اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفرج بعد الشدة للشيخ : عائض القرني


الفرج بعد الشدة - (للشيخ : عائض القرني)
في غزوة تبوك دروس وعبر عظيمة، أظهرت بجلاء صدق الصحابة وبلائهم وكذب المنافقين وخورهم، وفيها من الفوائد الشيء الكبير.والشيخ تطرق إلى هذا الموضوع مستخرجاً الكثير من الفوائد والأحكام.
غزوة تبوك.. والتهيُّؤ لها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: تجهز صلى الله عليه وسلم لغزوة تبوك - وغزوة تبوك كانت في حرارة الصيف، وفي شدة الحر وفي وهج الشمس- فخرج إليها صلى الله عليه وسلم، ونادى في الناس، فخرج معه ما يقارب الثلاثين ألفاً من أصحابه رضوان الله عليهم، وقبل المعركة أراد صلى الله عليه وسلم أن يجهز الجيش، فما وجد عليه الصلاة والسلام مالاً، فصعد المنبر ودعا إلى التبرع ورغب في البذل والعطاء: (من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فوقف عثمان بن عفان وقال: أنا يا رسول الله، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم اغفر لـعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راضٍ، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وخرج صلى الله عليه وسلم، ولكن لما خرج في حرارة الصيف نظر بعض الصحابة فرأوا أن الثمار قد دنت في المدينة ورأوا أن الراحة في البيوت أحسن من الحر فجلسوا.والذين تخلفوا عن الغزوة ثلاثة وثمانون رجلاً، لم يسجلهم صلى الله عليه وسلم في كتاب، ولم يكتبهم في ديوان، أما ثمانون فكذبوا على الله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49] والرسول عليه الصلاة والسلام كان يمشي مع أصحابه مشياً على الأقدام، في حرارة الصيف، وفي ظمأ ونصب وجوع، ومشقة لا يعلمها إلا الله. ثم جاء الجد بن قيس أحد المنافقين، فقال: (يا رسول الله! ائذن لي ألا أخرج معك إلى تبوك، قال: ولماذا؟ قال: أنا رجلٌ مفتون، فإذا رأيت بنات بني الأصفر افتتنتُ) أي: بنات الروم، وهو كذب على الله، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49] وقال المنافقون يوصي بعضهم بعضاً: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ [التوبة:81] اطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتأخر، لا تنفروا في الحر، فرد الله عليهم: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً [التوبة:81].فخرج عليه الصلاة والسلام، وكان كعب بن مالك صادق الإيمان لكنه تخلف.يقول عن نفسه: قلت: أتهيأ غداً وألحق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه خطيئة مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة:120] كيف يخرج رسول الهدى عليه الصلاة والسلام ويتخلف هؤلاء؟! هذا خطأ لا يقر.فتخلف رضي الله عنه، يقول: أتهيأ غداً، وذهب صلى الله عليه وسلم فلما أصبح في الصحراء، يقول: فقمت غداً لأتهيأ فثبَّطني الشيطان فجلست، ومشى عليه الصلاة والسلام حتى اقترب من تبوك فنـزل في الجيش وهو ما يقارب الثلاثين ألفاً، ولما نزل قبل تبوك نزل عند شجر بجيشه العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي أثناء الجلوس قال للصحابة: أين كعب بن مالك؟ -لم يذكره صلى الله عليه وسلم إلا عند تبوك - فقال رجلٌ من بني سلمة -من قرابة كعب بن مالك؛ يا رسول الله! حبسه برداه ونظره في عطفيه، فانبرى له معاذ رضي الله عنه وأرضاه سيد العلماء الذي يأتي أمامهم يوم القيامة برتوة- فقال: لا والله ما قلت خيراً، والله ما علمنا فيه إلا خيراً، والله ما علمناه إلا صادقاً مجاهداً، فسكت عليه الصلاة والسلام ولم يعلق على الحادث.وبينما الرسول صلى الله عليه وسلم جالس تحت الشجر.. وإذا برجلٍ أقبل كالصقر على ناقة، فقال صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فاقترب الرجل فإذا هو أبو خيثمة -وهو أحد المجاهدين الكبار في الإسلام- وسأل صلى الله عليه وسلم فقال: أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يلحق بنا).وأبو ذر مسكين فقير، يحشر يوم القيامة مع عيسى بن مريم، زاهد ليس عنده إلا جمل قحل هزيل، أتى بهذا الجمل فركبه فرفض الجمل أن يقوم وبرك على الأرض، فأخذ أبو ذر متاعه على كتفه ومشى في الأرض ليلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبينما هم جلوس وإذا بـأبي ذر يطل عليهم ويمشي في آخر الصحراء فقال عليه الصلاة والسلام: كن أبا ذر، فاقترب فإذا هو أبو ذر، قال: رحمك الله يا أبا ذر! تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك.وانتهى صلى الله عليه وسلم من الغزوة، لكن كعب بن مالك واثنان معه: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وهؤلاء الثلاثة صدقوا لكن تخلفوا بلا عذر، أخذتهم من الهموم والغموم ما لا يعلمه إلا الله، قال كعب:(فكنت في غياب الرسول عليه الصلاة والسلام أخرج في الأسواق فلا أرى إلا منافقاً، أو شيخاً كبيراً عذره الله أو طفلاً أو امرأة، فأزداد هماً إلى همي، قال: وسمعت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقبل من تبوك إلى المدينة) الآن يتهيأ بحجج، وبراهين، ماذا يقول للرسول صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يتكلم معه؟ وما هو عذره؟ إن كذب فسوف يكذبه الله من السماء بالوحي، وإن صدق فسوف يهلك، في الأخير قال: لما أقبل الرسول صلى الله عليه وسلم حضرني بَثِّي -ما معنى بَثِّي؟ البث: أشد الحزن، قال تعالى: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86] - قال: حضرني بَثِّي وغمي وعلمت أني لا أخرج من غضب الله ولا من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالصدق، قال: فلما نزل صلى الله عليه وسلم المدينة بالجيش توضأ وبدأ بالمسجد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، فصلى ركعتين، ثم جلس للناس يفتيهم ويأخذ أخبارهم ويستقبلهم ويسلمون عليه ويرحبون به لأنه غاب عليه الصلاة والسلام ما يقارب شهراً أو أكثر، فصلى عليه الصلاة والسلام ركعتين ثم جلس.
 الفرج يأتي بعد الشدة
قال عليه الصلاة والسلام {يا كعب: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك -يوم تاب الله عليه- قال كعب: يا رسول الله! إن من توبة الله عليَّ أن أتخلع من مالي} يقول: من حق الله ما دام أنه قد تاب عليَّ وقبلني، فمن حق الله عليَّ أن أنخلع من مالي، وأتصدق به في سبيل الله.قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {أبقِ عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك} وهذا مبدأ في الإسلام لابد أن يُتْنَبَه إليه، بعض الناس يمدح بعض الناس يقولون: لا يمسك درهماً ولا ديناراً! وورثته ومكسبه وأهله وأطفاله أين يذهبون؟! قال صلى الله عليه وسلم لـسعد بن أبي وقاص: {إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس} فيقول رسول الله لـكعب بن مالك: {أبقِ عليك بعض مالك، فهو خير لك؛ فإني أمسك سهي الذي بخيبر} وعاد كعب وقد فرح بعفو الله ورحمته ورضوانه، وكان له هذا فرجاً بعد الشدة، أي: أن الله فرج كربته بعدما اشتدت عليه الضوائق، قال الشافعي:ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج قال ابن عباس: [[لن يغلب عسرٌ يسرين]] قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5-6] وهنا سؤال: كيف يقول ابن عباس: [[لن يغلب عسرٌ يسرين]] وهو قد ذكر في الآية العسر مرتين وذكر اليسر مرتين، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5-6] وابن عباس يقول: [[ لن يغلب عسرٌ يسرين]] وكأن اليسر ذكر مرتين، والعسر ذكر مرة، كيف وقد ذكر العسر مرتين واليسر مرتين؟ والجواب: لأن العسر معرف فهو واحد، وأما اليسر فَمُنَكَّر، فهو متعدد، فالعسر الثاني هو العسر الأول، أما اليسر الأول فغير اليسر الثاني، وهذه (ال) للعهد؛ فلذلك جعل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مع كل عسر يسرين، فإذا ضاقت بالعبد الكرب، فليمد يده إلى الله، ولا يسأل أحداً بتفريج كربته، فلا يفرج الكرب إلا الله قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:62] فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65].ثم ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه لا يكشف الضراء إلا هو.والعرب تقول في الأمثال: (إذا اشتد الحبل انقطع)؛ أي: إذا اشتدت الكرب سهلها الله عز وجل.
ما يؤخذ من قصة كعب بن مالك
من حديث كعب بن مالك نأخذ أكثر من مائة فائدة، لكن أذكر ما تيسر من هذه الفوائد، منها:
 أسعد أيام المسلم هو يوم توبته إلى الله
ومنها: أن خير أيام المسلم يوم يتوب إلى الله، لكن كيف يقول عليه الصلاة والسلام: {يا كعب! أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك} مع العلم أن إسلام كعب خير يوم، وهو قد تاب فكيف نجيب على هذا؟يجيب أهل الحديث على ذلك، فيقولون: خير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك بسبب إسلامك، أي: أنه بسبب إسلامك ذلك اليوم أتى لك خير يوم، وهذا تكلف.وأجاب آخرون وقالوا: هذا اليوم يوم الإسلام ويوم التوبة يجتمعان ليصبحا يوماً واحداً، فهو خير يوم ولدتك فيه أمك، أو مر عليك منذ ولدتك أمك، يوم تبت وعدت إلى الله، وكعب بن مالك لم يحضر بدراً وإنما حضر بيعة العقبة، يوم بايع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه البيعة الكبرى.
وقفات مع بيعة العقبة
لابد أن أقف مع بيعة العقبة وقفات لأنها تسمى: البيعة الكبرى.كان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب، وكان يمر على السوق فيقول: من ينصرني؟ يقول لبني شيبان: انصروني، وامنعوني مما تمنعون به نساءكم وأطفالكم ولكم الجنة فيقولون: لا نستطيع، يمر على القبيلة الأخرى فيعرض نفسه عليه الصلاة والسلام فيعتذرون، وكل قبيلة تعتذر.. لماذا؟ لأنهم يقولون: لو أننا نصرناه لحاربَتْنا العرب عن وتيرة واحدة.ويوم أراد الله أن يرفع الأنصار جعلهم أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم، فأتى عليه الصلاة والسلام في العقبة ليبايع الأنصار، قال عبدالله بن رواحة: (يا رسول الله! على ماذا تبايعنا؟ قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأطفالكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا عند الله؟ -أي: ماذا تعطينا من مكافأة إذا نصرناك وآويناك وجاهدنا معك؟- قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل). يقول ابن القيم معلقاً على هذه البيعة: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع) ولذلك أعلنوا بيعتهم رضوان الله عليهم، وكانوا ينتظرون متى يسلمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله.وأنا أذكر نماذج الأنصار كما فعل ابن حجر لما شرح هذا الحديث، عرض لبعض النماذج باستطراد ليثبت أن الأنصار بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الجهاد، كانوا يحضرون المعركة وهم ينشدون ويترنمون ويقولون:نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا من أبطالهم: أبو دجانة، سلم نفسه في أحد للبيعة، لكنه ما قتل ذاك اليوم، أتى إلى المعركة فوقف عليه الصلاة والسلام قبل المعركة، فمد سيفه صلى الله عليه وسلم، قيل: ذو الفقار، وقيل: غيره، قال: (من يأخذ هذا السيف؟ فمد الصحابة أياديهم كلهم يريد أن يأخذ السيف، قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فسكنت الأصابع وهدأت الأصوات، وقام أبو دجانة وقال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فما هو حقه؟ قال: حقه أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني -فما قال: تضرب به فحسب، وإنما تضرب به حتى ينحني- فلما أخذه أخرج عصابة حمراء من جيبه، وشد رأسه وقال:أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول فلما أخرج عصابته الحمراء سكت الأنصار وقالوا: أخرج أبو دجانة عصابة الموت!) يسمى هذا خطر ممنوع الاقتراب قال أنس: فتتبعت أبا دجانة فكان يفلق بالسيف هامات الكفار حتى أتى بالسيف في العصر وقد انحنى.سبحان الله! سيف ينحني؟ يقول النابغة الذبياني يمدح الغساسنة فيقول: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم جربن كل التجارب يقول: من أزمان جداتهم وسيوفهم معهم، لا عيب فيهم إلا أن أسيافهم مثلمة، وهذا يسمى عند أهل البلاغة: المدح بما يشبه الذم.كان عكاشة في معركة بدر يضرب بالسيف حتى تكسر، وما تبقى منه إلا المقبض، فأخذ صلى الله عليه وسلم عوداً من خشب، وقال: خذ هذا السيف بارك الله لك فيه، فهزه صلى الله عليه وسلم فتحول سيفاً بإذن الله -وقد ذكر هذه القصة ابن القيم وابن هشام وابن إسحاق- هز الخشب عليه الصلاة والسلام فأخذه عكاشة وقاتل به، وبقي معه حتى قال أهل العلم: دفن معه في القبر.وحضر قتادة بن النعمان معركة أُحُد، وهو من الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام يوم العقبة، فلما حضر المعركة رميت عينه اليمنى فسالت عينه على خده، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: باسم الله، ثم أعادها مكانها وأرجعها عليه الصلاة والسلام، فكانت أجمل من العين الأخرى) حتى يقول ابنه لما يمتدح: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد ومن أهل الأنصار من أهل بيعة العقبة: عبد الله بن عمرو الأنصاري حضر في معركة أُحُد فباع نفسه من الله، وقال: اللهم خُذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فسلم نفسه من الله فقتل، ضرب أكثر من ثمانين ضربة، حتى يقول صلى الله عليه وسلم لابنه جابر: (ابكِِ أو لا تبكِ، فوالذي نفسي بيده، ما زالت الملائكة تظلل أباك بأجنحتها حتى رفعته، وقد كلمه الله كفاحاً بلا ترجمان) هذه قصص استعرضتها لما قال كعب بن مالك إنه من أهل بيعة العقبة، أما الدرس فعنوانه (الفرج بعد الشدة) أي: أنها إذا اشتدت الشدائد واحتكمت الضوائق فلا يفرجها إلا الله عز وجل.لأحد أهل اليمن وهو شاعر يمني عظيم، له قصائد طويلة.فـابن دريد يقول: يا ظبيةً أشبه شيء بالمها ترعى الخزامي بين أشجار النقا فعارضه اليمني هذا بقصيدة في العقيدة كأنها قذائف من القِلب يقول: سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا لطائف الله وإن طال المدى كلمحة الطرف إذا الطرف سجا يقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: "لا يفرج الكرب إلا الله، ولا يرزق إلا الله".وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وكتابات ابن تيمية تدور حول العبادة والرزق، وكشف الضر من الله عز وجل.يقول ابن الجوزي في قصته: "مر رجلٌ فرأى عصفوراً ينقل لحماً إلى نخلة، قال الرجل: فتعجبت لأن العصفور لا يعشعش النخل، فصعدت النخلة فوجدت في النخلة حية عمياء، قال: إذا أتى العصفور باللحم صوَّت العصفور، وترنم بصوته، ففغرت فاها وهي عمياء، فألقى في فمها اللحم وعاد، فعلمت أنه لا يرزق إلا الله الواحد الأحد".وعلى سبيل المثال عندما استطردنا في ذكر الحيوانات يذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة قصة أرويها على ذمة ابن القيم وهي قصة النملة المشهورة، لكن لا بأس بتكرارها. كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى قص ابن القيم علينا قصة يقول: كانت هناك نملة خرجت من جحرها تطلب الرزق، والله عز وجل يتجلى في خلق النملة ويتجلى في خلق النحلة، ويتجلى في كل شيء قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] كلها تدل على الواحد الأحد.قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطِبِّه أرداكَا! قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب مَن عافاكَا! والنحل قل للنحل يا طير البوا دي ما الذي بالشهد قد حلاكَا! وإذا ترى بالثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكَا! واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكَا! يقول: جلس رجلٌ عند بيت نملة، وكان هناك رجل جرادة بجانب بيت النملة، فخرجت النملة فوجدت رجل الجرادة، فحاولت أن تزحزحها وتسحبها إلى بيتها فما استطاعت، فعادت تأخذ نقالات وحمالات؛ لأن النمل ثلاثة أقسام: ملكة، وهذه لا تشتغل وإنما تصدر الأوامر ولها عاملات حولها وخدم، وهناك شغالات همها تبني خلايا البيض والبيوت وتصلح الأعشاش، وهناك خدم عمال، وهؤلاء جنودٌ متطوعون يأتون بالرزق، ذلك من حكمة الواحد الأحد، ذلك خلق الله، قال تعالى: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان:11].. وقال سبحانه: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73] خرجت فحاولت أن تجر رجل الجرادة فما استطاعت، فعادت فأخبرت الشغالات أو الخدم، ففي أثناء عودتها ومعها ما يقارب الثلاثين نملة فأتى الرجل، فرفع رجل الجرادة، فبحثوا في المكان فما وجدوا شيئاً فعادوا، ووقفت النملة وحدها مكانها، فلما رجع البقية أعاد لها رجل الجرادة، فحاولت أن تسحبها ولكنها لم تستطع، فعادت فكلمتهم فأتوا، فرفع رجل الجرادة، فبحثوا ولم يجدوا شيئاً فرجعوا، ثم وضع الرِجل، فأتت تسحب فما استطاعت، فعادت فكلمتهم فأتوا فرفع الرجل فما وجدوا في المكان شيئاً، قال: فتحلقوا على هذه النملة فقطعوها إرباً إربا". ذكرها ابن القيم في مفتاح دار السعادة، والعهدة على ابن القيم وهو ثقة عند أهل السنة والجماعة.والذي يؤخذ من هذا: أن الفرج من عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ولا يفرج الكرب إلا هو تبارك الله رب العالمين.من ضمن هذه الكرب التي مرت قصة أكررها كثيراً، لكن لا بأس بإيرادها: يقول ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي "كان هناك رجل تاجر وخرج في تجارة، فعرض له أحد قطاع الطرق، فلجأ إلى الله فأنجاه الله".وهناك قصة إبراهيم عليه السلام حينما أرادوا أن يلقوه في النار، تقطعت به الأسباب، وتقطعت به الحبال إلا من ذي الجلال والإكرام، أتاه جبريل فقال لإبراهيم: "ألك إليَّ حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم" والصحيح أن الإنسان يلجأ لا إلى جبريل ولا إلى ميكائيل ولا إلى إسرافيل ولا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء لا ينفعون ولا يضرون ولا يشافون ولا ينجحون ولا يرزقون ولا يشفون، وإنما يفعل ذلك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].
 أسعد أيام المسلم هو يوم توبته إلى الله
ومنها: أن خير أيام المسلم يوم يتوب إلى الله، لكن كيف يقول عليه الصلاة والسلام: {يا كعب! أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك} مع العلم أن إسلام كعب خير يوم، وهو قد تاب فكيف نجيب على هذا؟يجيب أهل الحديث على ذلك، فيقولون: خير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك بسبب إسلامك، أي: أنه بسبب إسلامك ذلك اليوم أتى لك خير يوم، وهذا تكلف.وأجاب آخرون وقالوا: هذا اليوم يوم الإسلام ويوم التوبة يجتمعان ليصبحا يوماً واحداً، فهو خير يوم ولدتك فيه أمك، أو مر عليك منذ ولدتك أمك، يوم تبت وعدت إلى الله، وكعب بن مالك لم يحضر بدراً وإنما حضر بيعة العقبة، يوم بايع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه البيعة الكبرى.
الأسئلة

 المال المجموع لمساعدة المحتاجين لا زكاة فيه
السؤال: هل المال الذي يجمعه أمناء القبيلة لمساعدة بعضهم فيه زكاة أم لا؟الجواب: هذا المال للحوادث وذلك أن تتفق قبيلة على مال أنه يكون لحوادث السيارات أو لمساعدة المحتاجين المتزوجين وغيره ليس فيه زكاة؛ لأنه للمصارف العامة وقد أفتى به العلماء، كالجمعيات التعاونية عند القبائل وأمثالهم. أيها الإخوة الكرام: نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق والرشد والسداد، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن لنا ولكم العاقبة.وقبل أن أنتهي: هنا مسألة أحب أن أعرضها عليكم -بارك الله فيكم- وهي: أن كثيراً من الشباب سمعت منهم كلاماً ورسائل تخرجوا من الجامعات، وبعضهم يدرس، وقد وصدت أبواب الزواج أمامهم وهم لا يستطيعون تكلفة الزواج، وطلبوا مني أن أوجه الرأي العام إلى مساعدة هؤلاء الطلبة المحتاجين في أن يغضوا أبصارهم ويحفظوا فروجهم وأن يحصنوا مستقبلهم وحياتهم، وأنا أعلم أن في البيوت كثيراً من الفتيات اللواتي أصبحن في سن الزواج، لكن سوء الفهم من آبائهن جعلهم يركنونهن في البيوت، وهذا خطأ شنيع.فمن حق الدين عليكم -يا معاشر الآباء والإخوة- أن تنشروا الوعي وأن تنشروا مسألة تخفيف المهور ومساعدة الشباب؛ لأنه ما عمت الفاحشة اليوم إلا من هذه المأساة، وهناك أشرطة تبين هذا الأمر مثل: التبرج والاختلاط والسفور، ومثل: صرخة غيور وغير ذلك تنقل لكم حقائق عن مسألة كيف أدى مغالاة المهور وحبس البنات في البيوت إلى مفاسد لا يعلمها إلا الله، وأمس رأيت رسالة، وهي موجودة في المكتبات اسمها: إليكِ إليكِ احذري الهاتف وفيه كثير من صرخات الفتيات أنهن ضقن ذرعاً بآبائهن في البيوت؛ لأنهم حبسوهن، وحسابهم على الواحد الأحد.والله يتولانا وإياكم ويهدينا وإياكم سواء السبيل.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفرج بعد الشدة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net