اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العلم الأصيل والعلم الدخيل للشيخ : عائض القرني


العلم الأصيل والعلم الدخيل - (للشيخ : عائض القرني)
إن مما انتشر بين المسلمين في هذه العصور كثرة العلوم المختلفة التي ليس منها فائدة إلا ضياع الأوقات والأعمار في البحث عنها وعن جزئياتها، حتى أصبح الناس لا يميزون بين العلم الأصيل النافع, والعلم الدخيل الضار, والناظر في الآيات والأحاديث يعرف حقيقة العلم النافع من غيره, وقد ذكر الشيخ نماذج من العلم الأصيل, ونماذج من العلم الدخيل الذي أصبح منتشراً بين المسلمين؛ فإذا أحببت أن تعرف هذه النماذج فما عليك إلا قراءة هذا الدرس.
أهمية الحديث عن العلم الأصيل والعلم الدخيل
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، هدى الله به الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية, وزعزع به كيان الوثنية، صلى الله عليه وسلم تسلمياً كثيراً.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، هذا الموضوع، موضوع "العلم الأصيل والعلم الدخيل" موضوع كبير وخطير، وتأتي أهميته من ثلاثة أسباب: السبب الأول: أن الله عز وجل ميز في كتابه بين العلم الأصيل والعلم الدخيل، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم فرق بين العلمين في حديثه الشريف، وكذلك أصحابه والسلف الصالح، رضوان الله عليهم جميعاً. السبب الثاني: أن هناك عند المقصرين من أمثالي من طلبة العلم وغيرهم -من باب أولى- غبشاً وخلطاً بين العلم الأصيل والعلم الدخيل، فهم يخلطون بين هذا وهذا, ولا يميزون العلم النافع من العلم الضار، ولا المفيد من غيره، ولا الذي من ورائه ثمرة من الذي لا ثمرة من الكد والكدح فيه.والسبب الثالث: أن هناك خطورة كبيرة من عدم التمييز بين العلم الأصيل والعلم الدخيل، وكثير من الناس لعدم معرفته بفائدة العلم لا يحرص عليه، ولا يحصله، ولا يجلس في مجالسه, ولا يتعلم عند أربابه وأهله، ولا يتعب نفسه في حفظ العلم والتفقه فيه أبداً.
 مثال لمن لا يميز بين الأصيل والدخيل
وهناك صنف ثالث لا يحرص على التفقه في الدين، ولا يهتم بالتمييز بين الأصيل والدخيل، ولا بين النافع أو الضار، ولا المفيد من غيره، إن جاءت الكلمة عفوية حفظها يوم الجمعة، أو في درس سانح، وإن كان عنده رغبة حضر حلقة العلم، وإن كان عنده عزيمة أو مناسبة، فالله يخلف عليه بخير فإنه لن يحضر. دخل أبو دلامة على هارون الرشيد وهو رجل دعوب مزاح طريف يدخل على الخلفاء العباسيين، قال هارون الرشيد: يا أبا دلامة سمعنا أنك انقطعت عنا لتتعلم الحديث النبوي في هذه الفترة؛ فماذا تعلمت؟ قال: تعلمت علماً نافعاً يا أمير المؤمنين! قال: أخبرني ماذا حفظت، قال: حدثنا فلان عن فلان، عن عكرمة رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من حفظ خصلتين دخل الجنة} نسي عكرمة خصلة, ونسيت الثانية، ما الفائدة؟!! ربما كانت منه طرافة، وإلا ربما يكون قد حفظ واحدة على الأقل، وإما أن يكون بليداً بلغ في البلادة المنتهى، فهذا لا التفت للعلم ولا لتمييز الأصيل من الدخيل.
العلم النافع في القرآن الكريم
تعالوا معنا لنستقرئ العلم الأصيل والعلم الدخيل من كتاب الله عز وجل, ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال الصحابة والسلف الصالح.
 العلم النافع هو علم القرآن والتوحيد
وقال عز من قائل: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] وجاءت هذه الآية بعد قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] فالعلم المراد هنا علم القرآن، لا يعرف التفسير إلا بالسياق والقرائن وفهم ما قبل الآية مع ما بعدها, فالعلم الأصيل هنا هو علم القرآن.وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] لو أن الآية قرئت مبتورة لظن بعض الناس أنه يدخل في ذلك علم الفلك -على ما سوف يأتي- وعلم النجوم، وعلم الأنساب, وزيادة معرفة القبائل وبطونها، وأفخاذها وأسرها وعشائرها، لكن قال عز من قائل: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] فدل على أن العلم النافع علم القرآن.وقال عز من قائل في سورة آل عمران: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] السؤال: لماذا سماهم الله أولي العلم؟ السبب: أنهم شهدوا لله بالوحدانية واستنبط بعض أهل العلم من هذه الآية أن علم التوحيد علم أصيل، وأن من لم يوحد الله ولم يخلص العبودية لله؛ فعلمه دخيل ولو علم علوم الدنيا، لأن بعض الناس ضلوا وهم علماء، لأنهم خرافيون، قادة ضلالة، وعملاء جهالة، كما مر في تاريخ الإسلام من أمثال ابن الراوندي والحلاج، وابن عربي محيي الدين الطائي صاحب كتاب الفتوحات المكية، وفصوص الحكم وهي فصوص الظلم، وهي ظلمات بعضها فوق بعض، يقول الذهبي: إذا لم يكن كفر في الفتوحات المكية فليس في الدنيا كفر، فهؤلاء لا يسمون أهل علم؛ لأن أهل العلم هنا هم أهل الوحدانية لله. وقال عز من قائل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] وهذا هو علم التوحيد، وعلم العقيدة، فغيره دخيل وهو أصيل، وقال عز من قائل: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] ثم قال بعدها: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [العنكبوت:44] فدل على أن التفكر والتدبر في آيات الله علم أصيل، وأن من لم يتدبر ولم يتفكر في آيات الله فعلمه دخيل، فالتفكر والتدبر في آيات الله علم أصيل. وقال عز من قائل: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] لهذه الآية معنيان، بأيهما أخذت أصبت خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق فالمعنى الأول: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] أي: بل هذا القرآن آيات واضحات، محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم؛ فهذا فيه دليل على فضل الحفظ. والمعنى الثاني: أن هذه الآيات بينات معانيها في صدور الذين أوتوا العلم، أي: أنها مشروحة في صدورهم يعرفون معانيها، أو بيّن معناها في صدورهم لا أنهم يحفظونها، وإن حفظوها فهم يحفظون معانيها في صدورهم. وقال عز من قائل عن موسى والخضر: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف:66] إنه العلم النافع دل عليه السياق، ونكتفي بهذا من كتاب الله عز وجل دليلاً على العلم النافع الأصيل.
العلم النافع في السنة النبوية
أما في السنة فالرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن العلم الأصيل.
 العلم النافع ثلاثة
يقول عليه الصلاة والسلام في العلم الأصيل: {العلم ثلاثة، وما سوى ذاك فهو فضل آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة} رواه أبو داود وابن ماجة وفي سند ابن ماجة ابن لهيعة وهو رجل ضعيف، فاضل عابد, لكن دخل عليه الضعف، فضعف سنده، وأما في سند أبي داود فـعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ضعيف، ولكن ربما تعتضد إحدى الروايتين بالأخرى فتستقيم إن شاء الله فدل كلامه صلى الله عليه وسلم على أن العلم الأصيل عند المسلمين يتركز على ثلاث نواح:كتاب عظيم أنزله الله للناس وهو القرآن، وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلم الفرائض، وسوف تأتي علوم لا نجعلها دخيلة، بل هي إن شاء الله أصيلة، وأثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع، والذي يستعيذ منه صلى الله عليه وسلم هو العلم الدخيل المشوب بالدخن، قال زيد بن أرقم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها} رواه مسلم وزاد الأربعة: {ومن دعاء لا يسمع} وزاد الترمذي: {أعوذ بك من هذه الأربع} فتعوذ صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع.وقال عليه الصلاة والسلام كما عند ابن ماجة: {سلوا الله علماً نافعاً فإنه ربما يكون العلم غير نافع} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ذكره في المقدمة، وكان عليه الصلاة والسلام كما روى الترمذي عن أبي هريرة يقول: {اللهم انفعني بما علمتني, وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً} فالعلم النافع الذي يريده صلى الله عليه وسلم هو الكتاب والسنة، والفرائض، وسوف تأتي علوم تندرج تحت العلم الأصيل. قال البخاري في كتاب العلم، وإنما العلم بالتعلم، وتعلم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الكِـبَر، وقال ذلك لأن بعض غلاة المتصوفة، أو أهل الطرق، أو الذين أخذوا أعمال القلوب وجعلوها القضية الكبرى, يقولون: نحن لا نتعلم، إنما يأتينا علمنا من السماء، ينزل عليهم جبريل عليه السلام بالعلم، وقالوا: علمنا علم الخرق لا علم الورق، والخرق هي الثياب الممزقة التي يلبسها المتصوفة، وكانوا يغضبون على أهل الحديث إذا رأوهم يحملون صحفاً بيضاء في أيديهم، ولذلك ذكر ابن القيم في مدارج السالكين أن أحد هؤلاء المشعوذة والمتفلسفة والمتصوفة يقول: علمكم من عبد الرزاق، وعلمنا من الخلاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب المصنف أحد رواة الصحيحين من أكبر وأشهر المحدثين على الإطلاق، قال ابن القيم راداً على ذلك: والله يا ضعيف العقل! لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفت الخلاق، ولذلك قال البخاري: العلم بالتعلم وهو أن تحفظ وتكتب, وتقرأ وتدرس, وأن تطالع، ليس العلم أن يجلس الإنسان في زاوية ويقول: يفتح عليَّ فتوح, وينزل عليَّ, فهو العلم اللدني الذي يسمونه ويطنطنون به، ولذلك قال أبو سليمان الداراني كما ذكر عنه ابن كثير والذهبي: عملنا -يقصد أهل الطريق، زهدهم وعبادتهم- يقول: عملنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن, ولم يكتب الحديث، فلا تثقوا به. وأثر عن الجنيد أنه قال: إن النكتة تقع في قلبي من نكت القوم -أي كلمة يسمعها- فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين، وهما الكتاب والسنة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: {اللهم إني أسألك إيماناً دائماً؛ فرب إيمان غير دائم, وأسألك علماً نافعاً؛ فرب علم غير نافع} ذكره أبو نعيم صاحب الحلية، وشطره الأول ذكره الطبراني في المعجم الكبير بسند جيد، ووقفه الإمام أحمد علىابن مسعود، وذكره الحاكم وابن حبان من حديث أنس وصححوه؛ فكأنه لا يصح مرفوعاً.
الأسس التي يدور عليها العلم النافع عند السلف
والعلم النافع هو العلم الأصيل وأبوابه سنتحدث عنها.ذكر البخاري رحمه الله في كتاب الأدب من صحيحه أن عبد الله بن عون قال: ثلاث نحبهن لإخواننا، قالوا: ما هي؟ قال: هذا القرآن أن يتعلموه, وأن يعملوا بما فيه، والسنة أن يتفقهوا فيها، وأن يدعوا الناس إلا من خير.والعلم النافع عند الصحابة والسلف الصالح -كما يقول ابن رجب - يدور على ثلاث نواح أو على ثلاث واجهات كما سيأتي..
 العلم الأصيل يدل على أربعة أمور
وقبل أن آتي إلى العلم الدخيل, وأذكر أقسامه، أذكر ما يدل عليه العلم الأصيل؛ قال أهل العلم مثل: ابن رجب والذهبي، العلم الأصيل يدل على أمور تجتمع في أربعة؛ فإذا لم يدلك العلم عليها، فاعلم من أول الطريق أنه غير نافع. أولها: على معرفة الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فهذا أول ما يدل عليه العلم النافع. إذا ما لم يفدك العلم شيئاً فليتك ثم ليتك ما علمتا فتقوى الله رأس الأمر حقاً وليس بأن يقال لقد رأستا فالعلم النافع: هو الذي يدلك على معرفة الحي القيوم، ليس كمعرفة اليهود والنصارى، الذي يعرف الله ويسكر في الليل، فهذا عرف الله كما يعرف الكلب أن له رباً، وهذه معرفة لا تنفع، إنما العلم الخشية، وإنما يخشى الله من عباده العلماء. الأمر الثاني: المعرفة بما يحبه الله ويرضاه وهي ثلاثة أقسام: ففي العقائد: عقيدة أهل السنة والجماعة، وفي الظاهر: الحلال والحرام، وفي الباطن: اعتقاد القلب بالصفات الجميلة، والردع والتخلي عن الصفات الذميمة، هذا هو العلم النافع الذي يدل على ما يحبه الله ويرضاه، ويحصل هذا بالتفقه في الدين.والأمر الثالث: الذي يدل عليه العلم النافع، دعوة الناس إلى هذا العلم.علامة العلم النافع أن تحرص على نشره بين الناس, وتحرص على تبليغه، فلا تكتمه ولا تحجر عليه، لا تتعلم وتثقل على نفسك، فإن معنى ذلك أنك تميت العلم في نفسك. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160]. الأمر الرابع: الزهد في ما لا يقرب من الله الحي القيوم. علامة العلم النافع: الزهد في الدنيا، فازهد في غير كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
العلم الدخيل والأمثلة عليه
تعال الآن إلى العلم الدخيل نستقرئه من كتاب الله عز وجل، يقول عز من قائل:وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78].هذه حكاية عن بني إسرائيل, وعن كل من شابه بني إسرائيل، ومنهم أميون: أي: لا يكتبون ولا يقرءون, لا يعلمون الكتاب إلا أماني، الأماني التلاوة, أي: لا يعرفون من كتبهم إلا التلاوة، فلا فهم ولا استنباط ولا فقه، ولا خشية ولا عمل، فهم يمرون عليه مر السحاب، قال الشاعر في عثمان بن عفان: تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر كما يقول ابن جرير مستشهداً بهذا البيت، ومعناه تلا كتاب الله أول الليل، واستشهد في آخره، قال ابن عباس: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، قال: أماني: يكذبون كذباً، وقال مجاهد والضحاك: زوراً وبهتاناً، وقال ابن جرير: الأشبه بالآية أن معناها أن منهم من لا يعرف من القرآن إلا ما يكذب به على الناس، أو يقول به زوراً وبهتاناً، والأشبه كذلك بالآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, أي: ليس عندهم إلا تلاوة بلا تدبر ولا فقه ولا فهم، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] أي: يتخيلون ويوسوسون.قال عز وجل: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [البقرة:102].وهذا علم السحر ونعوذ بالله من علم السحر، فمن العلوم الدخيلة علم السحر، من علم أو تعلم، أو حرص على علم شيء منه؛ فقد أحبط الله عمله، وهو من الكبائر عند جمهور أهل العلم، وحد الساحر ضربة بالسيف كما ورد، فذكر الله العلم الدخيل, بعدما ذكر السحر، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم.
  جعل الوسائل مقاصد
ومن العلوم الدخيلة -وهي آخر عنصر- جعل الوسائل مقاصد كالنحو والأدب، ولا يغضب عليَّ الأدباء ولا اللغويون، فإن أهل العلم كـالذهبي والإمام أحمد وابن مخيمرة وابن رجب قالوا: من أسرف في هذه العلوم وجعلها مقاصد, فقد ضيع العلم المهم, وقد اشتغل بما لا ينفع ولا يفيد، وقال ابن مخيمرة لأحد النحاة: إياك وطلب أكثر من الحاجة في علم النحو, فإن أوله بغي وآخره عدوان.وأنا مستعد لمن أراد أن يطلبني بالسند أن أخرج له السند عن الإمام أحمد أنه قال لـأبي عبيدة معمر بن المثنى اللغوي: يا أبا عبيدة! لا تتشاغل بهذا النحو, فإنه مشغلة عن المهم، قال ابن رجب: النحو المحمود منه ما علمك الكتاب والسنة، وما زاد فلا حاجة له، كرد البصريين على الكوفيين، وقال سيبويه، ورد عليه الكسائي في مسائل لا تستخدمها في الكتاب ولا في السنة، وكذلك الأدب والشعر، قال الشافعي كما في سير أعلام النبلاء المجلد العاشر، في ترجمة الشافعي: الشعر أقلل منه أو أكثر، فهو غث، وقال ابن عباس كما في عيون الأخبار لـابن قتيبة: احفظ من الشعر الشاهد والمثل.الشعر شريف في ثلاثة مواطن: أن تقدمه بين يدي حاجتك، أو أن تجعله وسيلة لتبليغ دعوة الله, أو تستشهد به في آية أو في معنى حديث، وما زاد على ذلك فلو حفظت دواوين الدنيا ما نفعك وإنما شغلك، وهذه من العلوم الدخيلة.وإن الموضوع طويل.. طويل، ولكن أكتفي بهذا، سائلاً المولى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً, وأن يفقهنا في دينه، وأن يجعل علمنا نافعاً مفيداً خالصاً لوجهه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ونعوذ به من العلم المذموم، العلم الضار الدخيل، الذي يضيع علينا أعمارنا وشبابنا: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:193] وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 حفظ القرآن
السؤال: ذكرت أن أفضل العلم تعلم القرآن وحفظه، فنرجو منك أن تعطينا بعض الإرشادات لتساعدنا على حفظ القرآن؟ الجواب: حفظ القرآن من أكبر القضايا في حياة المسلم، ولذلك إذا سمعت بعض الناس يقول: ليست القضية قضية حفظ قرآن؛ فاعرف أنه إبليس, أما بعضهم فقد يجلس معك المجالس الطويلة في غير مثمر فكر، مورد، إنشاء، تعبير، فإذا قلت: دعنا نحفظ آيتين، أو نتدبر آيات، قال: لا. القضية ليست قضية حفظ قرآن.إذاً قضية جهل، وقضية تضييع وقت، أما حفظ القرآن فهو من أكبر القضايا, ولحفظه وسائل نسأل الله أن يعيننا وإياكم على تنفيذها لنحفظ كتابه:أولها: تقوى الله عز وجل: فإن من اتقى الله علمه وفهمه وحفظه.ثانيها: كثرة الاستغفار: يقول ابن تيمية: إنها لتعجم عليَّ المسألة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر فيفتحها الله عليَّ. الثالثة: التقليل من المحفوظ: قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: يا طالب العلم! قلل وداوم, فإن التقليل والمداومة أصل عظيم، وبعض الطلبة أو الإخوة، أخبروني أن أستاذاً قال لهم قبل أربع سنوات أو خمس سنوات: احفظوا كل يوم آية فتضاحكوا في الفصل، وقالوا: نحفظ آية فقط! الآية قليل، قالوا: والله لقد مرت بنا فترة حسبنا الأيام التي مرت وما حفظنا كل يوم آية، لو حفظنا كل يوم آية لختمنا القرآن جميعاً.يقول: أحفظ سورة الكهف في يوم، فيحفظ ويجهد نفسه في اليوم الأول ثم يأتي اليوم الثاني وقد انقطعت حباله، وتقطعت أوصاله, ونسي فريقه, وتكسرت أضلاعه، فما يستطيع أن يعود إلى المصحف مرة ثانية، لأنه مل وكل وفتر، وفر وهر، فالواجب التقليل والمداومة، هذا أصل عظيم يكتب بماء الذهب، قال: الجاحظ في كتاب الحيوان: قلل من المحفوظ وداوم، آية واحدة، آيتين, ثلاث آيات. الأمر الثالث: إذا قرأت الآية أو الآيتين أن تكررها حتى تكون على لسانك كاسمك الذي سماك به أبوك، قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] تكرر هذه الآية إذا أردت أن تحفظها خمسين مرة، ما تكرر أربع مرات، بعض الإخوة أخبرني أنه حفظ وكان يكرر أربع مرات، يقول ابن الجوزي: ما حفظت مقطعاً إلا كررته سبعين مرة، وقال أبو إسحاق الشيرازي صاحب المهذب: كنت إذا أردت أن أحفظ أسطراً من الدرس أكرره مائة مرة, وإذا حفظت قياساً كررته ألف مرة، وعودوا إلى كتاب المجموع ترجمة أبي إسحاق أو إلى سير أعلام النبلاء. فالتكرار أن تكرر المقطع ولو كنت حافظاً، كرره حتى تمل، ولذلك سمعت جارية سيدها يكرر مقطعاً يقول: قال أهل العلم وهي قواعد أربع، من قواعد القفال المروزي , فأخذت الجارية تقول: يا هذا! ما حفظت، أنا حفظت من أول كلمة، قال لها: بيني وبينك الأيام، وبعد شهر قال: ماذا يقول القفال، قالت: ما أدري، قال: يقول أهل العلم وهي قواعد أربع..إلخ؛ لأنه كرر كثيراً وهي اكتفت بأول مرة. والسادس: أن تقرأه في الفرائض والنوافل:فتقرأه إذا صليت بالناس، فإذا قرأت به في الصلاة فاعلم أنك قد حفظت وفهمت. والأمر السادس: أن تفهم معنى الآية:قال ابن تيمية: وفهم معنى الآية مُعينٌ على حفظها وعلى تيقنها في القلب، وهذا موجود، بعض العوام يردد الآيات: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً [الأحزاب:25] أو مثلاً قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً [الأحزاب:9] ما يدري ما هي الريح، وما هي الجنود, وما هم الأحزاب, يظن أن الأحزاب واد في الجنة، أو نهر فيها، فإذا ضيع معنى الأحزاب ما درى، لكن الذي يفهم المعنى، يعرف الأحزاب وملابسات القصة وأولها وآخرها، ولذلك سمع أعرابي قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] قرأها أحد البله (إن الله عزيز حكيم) قال الأعرابي: امرأته طالق ثلاث، ما يقولها الله، قال: لماذا؟ قال الأعرابي: ما يقول الله عزيز حكيم بعد غفران الذنب؟ قال: دعني أنظر في المصحف فوجد: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] فعرف أنه صحيح، ولذلك إذا فهم طالب العلم المعنى حفظ اللفظ، ومن ذلك أنه إذا ذكر الله آيات النهار يقول: (لعلهم يبصرون) لأن البصر في النهار أقوى، وإذا ذكر الله الليل يقول: (لعلهم يسمعون) فآلة السمع في الليل أقوى، وإذا ذكر الله الحدود وتنفيذ العقوبات والجلد والفرش والضرب، ذكر (عزيز حكيم) وإذا ذكر الرحمة واللطف، ذكر (غفور رحيم). فالمعنى يعين على ذلك (الربط والشبك) ويسمى عند الشناقطة التخييل، أن تشبك المقطع في الآخر، لا تحفظ ثلاث آيات اليوم، ثم تأتي في اليوم الثاني تفصل، لكن اشبك هذه الآية لتبقى محفوظة في ذهنك.وقال البخاري: مما يساعد على الحفظ إدامة النظر في المصحف.أيضاً: أن يكون لك مصحف واحد، لا تقرأ في العشاء في مصحف وفي المغرب في طبعة أخرى، فتأتي تجمع من هنا ومن هنا، تتصور الآية في اليمين, ومرة في الخلف, ومرة أمامك. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العلم الأصيل والعلم الدخيل للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net