اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حسبنا الله ونعم الوكيل! للشيخ : عائض القرني


حسبنا الله ونعم الوكيل! - (للشيخ : عائض القرني)
إنها الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام وهو بين السماء والأرض عندما ألقي في النار فأنجاه الله.وهي الكلمة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمع عليه الناس.وهي الكلمة التي قالها ويقولها أصحاب الدعوات في كل زمان ومكان إذا أدلهمت بهم الخطوب، واشتدت عليهم الكروب، فماذا تعني هذه الكلمة العظيمة؟وما هو تعريف التوكل عند أهل العلم؟ وكيف يكون التوكل؟ وهل الأخذ بالأسباب من التوكل؟ ثم ما هي صفات السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب؟كل هذه المسائل أجاب عنها الشيخ في هذا الدرس.
فضل كلمة: (حسبنا الله ونعم الوكيل)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.ويتجدد اللقاء، ويزداد الشوق، ويتكاثر الحب لأناس ما أحببناهم إلا في الله عز وجل, وليس بأول مرة ولا بآخر مرة -إن شاء الله- أن نرى الأخيار والأبرار, وأن نرى شباب الصحوة وجنود محمد عليه الصلاة والسلام تكتض بهم المساجد, وتزدحم بهم الأرصفة، وهم يكونون مسيرة للواحد الأحد, إنني أقول لكل شاب منهم:أحبك لا تسأل لماذا لأنني أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي وأرتاح أن ألقاك في كل مجلس لقاؤك فوز للحبيب المعذب أيها الأخيار: نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بهذا الحب, فوالله إن القلب ليسعد أن يرى المسلم أمامه وهو يحضر هذه المجالس، ليشارك بمجلس من مجالس الخير يحفظ له عند الله، اللهم إن أهل الباطل يجتمعون في مجالس ينكثون عهدك، ويحاربون أولياءك، ويحشدون حشودهم من أجل معاصيك، اللهم فقد اجتمعنا لمرضاتك يا رب العالمين, واجتمعنا لنرفع لواءك فارحمنا رحمة عامة وخاصة.ثم إنني أزف إليكم بشرى، وهي: أنا جئت من الجنوب وهناك آلاف الشباب يملئون المساجد, يسبحون الله بالغدو والآصال, صحوة عارمة؛ لأن الله يقول: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].والله عز وجل إذا أراد أن يتمم شيئاً فلابد أن يتممه, فالنور نوره, والرسالة رسالته، والرسول رسوله قال تعالى: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].وعنوان المحاضرة كما ذكرنا: "حسبنا الله ونعم الوكيل" وهي كلمة المسيرة التي تحققت في حياة الإمام الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام, قالها في رهج العاصفة, قالها وهو يصارع الأحداث؛ لأنه كما يقول بعض المعاصرين: إنه عليه الصلاة والسلام فتح جبهات عديدة: جبهة ضد الصهاينة , وجبهة ضد النصرانية , وجبهة ضد المجوسية , وجبهة ضد الصابئة , وجبهة ضد المشركين, وكلها يتلقاها بـ(حسبنا الله ونعم الوكيل), وهي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام وهو بين السماء والأرض عندما وضع في المنجنيق, فلما اقترب من النار أتاه جبريل عليه السلام، فقال له: ألك حاجة؟ فنبض التوحيد والتوكل في قلب إبراهيم، فقال: أما إليك فلا. وأما إلى الله فنعم. حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعل الله له النار برداً وسلاماً.والله يصف أولياءه في أحد , والرسول صلى الله عليه وسلم كله جراح, وقد انكسرت رباعيته ودخل المغفر في رأسه عليه الصلاة والسلام, وذُبح من أصحابه سبعون, فأتاه رجل من الناس يقول: إن الناس قد جمعوا لكم، فقال عليه الصلاة والسلام: (حسبنا الله ونعم الوكيل) قال سبحانه: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].
 الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل
أيضاً فيما يتعلق بهذا الباب ما ذكره العلماء كما عند ابن ماجة: {من خرج من بيته وقال: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان} فأوصيكم بهذا عند ذكركم وخروجكم ومزاولتكم لأعمالكم, أن تتوكلوا على الله لكن بالقلوب, وأن تعتقدوا أنه لا ينفع ولا يضر إلا الواحد الأحد سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.ومن هذا الباب ما ذكر عن كثير من السلف منهم عمر رضي الله عنه وأرضاه أن رجلاً كان يلزم باب عمر يسأله في حاجة, ثم ذهب هذا الرجل وقال: يا رب أسألك أن تغنيني عن عمر وعن آل عمر، فأغناه الله عز وجل فسأله عمر، فقال: ما بك انقطعت عنا؟ قال: أغناني الله عنك وعن آل عمر لأني دعوت بهذا، وهذا عمر يريد أن ينقطع عنه الناس, ويتصلون بالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لأن الخزائن في يديه، وكان عمر يحرك الناس إلى الله حتى نزل فرأى أعرابياً في السوق، قال: كيف أنت يا فلان؟ قال: الحمد لله، قال عمر: إياها أريد، يعني: أريد أنك تقول: الحمد لله. ومما يلحق هذا الجانب -أيها الإخوة- أن المحققين من أهل العلم يقولون: إن الأسباب لا تنافي التوكل, فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بارز في درعين وهو سيد المتوكلين, وأخذ بالأسباب وهو سيد المتوكلين عليه الصلاة والسلام، وعند الترمذي وغيره من أهل العلم كـالبيهقي وأبي نعيم: { أن أعرابياً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أترك ناقتي وأتوكل؟ أو اعقلها وأتوكل، قال عليه الصلاة والسلام: اعقلها وتوكل}.فأدِّ السبب واترك المسبب وهو الله عز وجل فإنه سوف يحكم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أمره، فلذلك على أهل الخير أن يعملوا بالأسباب ويتركوا المسبب سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يفعل ما يريد، فأنت عليك مثلاً: أن تذاكر إذا أردت أن تنجح، وعليك أن تعمل صالحاً إذا أردت الفوز في الآخرة.وعند أحمد في المسند أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {نصرت بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، ومن تشبه بقوم فهو منهم} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، قال أهل العلم: قوله عليه الصلاة والسلام: جعل رزقي تحت ظل رمحي: أي: أن الله جعل سبب رزقه بالجهاد في سبيل الله, وهو الفيء والغنائم، فالرسول صلى الله عليه وسلم زاول العمل وفعل ثم منحه الله عز وجل, لا أن معنى التوكل أن تقول: رزقي سوف يأتيني في بيتي. أنتم تعرفون القصة المشهورة -وهي ثابتة- أن عمر رضي الله عنه وأرضاه دخل المسجد فوجد شباباً يصلون ويسبحون في المسجد، فقال: ماذا تفعلون؟ قالوا: نعبد الله، قال: كلنا نعبد الله، قال: من يرزقكم؟ قالوا: الله -يُعلِّمون عمر أن الرازق هو الله- قال: أعلم أن الرازق هو الله، لكن من يطعمكم ويسقيكم؟ قالوا: جيران لنا، قال: جيرانكم خير منكم، انتظروني قليلاً، فانتظروه وأغلق عليهم المسجد, وأتى بدرته -بيض الله وجهه ووجهها- فدخل عليهم وبطحهم على ظهورهم وبطونهم ثم قال: [[اخرجوا فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، اخرجوا واعملوا]] فهو يدعو إلى أن تكون عندك مزاولة في الحياة ويكون لك مشاركة وتأثير، وتكسب المال ولا تصدق الدعوات المنحرفة التي تدعوك إلى الخمول والكسل, وتدعوك إلى ترك التأثير في العالم, وترك جمع المال كما يفعله الصالحون حتى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل اكسب واعمل واعبد الله عز وجل, والله عز وجل يتولاني وإياك.أيها الإخوة الكرام: صراحة لا أريد أن أستهلك المحاضرة في كلام, لأني ما أردت بهذا إلا أن أشير إليكم وأذكركم بكلمة "حسبنا الله ونعم الوكيل" ولعلنا نجدد في أسلوب المحاضرات, لا يلزم أن تكون المحاضرة كلها من المغرب إلى العشاء فيكون لها مقدمة وختام ولا نبقي للأسئلة وللمشاركة وقتاً:
الأسئلة

 لا بد أن نعرف القائل
السؤال: من هو القائل:كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرجُ الجواب: القائل هو ابن الرومي في قصيدة مشهورة يرثي أحد أبناء علي بن أبي طالب في عهد بني العباس في قصيدة رائعة من أجمل المراثي يقول فيها:أزيد العلا لهفي لذكراك لهفة يباشر مكواها الفؤاد فينضج متى تستعيد الأرض ثوب جمالها فتصبح في أثوابها تتبهرج عفاء على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج كدأب علي في المعارك كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرج سيصغي له من عالم الغيب ناصر ولله أوس آخرون وخزرج وهي من أروع ما قيل في الأدب العربي وهي من الرثاء الحق.أيها الإخوة الكرام: لا أطيل عليكم بل أطلب منكم الدعاء لدعاة الإسلام, وطلبة العلم, والعلماء بالنصر والتمكين في الأرض, وبالحماية والرعاية فإنهم بحاجة شديدة، وأطلب منكم ألا تنسوا السهام في آخر الليل فإن عندكم سهاماً لا تستخدم أحياناً، وهي أقوى من صواريخ اسكود، وهي الدعاء بظهر الغيب، قالوا متى؟ في الثلث الأخير من الليل، يعقوب عليه السلام قال لأبنائه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف:98] يقول أهل العلم: لماذا قال: سوف أستغفر لكم ربي؟! قالوا: حتى يتحرى وقت السحر. دخل أحد الناس على أحد الوزراء في بني العباس, وكان هذا الوزير ظالماً في عهد الخليفة القاهر وكان هو أيضاً ظالماً عنيداً يضرب الناس بالكفوف على وجوههم, لكن: كل بطاح من الناس له يوم بطوح فدخل أحد المساكين إلى هذا الوزير يريد أن يسأله مسألة فلطمه على وجهه، فقال ذاك الفقير: لأشكونك في الثلث الأخير إلى الله ثم ذهب، قال: افعل ما بدا لك -يتحدى- فجلس هذا الرجل في السحر في الثلث الأخير يوم يقول عليه الصلاة والسلام: {ينزل ربنا في الثلث الأخير إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له} فرفع كفيه إلى السماء، وقال: اللهم إنه لطمني هذا اليوم بيده اللهم اقطع يده، قال أهل العلم: والله ما مر أسبوع إلا وغضب عليه القاهر وقطع يده, وعلقت بـباب الطاق عند مدخل بغداد وكان يستقي هذا الوزير بشماله, وله مقطوعة جميلة, وأصبح يخط بشماله ويقال: رأوه يأخذ الدلو بشماله -أهانه الله تعالى يأخذ الدلو بشماله- فقالوا: إذا أراد أن يشرب وضع الحبل في فمه وهزه حتى يشرب من الدلو ويتوضأ.على كل حال إذا كان الجزاء في الدنيا فهو سهل, وإنما قصدي هذا أنه لا يفوتكم الثلث الأخير؛ لأن الدعاء فيه مستجاب حيث يتنزل الرب سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].وقف المسلمون على حدود كابول بجيش عرمرم ما يقارب مائة ألف, قائدهم: قتيبة بن مسلم فقال: التمسوا لي محمد بن واسع، -محمد بن واسع أزدي من جماعته- فذهبوا يلتمسونه فوجدوه قد اتكأ على الرمح ورفع إصبعه يدعو الله عز وجل وكان من سادات المحدثين, فعادوا إلى قتيبة فأخبروه، فبكى قتيبة قبل المعركة، وقال: والذي نفسي بيده، لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومائة ألف شاب طرير.وعن أبي الدرداء في الترمذي -وهو حديث صحيح- يقول عليه الصلاة والسلام: {إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم}.ووالله إنني كلما رأيت مع إخواني مسكيناً أو ضعيفاً تقربنا منه لأن دعاءه يفوق الألوف المؤلفة, لا تجلس إلا مع المساكين ولا تحب إلا الفقراء وحاول أن تجلس معهم, وحاول أن تقترب منهم وتجتمع بهم قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].أتى الفقراء يجلسون حول الرسول عليه الصلاة والسلام وأتى أبو جهل يريد أن يسمع القرآن وأبو لهب والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل أتوا وعليهم الحلل من الحرير والديباج، والفقراء مثل: ابن مسعود وعمار وصهيب وسلمان وبلال، فقالوا: يا محمد! إن كنت تريد أن نجلس معك فاطرد هؤلاء الموالي عنا، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطردهم, والرسول صلى الله عليه وسلم بشر ويجتهد فأنزل الله جبريل بقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52]. لا تبقى إلا معهم فالنصر معهم والتأييد والدعاء والحب والصلاح, ولكن ارفض الفجرة ولا تجلس معهم ولا تحبهم ولا تنتمي إليهم؛ لأن الله قطع الحبل بينه وبينهم, فلماذا نتحاب هل بيننا نسب؟! ليس بيننا نسب إلا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] هل بيننا سبب؟! ليس إلا سبب لا إله إلا الله، اللهم انفعنا بهذا النسب والسبب.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حسبنا الله ونعم الوكيل! للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net