اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحب لأخيك ما تحب لنفسك للشيخ : عائض القرني


أحب لأخيك ما تحب لنفسك - (للشيخ : عائض القرني)
إن الدين الإسلامي مبنيٌ على المحبة والمؤاثرة، والحلم والصبر والعفو، ومكارم الأخلاق، واتباع رسول الهدى، وموافقته فيما جاء به وتقديره وتعظيمه ولزوم نهجة، والنبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا أروع الأمثلة في المحبة والمؤاثرة وفي الحلم والصبر ومكارم الأخلاق وفي الآداب، ويعلمنا آداب الشريعة الإسلامية وسماحتها ويسرها.
المآثرة والحب في الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. معنا في هذا الدرس ثلاثة أحاديث للإمام الكبير الزاهد العابد المجاهد، الإمام البخاري رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عن أمة محمد أفضل ما جزى عالماً مجاهداً زاهداً عابداً عن هذه الأمة الماجدة.الحديث الأول: يقول الإمام البخاري، ويتفنن في التبويب، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ثم قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.وعن الحسين المعلم قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
 

ترجمة سعيد بن المسيب
قبل أن نبدأ في شرح الحديث معنا علم من الأعلام سوف يمر في الأسانيد، وهو يمر كثيراً في صحيح البخاري وفي كل كتب العلم، وهو أشهر من نار على علم، وكما تعودنا أن نأخذ نموذجاً فريداً من السلف الصالح سواء كان من الصحابة أم من التابعين، أم من القرن الثالث، لنستضيء بسيرتهم، ولنجدد حبهم في الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، علَّ الله أن يحشرنا في زمرتهم، صاحبنا في هذا الدرس هو سعيد بن المسيب وأبو محمد القرشي الزهري؛ عالم أهل المدينة، في قرن التابعين، أدرك كثيراً من الصحابة، وسمع خطبة عمر رضي الله عنه على المنبر وحفظها، أدركته بركة من الله؛ لأنه رضع ثدي أم المؤمنين أم سلمة، هو والحسن البصري، فأكسبه الله بهذه الرضعة الطيبة من تلك الأم الحنون الرءوم الماجدة الشريفة، فصاحة، وبراعة، وعلماً نافعاً، وعاش رضي الله عنه في زهد، وعفاف منقطع النظير، وطلب العلم فنافس الأقران وأصبح وحيد الدهر، في تلك الفترة، كان رضي الله عنه، يتحدث بنعمة الله عليه يقول: [[من أربعين سنة، ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد]]. ويقول: [[والله ما نظرت منذ أربعين سنة إلى قفا أحد إلا الإمام]] يعني: أنه دائماً في الروضة وراء الإمام، فلا ينظر إلى قفا أحدٍ، أي: أنه لم يصلِّ في مرة من المرات في الصف الثاني، ولذلك سئل: من حافظ على الصلوات الخمس أعابد هو؟ قال: [[من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر من العبادة]].وأما برنامجه اليومي فكان يصلي الفجر ويجلس في المسجد يسبح، وكان يلبس البياض دائماً، حتى أن من رآه يتذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ويذكر الله، وكان مخبتاً دائماً لا يرفع نظره، ولا ينظر إلى السماء من كثرة خشيته، حتى أن بعض الجواري يقلن لآبائهن: "مر بنا الأعمى اليوم" يقصدون: سعيد بن المسيب وليس بأعمى رضي الله عنه، لكن من كثرة خشوعه يظن الناس أنه أعمى، كان يجلس مستقبل القبلة حتى تطلع الشمس، ثم يصلي ما يسر الله له، ثم تنظم له حلقات العلم في المدينة، فيتهدر منه العلم كالبحر العجاج رضي الله عنه وأرضاه، فكان هو المفتي في الدولة الإسلامية، ثم يستمر إلى قرب صلاة الظهر فينام نومة في بيته، ثم يعود، والذي أثر عنه أنه صام الدهر إلا عيد الفطر وعيد الأضحى.وكان يستمر فإذا أتى وقت الإفطار ذهب إلى ابنته -وقد ماتت زوجته وهي بنت أبي هريرة - فيفطر عندها ثم يعود إلى المسجد فيصلي، ثم يصلي العشاء، ثم يقرأ ما تيسر له من أوراده وذكره قليلاً، ثم يقوم ويصلي إلى الفجر، ويتقطع صوته بالبكاء، واستمر على البكاء من خشية الله حتى ذهبت إحدى عينيه، ولذلك قال له أحد تلاميذه: [[لو خرجت إلى العقيق الوادي الجميل الأخضر، علَّ بصرك أن يثوب إليك -يعني: بصره في العين الأخرى أما تلك فقد ذهب ضوءها ونورها- قال: وأين لي بشهود العتمة، ومن يضمن لي صلاة بألف صلاة في غير مسجده صلى الله عليه وسلم، فرفض أن يخرج]].وكان شديداً في ذات الله لا تأخذه لومة لائم أبداً [[حاول عبد الملك بن مروان خليفة الدولة الإسلامية وأمير المؤمنين في تلك الفترة، أن يبايع لابنه الوليد بيعة ثانية ويلزم المسلمين بها -كما تعرفون ذلك- فتوقف المسلمون جميعاً حتى يبايع سعيد بن المسيب؛ لأنه رجل الموقف، ورجل الساعة في تلك الفترة، قالوا: "إذا بايع سعيد فسوف نبايع كلنا" وتوقفت الأقطار على فتواه، وأتى الوزراء إلى سعيد بن المسيب فرفض وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبايع لخليفتين في وقت واحد) وحاول عبد الملك معه بشتى الوسائل، أعطاه المال فرفض، ومناه ورجاه فرفض أيما رفض، وفي الأخير أتاه والي المدينة فخيره بين ثلاثة خيارات: إما أن يخرج من المدينة حتى يبايع أهل المدينة؛ لأنهم لا يبايعون وهو موجود، وإما أن يلزم بيته فلا يخرج أبداً، وإما أن يدخل من باب ويخرج من الباب الثاني، ويتظاهر للناس أنه بايع ولا يبايع، قال: أما قولك أخرج لأعتمر أو أخرج من المدينة، فما كان لي أن أعتمر أو أدخل مكة بدون نية، وأما أن ألزم بيتي فوالله لا أترك شهود العتمة والصلاة في المسجد حتى يحال بين رأسي وجسدي، وأما أن أدخل من باب وأخرج من باب آخر فوالله لا أغر مسلماً أبداً.ثم حاولوا استدراجه فرفض، وجُلد رضي الله عنه ما يقارب مائة جلدة، وطيف به على بعير، وبكى أهل المدينة عن بكرة أبيهم على هذا الإمام العالم الزاهد العابد، وحاول أن يسترضيه عبد الملك قبلها، وكأن عبد الملك وجد في نفسه لأنه خطب ابنته العابدة الصوامة القوامة لابنه الوليد بن عبد الملك ولي عهد المسلمين والخليفة المنتظر، فرفض سعيد بن المسيب وحاول العلماء، ألا يرفض وقال: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم أتريدون أن أدخل ابنتي بعد قيام الليل، وصيام النهار، وحفظ القرآن، على أبناء مروان، لا يكون هذا أبداً.وفي الأخير زوجَّها من فقير كان يدرس معه ماتت زوجته فسأله: لم تأخرت؟ قال: مرضت زوجتي ثم دفنتها وأتيت، قال: هل لك من دراهم؟ -قال: معي درهمان -وقيل: أربعة دراهم- قال: أتريد ابنتي؟ فدهش الرجل وما صدق وظن أن هذا من الأحلام!! زوجه رضي الله عنه من ابنته، فوجدها حافظة كحفظ أبيها، فقيهة كفقه أبيها، عابدة عبادة أبيها، زاهدة زهد أبيها، رضوان الله عليهم جميعاً]] من كلماته النيرة المشرقة: [[سئل في المسجد ماذا يقطع الصلاة؟ قال: يقطعها الفجور ويسترها التقوى]].وقال رضي الله عنه: [[الناس في كنف الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فمن أراد أن يخرجه من كنفه سلط عليه المعصية]]. ومرت في كتب السير والتواريخ دعابة له رضي الله عنه: وذلك أن تاجرة عراقية أتت ببراقع؛ والبراقع: لباس يلبس في العراق، ولا يلبس في المدينة؛ لأن أهل الحجاز لا يعرفون ذلك، وظنت العراقية أنها سوف تكسب مالاً طائلاً فذهبت ببراقعها على بعير فنزلت في أهل المدينة، فما عرفوا ما هي السلعة هذه، فما شرت امرأة واحدة أبداً، وفي الأخير أرادت أن تعود إلى العراق بتجارتها، فعرضت لها امرأة فقالت: "إن كنتِ تريدين أن تبيعي تلك البراقع فتعرضي لأحد الشعراء ليمدح البراقع، فإنها سوف تباع في وقتها، فذهبت المرأة وأهدت إلى رجل هناك من أهل المدينة هديه، وهذا الرجل اسمه ابن عنين وهو شاعر، وقالت: امدح البراقع، فعرض بـسعيد بن المسيب في قصيدته يقول:-قل للمليحة في الخمار الأسودِ ماذا فعلتِ بناسك متعبد(1) قد كان يمم للصلاة بوجهه حتى وقفت له بباب المسجد يقول إن لابسة الخمار فتنت حتى سعيد بن المسيب على عبادته وزهده وجلالته، فسمع سعيد بن المسيب، فاستغفر وتبسم وقال: [[والله ما كان من ذلك من شيء ولكن صدق الله: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ [الشعراء:224-226]]].رضي الله عنه وأرضاه كان إذا تكلم بكلمة في غير ذكر الله استغفر مائة استغفارة، توفي رضي الله عنه بعد هذا العمر المديد، وهو من فقهاء المدينة السبعة، وممن يتقرب بحبهم إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، نسأل الله أن يحشرنا في زمرته، وفي زمرة الأخيار الأبرار من أصحاب محمد ومن التابعين لهم بإحسان.
 

ترجمة بعض رجال البخاري
أما الحديث الأول، فيقول الإمام البخاري باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، هذا تبويب البخاري، مرة يقول: باب: إطعام الطعام من الإيمان، ومرة يقول: باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فيقدم مرة ويؤخر مرة، لجلالة الرجل وذكائه وتفننه.قال: حدثنا مسدد ومسدد هذا شيخ البخاري، مسدد كاسمه، يقول البخاري عنه: مسدد كاسمه، أي: أنه مسدد في كلامه وفي روايته رضي الله عنه، ولعلمكم أن رجال البخاري ومسلم كلهم نجوم يهتدى بهم، وعلماء أجلة وزهاد وعباد، وللعجيب أورد الذهبي والحفاظ اسمه فقالوا: مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مرعبل، هذا اسمه أي يروى كذا، لأنه أعجمي ولذلك لما سمع الفضل بن دكين هذه التسمية قال: هذه رقية العقرب.يعني: يكفي أن تقول: بسم الله ثم تقرأ هذه على ماء ثم تشرب ملعقتين في الصباح وفي المساء وترقيك من العقرب، هذا الفضل بن دكين تلميذه وشيخ البخاري أيضاً، وهو صاحب دعابة حتى ذكر عنه أنه طرق عليه طارق في البيت، فخرج الفضل من عند الباب فقال الفضل: من بالباب؟ قال: رجل من ذرية آدم، ففتح له وقال: الحمد لله ظننت أن ذرية آدم قد انتهوا وانقرضوا، وإذا بك لا زلت حياً.فـمسدد هذا كاسمه، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان إذا أطلق فهو يطلق على ثلاثة، لكن في البخاري يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد القطان؛ هذا يحيى بن سعيد القطان كان سبب موته أن سمع قارئاً يقرأ في سورة الصافات، فسقط من على الجدار، من خشية الله عز وجل ومات في ذلك اليوم. عن شعبة بن الحجاج أبي بسطام الضخم الضخام راوية الإسلام عن قتادة بن دعامة السدوسي وهذا قتادة بن دعامة السدوسي، أحفظ عباد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، دخل على سعيد بن المسيب فقال: اسمع مني سورة البقرة فسمع منه سورة البقرة، فقال: والله ما أخطأ ولا لحن ولا أسقط حرفاً، فقال له سعيد بن المسيب: أنت أحفظ أهل الأرض. وقال ابن المبارك: [[إن كان غير الدهر حفظ أحد فما غير حفظ قتادة بن دعامة]] كان فيه تشيع يسير، وهو من العلماء الأجلاء. وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: عن الحسين المعلم قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). في هذا الحديث مسائل، ثم نتعرض إن شاء الله للتحليل اللفظي والشرح المفصل.
 

فضل محبة المؤمن لإخوانه
أولاً: فيه حث على محبة المؤمن لإخوانه المؤمنين، وهذه تنقسم إلى شقين: الشق الأول: التخلي، والثاني: التحلي. والتخلي من الأخلاق السيئة التي تؤذي المؤمنين، ولذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد أنه قال: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلم). هذا الحديث العظيم دائماً ابن تيمية رحمه الله يعيد ويبدي في شرحه ويهتم به اهتماماً عظيماً، ونحن أحوج الناس اليوم إلى هذا الحديث، يقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: الإخلاص لله في العمل، ثم النصيحة لولاة أمور المسلمين، وملازمة جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم). هذه الثلاثة لابد منها، وهي تسمى التخلي أي: التخلي عن الأخلاق السيئة.
 

واجبات المؤمنين على بعضهم البعض
ثم يأتي التحلي ومن واجب المسلم على المسلم أمور كثيرة تربو على العشرين لكن مفاد هذا الحديث، ربما تجمع هذه الأمور في أربع مسائل وهي واجب المؤمن على المؤمن.
 صور من العفو في عصر السلف الصالح
يقول ابن عباس رضي الله عنه: [[كان أهل القرآن خَاصَة عمر ومستشاريه صغاراً كانوا أو كباراً، وكان منهم الحر بن قيس؛ كان شاباً ويقربه عمر رضي الله عنه وأتى ابن عم للحر بن قيس؛ وهو شيخ قبيلتهم، فقال للحر بن قيس: إنك قريب عند هذا الأمير -يقصد عمر- فاستأذن لي عنده غداً لأكلمه، فأتى الحر بن قيس فاستأذن على عمر رضي الله عنه، فأذن عمر لذاك الرجل، فلما دخل قال: مهلاً يا عمر! والله ما تحكم فينا بالعدل ولا تعطينا الجزل، فغضب عمر وحمل درته وأراد أن يبطش بهذا الرجل الذي أساء الأدب معه رضي الله عنه، فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين! إن هذا من الجاهلين والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134].فقال عمر: قد كظمت وعفوت وأحسنت، قال ابن عباس: رضي الله عن عمر، كان وقافاً عند كتاب الله عز وجل]].وسطر السلف الصالح من مواقف العفو والصفح أعظم الصور الرائعة التي حفظها الدهر، ولذلك يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج رضي عنه وهو خليفة للمسلمين في وسط الليل، يريد أن يصلي في مسجد بني أمية الجامع في دمشق، وكان يخرج وحده في الليل يتفقد أمور الناس، وربما صلى في المسجد، وربما زار المقبرة، وكان هو الخليفة الوحيد في تلك الفترة خليفة المسلمين رضي الله عنه من المغرب إلى نهر السند شرقاً، [[فلما خرج ودخل المسجد في الظلام وطأ برجله أحد النوام، فقال: من هذا الحمار الذي وطأني؟ فقال عمر بن عبد العزيز: أنا عمر بن عبد العزيز ولست بحمار، ثم صلى رضي الله عنه، وانصرف]]. فيقول العلماء: "إنها من حسناته الفريدة التي يرى أنها قليلة لا يلتفت إليها بل هي من أعظم الحسنات؛ لأن أهل السلطان يغضبون على أي شيء، وأما هذا فرضي الله عنه، ما غضب" ولذلك يقولون: إنه من سلالة عمر رضي عنه وهم دائماً من أشد الناس في الحق، لكنهم من أعظم الناس عفواً عما يصلهم، أو ما يخص ذوات أنفسهم رضي الله عنهم.[[وكان سالم بن عبد الله رضي الله عنه يطوف، فزاحمه رجل من أهل العراق، فكأن سالماً زاحم الرجل فالتفت إليه العراقي، فقال: والله إني لأظنك شيخ سوء، فقال سالم: ما عرفني إلا أنت، ثم انصرف من الطواف رضي الله عنه وأرضاه]]. وسالم هذا من الذين يتقرب بحبهم إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لزهده وجلالته، ولكن العفو والصفح يأتي إما بجبلة، أو تعلم، وهو موهبة من الله عز وجل، أو اكتساب يكتسبها الإنسان بالدربة، وبالعلم، وبالرياضة، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم لـأشج بن عبد القيس: {لديك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة، فقال أجَبلني الله بهما أم تخلقت عليهما؟ قال: بل جبلك الله عليهما، قال: الحمد الله الذي وفقني لخلق، أو جبلني على خلق يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم}.ومن أحلم الناس وأعظمهم حلماً: قيس بن عاصم المنقري وقد تعرضنا له بشيء من الإيجاز، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـقيس بن عاصم المنقري: {أنت سيد أهل الوبر}. هذا سيد بني تميم وشيخهم، كان من أحلم الناس بل ضرب في الحلم والصفح أروع الأمثلة، حتى أنه ما كان يغضب أبداً.قيل للأحنف بن قيس: [[ممن تعلمت الحلم؟ قال: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري، قالوا: بماذا؟ قال: كنا جلوساً عنده ذات يوم وكان محتبياً بثوب وهو جالس القرفصاء، فأتى ولد له فقال: يا أبتاه! قتل أخي، قتل أخي قال: من قتله؟ قال ابن فلانة -امرأة ربعية سكنت عندهم وحلت ورضعت معهم وكان معها ولد فقتل ولدها ولد قيس بن عاصم أي: أسقط عليه حجراً فقتله- قال الأحنف بن قيس: فوالله ما حل قيس بن عاصم حبوته، ولا تحرك، ولا تغير وجهه، ولا قطع حديثه، قال: فلما انتهى من الحديث قال: جهزوه، وغسلوه، وأتوني به أصلي عليه وأودعه، وخذوا مائة ناقة -لأنه كان غنياً ثرياً- وخذوا مائة ناقة واعطوها ذاك الولد لئلا يخاف ذاك الولد القاتل، وسلّوا أمه وعزوا أمه؛ لئلا تظن أنا نريد بها شراً، وعفىا الله عما سلف، قال الأحنف بن قيس: فمن ذلك تعلمت الحلم]]. وكذلك كأن الأحنف بن قيس هو سيد، بعد قيس بن عاصم وقيس بن عاصم هو الذي سارت بذكره الركبان يقول: عقد له البخاري باباً في الأدب المفرد وأخذ وصاياه العلماء بل حتى المحدثون جعلوه في كتبهم ولذلك يقول الأول:عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيانُ قوم تهدما تولى الأحنف بن قيس بعده ولاية بني تميم، فجلسوا في مجلس يسمرون، فقال رجل منهم: [[هل رأيتهم الأحنف غضب في يوم من الأيام؟ قالوا: والله ما رأيناه قد غضب في يوم من الأيام، فقال: فما لي إن أغضبته؟ فأعطوه شيئاً من المال، فدعا رجلاً سفيهاً من سفهاء بني تميم، وقال: خذ هذه الجائزة -ما أدري كم من الدنانير والدراهم وهي في عيون الأخبار والعقد، وغيرها من كتب الأدب والتاريخ- قال: خذ هذه الجائزة واذهب إلى الأحنف بن قيس ولا تكلمه، وإنما الطمه على وجهه، فإذا قال لك: مالك؟ فقل: إني سمعت أنك تتعرض لي وتسبني وتغتابني، فذهب وإذا الأحنف بن قيس جالس في مجلس بني تميم فتعرض له ذاك السفيه فضربه على وجهه، فقال له الأحنف: مالك؟ قال: سمعت أنك تعرضت لي وسببتني وشتمتني، قال: من أخبرك؟ قال: أخبرني فلان بن فلان، قال: ماذا قال؟ قال اذهب إلى سيد بني تميم فلان فاضربه، فقال الأحنف: أنا ليس بسيد بني تميم، إن سيد بني تميم جارية بن قدامة -سيد آخر لكنه يغضب من الريح إذا مرت- فذهب إليه وهو في مجلس آخر، فانطلق هذا السفيه، ثم أتى جارية بن قدامة فضربه على وجهه، فقام جارية بن قدامة ومعه سيفه فضرب يد الرجل فأنزلها في الأرض]]. وهذه مشهورة عن جارية بن قدامة؛ لأنه من أحد الناس، ومن أغضب الناس.هذا نموذج للحلم أو الصفح الذي تمثل به أهل الجاهلية في جاهليتهم وزاده الإسلام قوة ومتانة، ولذلك أحلم الناس وأعظمهم عفواً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].{دخل أبو سفيان بن حرب بعد تلك الأفاعيل والأيام السوداء، بعد أن أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم، وحارب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقاتله وباع أملاكه، في مكة دخل يوم الحديبية مستسلماً، فلما دخل أخذ عمر يطارده في الخيام، وكانت المعسكرات في الحديبية، والرسول صلى الله عليه وسلم قد وزع الجيش أربعة أقسام، فأخذ أبو سفيان يكر على بغلة الرسول صلى الله عليه وسلم مع العباس وعمر وراءه بالسيف ويقول: هذا أبو سفيان لا نجوت إن نجا، حتى دخل أبو سفيان في خيمة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتكلم أبو سفيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! فعلتُ وفعلتُ فاعف عني. قال: فقد عفوت, وحلمت، وقد صفحت، فدمعت عينا أبي سفيان وقال: لا إله إلا الله ما أرحمك، ولا إله إلا الله ما أبرك، ولا إله إلا الله ما أوصلك}. ولذلك لما دخل صلى الله عليه وسلم مكة -كما ثبت في أحاديث صحيحة- وقد كان أبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ما ترك قصيدة عصماء يهجو بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا نثرها في العرب، حتى أن الناس من المشركين أخذوا يهجون الرسول صلى الله عليه وسلم بشعر أبي سفيان بن الحارث ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كفى هذا، بل نازل وصرف ماله في حرب الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة ونصره الله ورفع الله رايته، وأعزه وهزم الأحزاب وحده {أتى أبو سفيان بن الحارث فجمع أربعة أطفال له ما بلغوا سن التمييز وخرج بهم يريد الصحراء فلقيه علي بن أبي طالب، وهو من بني عمومته، فقال: يا أبا سفيان إلى أين تذهب؟ قال: أذهب بأبنائي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعطشاً، والله لئن أدركني محمد ليقطعني إرباً إرباً، فقال علي: أخطأت يا أبا سفيان! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحلم الناس، ومن أبر الناس، ومن أوصلهم، فعد إليه، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] فعاد أبو سفيان بأطفاله، ووقف على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم على رأسه ما يقارب اثني عشر ألفاً من الأنصار ومن قبائل العرب والمسلمين مسلحين، فقال: يا رسول الله! السلام عليك، تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم عينيه ودمع صلى الله عليه وسلم وقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فنسي كل ما مر به عليه الصلاة والسلام}. وفي ذاك اليوم وقف صلى الله عليه وسلم، وأخذ بباب الكعبة وتكلم للناس ثم قال لقريش وقد أخذ السلاح من أيديهم: {ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء}. أي: مسامحين معفو عنكم من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هذا عفوه صلى الله عليه وسلم وسماحته، وهذه قضايا الحديث.وبقيت قضايا لفظية في هذا الحديث منها: قوله صلى الله عليه وسلم: { لا يؤمن أحدكم}. ورد في لفظ: {لا يؤمن أحد} بدون الإضافة، وورد: {لا يؤمن عبد} وورد: {لا يؤمن مسلم}. وأشملها: { لا يؤمن أحد} وهو أعمها في اللفظ، وأكثرها فائدة، ومعنى: { لا يؤمن} أي: الإيمان الكامل، أما أصل الإيمان فقد يحصل بدون أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه لكنه إيمان ضعيف، وإيمان ليس في تلك القوة التي يريدها الرسول صلى الله عليه وسلم. { حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} قال كثير من العلماء منهم النووي والقرطبي: "أن يحب لنفسه من خير الدنيا والآخرة". ولذلك يورد ابن القيم في الوابل الصيب مسألة في الإيثار بالقربات: هل لنا أن نؤثر بالقربات؟ يعني: لك إذا رأيت مسلماً في الصف الثاني أن تترك الصف الثاني أنت وتتأخر وتقدمه مكانك، أو أتيت يوم الجمعة متقدماً وجلست في مكان، ثم أتى رجل متأخر من المسلمين، هل لك أن تجلسه مكانك وتعود؟ والذي يميل إليه ابن القيم وبعض العلماء: أن هذا وارد وأنه جائز ومشروع، وأن الله يثيبك على الإيثار في القربات. ورأى بعض العلماء: أن هذا لا ينبغي وأن الإيثار يكون في أمور الدنيا في الأكل، والشرب، واللباس، وفي مجالس الدنيا، أما في القربات التي يقصد بها التقرب إلى الله فلا يُؤثر بها.هذه المسألة: الراجح فيها ما ذهب إليه ابن القيم، وهو جيد في بابه فإن الله سبحانه يثيب ويعطي على مقدار ما جعلت أنت وما تنازلت عنه من الأحقية ومن الثواب الذي آثرت به غيرك؛ لأنه لا يوجد في النصوص ما يعارض ذلك أبداً، بل قد آثر كثير من الصحابة رضوان الله عليهم بعضهم، فـعمر رضي الله عنه يقولون: [[أنه آثر أبا بكر في الصلاة في بعض المواقف، وتأخر قبل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وآثره بالخلافة]] وآثر بعضهم بعضاً بالقيادة، والإمامة، وآثار بعضهم بعضاً بالمجالس، وصدور المجالس، والصفوف الأول، هذا هو الوارد، وكأنه الصحيح والله أعلم، والمسألة سهلة لا تقتضي هذا الخلاف.أما قوله صلى الله عليه وسلم: {لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} فمعناه: أن من لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فليس بمؤمن كامل الإيمان، وفي نفسه ضغينة، ولذلك يطلب من الإنسان أن يطهر نفسه من الحسد والحقد والغل، ومن لم يفعل فإنه سوف يبقى ناقص الإيمان حتى يلقى الله عز وجل.والقضايا اللفظية سوف نتعرض لها بعد هذا الحديث إن شاء الله، إن كان هناك وقت، لكن نريد أن نربط بين الحديث الأول والحديث الثاني والثالث لأنها بمعنى واحد. يقول الإمام البخاري باب: حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده} وفي حديث أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين} عليه الصلاة والسلام.
لوازم حب الرسول صلى الله عليه وسلم
هذان الحديثان فيهما قضايا، أما الحديث الأول: ففيه القضية الأولى: لوازم حب الرسول صلى الله عليه وسلم، وما هي لوازم حب الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال العلماء: "لوازم حب الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة لوازم:أولاً: طاعته عليه أفضل الصلاة والسلام -وهي اللازم الأول من القضية الأولى- طاعته عليه أفضل الصلاة والسلام بما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر، وهذه من أصول أهل السنة والجماعة. الأمر الثاني: كثرة الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، فإنها من حقوقه المتوجبة على المسلمين، وهذه من لوازم الحب.الأمر الثالث: توقيره وتقديره عليه الصلاة والسلام.الأمر الرابع: تقديم قوله على قول غيره، وسوف أبسطها إن شاء الله.
 تقديم قوله صلى الله عليه وسلم على قول غيره
الأمر الرابع من لوازم الحب: تقديم قوله صلى الله عليه وسلم على قول غيره، ثبت في صحيح مسلم وفي غيره من كتب الحديث: {أن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله -وفي لفظ: لا تمنعوا النساء المساجد، وفي لفظ وهو لفظ الصحيح: إذا استأذنت امرأة أحدكم لتصلي في المسجد فلا يمنعها- فقام ولده بلال وكان عنده زوجة وقال: والله لنمنعهن أن يتخذن المساجد دخلاً -الدخل أي: المفسدة، أو كما قال- فغضب ابن عمر فسبه وجدعه وشتمه وقال: والله لا أكلمك فترة الحياة، أو قال: لا أكلمك حتى ألقى الله، فاستمر ابن عمر هكذا حتى تدخل كثير من الصحابة، ومن أولاد الصحابة عله يراضي ابنه، أو يعود إلى ابنه، فرفض أبداً، حتى أنه في مرض الموت رضي الله عنه، أتاه ابنه بلال وهو صالح، وفيه خير لكن زلت منه تلك البادرة السيئة فكان يسترضي أباه، فكلما أتى أباه من جانب، حول أبوه وجهه إلى الجانب الآخر، ثم مات ولم يكلمه أبداً}؛ لأنه عارض أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد للصلاة فلا يمنعها} أو: {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله} فأعرض عن ذلك وهو مجتهد مخطئ، متأول في ذلك الباب؛ لأنه رأى المفسدة في إجابة طلبهن والمصلحة في منعهن، فأراد من هذا الجانب، أن يمنع، وقصده صحيح لكنه أخطأ في رد الحديث، فمنعه أبوه من الكلام وهجره حتى مات، ولذلك يقول الإمام مالك: "كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم ويشير إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم".فكل أحد لك أن ترد عليه، ولك أن تستدرك وتحتج عليه، ولك أن تؤول كلامه، إلا الرسول صلى الله عليه وسلم فليس لك ذلك أبداً، ولا يجوز ولا ينبغي وليس بوارد. ويقول الإمام الشافعي: "إذا وافق كلامي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوه، وإن عارض فخذوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم واضربوا بكلامي عرض الحائط". والأوزاعي يقول: "ما أتاك من الرسول صلى الله عليه وسلم فهو العلم، وما أتاك من غيره فألقه في الحش". الحش: بيت الخلاء، وهذه مقولة مأثورة عن الإمام الأوزاعي، وصحيحة السند إليه. وهذه مسألة ينبغي أن يتنبه إليها خاصة من يطلب العلم، أو من يريد عبادة الله عز وجل على بصيرة، أو من يريد مطالعة كتب السنة، خاصة الفقه الإسلامي، فإنه ينبغي أن يعول على الدليل، فعلم بلا دليل إنما هو إنشاء وتعبير، وإنما هو مجرد كلام، لكن المطلوب أن تقرن كل مسألة بدليل، يقول ابن تيمية في الفتاوى: "على طالب العلم أن يسند كلامه إلى دليل، من المعصوم صلى الله عليه وسلم وأن يعتصم به، فإذا استقر في ذهنه أن هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن هذا هو المراد من كلامه صلى الله عليه وسلم"، فلا ينبغي أبداً أن يعول على كلام غيره مهما كان.ولذلك فالفقهاء رضوان الله عليهم، إنما استنبطوا وأرادوا توضيح بعض المسائل، والشرح والبسط، وما أرادوا أن يشرعوا، الذي يشرع هو محمد صلى الله عليه وسلم، والفقهاء كلهم ينادون -أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك رضوان الله عليهم- ينادون، باتباع السنة، لكن كذلك نستضيء بأقوالهم ونستفيد من استنباطاتهم في بعض المسائل الشائكة، أما أن نأخذ كلامهم بدون دليل، أو بدون مستند من آية أو حديث، فهذا ليس بصحيح وليس بعلم وهذا منهج خاطئ وغلط، فليتنبه الإنسان وليقرن بين الحديث والفقه في استنباط المسائل وفي عبادة الله عز وجل، وفي استخراج الفوائد. ومن أحسن مناهج العلماء في ذلك، منهج ابن تيمية المجدد الكبير شيخ الإسلام، فإنه قرن بين الدليل وبين الفقه، ومنهج ابن القيم، ومنهج النووي وغيرهم من العلماء وابن كثير رضوان الله عليهم وأرضاهم، أما الذين يريدون أن يجعلوا هناك تقيداً بمذهب دون النظر إلى الأقوال الراجحة، أو الأدلة، أو الأقوال المعارضة، أو الناسخ والمنسوخ فهذا ليس بصحيح، فليتنبه له. هذه لوازم حبه صلى الله عليه وسلم.
أسباب زيادة حبه صلى الله عليه وسلم
أما أسباب حبه عليه أفضل الصلاة والسلام: فإنها تأتي بأمور قد تجمع في أربع كما قال بعض أهل العلم، أربعة أمور تتسبب في زيادة حبه صلى الله عليه وسلم في القلوب، وتجعل المسلم كثير الحب له صلى الله عليه وسلم.
 السبب الرابع: أن مقام العبودية لا يتم إلا بحبه صلى الله عليه وسلم
من أسباب حبه صلى الله عليه وسلم: أن مقام العبودية لا يتم إلا بحبه والاهتداء بهديه وإلا فمقام العبودية ناقص حتى يُحب صلى الله عليه وسلم الحب الكامل، هذا السبب الرابع من أسباب حبه صلى الله عليه وسلم، فمن ظن أنه سوف يكون عبداً لله مخلصاً منيباً، ثم لم يكمل حبه صلى الله عليه وسلم فليس بصادق وهو كذاب في دعواه، وينبغي أن يكمل عبادة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بحبه عليه أفضل الصلاة والسلام، ويحصل ذلك: بكثرة الصلاة عليه كما أسلفنا, وبقراءة أخباره، وبقراءة حديثه في المجالس، وتلمح سيرته صلى الله عليه وسلم، ليكون عندك أعظم إنسان: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].
سنن وآداب يوم الجمعة
وفيما بقي من الوقت نتذاكر بعض الأحكام التي بقيت معنا من صلاة الجمعة، هذه الأحكام هي سنن وسوف يبقى معنا فصل أخير في صلاة الجمعة، وأسلفنا القول عن ساعة الاستجابة والراجح القول: بأنها في آخر ساعة من يوم الجمعة، وأنه هو القول الراجح فعلى المسلم أن يحرص على تلك الساعة، وتحدثنا عن سورة الكهف، وأن قراءة سورة الكهف في يومها من السنن والحديث في ذلك صحيح.
 كثرة الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم
ومن السنن يوم الجمعة: كثرة الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قال: {أكثروا من الصلاة والسلام عليَّ يوم الجمعة وليلتها فإن صلاتكم معروضة عليَّ، قالوا: يا رسول! كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -أي: بليت وفنيت وذهبت في الأرض- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} هذا من السنن التي ينبغي أن ينبه إليها.
الأسئلة

 تأويل الحديث
السؤال: هناك أحاديث ترد من الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: يُحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم على كذا ويحمل على كذا؟ الجواب: هذا للعلماء فيه أقوال، لكن تختلف أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم باختلاف المناسبات، فأما أحاديث الأصول؛ أصول الإيمان فإنه لا يحمل على غير ما دلت عليه، ومن حملها على غيرها فهو إما معطل، وإما مؤول، ولذلك يحذر ابن تيمية من حمل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في باب الصفات، وباب الألوهية وباب الربوبية التي هي أصول الإيمان، وإنما يفعل ذلك الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم من الفرق التي ابتدعت في الأصول، ولذلك يلوون أعناق الأحاديث بسبب أنه يحمل كذا ويحمل كذا، وأما في الفروع فالأمر أهون كما قال ابن تيمية، ولذلك لم يؤلف في الفروع رحمه الله وقيل له: "لماذا لم تؤلف في الفروع؟ قال: أمر الفروع أهون وأسهل وأيسر، فإنه لو أخطأ العالم كان لخطئه أجر واحد، ولو أصاب له أجران، لكنه يؤلف في الأصول؛ لأن الخطأ فيها، مزلة ومهلكة. فأما في الفروع -مثلاً- في الوضوء، وفي العبادات والمعاملات فيحمل كلامه على كذا، فهذا الذي حمل الحديث إن كان قصده صحيحاً ونيته صحيحةً فهذا يؤجر أجراً واحداً إذا أخطأ، وأجران إذا اجتهد وأصاب، وأما إن كان قصده التعصب إلى مذهبه ويعرف أن الحديث يدل على كذا لكن يحمله على محمل، ويلوي النص لياً، ويرفع من دلالة النص فهذا لا يجوز وهو آثم في هذا الباب، فالحمل قسمان: حمل في أصول الإيمان فهذا مزلة ومهلكة، وحمل في الفروع فهو يشمل شقين: إن حمله بحسن نية وحسن قصد وعلم الله أنه اجتهد فرأى هذا، فهذا وارد وصحيح، وإن كان حمله لهوى في قلبه أو تعصباً لرأيه ومذهبه، فهذا آثم ولا يجوز ذلك. نسأل الله التوفيق والهداية، وأن يلهمنا رشدنا وأن يقينا شر أنفسنا، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحب لأخيك ما تحب لنفسك للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net