اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مبشرون لا منفرون للشيخ : عائض القرني


مبشرون لا منفرون - (للشيخ : عائض القرني)
من أعظم أوصاف الدين الإسلامي أنه جاء بالتبشير لأتباعه.ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم رسولاً عزيز عليه ما فيه عنت لأتباعه، حريص عليهم وعلى هدايتهم، وهو بهم رءوف رحيم.وفي هذه المادة عرض لكثير من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم التي يظهر فيها بجلاء يسره في التعليم والتوجيه حتى مع العصاة.
التبشـــيـر في الإسلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.نعم، " مبشرون لا منفرون " عنوان هذه المحاضرة.بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم لماذا هذا العنوان؟ لأن الله ابتعثنا مبشرين ميسرين، لا معسرين ولا منفرين، فإن زعم زاعم، أو ظن ظان أن الدعاة ينفرون الناس ويشددون ويكلفون، فقد أخطأ سبيله وضل سعيه، فأتباعه عليه الصلاة والسلام يحملون البشارة، وقبل أن أبدأ بالموضوع أخبركم أني أحبكم في الله حباً عظيماً، وهو الحبل المتين الذي أتى به عليه الصلاة والسلام، والمعجزة الكبرى التي بثها في الناس، أن يجمع بين الأبيض والأسود، وبين الأبيض والأحمر، وبين الأشعث الأغبر والمرفه تحت مظلة: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] ولسان حالي هذه الليلة يقول: أنا الحجاز أنا نجد أنا يمنٌ أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني وفي ربى مكة تاريخ ملحمةٍ على ثراها بنينا العالم الفاني في طيبة المصطفى عمري وواولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل معي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] تلكم هي الكلمة التي بثها محمد عليه الصلاة والسلام في الكون، ولكن أيضاً لماذا اخترت هذا العنوان؟، لأقول للمتسرع وللمتعجل: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمتهجم المجرح: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمكفر المفسق إننا مبشرون لا منفرون، وأقول لمن يسيء الظن بالناس ولا يقبل ما فيهم من حسن، ولا يمد الجسور معهم، ولا يمهد لهم حبال الود إننا مبشرون لا منفرون.إخوتي في الله! الأصل في الإسلام التبشير وآيات التبشير في القرآن أكثر من آيات التخويف والتحذير، وقد ذكر ذلكم الإمام النووي، ولما كتب كتابه رياض الصالحين جعل للرجاء بابين، وللخوف باباً واحداً فقط.إن العصاة والبعيدين عن الإسلام، أو الفجرة، أو المنافقين لا يمكن أن يعودوا إلا بتبشير، ولا يمكن أن يجروا إلى حلبة الإسلام إلا بتبشير، ولا يمكن أن تعالج التعاسة فيهم والندامة والخزي والقلق إلا بتبشير.الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر قبل أن يكون نذيراً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب:45] وهو يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والقرآن مبشر كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف:2] وذكر الله كتابه، فقال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء:9].المستقبل المشرق إنما يأتي بالتبشير، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه آيات البشرى وعلامات التبشير والعاقبة للمتقين، وأخبر رسوله بأنه سوف يفتح العالم، وبشر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه.
 منهج القرآن في الوسطية والبشرى
لكن تعال بنا إلى منهج القرآن في الوسطية والبشرى قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] أن تتكلم للناس وأنت تعرف أن لهم طاقات محددة، فلا تكلفهم فوق الطاقة قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] فطبيعة الدين أنه ميسر يناسب الفطر رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] وفي الحديث الصحيح: {قد فعلت قد فعلت} وابن تيمية يرويه في الفتاوى أنه قال: {نعم، نعم، نعم} وهذه رواية مسلم، ومن طبيعة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] أي: أن الأغلال التي كانت على الأمم السابقة قد وضعها عليه الصلاة والسلام عن أمته. أتى بهذه الآية ابن تيمية رحمه الله وهو يتكلم عن مسح الخفين، والحقيقة انظر إلى العقل إذا تدخل في الشريعة فوق حدوده، أتى بعض الفقهاء، وقالوا: يشترط في الخفين تسعة شروط: أن يكون (جلداً- مخروزاً - قائماً بنفسه - لا ينفذ الماء - يمشى فيه-...) إلى آخر تلك الشروط التي كأنها شروط المجتهد المطلق. من أين نأتي لكم بخف تنطبق عليه هذه الشروط؟ أنأتي به من السماء. قال ابن تيمية: شروط باطلة، الرسول صلى الله عليه وسلم يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] هذا مثل من الأمثلة. أيضاً يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن المتنطعين: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27] من هذا المبتدع الذي يبتدع أحكاماً ويسير الأمة على مزاجه؟ فمن حاد عن مزاجه وعن منهجه وعن موقفه هو، فهو فاسق كافر يميت القضايا، منهزم يميع المنهج الرباني، هكذا يحكم على الناس، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27] أنا أعرف أن من يتسرع ويتعجل يريد رضوان الله، ولكن ليس كل من ابتغى رضوان الله أصاب، والله عز وجل ذكر المبتدعة، فقال: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر:8] قال سفيان بن عيينة: نزلت هذه الآية في المبتدعة، زين الله لهم سوء أعمالهم، أتظن عمران بن حطان كان يظن أنه فاجر أو مخطئ، أو الجعد بن درهم، أو الجهم بن صفوان؟ لا، يقول ابن المبارك في الجهم -لأنه كان داعية، وكان يضحي عن مبادئه أكثر من تضحيتي أنا وأنت عن مبادئنا- يقول: عجبت لدجال دعا الناس جهرةً إلى النار واشتق اسمه من جهنم الجعد بن درهم ماذا فعل؟ مخطئ فاجر ضال؛ رفض أن يتنازل عن خطئه ويظن أنه صائب، قال له خالد بن عبد الله القسري: أتعود عن رأيك، قال: لا، فقال في خطبة العيد: يا أيها الناس! إن الجعد بن درهم زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ألا إني مضحٍ بـالجعد بن درهم ضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم، ثم نزل فأخذه بالخنجر قتله حتى يقول ابن القيم:من أجل ذا ضحى بـجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنةٍ لله درك من أخي قربان يقول: من أراد أن يضحي فليضح مثله، البدنة عن سبعة.أيضاً يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] يقول بعض المفسرين: مفهوم المخالفة في الآية أن تسعد، نزل القرآن للسعادة، فالتلاوة فيها سعادة، والحكم به في الناس سعادة، تبيينه للناس سعادة، لا أن تشقي الناس، لماذا نشقي الناس بالقرآن؟ لماذا نشقي الناس بالسنة؟ وسوف أصل -إن شاء الله- في هذه المحاضرة إلى مواقف محمد عليه الصلاة والسلام، وليست من كلامي ولا من كلام آخر من المجاهيل النكرات، لكن من كلام من يجب علينا على رغم أنوفنا أن نستمع له، وأن نتحاكم إليه، كما قال مالك: ما من إنسان إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام.قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8] فاليسر من طبيعته في العبادة، وفي الدعوة، وفي التربية، والأخلاق، والسلوك، تقول عائشة كما في صحيح مسلم: {ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما} إذا كان الناس يستجيبون لك بالكلمة اللينة، فلماذا الغضب؟! ولماذا التشنج في العبارة؟! ولماذا الجرح؟! ولماذا الوصم بالكفر والفسق؟! لماذا؟! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] فلا تطلب من الضعيف في العبادة ما تطلبه من القوي؛ لأنه قد علم كل أناس مشربهم. ومن صفاته عليه الصلاة والسلام: أنه رحمة للعالمين، فهل سأل كل واحد منا نفسه؟ هل سأل الإمام والخطيب والعالم والقاضي ورجل الهيئة نفسه: هل هو رحمة للعالمين أم هو شقاء للعالمين؟ رحمة للعالمين، فلم يقل رحمة للناس فيخرج الحيوانات، ولم يقل للمؤمنين فيخرج الكافرين، ولم يقل للرجال فيخرج النساء أما الرازي فقد مد نَفَسَه في هذه الآية وتكلم كثيراً، والعجيب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رحمة للعجماوات، رحمة للطيور، رحمة للزواحف ورحمة للوحوش. في سنن أبي داود بسند صحيح: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلس تحت الشجر مع أناس من الصحابة، فأتت حمامة -طائر أنثى- كان أحد الصحابة، قد أخذ أفراخها، فأتت تشتكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن بلا كلام، ولا نطق حامت على رأسه عليه الصلاة والسلام ففهم أنها تشكو، قال: من فجع هذه بأفراخها، قال رجل: أنا يا رسول الله! قال: رد عليها فراخها} فلما رد أفراخها، فرفرت فرحة جذلانة وعادت إلى عشها. يقول أحد الشعراء في هذه:جاءت إليك حمامةٌ مشتاقةٌ تشكو إليك بقلب صب واجف من أخبر الورقاء أن مكانكم حرم وأنك ملجأ للخائف هذه رحمته عليه الصلاة والسلام، وسوف أصل إلى وقفة مع رحمته عليه الصلاة والسلام فيما يأتي.أيضاً وصفه ربه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه (عزيز عليه ما عنتم) أي: أي شيء يعنت الأمة يعز عليه عليه الصلاة والسلام ويكلف عليه ويشق عليه قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة:128] وقرأ ابن مسعود: من أنفَسِكم، يعني: من أغلاكم، ومن أحسنكم، ومن أرفعكم نسباً وذكراً لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
يسر الرسول صلى الله عليه وسلم
أولاً: من صفات الإسلام أنه بسيط، ويسير، وأنه سهل ليس فيه تعقيد ولا تقعر ولا تشدق، وما صعبناه على الناس إلا يوم تقعرنا في العبارات، وأكثرنا من الحواشي والردود، وأكثرنا من البسط والأخذ والرد، فصعب الإسلام صراحة، وإلا فالرسول عليه الصلاة والسلام يشرح الإسلام في عشر دقائق لأعرابي ويذهب الأعرابي من المسجد، ويقول: والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، فيقول صلى الله عليه وسلم: (أفلح الرجل ودخل الجنة إن صدق) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، هذا هو الدين. في الصحيحين من حديث أنس قال: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، فوفد أعرابي فعقل ناقته في طرف المسجد، وجاء يمشي قال: أين ابن عبد المطلب؟ يقصد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أشهر عند العرب بجده من أبيه، قال الصحابة: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، قال: يابن عبد المطلب، قال: نعم، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل ما بدا لك، قال: من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك فتربع عليه الصلاة والسلام، وقال: اللهم نعم، فأخذ يسأله عن أركان الإسلام، فلما انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، فيتولى، فيشهد له صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة).هذا هو الإسلام، هذا هو الدين البسيط، لماذا لا نشرحه للناس؟ لماذا لا نتحدث به؟ تعال الآن إلى كثير مما يُتحدث عنه من القضايا حتى المعتقد: التعقيد، الردود، استحداث الإشكال، التشبع بما لم يعط، حتى لا يفهم الناس من العقيدة شيئاً، وهذا فعل أهل البدع كـالمعتزلة والخوارج والروافض.
 الستر على العصاة
نحن دعاة قبل أن نكون مؤدبين، وفرق يا أيها الإخوة! بين من يجاهرون الله بالمعاصي، كمن يبني خمارةً في بيته وقصره، ومن يروج المخدرات ويتعامل بها ويزاول ذلك، ومن ينشئ بيتاً للدعارة -والعياذ بالله- فهؤلاء مجاهرون محاربون لله ولرسوله، لكن إنسان عثر عثرة، أو تستر بشيء وهناك ظنون، وهناك اتهامات فقط، فلا نذهب عليه ونجمع الناس وندينه حتى يعترف! وإلا فهي ممارسات خاطئة، أنا أحاج بالكتاب والسنة أن هذا لم يكن هديه عليه الصلاة والسلام.أيضاً علينا أن نفتح باب التوبة للناس، وإني لأعلم أن كثيراً من العصاة ما ردهم من الهداية إلا لأنهم أحبطوا أمام الوعظ الناري الحار الذي أغلق عليهم باب الهداية.عند الترمذي من حديث سلمان بسند حسن: {إن الله ستير يحب الستر} فهو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحب أن يستر عباده.{يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم} وعند مسلم: {إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها}.
الرحمة بالمؤمنين والغلظة على الكافرين
العنصر الرابع: الرحمة بالمؤمنين والغلظة على الكافرين والمنافقين: هذا مبدأ إسلامي، وأصل الاعتقاد لا يزول بمخالفة فرعية ولا بمعصية، هذه قاعدة لـابن تيمية رحمه الله. صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه بالمؤمنين رحيم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] هؤلاء هم المؤمنون، أشداء على الكفار رحماء بينهم.يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة:73] لأن هناك دعوى تنشرها أجهزة الإعلام بين الفينة والأخرى، وتتكلم بها النخبة المثقفة -كما تسمي نفسها- وهي العارية عن علم الكتاب وعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه النخبة المثقفة في البلاد مثل: الضباط الأحرار في البلاد الأخرى، والأفكار واحدة، والمسار واحد، فيرددون: الوفاق العالمي، والأخوة الإنسانية، والعلاقة الدولية، والإنسان أخو الإنسان، ولا بد أن نسعى إلى بسط السلام ونبذ الفرقة أي أن المسلم واليهودي والنصراني والبوذي والماركسي كلهم تحت مظلة الوفاق الدولي، والإسلام يرفض ذلك، وليس من التشنج، وليس من الفضاضة، وليس من التنفير أن نهاجم معتقدات النصارى الصليبيين، ولا اليهود ولا أذناب اليهود ولا الماركسية بل مزيداً من تعريتهم وفضحهم، والله عز وجل قد لعنهم في كتابه سُبحَانَهُ وَتَعَالى ولعنهم رسوله عليه الصلاة والسلام.قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123] لكن لمَّا ذاب الولاء والبراء انقلبت الموازين، الآن يلقى الخواجة بالاحترام والشكر والتقدير، والعزايم والهدايا، والمرتب العالي، والسيارة الفخمة، والسكن في القصور، ويلقى المؤمن بالاتهام بالدروشة والفضاضة، والتنفير والغلظة حتى يقولون: إن الأشقر دائماً له من لونه نصيب، والأبيض له نبأ غريب وخبر عجيب، وتجد له كأن طابع انهزام المسلمين الداخلي من هذا المد الحضاري الذي يسمونه مد حضاري دخل عليهم حتى في المعاملات، فتجده إذا تكلم مع الخواجة تكلم بانبساط وانشراح وبشاشة وهشاشة ورضا، وإذا تكلم مع إخوانه المؤمنين إذا هو يغضب ويزبد ويرعد.قلب بعض الناس هذا المفهوم، فتجده أحياناً مع إخوانه في مسائل خلافية ويغلظ، بينما في مسائل كبرى لا يتكلم فيها، أحياناً تجد أفكاراً علمانية تطرح في الساحة وفي الصحف والمجلات، وفي الراديو على الشاشة ولا تجد من ينتقدها أبداً بحجة الهدوء والسكينة، لكنه على إخوانه الدعاة وطلبة العلم من أشد الناس تسلطاً ومن أضخمهم عبارة.
 الاهتمام بالمنكرات الكبرى
أيضاً: سكوت بعض الناس عن المنكرات الكبرى مع انقطاعهم إلى بعض المسائل واستحداثهم لبعض المشكلات؛ وفر جهدك بدل أن تتكلم ساعتين عن تحريك الإصبع، وهي من السنة ولا بد أن تحرك , وأنا لا ألغيها ولا أهاجمها، لكن وفر هذا الجهد في المسائل الكبرى كموضوع الربا، موضوع الفساد الذي يوجد في كثير من النواحي، الطرح الغثائي، مهاجمة العقيدة الإسلامية، الغثاء الفكري التي تعيشه الأمة، موت الولاء والبراء، انسحاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من القضايا.
التحليل والتحريم
العنصر الخامس: ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، أو يحل ما حرم الله، ربما يتسرع متسرع فيحب مسألة التحريم، يحب دائماً يقول: حرام حرام، حتى إن بعض المرتدين والمنافقين عيروا المهتدين والمستقيمين بذلك، حتى يقول أحدهم وهو يتبجح في مجلس: هؤلاء حرموا كل شيء حتى السُكرَّ، ويقول أحدهم: صليت الجمعة -اسمع الكذب- فقام خطيب يخطب فينا، فقال: حلق اللحية حرام، وإسبال الإزار حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام، وكل شيء حرام. والله ما قاله، وهذا من التشويه، هذه النصوص المزيدة من أكياس التشويه لمعالم الإسلام.أيضاً: يصفون الدعاة بالعنف: وأنا أجزم جزماً أنه ليس هناك عنف، وإن كان في العبارات غلظة؛ فهذا الذي أريد أن أعالجه هذه الليلة إن استطعت، أو وفقت، لكن أن يكون هناك عنف بمعنى العنف الذي يتعارف عليه الناس، فليس هناك عنف ولا تطرف، العنف يا أخي: مهاجمة المؤسسات بالحديد والنار، العنف: الاغتيال، العنف: إسالة الدماء، العنف: فتنة طامة عامة، العنف: حمل السلاح، العنف: قطع الرءوس، العنف: اقتحام المنازل للقتال، لكن هذا لم يحدث أبداً، ولم نسمع بصورة ولو واحدة أنه حدث، فلماذا يوصم هؤلاء بالتطرف؟!قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].أيها الإخوة: ليس لأحد من الناس أن يحرم إلا ما حرم الله ورسوله، ولا يحلل إلا ما حلل الله ورسوله، ولا يوجب إلا ما أوجب الله ورسوله، ولا يستحب إلا ما استحبه الله ورسوله، ولا يكره إلا ما كرهه الله ورسوله، ولا يبيح إلا ما أباحه الله ورسوله، هذه قاعدة يذكرها شيخ الإسلام في أصول الفقه كثيراً، لأن بعض الناس جعلوا من أنفسهم مشرعين، وهذا يدل على الجهل، وقلة الوعي، عدم المعرفة، وتحريم الحلال كتحليل الحرام سواءً بسواء، حتى المسائل الخلافية ليس لك أن تسارع إلى التحريم فيها.ذكر ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين أن الإمام أحمد كان إذا سئل عن مسألة فيها تحريم، قال: أكرهها، أو أكره هذا، أو أخشى أن تكون حراماً؛ من الورع، لأنه لا يدري هل هي حرام أم لا.يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101] فالواجب الورع وعدم إحراج الناس في تحريم ما لم يحرمه الله عز وجل، وما زاد عن حده انقلب إلى ضده، وقد يكون تنطعاً، ولذلك لما تنطع النصارى فحرموا على أنفسهم أموراً حرمها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عليهم، وفيه حديث: (إن من أعظم الناس جرماً عند الله يوم القيامة من سأل عن شيء لم يحرم فحرمت من أجل مسألته).وورد في الحديث وهو يحسن عند أهل العلم ولو أن ابن رجب نقد هذا الحديث: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تسألوا عنها).
 الاهتمام بالمنكرات الكبرى
أيضاً: سكوت بعض الناس عن المنكرات الكبرى مع انقطاعهم إلى بعض المسائل واستحداثهم لبعض المشكلات؛ وفر جهدك بدل أن تتكلم ساعتين عن تحريك الإصبع، وهي من السنة ولا بد أن تحرك , وأنا لا ألغيها ولا أهاجمها، لكن وفر هذا الجهد في المسائل الكبرى كموضوع الربا، موضوع الفساد الذي يوجد في كثير من النواحي، الطرح الغثائي، مهاجمة العقيدة الإسلامية، الغثاء الفكري التي تعيشه الأمة، موت الولاء والبراء، انسحاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من القضايا.
التسرع في التكفير
العنصر السادس: التحذير من التسرع في التكفير:(سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) كما قال عليه الصلاة والسلام، والتكفير عند أهل السنة والجماعة أضيق من ثقب الإبرة، ويذكر عن ابن تيمية في ترجمة ابن النفيس: أنه لما حضرته الوفاة استقبل القبلة، وقال: تبت عن كل من كفرته من أهل القبلة، وأقل الناس تكفيراً هو ابن تيمية ومن يقرأ الرسائل والرد على البكري يجد أنه يعتبر الكثير من الناس الذين اشتهروا عند الكثير منا أنهم كفار، ويحمل كلامهم على محمل جميل وينصف ويخاف الله في ذلك، لكن تجد التكفير يظهر على ألسنة الكثير لجهلهم في فقه الدين. قال صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إما القائل وإما المقول فيه) فلماذا نقول كافر؟ ولماذا لا نستغني عن هذه العبارة؟ وهل كلفنا أن نكفر إلا من أعلن كفره وعرفنا باليقين أنه كافر؟أيضاً لا أريد في المقابل تمييع قضية التكفير فتقول: لا تكفر الناس بترك الصلوات الخمس، أو رجل يدوس المصحف بحذائه، فنقول: أحسن الظن به، أو يدمر حماة فيقتل ثلاثين ألفاً، فيقال: لا، لا تكفر اتق الله. كيف هذا؟! هذا إماعة للقضية ومن نواقض لا إله إلا الله، أو من نواقض الإسلام التي كتبها الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، أن من لم يكفر الكافرين أو شك في كفرهم فهو كافر، فلا بد أن نكفر الكافرين، لكن لا نكفر المسلمين أو العصاة منهم.
 سلامة الصدر وحسن الظن بالمسلمين
وفي الأخير أقول: المسلم سليم الصدر لا يسيء الظن حتى تظهر له البينات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ [يونس:36] وفي صحيح مسلم يقول صلى الله عليه وسلم: {من قال: هلك الناس فهو أهلكهم} فلماذا نجعل الأصل في الإنسان سوء الظن؟ إذا تكلم بكلمة قلنا يريد كذا وكذا، فتقول أنت: لا، يريد أن يصلح، قال: لا، أنت ما تعرفه هو دائماً يريد السوء. أجل.. لقد فعل خيراً فاشكره على الخير، قال: لا، هو ما أراد إلا خبثاً ودهاءً ما أراد الخير. يقول عمر رضي الله عنه فيما صح عنه: [[من وجد لكلام المسلم محملاً فليحمله على أحسن العذر، أو على أحسن المحامل]] أو كما قال، ويقال: التمس لأخيك عذراً ما وجدت له محملاً.أيضاً: من مميزات المسلمين أنهم لا يسارعون في الحكم على الناس بالأحكام الجائرة: كالتفسيق، أحذركم منه وأحذر نفسي، رمي الناس بالتكفير وهذا قليل فينا ونادر -والحمد لله- لكني أخشى أن يتطور الحال إلى أن يصل إلى هذا المستوى بقلة علم أو فقه في دين الله عز وجل، فالأحكام الجائرة لا تخدم هذا الدين، واتهام الناس في نياتهم، وحمل كلام الناصح على أنه يريد السوء، أو الفوضى، أو أنه متطرف، أو أنه يريد أموراً الله أعلم بها، ليس هذا بصحيح، وهذا من الجهل ومن سوء التقدير.فأسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرحمنا وإياكم، وأن يجمع قلوبنا على الحق، وأن يصلح الراعي والرعية، وأن يهدينا وولاة الأمر إلى ما يحبه ويرضاه، ونسأل الله أن يبقي من في بقائه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن يهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا مبشرين لا منفرين، وميسرين لا معسرين، وأن يهدي على أيدينا أمماً من الناس، ولا يرد بسببنا أمماً من الناس {لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم} وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مبشرون لا منفرون للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net