اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء مع الشباب للشيخ : عائض القرني


لقاء مع الشباب - (للشيخ : عائض القرني)
الشباب هم الثروة الثمينة التي لا تعوض, وهم تاج وعز الأمة، بصلاحهم تنهض الأمة، لذلك كان لزاماً من تلمس حاجاتهم، والسؤال عن أحوالهم، ووضع حلول لمشاكلهم وهمومهم، وقد تعرض الشيخ لبعض القضايا التي تهمهم، كضعف الإيمان وكيفية معالجة هذا المرض, وتعرض لقضية فتور الشباب عن الدعوة إلى الله, وتكلم عن قضية مهمة أخرى وهي: تذبذب الشاب, أسبابها، وعلاجها ، وألمح إلى قضية سلبية عند الشباب وهي قلة الاطلاع في الدين والواقع.
ضعف الإيمان وفساد التوبة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.عنوان هذا الدرس: لقاء مع الشباب.حييت يا هذا الشباب لك التحية والسلام أثلجت قلبي بالحضور وزاح عن عيني المنام يا بسمة الفجر الجديد إلى الأمام إلى الأمام بشر بنا دنيا الورى نحن المشاعل في الزحام وإمامنا المعصوم أنعم خير من وطئ الرغام صلى الله عليه وسلم، اجتمعنا على حبه وعلى مبادئه وسنته. أولاً: إني أحبكم في الله -تبارك وتعالى- حباً لا يعلمه إلا هو، أسأله أن ينفعني وإياكم بهذا الحب, فما جمعنا هنا رغبة ولا رهبة إلا حب فيه تبارك وتعالى. ثانياً: أسأل الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما جمعنا هنا أن يجمعنا: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].اللهم إن أهل الدنيا اجتمعوا لدنياهم، وقد اجتمعنا الليلة لديننا، اللهم فلنا عليك حق الضيافة وأنت أكرم الأكرمين.اللهم إن ضيافتنا مغفرة من عندك، فنسألك أن تغفر لنا ذنوبنا, وأن تستر عيوبنا, وأن تحفظنا من كل مكروه, وأن تنصرنا بالإسلام, وأن تنصر الإسلام بنا.اللهم إن من سلَّ علينا سيفاً فاقتله بسيفه, واكفنا شره, واجعل تدبيره في تدميره يا رب العالمين.أيها الفضلاء: أعدكم -إن شاء الله- أن يرتقي هذا المنبر في القريب العاجل كثير من العلماء والدعاة، كالشيخ: العمر والعودة والحوالي والطريري وابن مسفر، والقحطاني والبريك وابن زعير والجلالي... وغيرهم من العلماء، أعدكم -إن شاء الله- بهذا؛ لتسمعوا منهم ويسمعوا منكم مباشرة, وما نحن إلا إخوة يسعى بذمتنا أدنانا.وأحببت هذه الليلة أن أجعل القضايا قضايا الشباب, فأنا شاب أعيش مشكلات الشباب وطموحاتهم ومعاناتهم, وكثير من القضايا استفدتها من الشباب، وكم فرحت -ويعلم الله- هذه الليلة وأنا أرى الشباب من كل حدب ينسلون, يأتون إلى المسجد حاملين في قلوبهم حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام، فأبشروا ثم أبشروا ثم أبشروا. وأشكر شكراً جزيلاً أصحاب الفضيلة العلماء الذين حضروا والأساتذة والأدباء, وأشكركم يا زملائي ويا إخواني من الشباب.هذا اللقاء -كما قلت- للشباب فحسب، وسوف يكون هناك لقاء -إن شاء الله- للشابات ومشاكلهن وقاضاياهن، والقضايا كثيرة ومزدحمة, وقضايانا ومشكلاتنا ومسائلنا لا تحل إلا من المسجد ومن المحراب, من منبر محمد -عليه الصلاة والسلام- وأنا أعلم أن فيكم من هو أعلم مني وأصلح وأكرم وأتقى، ولكن كما قال الأول: لعمر الله ما نسب المعلى بذي كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا استعرت وصوح نبتها رعي الهشيم فأنا هذه الليلة الهشيم الذي يرعى لما ذهب النبت الأخضر، أسأل الله أن يعيده للمسلمين.
  أسباب زيادة الإيمان
اعلم أن هناك أسباباً ترفع ضعف الإيمان، ذكرها أهل العلم، وقد وصلتني عشرات الأسئلة، ولا أبالغ إن قلت: مئات الأسئلة من الشباب، كلٌ يشكو ضعف إيمانه, وجمود عينه, وقسوة قلبه, وأنا من ذلك الصنف, نشكو حالنا إلى الله، ولعل الله -سُبحَانَهُ وَتَعَالَى- أن ينظر لنا في هذا الجمع المبارك بنظرة رحمة فيقول لنا: انصرفوا مغفوراً لكم فقد رضيت عنكم وأرضيتموني: إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرارِ وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار السبب الأول في زيادة الإيمان:أن تناجي ربك -سُبحَانَهُ وَتَعَالَى- وأن تكثر من دعائه ورجائه وتذكره كثيراً. السبب الثاني:أن تتدبر كتابه, فلا يلم شعث القلب إلا كتاب الله -عز وجل- ووجد أن كثيراً من الشباب تشاغلوا حتى بالعلم الشرعي عن قراءة القرآن, فتجد أحدهم في المسائل وفي الترجيحات والتنقيحات والتحقيقات وتخريج الأحاديث -وهو في طاعة ولكنه- تشاغل عن القرآن حتى قسا قلبه، فكيف بمن قسا قلبه بالمعاصي والمخالفات والجلوس مع البطالين؟!ومنها وهو من أعظمها: أن تحافظ على الفرائض جماعة، فإن الله ضمن لمن حافظ على الفرائض جماعة ألا يخذله ولا يذله، وأن يحفظه في الدنيا والآخرة. ومنها: أن تحافظ على السنن الرواتب, وأن تكثر منها, فإنك كلما سجدت لله سجدة رفعك بها درجة.ومنها: أن تصاحب الصالحين وأن تحبهم {المرء يحشر مع من أحب} وقال -عليه الصلاة والسلام- كما في الحديث الصحيح: {والمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل} رواه مسلم وغيره، وقال عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي: {لا تصاحب إلا مؤمناً, ولا يأكل طعامك إلا تقي} وأرى لزاماً على الشباب أن يجددوا إيمانهم بحضور الندوات والمحاضرات والدروس, وألا يقولوا: الملقي أقل منا علماً, فإن الله قد يكسبك بالحضور أموراً لا تحصل عليها في غير هذا المكان، منها: أن يذكرك الله في الملأ الأعلى.ومنها: أن الملائكة تحفك بأجنحتها. ومنها: أن السكينة تتنزل عليك.ومنها: أن الرحمة تغشاك. هذه بعض الأمور التي ترفع من درجة الإيمان، وزاد النووي وغيره أموراً: منها:المراقبة؛ أن تعلم أن الله معك: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] وأنه يعلم سرك وعلانيتك، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].يا شباب الإسلام! يا فتية محمد عليه الصلاة والسلام! يا رواد الحق! إنه ينقصنا في عالم الإيمان مسائل. ينقصنا محاسبة النفس كما كان يفعل السلف، كانوا يحاسبون أنفسهم عند النوم محاسبة عظيمة ماذا قدمنا من الخير، وماذا فعلنا من الشر. ينقصنا أيضاً: استرشاد أهل العلم والدعاة وطلبة العلم, وطلب النصح منهم.وينقصنا أيضاًً: زيارة المقابر، حتى ألهينا وشغلنا بالحياة الدنيا.وينقصنا قراءة تراجم السلف , التراجم الحية المتمثلة في سيرة الصحابة والتابعين, والأئمة كـأحمد , والشافعي ومالك والثوري والأوزاعي، وغيرهم كثير.أيضاً ينقصنا الدعاء والمناجاة في الثلث الأخير من الليل، والجلسات الروحية بعد الشمس إلى طلوع الفجر وقبل الغروب: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:16-17].
عدم الجدية
أيها الإخوة الأبرار..ومن مسائل الشباب ولعلها المسألة الثانية: عدم الجدية. إن قطاعاً هائلاً من الشباب الملتزم لا يأخذ الأمر بجد. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [الأعراف:171] قال قتادة: [[قوة الجد، وقال مجاهد: [[بقوة: بعمل ما فيه]] وقال الله عز وجل: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً [مريم:12] وأجمع كثير من الفضلاء على أن القوة هي العمل وهو أن تأخذ كتاب الله عز وجل, وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام على أنهما نذير بين يدي عذاب شديد, وأنهما سر نجاتك في الحياة الدنيا فتأخذ الكتاب بقوة.
  الجدية في طلب العلم
ومن الجدية أيضاً: الجدية في طلب العلم -كما قلت- فيحافظ على الدروس العلمية التي تقام في المساجد، وليأت إليها ولو لم يكن الحضور إلا هو لكفاه أجراً وفخراً وشرفاً أنه حضر واجتمع وطلب العلم. إن الشاب يندفع أولاً اندفاعاً هائلاً ثم يتلاشى ويتلاشى.. فأنا أعرف دروساً قامت على خمسين أو ستين شاباًً ثم تلاشت إلى ثلاثة أو أربعة, والخطأ من الشباب أنهم ما واصلوا المسيرة، وما علموا أن هذه فرصة سانحة, فتح الله لك درساً فاحضره.كذلك بعضهم لا يجدُّ في بحثه، فإذا كُلِّف ببحث مسألة توانى عنها وتكاسل حتى تذهب عليه الأيام، ثم يأتي ببحث ميت أو بحث لا جدوى فيه ولا تحقيق، وكذلك التواني عن حضور المحاضرات العامة، وأنا أعتبر أن من يحضر هنا يشد من أزر المؤمنين, وأنه ينصر عباد الله الموحدين، وأنه يرغم الشيطان. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: الدين مبني على المراغمة؛ ولا يرى الشيطان أحقر منه في مثل هذه الليالي؛ أن يرى العباد بالمئات بل بالألوف يجتمعون على محاضرة، يريدون (قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام) فالشيطان وأولياؤه من المرتدين والمنافقين يندحرون ويذوقونها غصصاً إذا رأوا هذا التجمع الإيماني المبارك العاطر. يا رب أحي ضميره وليذوقها غصصاً وتتلف نفسه الآلام هذه بعض الصور التي تفوتنا كثيراً في عالم الجدية، ومنها أيضاً: عدم أخذ الجدية في أخذ سنن محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تفاجأ بمن يحمل العلم الشرعي وهو لا يطبق سنة محمد عليه الصلاة والسلام في لحيته أو في تقصير ثوبه، أو تراه يلبس الذهب، أو الحرير، أو يستمع الغناء، أو يفوت صلاة الجماعة, فتظن أنه لا يصدق ما يحمل, أو تتهمه في دينه, وهذا أمر واضح، فإن الله جعل على الإيمان دلائل وعلامات، قال سبحانه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].فالحذر الحذر من عدم الجدية في تطبيق السنن, والذين يهونون من شأن السنن؛ كاللحية والثوب والسواك, وخصال الفطرة؛ لا يعقلون ولا يفقهون في دين الله.. إن محمداً عليه الصلاة والسلام أتى بلا إله إلا الله وأتى بإعفاء اللحية، وأتى بلا إله إلا الله وبقص الشارب، وأتى بلا إله إلا الله وبتقصير الثوب، وأتى بلا إله إلا الله وبتحريم الغناء.
(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)
المسألة الثالثة: عدم العدل في القول عند كثير من الشباب. وأقصد من الملتزمين, فكلامي مع الغير سوف يكون في حلقات مقبلة إن شاء الله.مما يعاب على الشباب التعامل بالعاطفة المحضة, والتي قد تجنح بصاحبها فتخرجه عن جادة الصواب، ومن ذلك: أن تمنعه من العدل في القول، فإذا أحب شخصاً نسي معايبه، وإذا أحب فئة نسي معايبها، وأثنى عليها بالمديح، وأعطاها أكثر من حقها, وإذا أبغض شخصاً نسي محاسنه، وإذا أبغض فئةً نسي محاسنها وأعمالها الصالحة, وظلمها وجحدها وأخذ ينكث عليها بالنكث في كل مجلس.
  النبي صلى الله عليه وسلم وميزان العدل
انظر إليه عليه الصلاة والسلام، {يؤتى بشارب الخمر قد شربها عدة مرات، فيقول بعض الصحابة: أخزاه الله، ما أكثر ما يؤتى به من شرب الخمر، قال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا ذلك، والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله} فانظر كيف علم أنه يحب الله ورسوله، وأثنى عليه بتلك الخصلة, مع العلم أنه شرب الخمر مرات كثيرة.ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه أتي بـحاطب بن أبي بلتعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر الكفار بمسير الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم, فأتي به، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: {يا رسول الله, دعني أضرب عنقه فقد نافق. فقال: يا عمر , أما تعلم أنه من أهل بدر , وأن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم}.فعلينا أن نكون موازين في أحكامنا وأقوالنا, ولا نتبع العواطف، وإني أعلم كثيراً من أمثالي من الشباب تسوقهم العاطفة والميل الكلي؛ حتى يضخموا المحاسن فيجعلونها كالجبال وهي صغيرة، ويجعلون المساويء لا شيء، وبالعكس؛ يجعلون المساوئ كالجبال -وهي لا شيء- وينسون المحاسن، فعلى العبد أن يكون متأملاً لما يقول, وينظر بعينية؛ فإن المحب إذا أحب نسي العيوب، والمبغض إذا أبغض نسي الحسنات: فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
ضياع الأوقات عند الشباب
من قضايا الشباب: صرف الوقت فيما لا ينفع ولا يفيد.وهذه مأساة لا زلنا نعيشها، حتى في صفوف الدعاة، فالوقت رخيص عند المسلمين، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] وكم تكرر على الأسماع قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].وبادر شبابك أن يهرما وصحة جسمك أن يسقما وأيام عيشك قبل الممات فما دهر من عاش أن يسلما ووقت فراغك بادر به ليالي شغلك في بعض ما وقدم فكل امرئ قادم على بعض ما كان قد قدما وسوف يعلم الشباب إذا لقوا الله عز وجل غداً, أي أوقات أذهبوها, وأي أوقات أضاعوها, ويا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله, وهي الأيام والدقائق والساعات الغالية، وإنني أعلم أنّ من الشباب من يقف مع زميله خارج المسجد يتكلم معه ساعة كاملة, فإذا طلبته أن تدرس معه مسألة, اعتذر بقوة.
  النبي صلى الله عليه وسلم وميزان العدل
انظر إليه عليه الصلاة والسلام، {يؤتى بشارب الخمر قد شربها عدة مرات، فيقول بعض الصحابة: أخزاه الله، ما أكثر ما يؤتى به من شرب الخمر، قال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا ذلك، والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله} فانظر كيف علم أنه يحب الله ورسوله، وأثنى عليه بتلك الخصلة, مع العلم أنه شرب الخمر مرات كثيرة.ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه أتي بـحاطب بن أبي بلتعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر الكفار بمسير الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم, فأتي به، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: {يا رسول الله, دعني أضرب عنقه فقد نافق. فقال: يا عمر , أما تعلم أنه من أهل بدر , وأن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم}.فعلينا أن نكون موازين في أحكامنا وأقوالنا, ولا نتبع العواطف، وإني أعلم كثيراً من أمثالي من الشباب تسوقهم العاطفة والميل الكلي؛ حتى يضخموا المحاسن فيجعلونها كالجبال وهي صغيرة، ويجعلون المساويء لا شيء، وبالعكس؛ يجعلون المساوئ كالجبال -وهي لا شيء- وينسون المحاسن، فعلى العبد أن يكون متأملاً لما يقول, وينظر بعينية؛ فإن المحب إذا أحب نسي العيوب، والمبغض إذا أبغض نسي الحسنات: فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
قضايا في الدعوة إلى الله

  الغلظة والعنف في الدعوة
أيضاً من قضايا الشباب: الغلظة والعنف في الدعوة. وهذا ليس عند الشباب جميعاً, ولكنه عند بعضهم، فتجده إذا تكلم أغلظ في الكلام, وجرح المشاعر, وقد يأخذ كلاماً نابياً تنبو عنه السهام، وعلى العبد أن يكون رقيقاً في تعامله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. يقول أحد السلف: كن باش الوجه لين الكلمة؛ تكن عند الناس أحب ممن يعطيهم الذهب والفضة. وفي الحديث: { إنكم لا تسعو الناس بأموالكم ولكن تسعوهم بأخلاقكم} وقد قسَّم الله الأخلاق بين الناس كما قسم الأرزاق.فأنت تريد مني أن أستجيب لك وقد جرحت مشاعري, وقد نصحتني وفضحتني أمام الناس, وأمام الجماهير، كيف أستجيب لك؟! قال الشافعي:تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعة لا نريد غلظة في الخطاب: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] إن الكلمات النابية ليست في سنته عليه الصلاة والسلام. أسألكم بالله -يا شباب الإسلام- هل سمعتم في الكتب الستة والمسند والمعاجم، وكتب سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ودواوين الإسلام كلمات نابية قالها الرسول صلى الله عليه وسلم للمدعوين؟ هل أغلظ في القول؟ لا والله, إنما كان يأتي بالخطاب المحبب العجيب اللين السهل؛ حتى يصل إلى القلوب بالبسمة وباللين.فالحذر الحذر فإن بعض الناس يأمر بمعروف وينهى عن منكر، فيفوت من المعروف ما هو أعظم بسبب أمره, ويأتي من المنكر بأعظم بسبب نهيه، قال ابن تيمية رحمه الله: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف, ونهيك عن المنكر بلا منكر.
التذبذب
من قضايا الشباب أيضاً: التذبذب. وهذا مرض، مرة يكون طائعاً ومرة يكون عاصياً، مرة محافظاً على الصلوات الخمس, ومرة تاركاً لها، مرة مع أولياء الله، ومع أحباب الله, مقبلاً على الله, ومرة مع الأشقياء البعداء في الملاهي والمنتديات وأماكن اللغو.. هذا تذبذب وسببه أن هؤلاء تربوا على العواطف، ولم يربوا على علم راسخ, أو على إيمانيات, أو على ترسيخ شأن العقيدة في قلوبهم أو على القضايا الكبرى من قضايا الإسلام, فالوصية لهؤلاء أن يثبتوا, وأن يديموا طاعة الله عز وجل, وأن يعلموا أن الأمر جد, وأنه لا يتحمل هذا التذبذب والتلاعب على الحبال.
  التذبذب في الأمور العامة
التذبذب -أيضاً- في الأمور العامة للشخص، مثلاً: الزيارت، فتجده -أحياناً- يزور باستمرار، فيكثف من الزيارات في شهر حتى يثقل على الناس، ثم يقطع الزيارة في مرحلة من المراحل حتى لا يراه الناس, وهذا ليس بصحيح، بل هو خطأ؛ فإنّ على المسلم أن يكون صاحب جدول, وصاحب خطة مرسومة, كما يفعل أهل الدنيا، فإن لهم في مشاريعهم خططاً ثلاثية ورباعية وخماسية وسداسية يبنون عليها حياتهم.
التذرع بالذنوب لترك الدعوة إلى الله
من قضايا الشباب: التذرع بالذنوب وترك الدعوة بسبب أنهم يحملون ذنوباً, وأن الواحد منهم عاصٍ.. فتطالبه أن يدعو إلى الله عز وجل، وأن يشارك في الخطابة, أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أو في التعليم, أو في إسداء الكلمة البارة, وفي نصيحة إخوانه، فيقول: أنا رجل مذنب ومثلي لا يدعو الناس، وهذا خطأ نبه عليه أهل العلم, وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور:21].من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط وأنا أسأل هؤلاء الشباب: هل ينتظرون إلى درجة أن يصبح الإنسان منهم معصوماً لا يخطئ؟ لا يكون هذا أبداً، والمعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال (كل ابن آدم خطاء, وخير الخطائين التوابون) وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (والذي نفسي بيده, لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم). يقول رجل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله , هل يبقى الرجل حتى يكمل ثم يدعو الناس؟ قال الإمام أحمد: ومن يكمل؟ من يبقى حتى يكمل، فادعُ الناس؛ لأن عندك حد أدنى من الطاعة، فأنت تؤدي الفرائض وتجتنب الكبائر, لكنك تقع أحياناً في خدوش وفي زلات وسيئات وخطايا, فاستغفر وتب، لكن لا تسكت عن الدعوة، لا تسكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنك مذنب.قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: وقد لبس إبليس على بعض المتعبدين فيرى منكراً فلا يغيره, ويقول: إنما يأمر وينهى من قد صلح، وأنا لست بصالح فكيف آمر غيري. وهذا غلط؛ لأنه يجب عليه أن يأمر وينهى ولو كانت تلك المعصية عنده، وقد سبق معنا قول شيخ الإسلام وأكرره، يقول: وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي ولا بد أن يؤمر هو وينهى.وقد ذكر شيخ الإسلام في المجلد العاشر من الفتاوى في وصيته لـأبي القاسم المغربي: أن العبد لا بد له أن يذنب, وأن الذنب حتم على العبد, لكن عليه أن يستغفر. فوصيتي للشباب ألا يعتذر أحدهم بالذنب، وأنا أعرف شباباً تركوا خطبة الجمعة بسبب أنهم يقولون: نحن أهل معاصي، تطلب من الواحد منهم أن يلقي كلمة وأن يعظ الناس، فيقول: أنا عاصي. ولو كان يشترط في الواعظ والداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر العصمة ما كان دعا ولا وعظ أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم. فيا إخوتي! نسدد ونقارب، ونأمر وننهى, فلعل الله أن يكفر بسبب دعوتك خطاياك ومعاصيك التي وقعت فيها.
  التذبذب في الأمور العامة
التذبذب -أيضاً- في الأمور العامة للشخص، مثلاً: الزيارت، فتجده -أحياناً- يزور باستمرار، فيكثف من الزيارات في شهر حتى يثقل على الناس، ثم يقطع الزيارة في مرحلة من المراحل حتى لا يراه الناس, وهذا ليس بصحيح، بل هو خطأ؛ فإنّ على المسلم أن يكون صاحب جدول, وصاحب خطة مرسومة, كما يفعل أهل الدنيا، فإن لهم في مشاريعهم خططاً ثلاثية ورباعية وخماسية وسداسية يبنون عليها حياتهم.
الانعزال عن المجتمع
من قضايا الشباب التي يعيشها: الانعزال عن المجتمع.وهذا ليس بكثير في قطاع الشباب، لكنه في فئة وفي شريحة من الشباب, أن الواحد منهم إذا استقام فرَّ من المجتمع وهرب إلى بيته واختفى بحجة أن البلد أصبح بلد معاصٍ, وأن الناس مذنبون، وأن الخطايا كثرت, ويقول: فر بدينك فرارك من الأسد. ويقول أحدهم ويستدل بالحديث: (عليك بخاصة نفسك) وأحدهم يستدل أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) فتجده من بيته إلى المسجد، يترك المجتمع والمسجد والدراسة والكلية والفصل والسوق، وهذا مخطئ.
  العزلة مطلوبة أحياناً
قال ابن تيمية -رحمه الله-: لا بد للعبد من أوقات يعتزل فيها بنفسه، لذكره ودعائه ومحاسبة نفسه. ولكن يجب عليه المخالطة في مثل صلاة الجماعة والجمعة, والأعياد، ثم يستحب أن يخالطهم في الدروس العلمية والمحاضرات العامة.مثلاً: الشاب الذي حضر مثل هذا الدرس أو غيره من الدروس، وشاب غيره يقرأ في بيته القرآن، فرأيي أن من حضر هنا أفضل ممن بقي هناك؛ لأنه حضر ليكسب أربعة أمور ذكرتها، وكثّر سواد المؤمنين، وأرغم الشيطان, وأظهر التضامن مع إخوانه, وقوّى من جانب الدعوة؛ لأن حضوركم تقوية للعلماء والدعاة وطلبة العلم، وانتصار للا إله إلا الله، وإرغام للشيطان وأوليائه.
الفتاة الداعية
أيضاً من القضايا -وهذه للشابات وسوف يأتي حديث للشابات مستفيض إن شاء الله-.فالشابات ابتعدن عن الدعوة والقيام بها؛ بحجة أن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للرجال, والله -عز وجل- يقول في محكم كتابه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] فالمرأة لا بد أن تكون آمرة ناهية داعية إلى منهج الله عز وجل, عليها من التكليف بين بنات جنسها ما على الرجل، فمن يدعو النساء إلا المرأة, ومن يعلم ويربي وينصح النساء إلا المرأة؟! وهذه أمانة محمد عليه الصلاة والسلام على عواتق النساء.
  مجالات الدعوة عند المرأة
وتتمثل دعوة المرأة في بيت أهلها وزوجها، وبيوت جيرانها، وشكرًا لتلك المرأة التي هدت زوجها إلى صراط الله المستقيم, وقد ذكرت في كثير من القصص، وهناك عشرات النساء سبب البركة في البيت والهداية فيه أنها دخلت بيت زوجها، فقلبت البيت رأساً على عقب إلى صراط الله المستقيم، ولما دخلت البيت دخلت معها السكينة والرحمة والنور والبركة, وأصبحت تأمر وتنهى وتعلم السنن؛ بسبب استقامتها على منهج الله عز وجل.المرأة داعية في مجالسها عند جاراتها, وفي فصل دراستها وتدريسها, وفي لقائها مع أخواتها, تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا ترتع مع النساء في الغيبة -وفواكه النساء الغيبة والنميمة إلا من عصم الله- ولا تذكر معهن الفحش, بل تتدارس معهن كتاب الله عز وجل، وكتب أهل العلم وفتاوى العلماء, وتستغفر معهن وتسبح، وتدعوهن إلى ما ينفعهن في الدنيا والآخرة. إنها مهمة عظيمة, وإن مما يؤسفنا أن يكون المكان ضيقاً على النساء في هذا المسجد أو في غيره, ولكن ماذا نفعل؟ ونحن نعتذر كثيراً في كل لقاء, لكن عسى الله عز وجل أن يأجر من أتى, ولعل في الشريط وفي سماعه عوضاً لمن لم تحضر في هذا اللقاء المبارك، ومن نوى وجه الله عز وجل وقصد الخير كتب له الأجر, ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، ورب من مات على فراشه وهو شهيد، وقال صلى الله عليه وسلم: {من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء, وإن مات على فراشه} رواه مسلم، وهي النية الصادقة التي يفعلها كثير من المؤمنين ثم لا يدركون الأعمال؛ فيكتب الله لهم بنياتهم. وكما في الخبر: {نية المؤمن خير من عمله}.
قلة الاطلاع عند الشباب
من قضايا الشباب: ضحالة المعرفة وقلة الاطلاع. لم يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزود من شيء إلا من العلم النافع، قال له الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] والعلم إنما يزيد -يا أيها الشباب- بكثرة الاطلاع, وبمنافسة أهل العلم, والمناقشة, والاستفادة, والمساءلة, يعجب طالب العلم إذا سأل إخوانه في جلسة من الجلسات: هل عندكم أسئلة في أي مجال؟ فيقولون: لا. وذلك ينبي أنهم لا يقرءون.قيل لـابن عباس رضي الله عنهما: [[بم نلت هذا العلم؟ قال: بقلب عقول ولسان سئول]]. وسل الفقيه تكن فقيهاً مثله من يمضِ في علم بحق يمهر فعليك أن تسأل كثيراً, وأن تكون ملحاحاً في الأسئلة.
  اطلع على واقعك
أيضاً: يا أيها الإخوة! ينقص كثيراً من الشباب الاطلاع على واقع المسلمين, وما يعيشه المسلم في واقعهم, فتجده ينعزل حتى ولو كان مع علم السلف، العلم المبارك، لكن لا يعفيه هذا أن يطلع على الأطروحات التي في الساحة, وعلى الكتب المؤلفة في هذه المرحلة، والمجلات الإسلامية, والصحف وما يكتب فيها؛ حتى يكون على بصيرة بواقعه وببيئته.. يعرف كيف يتكلم, وكيف يدعو، ويعرف ماذا يخطط لدينه، أما أن يقف في عزلة عن عالمه وعن واقعه فليس بصحيح, وقد قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] فعلى الأقل لا بد أن تقرأ ولو صحيفة في اليوم، ومجلة إسلامية في الأسبوع, وأن تعرف أن هناك خططاً, ووسائل, وأسراراً, وهناك ما يحاك ضد هذا الإسلام, فتكون على بصيرة حتى تعلم أين تضع قدمك. هذا مما يطلب من شباب الإسلام, ومن أهل الحق الذين يحملونه, ويطلب منهم أن يبلغوه للناس.إخوتي في الله! بقيت قضايا كثيرة كثيرة لا تنتهي, ولكني أسأل الله عز وجل أن يعين على إتمامها، وكما وعدتكم سوف يستقبل هذا المنبر دعاة وعلماء يتحدثون لكم في هذه المسائل مسألة مسألة، ويوم تحضرون ويحضر أصحاب الفضيلة العلماء؛ يكون هناك مجلس مبارك، واجتماع على الحق، والله عز وجل قد نهى عن التفرق: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].وهذه المحاضرة مبنية على محاضرة سابقة بعنوان: "فن الدعوة"، وهاتان المحاضرتان متلازمتان تماماً، تفهم هذه بتلك, وتلك كالمقدمة والديباجة لهذه المحاضرة. وشكراً لمن حضر، وكم فرحت، وقد كدت أن أبكي قبل صلاة المغرب, وأنا أرى الشباب في زحمة الليل وزحمة السيارات, وفي وهج البرودة, وفي قطرات الرذاذ, وهي تتقاطر من السماء, وهم يزدحمون يأتون إلى المسجد، تركوا دراستهم وأشغالهم وأهلهم وارتباطهم وضيوفهم ليحضروا في هذا المكان. فيا رب يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد, حضرنا لوجهك ولمرضاتك، أسألك ألا تعيدنا من هذا المكان إلا مقبولين, مغفورة ذنوبنا, مستورة عيوبنا, قد رضيت عنا ورضينا عنك، وقد أسعدتنا بتوبة تجلو عنا الذنوب والهموم والغموم، أسألك أن تحفظنا بالإسلام وأن تحفظ الإسلام بنا، وأسألك أن تجمعنا بحبيبنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأسألك أن تنصر هذا الدين، وأن تعلي كلمة المسلمين، وأسألك أن تحفظ العلماء والدعاة، وأن ترفع كلمتهم وأن تؤيدهم بالحق، وتؤيد الحق بهم، وأسألك أن ترد شباب الإسلام إليك رداً جميلاً يا عظيم، وأن تأتي بإخواننا وفلذات أكبادنا من الشباب الذين جلسوا على الأرصفة وفي المقاهي وفي أماكن اللغو أن تأتي بهم لنراهم، فإننا -والله- نحبهم حب الإسلام، ولا نريد يا رب أن تعذبهم بالنار, ونريد يا رب أن تخرجهم من الظلمات إلى النور، هذه مسألتنا ولهذا اجتمعنا.وأما كلامي فأسأل الله أن ينفع به، فإن أصبت فمن الواحد الأحد، فهو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى منـزل الصواب على عباده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله بريئان، أسأل الله عز وجل أن يجمعني بكم مرات كثيرة في مناسبات كثيرة، وأنا أعتبر أن من يدعو لهذا الدرس ولغيره، ويدعو إخوانه وجيرانه والمسلمين؛ أنه داعية إلى منهج الله, وأنه أمين على دعوة الله, وأنه رجل صالح يدعو إلى خير. شكراً لكم، ومرضاةً وقبولاً زائداً من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء مع الشباب للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net