن يستشهد بقليل: "أن امرأة فرنسية كانت في جبال أفغانستان تبشر بالدين النصراني وهي بملابسها وبمتاعها في الجبال والثلوج، وتهبط وتنام على البعوض وفي المستنقعات من أجل أن تبشر بالدين المسيحي المحرف" ثم إذا جئت تقارن بين أهل الإسلام وأهل الدعوة حتى شباب الصحوة، أين البذل، وأين التضحيات؟ وأين تقديم الدين للناس؟ وأين التأثير في البشر؟ وأين كسر الحواجز؟ حتى نصل إلى الناس في نواديهم، وفي ملاعبهم، وفي مقاهيهم، وعلى الشواطئ، ونبلغ دين الله عزوجل، أين التضحيات؟!بل إنك تجد من الفجرة والخونة على مر التاريخ من يضحى لمبادئه الفاجرة أكثر من تضحية أهل الإيمان لمبادئهم، فنشكو الحال إلى الله.
من قضايا الساعة
وفي ختام هذه المحاضرة هناك قضايا وهي من قضايا الساعة:
 التثبت من الأخبار
سادساً: أن على المسلمين عامة في وقت الفتن أن يثبتوا، وأن يتأكدوا من مصادر الأخبار، وأن لا يتعجلوا، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] وليحذر الخطيب والواعظ والداعية والمتحدث أن يقدم على شيء قبل أن يستقرأ خبره، ويتأكد منه؛ قلت هذا بمناسبة قتل المجاهد الشيخ جميل الرحمن رحمه الله وأسكنه الله في فردوس رحمته، وجمعنا به في دار الكرامة، والحقيقة أنه سعى لشيء وقد أدركه.ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما فقدم على ما قدم، ولقي الذي يطمح إليه، فنسأل الله أن يجمعنا بالصالحين في دار الكرامة.فعلى الإخوة ألا يتحدثوا في مثل هذه المسائل حتى تتضح ويصدر فيها شيء من أهل العلم بعد التبين، وبعد أخذ الحيطة، وبعد معرفة الأخبار، ومصدر الأخبار: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] لأني سمعت أن بعض الناس تعجل في بعض كلماته، واتهم بعض الناس، ونحن نبرأ إلى الله عزوجل من اتهام المسلمين أنهم يريدون دماء المسلمين؛ لأن دم المسلم ليس بالرخيص، في حديث صحيح قدسي،يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {وعزتي وجلالي لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل امرئٍ مسلمٍ لكببتهم على وجوههم في النار} ويقول عليه الصلاة والسلام: {ولزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلم}.يقال ابن تيمية استقبل القبلة قبل أن يموت وقال: "تبت عن كل من كفرت من أهل القبلة" مع ذلك يُنسب أن فلاناً سفك دم فلان.ثم أقول لكم إن الفتنة وقعت بين طائفتين من المسلمين في عهد علي ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين، والله تعالى يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:9] فأثبت أنهم يقتتلون، وقال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] فسماهم إخوان ولم يخرجهم من الإسلام، وقد اقتتل الصحابة في الجمل وصفين فلم يكفروا بالقتال، وما خرجوا من الملة، وما خرجوا من الدين.ثم إني أطالب من الإخوة ألا يسافروا في هذه الفترة إلى أفغانستان، وقد رأى كثير من أهل العلم وأهل الفضل أن السفر في هذه الأيام ليس بسديد، وينتظر العبد حتى تصفوا الأمور وتظهر، وأرى أن يسددوا من جهود إخوانهم، وأن يدعوا للمجاهدين بأن يجمع الله شملهم وينصرهم على الباطل، ثم لا يشهرون بأحد، ثم لا يكونون مصدر إزعاج، ثم لا يكونون دخيلاً ومعيناً للمنافقين والحاسدين والحاقدين في ضرب الجهاد.هذه مسائل أحببت أن أعرضها على إخواني فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هو الحسيب، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يغفر لنا ولكم الخطأ والزلل، وأن يجمعنا بكم في دار الكرامة، وأن يرحمنا وإياكم رحمة عامة وخاصة ظاهرة وباطنة، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يوفق كل من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن يهدم كل من في هدمه صلاح للإسلام والمسلمين.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.ولا يفوتني أن أشكر باسمكم جميعاً المقدم سعيد الدخيل وإخوانه وزملاءه والحضور أجمعين.
الأسئلة

 قصيدة عاصفة الصحراء
السؤال: نطلب من فضيلة الشيخ أن يختم هذا اللقاء بقصيدته عاصفة الصحراء؟الجواب: أعتذر من عاصفة الصحراء؛ لأنها انتهت عندكم وانتهت عندي، ولكني -إن شاء الله- أعوضكم مكانها قصيدة: (محمد في فؤاد الغار يرتجف) لخللٍ فني، فلا أريد لكم عاصفة الصحراء لكني أريد لكم آخر قصيدة وهي (محمد في فؤاد الغار يرتجف) أحفظ منها أبياتاً، فهي ما يقارب الخمسين بيتاً، وهي في حبيبنا وعظيمنا محمد صلى الله عليه وسلم:محمد في فؤاد الغار يرتجف في كفه الدهر والتاريخ والصحف مزملٌ في رداء الوحي قد صعدت أنفاسه في ربوع الكون تأتلف من الصفا من سماء البيت جلله نور من الله لا صوف ولا خصف والكفر يا ويحه غضبان من أسفٍ لم يبقه الحقد في الدنيا ولا الأسف ولا حمته سيوف كلها كذبُ في صولة الحق والإيمان تنقصف أتى الرسول إلينا والربا جثثٌ مطمورةٌ وعليه يضحك القرف والمارد الفاجر المعتوه محترمٌ جماجم الجيل في أسيافه لطف نجوع نأكل موتانا وسهرتنا أكل الضياع وليل أحمرٌ دنف ومنها:سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا اقرأ فأنت أبو التعليم رائده من بحر علمك كل الناس يرتشف إن لم تصغ منك أقلام معارفها فالزور ديدنها والظلم والصلفُ في كفك الشهم من حبر الهدى طرف على الصراط وفي أرواحنا طرفُ وفي الختام! أشكركم شكراً جزيلاً، وأشكر لكم تعبكم وصبركم وعرقكم، وأسأل الله أن يبدلكم رضواناً في الجنة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حتى لا نتخلف عن الركب للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net