اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بين يدي كتاب الله للشيخ : عائض القرني


بين يدي كتاب الله - (للشيخ : عائض القرني)
تعددت مناهج المفسرين، فاللغويون اهتموا باللغة، والقصاصون أكثروا من رواية الإسرائيليات، والمتكلمون شحنوا تفاسيرهم بمباحث كلامية فلسفية عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع.والباطنية من الصوفية والشيعة جاءوا بتحريفات عجيبة يضحك الجاهل والطفل الصغير من سخافتها، أما أهل السنة فإنهم يفسرون القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بما صح عن الصحابة والتابعين، وبما فهم من كلام العرب.
أهمية تفسير القرآن
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعــد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.يصل بنا الإمام البخاري -رحمه الله- هذه الليلة إلى قمة القمم، وإلى بيت القصيد، وإلى المعنى واللباب، إلى كتاب التفسير من صحيحه، ويوم نظرنا إلى كتاب التفسير لم نجد تفسير القرآن كاملاً في صحيحه، بل وجدنا أحاديث وتركت أكثر منها بعشرات المرات أضعافاً مضاعفة؛ لأنه يشترط في الحديث الصحة، فهو لا يأخذ إلا ما كان على شرطه، فرأيت أنه من السُعْدى ومن البركة والخير أن نبدأ بأول القرآن، وأن نعيش مع القرآن، وأن نحيا بالقرآن، وأن ننغمس في أنهار القرآن، وأن نتأدب بآداب القرآن، وأن نعيش سويعات في مثل هذه الليالي المباركة مع القرآن.إنني لسعيد جداً يوم أتل آيات الله المباركات على هذا الجمع المبارك النبيل الحافل، وأستمع ماذا قال فيها العلماء والمفسرون، وإنني أعلم أن من العلماء من يفسر، ولكن لكلٍّ مشرب ولكلٍّ مقصد، ومقصدنا جميعاً هو -إن شاء الله- ما يرضي ربنا تبارك وتعالى.والقرآن يا أمة القرآن ينبغي أن يأخذ كثيراً من دروسنا ومن اجتماعاتنا، ولقاءاتنا ومحاضراتنا وندواتنا. والقرآن يا أمة القرآن يفسر تفسيراً يفعله بعض العلماء، لا تفسيراً آخر.إن بعض الناس عندما يفسر القرآن يجعله كتاب صرف، أو كتاب نحو، أو كتاب لغة، فأخذ يعرب الآيات والكلمات حتى ذهبت طلاوة القرآن، وذهبت حلاوة القرآن!هذا الكتاب الخالد الذي أخرج الأمة الضائعة من الضلالة إلى الهدى، وبصرها وعلمها ورفع رأسها، هذا الكتاب هو كتاب العقيدة، هذا الكتاب هو كتاب العبادة، وكتاب الاقتصاد، وكتاب الأدب، واللغة، هذا الكتاب الذي أخرج الأمة من رعي الغنم إلى أن قلدها مفاتيح التاريخ، وأعطاها منبر الدنيا، وأركبها صهوة المجد، وقال: أنتِ الأمة المجيدة الرائدة.نريد أن نسمع القرآن في هذه الليالي، ونعيش مع القرآن إن شاء الله من الفاتحة إلى الناس، وسوف لا نطيل بخلافيات وصرفيات ونحويات، لكننا نورد القرآن بالقرآن، والحديث الذي يفسر القرآن واللغة العربية، ثم نصل إلى قضايا: منها قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] وقوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]. وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِين * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:192-195]. وقال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:1-8]. دعني ومدحي آيات له لمعت كلمع برق سرى ليلاً على علم أتى على سفر التوراة فانهزمت فلم يفدها زمان السبق والقدم ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم القرآن من قرأه أجر، ومن عمل به أجر، ومن تدبره أجر، القرآن يذهب عنك الوساوس والخطرات والهواجس. والقرآن يشفيك شفاءً ظاهراً وباطناً ويقودك إلى الجنة. والقرآن يعلمك الإيمان والحب والطموح. ولكن قبل أن نبدأ بسورة الفاتحة؛ أريد أن نأخذ الخمس والست والسبع آيات ونبدأ بقضايا كبرى عن القرآن:
 

مناهج التفسير في القرآن
ما هي مناهج التفسير في القرآن؟ وتتلخص مناهج المفسرين في أربعة مناهج: المنهج الأول: منهج الصوفية. المنهج الثاني: منهج الرافضة. المنهج الثالث: منهج المتكلفين المتنطعين. والمنهج الرابع: منهج أهل السنة والجماعة حشرنا الله في زمرتهم: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا ولا يستطيع الفاعلون كفعلهم وإن حاولوا في النائبات وأجملوا
 منهج أهل السنة في تفسير القرآن
أما تفسير أهل السنة، فرحم الله أهل السنة وجعلنا منهم، فهم يعتمدون في تفسيرهم على أربعة أسس:الأساس الأول: تفسير القرآن بالقرآن، فهم إذا رأوا آيات بحثوا لها عن مفسر من القرآن، ففسروا القرآن بالقرآن.الأساس الثاني: يفسرون القرآن بالسنة.الأساس الثالث: يفسرون القرآن بأقوال الصحابة كـابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب والخلفاء الراشدين، ثم بأقوال كبار التابعين كـ سعيد بن المسيب وقتادة والحسن البصري، وهؤلاء الكبار.الأساس الرابع: يفسرون القرآن باللغة العربية.
قضايا تتعلق بالتفسير
ثانياً: قبل أن نبدأ في سورة الفاتحة، نبدأ بقضايا في التفسير وهو الباب الثاني، وهنا أربع قضايا فانتبهوا لها:
 الاهتمام بالسنن الكونية
الأساس الرابع: القرآن مليء بالسنن الكونية، فقعد لك قاعدة وهي تصيب بلا شك،وهي قاعدة ثابتة ثبوت الجبل،بل أثبت من الجبل مثل: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] فهذه قاعدة، والعاقبة والنصر والفلاح دائماً للمتقين.قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21] فهذا يعلم به الناس أنه من ظلم لا يفلح أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، والتاريخ يصدق هذا بالاستقراء.منها قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52] من خان وظن أنه ينتصر على خصمه وزميله وقرينه فلا يهدي الله كيده ويكون هو المغلوب، فهي قاعدة.ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] المفسدون؛ لا يصلح الله عملهم ولو بهرجوا عملهم وغطوا عملهم بشيء من الكلام، لا يصلح الله عملهم أبداً.ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] من أحسن لا يضيع الله أجره لا في الدنيا ولا في الآخرة.من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس قيل: إن هذا البيت هو أحكم بيت قالته العرب، وهو للحطيئة، وأستطرد مع الحطيئة.مر من جبال بني تميم فلما وصل إلى ماء عليه الزبرقان بن بدر الأمير جالس -وهو تميمي- قال: أقرني (ضيفني). فما أقراه وما ضيفه ولا عشاه -ولسان الشاعر تقطع بشيء من المال حتى لا يتكلم- فأعطاه أخزى قصيدة في التاريخ، يقول للزبرقان:دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس فلما سمع الزبرقان هذه الأبيات قامت قيامته وذهب إلى العبقرية المتحدرة، إلى عمر بن الخطاب وشكا إليه الوضع، فمن يحكم عمر في المسألة؟ أيحكم زيد بن ثابت الفرضي؟ لا. فهو تخصصه فرائض: جدة وعمة وخالة، أيعطيها خالداً؟ لا. فهو تخصصه ضرب الرءوس. أيعطيها ابن عباس؟ لا. فـابن عباس مفسر. فدعا حسان بن ثابت -أعطى القوس باريها- فهو أديب الإسلام؛ فدعاه فقال له: هل ترى في هذا هجاءً؟ قال حسان ما هجاه ولكن سلح عليه. فأنزله عمر في حفرة من بئر فأخذ يبكي فيها ويقول: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر (يقصد أبناءه في اليمامة)ضيعت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر فلما وصلت عمر القصيدة دمعت عيناه، وكان رقيقاً رققه الإسلام، وقواه الإيمان، ورباه القرآن، فقال: علي به، اقطعوا لسانه. ولكن قطعوه بالمال واشترى أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم منه، ووقع على العقد ألاَّ يسب مسلماً؛ فلما مات عمر أخذ يتكئ في المجالس ويسب من أراد ويمدح من أراد، وأمره عند الله.والمقصود من هذا: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] قاعدة.
حالة القرآن مع الخلف
المسألة الثالثة قبل أن أبدأ بتفسير القرآن: حالة القرآن مع الخلف، بعض المناطقة الأغبياء يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم!أي: إن السلف دائماً لا يتكلمون في القضايا الحرجة، مثل الصفات، والغيبيات فقالوا: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم. قلنا لهم: بل طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، وطريقة الخلف أغشم وأظلم وأجرم. أما القرآن فإنه طالت به العهود إلى أن أصبح للرقى والتمائم، إذا صرع مصروع ودخلت عليه جانة بركوا على صدره وقرءوا عليه القرآن.. ولا بأس بقراءة القرآن، لكن القرآن لم ينزل للمجانين فحسب، بل نزل للعقلاء ليحكموه في حياتهم وفي اقتصادهم واجتماعهم وأخلاقهم وسلوكهم، لكن مرحلة القرآن بعد قرون أصبحت لهذا الأمر، إذا صرع مصروع بركوا على صدره وقرءوا عليه آية الكرسي.إذا أتى حفل ومناسبة ووليمة بدءوا بآيات من القرآن الكريم وكأنهم يقولون: هذا القرآن للحفلات والتمائم: يكتبون عليها آيات القرآن، والأهازيج والمواليد التي ما أنزل الله بها من سلطان. ويجتمع المتصوفة وتنكس رءوسهم بعد أن يأكلون القصع من العصيد:وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع فجعلوا القرآن لهذه الأمور.ثم جعل القرآن للتأكل به، فقد وجد صنف من الناس وقراء ما أخذوا طريق الراتب والمعاش إلا من القرآن، يريد أن يتعلم التجويد والقلقلة ليكون قارئاً في التلفاز وفي الراديو ليستلم راتباً!!سبحان الله! يتأكل بكلام الله! سلوكه وإيمانه ومعتقده في واد، والقرآن في واد آخر.رأينا حليقين عليهم من آثار البشاعة والخوف، ويصاب الإنسان برجفة إذا رآهم يقرءون القرآن ويتمتمون به فلا يصبح للقرآن طعماً ولا ذوقاً ولا أحاسيس؛ فهذا قرآن التأكل. والتأكل بالقرآن، للمسابقات وللجوائز، أنا لا أقول: حرام. لكن لا بد أن يكون مقصد الشاب الذي يتسابق وجه الله، ثم تأتي الجائزة فيما بعد، أما أن يسابق ليحفظ عشرة أجزاء لينال جائزة ثم ينسى العشرة ويأخذ الجائزة ولا يصلي ولا يعتبر بالقرآن، فهذا آثم يسحب على وجهه إلى النار -نعوذ بالله من النار-.فهذا القرآن أتى إلى تركيا فحولها إلى أمة إسلامية، فلما تركت القرآن في عهد أتاتورك وسجدت للعلم فسميت علمانية سلخ الإيمان والمهابة والقداسة من علم تركيا.أتى إلى باكستان فحولها إلى أمة إسلامية في عهد الفتوح، فلما تركت القرآن تحولت إلى أمة متخلفة.أتى إلى أمم كثيرة وكثيرة لا نذكرها في هذا المجال لأنكم تعرفونها، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.ونحن اليوم نشكو حالنا إلى الله، والقرآن يشكو إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى من وضعنا معه، فكثير منا لا يقرأ القرآن إلا يوم الجمعة إذا تيسر له ذلك، فيقرأ سورة الكهف وهو نعسان لا يدري لماذا أنزلت؟ فلا يعرف تفسير القرآن، وما أحيا بيته بالقرآن، ولا عاش مع القرآن، ولا تدَّبر القرآن، حصيلته من القرآن قليلة جداً، حتى سمعت من بعض الناس يحلف لزميله ويقول: والله ما قرأت القرآن ستة أشهر. ويلك من الله، وتحلف! إذا بليتم فاستتروا، ستة أشهر بلا حياة! ستة أشهر بلا نور! ستة أشهر بلا فهم! ستة أشهر في تخلف! والله لو جمعت كتب الدنيا وقرأتها ثم لم تقرأ في القرآن، كأنك ما قرأت شيئاً.حتى يقول العلماء لما رجعوا إلى القرآن وكثير من المفكرين لما تابوا ومن الناس الكبار كـسيد قطب وغيرهم قال: لما أتينا إلى القرآن كأننا ما قرأنا شيئاً. وبدأنا مع القرآن.يقولمحمد إقبال: أنا ثروتي وكنزي أن أقرأ القرآن بعد صلاة الفجر. موجود هذا في روائع إقبال لـأبي الحسن الندوي. ودخل محمد إقبال على ملك أفغانستان قبل أربعين سنة فقال لملك أفغانستان: أريدك في كلمة بيني وبينك؛ فأغلق عليه الباب هو وإياه، فأخرج محمد إقبال -شاعر باكستان الشاعر العالمي- المصحف وقال: "يا فلان، يا ملك أفغانستان! أوصيك بهذا القرآن ". فبكى ذلك الملك وقال: والله من كذا وكذا سنة ما أسمر إلا على القرآن.وأورد ابن كثير في ترجمة المتقي لله أحد الخلفاء العباسيين قال: "لما تولى الخلافة أخذ مصحفاً وقال لوزرائه والأمراء: اخرجوا عني، كفى بالقرآن سميراً".قال الشاطبي في الموافقات: "من أراد أن ينصح نفسه، فليأخذ القرآن سميراً وأنيساً له". وهذا خالد بن الوليد في آخر حياته أخذ المصحف وأخذ يقرأ طيلة النهار ويبكي ويقول: [[شغلني الجهاد عن القرآن]] لم يقل شغلني لعب الكرة أو الشهوات أو الروحات أو الزملاء بل قال: شغله الجهاد عن القرآن.وعثمان بن عفان في سيرته بسند صحيح أنه كان يقرأ القرآن من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر، فيقول له الصحابة: لو رفقت بنفسك. قال: [[لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن]].كتاب أنزل على الناس ليحيي قلوبهم فكان حظه الهجر، وهجر التدبر، والتلاوة، ونأخذ الآن مذكرات ألفها البشر أساتذة، ونسهر عليها الليالي الطويلة أيام الامتحانات، ونضع تحت كل كلمة قالها الأستاذ وهو ينعس، ونخرج الدر منها والياقوت والمرجان وليس فيها در ولا ياقوت ولا مرجان، ثم نأتي وقد صممناها صماً ثم ننساها نسياناً، ولو أعطينا القرآن ربع هذا الاهتمام أو عشر هذا الاهتمام لعشنا بالقرآن؛ وأنا أتكلم عن غالب الناس وأمثالي من الناس، فهذا هو موقف الخلف مع القرآن.
 الاهتمام بالسنن الكونية
الأساس الرابع: القرآن مليء بالسنن الكونية، فقعد لك قاعدة وهي تصيب بلا شك،وهي قاعدة ثابتة ثبوت الجبل،بل أثبت من الجبل مثل: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] فهذه قاعدة، والعاقبة والنصر والفلاح دائماً للمتقين.قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21] فهذا يعلم به الناس أنه من ظلم لا يفلح أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، والتاريخ يصدق هذا بالاستقراء.منها قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52] من خان وظن أنه ينتصر على خصمه وزميله وقرينه فلا يهدي الله كيده ويكون هو المغلوب، فهي قاعدة.ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] المفسدون؛ لا يصلح الله عملهم ولو بهرجوا عملهم وغطوا عملهم بشيء من الكلام، لا يصلح الله عملهم أبداً.ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] من أحسن لا يضيع الله أجره لا في الدنيا ولا في الآخرة.من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس قيل: إن هذا البيت هو أحكم بيت قالته العرب، وهو للحطيئة، وأستطرد مع الحطيئة.مر من جبال بني تميم فلما وصل إلى ماء عليه الزبرقان بن بدر الأمير جالس -وهو تميمي- قال: أقرني (ضيفني). فما أقراه وما ضيفه ولا عشاه -ولسان الشاعر تقطع بشيء من المال حتى لا يتكلم- فأعطاه أخزى قصيدة في التاريخ، يقول للزبرقان:دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس فلما سمع الزبرقان هذه الأبيات قامت قيامته وذهب إلى العبقرية المتحدرة، إلى عمر بن الخطاب وشكا إليه الوضع، فمن يحكم عمر في المسألة؟ أيحكم زيد بن ثابت الفرضي؟ لا. فهو تخصصه فرائض: جدة وعمة وخالة، أيعطيها خالداً؟ لا. فهو تخصصه ضرب الرءوس. أيعطيها ابن عباس؟ لا. فـابن عباس مفسر. فدعا حسان بن ثابت -أعطى القوس باريها- فهو أديب الإسلام؛ فدعاه فقال له: هل ترى في هذا هجاءً؟ قال حسان ما هجاه ولكن سلح عليه. فأنزله عمر في حفرة من بئر فأخذ يبكي فيها ويقول: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر (يقصد أبناءه في اليمامة)ضيعت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر فلما وصلت عمر القصيدة دمعت عيناه، وكان رقيقاً رققه الإسلام، وقواه الإيمان، ورباه القرآن، فقال: علي به، اقطعوا لسانه. ولكن قطعوه بالمال واشترى أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم منه، ووقع على العقد ألاَّ يسب مسلماً؛ فلما مات عمر أخذ يتكئ في المجالس ويسب من أراد ويمدح من أراد، وأمره عند الله.والمقصود من هذا: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] قاعدة.
القرآن يهدي للتي هي أقوم
القضية الرابعة: يقول الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].قال أهل العلم: "أقوم في العقيدة، وأقوم في العبادة، وأقوم في السلوك والأدب، وأقوم في الاقتصاد فكل خير هو في القرآن، والقرآن متكامل ودستور حياة، فمن اعتقد بأنه سوف يهتدي بغيره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
 الاهتمام بالسنن الكونية
الأساس الرابع: القرآن مليء بالسنن الكونية، فقعد لك قاعدة وهي تصيب بلا شك،وهي قاعدة ثابتة ثبوت الجبل،بل أثبت من الجبل مثل: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] فهذه قاعدة، والعاقبة والنصر والفلاح دائماً للمتقين.قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21] فهذا يعلم به الناس أنه من ظلم لا يفلح أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، والتاريخ يصدق هذا بالاستقراء.منها قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52] من خان وظن أنه ينتصر على خصمه وزميله وقرينه فلا يهدي الله كيده ويكون هو المغلوب، فهي قاعدة.ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] المفسدون؛ لا يصلح الله عملهم ولو بهرجوا عملهم وغطوا عملهم بشيء من الكلام، لا يصلح الله عملهم أبداً.ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] من أحسن لا يضيع الله أجره لا في الدنيا ولا في الآخرة.من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس قيل: إن هذا البيت هو أحكم بيت قالته العرب، وهو للحطيئة، وأستطرد مع الحطيئة.مر من جبال بني تميم فلما وصل إلى ماء عليه الزبرقان بن بدر الأمير جالس -وهو تميمي- قال: أقرني (ضيفني). فما أقراه وما ضيفه ولا عشاه -ولسان الشاعر تقطع بشيء من المال حتى لا يتكلم- فأعطاه أخزى قصيدة في التاريخ، يقول للزبرقان:دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس فلما سمع الزبرقان هذه الأبيات قامت قيامته وذهب إلى العبقرية المتحدرة، إلى عمر بن الخطاب وشكا إليه الوضع، فمن يحكم عمر في المسألة؟ أيحكم زيد بن ثابت الفرضي؟ لا. فهو تخصصه فرائض: جدة وعمة وخالة، أيعطيها خالداً؟ لا. فهو تخصصه ضرب الرءوس. أيعطيها ابن عباس؟ لا. فـابن عباس مفسر. فدعا حسان بن ثابت -أعطى القوس باريها- فهو أديب الإسلام؛ فدعاه فقال له: هل ترى في هذا هجاءً؟ قال حسان ما هجاه ولكن سلح عليه. فأنزله عمر في حفرة من بئر فأخذ يبكي فيها ويقول: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر (يقصد أبناءه في اليمامة)ضيعت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر فلما وصلت عمر القصيدة دمعت عيناه، وكان رقيقاً رققه الإسلام، وقواه الإيمان، ورباه القرآن، فقال: علي به، اقطعوا لسانه. ولكن قطعوه بالمال واشترى أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم منه، ووقع على العقد ألاَّ يسب مسلماً؛ فلما مات عمر أخذ يتكئ في المجالس ويسب من أراد ويمدح من أراد، وأمره عند الله.والمقصود من هذا: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] قاعدة.
افتتاح سورة الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم، ونبدأ بسورة الفاتحة.سورة الفاتحة الكافية تكفي عن غيرها ولا يكفي غيرها عنها.سورة الفاتحة شافية تشفي من الأمراض والهواجس والخطرات.سورة الفاتحة راقية يسترقى بها من الأوجاع والأمراض ومرض الصرع والجنون.سورة الفاتحة أم الكتاب فهي تقود الكتاب وهي ملخص القرآن.سورة الفاتحة السبع المثاني، ثني فيها القرآن.سورة الفاتحة موجزة للقرآن في سبع آيات.ولذلك ذكر ابن القيم في مدارج السالكين عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه كان إذا صلى الفجر مكث في مجلسه يقرأ الفاتحة ويرددها حتى طلوع الشمس أو ارتفاع النهار. قالوا: "ما لك إلا الفاتحة؟"قال: "إن الله أنزل أربعة كتب: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن فجمعها في المفصل وجمع المفصل في الفاتحة، وجمع حكمتها في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ".ابن تيمية تجده بدأ من القرآن فجدد في المعتقد وفي الأدب والسلوك والأخلاق، ولذلك لما دخل الإسكندرية اجتمع أهل الإسكندرية لقتله، لماذا؟ لأن أكثرهم مبتدعة، وأشاعرة وصوفية، ومتخلفة، يريدون قتله. فقال له أحد زملائه: يـ ابن تيمية امكث في هذا المسجد ولا تخرج. قال: ولم؟ قال: هؤلاء جميعاً يريدون قتلك؛ فتبسم ثم نفخ في يده -هذا في سيرة ابن عبد الهادي - وقال: "والله ما يعادلون عندي ذباباً كلهم..!" فدخل المسجد فاجتمع عليه الناس فلما رآهم قام بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب يشرح: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يتهدر كالسيل.فمدرسة ابن تيمية مدرسة القرآن، ولذلك كان يعيش مع الفاتحة من الصباح إلى ارتفاع النهار، فأنا أوصي نفسي وإياكم بترديد الفاتحة، وبالعيش مع الفاتحة.إن كثيراً من الهموم والغموم والاكتئاب والمرض النفسي ما كان ينبغي له أن يوجد في بلاد الإسلام، وهذا الاكتئاب والقلق والمرض عند الخواجات، ونحن نشافي الناس بكتاب الله، فنحن نعالج الناس، ونصدر لهم ولا نستورد.ولذلك وجد في شباب الإسلام من ذهب إلى مستشفيات الغرب يقولون: مصروع، مجنون، عنده اكتئاب.فعندك القرآن والدواء فلا تطلبه من غيرك لأنك أنت صاحب الدواء وتوزعه على الناس.
 حكم الرقية بالفاتحة
أما كيف يرقى بالفاتحة فأعظم رقية يرقى بها المريض الوجع المصروع الذي أصابه جان، وكثير من الناس ينكرون هذه الرقى على مذهب محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وهؤلاء ينكرون الغيبيات كثيراً، وهذا ليس بصحيح، بل يرقى بالقرآن، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد قال: ذهبنا في البادية -أي: فرقة من الصحابة- فلدغ رجل من الأعراب -رجل بدوي لدغته عقرب أو حية، وعند العرب إذا لدغ الرجل سموه سليماً تفاؤلاً- يقول الأعشى في قصيدته الدالية التي يمدح بها الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن ما وصل بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد رشاه أبو سفيان في الطريق بمائة ناقة، فعاد فوقع من على ناقته في درب قريباً من الرياض، فانكسرت عنقه فذهبت مائة ناقة ولا أسلم ولا نجا ولا كفى.يقول: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم مسهدا يقول: إنني بت في الليل لا أنام، شوقاً إلى المصطفي في المدينة صلى الله عليه وسلم.ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم مسهدا ثم يقول وقد بز الشعراء ببيتين حسنين جميلين ظريفين يقول:إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا لكنه ما أسلم، فالشاهد أن السليم عند العرب هو الملدوغ، وقالوا له: سليماً تفاؤلاً، وقالوا للأعمى: بصير وهو أعمى، فسموه بصيراً تفاؤلاً، وقالوا للذي بعين: أبو عين كريمة. وهذا أحسنوا فيه، وبعض الناس عنده من الذكاء ما يخرج الموقف، إذا أحرج في المجلس يأتي بكلام طيب.دخل ابن هرثمة وهو أحد القواد العباسيين الكبار -وقيل غيره- في مجلس أبي جعفر المنصور، وأبو جعفر زوجته اسمها الخيزران، وبيد القائد خيزران وعنده الوزراء والأمراء، فقال أبو جعفر المنصور للقائد: ما بيدك؟ فإن قال: الخيزران تذكر أن امرأته في البيت اسمها الخيزران، فقال: يا أمير المؤمنين! هذه عصا تؤخذ من الشجر الذي يصنع منه الرماح؛ فأعطاه جائزة. واسم هذا الشجر الخطي، وذكر زهير بن أبي سلمى يقول: وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في مغارسها النخل فلذكائه قال هذا.فلدغ هذا الرجل فأتى أبو سعيد -وقيل: غيره- فرقى الرجل -هذه القبيلة للؤمها وقلة حيائها من الله أبوا أن يضيفوهم.بعض القبائل تحطم الرقم القياسي في البخل، تصلي معهم في المسجد فيتركون تسبيح ثلاثة وثلاثين ويذهبون وأنت تسبح ثلاثة وثلاثين..! لأنهم رأوك غريباً في المسجد، ولهم فنون في ذلك، وربما يتحالفون على الضيف حتى يتركوه، يحلف هذا أنك لا تأخذه ويحلف هذا أنك لا تأخذه فيبقى واقفاً، وتركوك قائماً.فالصحابة ذهبوا إلى القبيلة هذه فطلبوا منها القرى فرفضوا، فلدغ شيخهم فأخذ يتعقرص ويتعقرب في البيت فقالوا: هل منكم قارئ يقرأ عليه؟ قال: والله الذي لا إله هو لا أقرأ عليه إلا بثلاثين شاة. وهذا بطل، أحرموهم عشاء شاة فأخذ عليه تسعاً وعشرين شاة.فقالوا: اقرأ عليه ونعطيك؛ فبرك على صدره وقرأ عليه الفاتحة فاستفاق بإذن الله، فأعطوه ثلاثين شاة. قال الصحابة بعضهم لبعض: لا تذبحوها حتى نسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فسألوه قال: {كلوا واضربوا لي معكم بسهم، وقال للقارئ: من أخبرك أنها رقية؟} -أي: أنه أصاب فإنها رقية تقرأ على المصروع فيشافى بإذن الله ويخرج الجان المتلبس في المصروع وإلا كيف تتكلم امرأة على لسان رجل؟ فهذا لا ينكر عقلاً ولا حساً قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] وقال تعالى: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام:128] والرسول صلى الله عليه وسلم رقى صريعاً كما في صحيح مسلم وأخرج الجان وقال: {اخسأ عدو الله أنا رسول الله} فهذه مسألة.
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
قراءة الفاتحة في الصلاة تحتها مسائل منها:
 حكم قراءة المأموم للفاتحة
لكن القضية الكبرى التي يُنتبه لها هل يقرأها المأموم والإمام أم يقرأها الإمام فقط أم يقرأها المأموم في السرية دون الجهرية أم ماذا؟الأقوال في هذه المسألة ثلاثة أقوال وسوف أرجح الراجح بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى:القول الأول: يقرأها الإمام والمأموم في السرية والجهرية لعموم الأحاديث السابقة.القول الثاني: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة بالكلية لا في السرية ولا في الجهرية. قلنا: وما دليلكم؟ قالوا: ما رواه أحمد والدارقطني عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له} وهذا القول الثاني للأحناف. قالوا: إذا قرأ الإمام فلا تقرأ أنت لا في السرية ولا في الجهرية، أي: تقف في الظهر نصف ساعة في الركعة الأولى وأنت صامت، أي: تعدد البطن، ويكفيك ألاَّ تتلفت بشيء، لا تستغفر ولا تسبح ولا تقرأ شيئاً من القرآن، لكن لا يجوز لك أن تقرأ قصيدة عصماء. قلنا: وما الدليل؟ قالوا: {من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له}.قلنا: الحديث ضعيف والحمد لله رب العالمين، وهذا الحديث من جميع طرقه لا يصح أبداً، وهو ضعيف لا ينجبر.القول الثالث: تجب على المأموم في السرية ولا تجب في الجهرية لما روى مسلم عن أبي موسى الأشعري: {إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا}.يقولون: القول الثالث: يقرأها الإمام في السرية ولا يقرأها في الجهرية.التحقيق والترجيح: القول الراجح أن على المأموم أن يقرأها في السرية والجهرية وراء الإمام، ولا يزيد على الفاتحة في الجهرية، وأما في السرية فليزد ما تيسر؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب}.. {وصلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج خداج خداج} وقوله: {لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن} فعلى المأموم أن يقرأها في السرية والجهرية ولا يزد في الجهرية على الفاتحة، وهذا رأي الجمهور.وابن تيمية يرى خلاف ذلك فيقول: لا تقرأ في الجهرية ويستدل على ذلك من قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] وهذا فيه دليل عموم، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ فلابد لك من قراءتها في الصلاة السرية والجهرية وراء الإمام ووحدك؛ لأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة القرآن.فهذا ملخص في قضايا ولا نستطرد لأنها قضايا فقهية. ولكننا ندخل إن شاء الله إلى الاستعاذة؛ لأننا قد نقف على الاستعاذة في هذه الليلة ثم نبدأ فنأخذ الفاتحة في درس آخر إن شاء الله ونبدأ بالقرآن بما تيسر.
أحكام الاستعاذة
الاستعاذة فيها مسائل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيموهذا شرف للأمة أن علمها الله كيف تستعيذ من الشيطان الرجيم. وفيها مسائل:
 فضل الاستعاذة
المسألة الرابعة: فضل التعوذ، ورد التعوذ في أمور، وفضل صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ العبد عند الغضب، فعن سليمان بن صرد قال: {استب رجلان عند الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام جالس في المجلس، الأول يسب الآخر ويتكلم عليه فغضب ذاك غضباً عظيماً حتى احمرت أوداجه فقال عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، فقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ما هي؟ قال: لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد، فقاموا فقالوا للرجل، فقال: لست بمجنون}. انظر إلى الكبر قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة:89] وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ [البقرة:206].قيل له: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال: لست مجنوناً والحمد لله. أنت أكبر مجنون!! ما دام أنك تكلمت بهذا السباب والشتائم والجرائم فأنت مجنون. فقال: لست مجنوناً. فمن غضب فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن أصابته غفلة ورانت على ذهنه، والغفلة: تأتيك دائماً وأبداً على مر الساعات وأنت في مكتبك، وفصلك، وأنت في طريقك، وسيارتك تمر بك الغفلة قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:24] فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا أتاك مرض الشهوة فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.ومن فضلها: ما رواه مسلم عن عثمان بن أبي العاص وعثمان بن أبي العاص شاب ثقفي، لكنه من شباب الإيمان والحب والطموح، شاب صغير لكنه تعلم القرآن حتى حفظ الكثير منه، ثم أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام -وهذا في سنن أبي داود بسند جيد- قال: {يا رسول الله! اجعلني إمام قومي} هذا لا يطلب وظيفة من أجل الراتب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يمني الناس بالرواتب والمعاشات، بل كان أجرهم ومثوبتهم على الله، تقول له بعض القبائل العربية: {إذا ملكت الدنيا أشركتنا في الملك؟ قال: لا. الأرض لله يورثها من يشاء}.يأتيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم فقراء يريدون شيئاً فيقول: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133].فقال هذا الرجل: {يا رسول الله! اجعلني إمام قومي}. وهذا فيه دليل على طلب الإمامة، لا كما يفعل بعض طلبة العلم والدعاة سامحهم الله، يوم يتأخرون عن الإمامة ويقول: لا أريد أن أحرج نفسي، لو صليت بهم المغرب أحرجوني وورطوني في صلاة العشاء. فهل الإمامة ورطة؟! هل تتورط أن تكون واجهة: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة ولا عماد إذا لم تبن أوتادُ فتخجل وتتورط أن تكون داعية وأن يدعى لك بالخير، وأن يترحم عليك، وأن يترضى عليك..! إن هذا من الإحباط والانهزامية والفشل.وهذا موجود أن بعضهم لا يريد الإمامة، ويقول: خطبة الجمعة لا أريد.. أنا محرج.. عندي من الأعمال ما يكفيني. فعملك أن تكون إماماً وداعيةً، وأعمالك الأخرى لا تساوي فلساً واحداً.فقال: اجعلني إمام قومي، قال: {أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم} وهذا فيه درس على أن من قام يصلي في الناس فلينظر في المسجد هل يرى شيوخاً كباراً، وهل يرى مرضى، وهل يرى أطفالاً، فليكن حكيماً لبيباً فقيهاً. وبعض الناس إذا دخل في الصلاة نسي كل شيء وطول الصلاة وهو ربما يوسوس ويبيع ويشتري في السوق، ويطول على الناس حتى يتضجرون من الجماعة والصلاة، وهذا تعذيب للناس: {أفتان أنت يا معاذ؟}.وبعضهم يسلقها سلقاً كسلق البيض: الله أكبر، الله أكبر، سمع الله لمن حمده، فالناس معه كأنهم شغالين من الصباح إلى المساء..! وكأنهم في تمارين سويدية..! وترى لفيحهم فقط من السرعة والعجلة، وسقطت ساعاتهم وأقلامهم وكتبهم من جيوبهم! والأمر لله عز وجل؛ فيسلمون والفحمى قد قطت ظهورهم..!! فهذه صلاة لا تقبل. والصلاة التي تقبل أن تستكمل ركوعها وخشوعها وخضوعها، قال: {أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً}.لكن ما هو الشاهد هنا؟ الشاهد أن عثمان قام بعد الصلاة فشكى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {يا رسول الله! شيطان لبس علي صلاتي} لأن بعض الناس إذا وسوس وسوس، ما يدري أهو في المسجد أو في مكان آخر، ذهب عقله ولبه فلا يدري أين هو. ويقولون: الشيطان لا يأتي بقوة إلا في الصلاة.وعلى ذكر ذلك يقولون: إن جحا رأى غمامة في السماء فحفر حفرة في الصحراء ووضع ماله تحت الغمامة؛ وأتى وإذا الغمامة في واد وماله في واد. وذكر هذا عباس محمود العقاد لكن هذا من حديث عجائز نيسابور.لكن أذكر أن أبا حنيفة جاءه رجل فقال: ما علمت أين وضعت مالي. قال: قم صل فإن الشيطان سوف يخبرك. فتوضأ الرجل، فلما قال: الله أكبر، أتى الشيطان وقال: وضعت مالك في مكان كذا وكذا. فذهب وترك الصلاة وليته أكمل..!فيقول: {يا رسول الله! أشكو إليك شيطاناً لبس علي صلاتي لا أدري ماذا أقول. قال: ذاك شيطان يقال له خنزب. فإذا أحسسته فاستعذ بالله وانفث عن يسارك ثلاثاً} وهذا في صحيح مسلم. الآن قد يقول البعض: لو ذهبنا ننفث ونفثت الجماعة كلهم لأصبح المسجد نفيثاً وأصبح شهيقاً وزفيراً..! فهل هذا وارد؟ وهذا قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لمن كانت حالته كحالة هذا الرجل، أي أنه لبس عليه الصلاة ولا يدري هل قرأ الفاتحة أم لا.أما الشرود فهو حاصل عند الجميع فلا تنفث فيه، لكن إنسان لا يدري هل قرأ الفاتحة؟! هل هو في الركعة الأولى؟! هل هو في صلاة الظهر؟! شرد ذهنه تماماً؛ فعليه فنقول: ينفث عن يسراه ثلاثاً ويستعيذ بالله من الشيطان، والحديث في مسلم وإذا أصبح الحديث في مسلم فخذه أيها المسلم.. فهذا أمر.
شرح معنى الاستعاذة
الاستعاذة: لدينا ثلاث كلمات: أعوذ، والشيطان، والرجيم. وسوف يرد معنا لفظ "الله" وما أعظم لفظ "الله"! وما أجل الله! وما أكبر الله!يقولون: إن سيبويه النحوي الفاره العبقري، الذي ألف الكتاب في النحو من خيوط الحرير، خيوط الهوى، أتى إلى أمة عربية فمنحه الله عقلاً مدركاً، فألف الكتاب، وهذا الكتاب يقولون عنه: من قرأه وفهمه فهو عالم.ويقولون: لما توفي رآه العلماء في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قالوا: بماذا؟ قال: لأني كتبت في باب المعرفة: الله أعرف المعارف؛ فغفر الله لي.أتى سيبويه إلى الكتاب، وانظر إلى الإيمان والحب والطموح، فهو أتى يؤلف وليس كبعض الناس إذا أتى يؤلف قصيدة نسي الله، وانخلع تماماً من الإسلام، وأصبح كأنه قطعة وثن، أو كأنه زنديق عميل ضد الإسلام وهو في بلاد الإسلام، يطعن الدين بقصيدة، ويتكلم في رب السماوات والأرض.. قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95].والآن الذي يقرأ كتاب الأعلام للزركلي ويرى الشخصيات هؤلاء وكيف ماتوا، ويرى ما تركوا من تراث، وتقرأ لبعضهم قصائد إلحادية، وتتفكر في أصحابها وقد ذهبوا إلى علام الغيوب، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94].فالمقصود أن سيبويه لما رأوه في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قالوا: بماذا؟ قال: قلت في باب المعرفة "الله أعرف المعارف". فهو لم يقل: الله لفظ الجلالة مشتق من أله يألهه إذا تحير أو أحب، فقال: الله أعرف المعارف. فالله تعرف إلى الناس بنعمه، حتى يقول بعض الفلاسفة: يستدل بوجود الله عز وجل على وجود الكائنات، ولا يستدل بالكائنات على وجود الله. وهذا أمر ليس بصحيح، ولكن لمبالغته في الإثبات قال هذا الكلام، فيستدل بآياته ومخلوقاته على وجوده سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وعلى ملكه وصنعته وحكمته ولطفه وجماله وجلاله.قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا والنحل قل للنحل يا طير البوادي من الذي بالشهد قد حلاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا يعيش بقدرة اللهفالحمد لله الكريم لذاته حمداً وليس لواحد إلاكا وأبو نواس شاعر الخمريات، ذهب وأمره إلى الله في يوم العرض الأكبر، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] والله يزن الناس بالحسنات والسيئات، قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].أبو نواس هذا توفي؛ فرئي -كما يقول ابن كثير - في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقصيدتي في النرجسة. النرجسة: زهرة وصفها وردها إلى قدرة الباري تبارك وتعالى.ولذلك يقول سيد قطب: لا يلزم الأديب والشاعر والقصصي أن يمدح الإسلام دائماً، لا.ولكن صف الليل ورده إلى الواحد الأحد، صف الزهرة والبستان والحديقة، والماء النمير، والجدول الغدير، ولكن ردها إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.صف النجوم والخمائل، صف الفيافي والصحراء، صف البيداء، تكلم في كل شيء، لكن كن مؤمناً، ولا تتخلى عن إيمانك.فماذا؟ ماذا قال في النرجسة؟ يقول أبو نواس:تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك وهذا من أحسن ما قيل!
 معنى "الرجيم"
الرجيم: الرجم هو القتل واللعن والطرد والشتم، فرجم فلاناً بكلمة، أي: شتمه، ورجمه بحجر، أي: رماه وقذفه بحجر، رجمه فقتله، أي: قتله، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن قوم نوح: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116] أي: من المقذوفين أو من المقتولين بالحجارة.وقال أبو إبراهيم لابنه: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم:46] فهذا الرجيم. والرجيم هنا معناه: المطرود الملعون، فهو مطرود من رحمة الله فلا تدركه رحمة الله. وقيل: مشتوم من الناس فالناس يشتمونه، وقيل: مقتول بالأعمال والصالحات؛ فإن العبد إذا سجد تنحى إبليس وبكى وقال: يا ويلتاه! أمر بالسجود فسجد وأمرت بالسجود فعصيت. ولا رئي الشيطان -كما في الصحيح- يوماً أغيظ ولا أدحر ولا أبعد من يوم عرفة لاجتماع الناس.والشيطان يغيظه أمور أربعة: منها قيام الناس في الصفوف وقت الصلاة، إذا قاموا في الصلاة صفوفاً فهو أغيظ للشيطان من كل شيء، ولذلك الذين ينادون بجواز الجماعة في البيوت، وأن جَوز هؤلاء الصلاة في البيوت فهم يرضون الشيطان ويغضبون الرحمن. ومما يغيظ الشيطان قيام المجاهدين صفوفاً في سبيل الله، إذا شهروا السيوف وأشرعوا الرماح وأراشوا الأسهم واستقبلوا وجه الله عز وجل فهذا يغيظه غيظاً كبيراً.ويغيظ الشيطان إذا جلست مع المصحف وقرأت وذكرت الله. ويغيظه دروس العلم ومجالس الخير وحلق الذكر فيموت غيظاً، أغاظه الله ولعنه وشرده.وموقفك من الشيطان أن تستعيذ، واللعن وارد لكنك لست دائماً مضطر لأن تلعن.وكثير من الناس إذا غضب في المجلس، قال: لعن الله الشيطان!وهذا صحيح لكن قل: أعوذ بالله من الشيطان؛ لأنه يتكبر إذا لعنته حتى يصبح كالجبل، وهو ملعون، لكن من السنة أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا نسيت شيئاً قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقول كلمة غير صحيحة قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فالسائد بيننا والواجب أن نكرر دائماً أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنه يتكبر من اللعن والشتم.و"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ليست بآية من القرآن، ويجوز قراءتها في الصلاة قبل القراءة سراً ولا يجهر بها بالإجماع، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بعد الاستفتاح.وسوف نصل إلى البسملة فيما يأتى -إن شاء الله- وما قرب، ونواصل -إن شاء الله- في التفسير لأن البخاري وصل إلى كتاب التفسير، واستفتح صحيحه بحديث أبي سعيد بن المعلى، قال: {كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فدعاني وأنا أصلي فلم أنصرف إليه، فلما انتهيت قال: لماذا لم تجبني؟ أما يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] لأعلمنك أعظم سورة من القرآن قبل أن أخرج، فأخذ بيدي فلما أردت أن أخرج، قال: هي الحمد لله رب العالمين}.وهذا الحديث أورده البخاري، ولكن صحيح البخاري وحده لا يكفي في التفسير؛ لأنه لم يختر إلا نبذاً وشذرات وثمرات من الأحاديث الصحيحة، فلابد من التفسير، ومن كان له وجهة نظر أو نصيحة أو إرشاد إلى طريقة التفسير؛ لنعيش مع القرآن ونحلق مع القرآن وليكن كتابنا وسميرنا وأنيسنا القرآن.وأدعوكم ونفسي من هذه اللحظة إلى العودة إلى المصحف، فيكون معك في كل مكان أنيسك وسميرك، لاتدخل وتجلس في بيتك إلا وقد قرأت آيات، ولا تقم في الصباح بعد الفجر إلا وقد فتحت مصحفك، وتتدبر منه وتعود إليه، وتأخذ حروزك من القرآن وأذكارك وأدعيتك الصباحية والمسائية.وانظر إلى الجمال في القرآن، فإن القرآن عجيب جد عجيب لمن تذوقه، وقبل أن تقرأ القرآن عليك بأمور ذكرها النووي في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن منها:أن تتوضأ وتكون طاهراً، وأن تتساك، وتتطيب، وأن تستقبل القبلة ولم أعلم في ذلك حديثاً، وأن تتدبر ما تقول، وأن تقرأه بتمهل وترسل، ثم تعيش مع القرآن فإنك سوف تجد الجمال والروعة والإبداع.آنس الله قلبي وقلوبكم بالقرآن، وهدانا الله بالقرآن، ووفقنا الله بالقرآن، وفتح الله علينا بالقرآن، وأرشدنا الله سواء السبيل بالقرآن، وعصمنا الله من الذنوب والخطايا بالقرآن، وشرح الله صدورنا بالقرآن، وجعل الله طريقنا إلى الجنة بالقرآن. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن أقام حدود القرآن وحفظ حروفه، اللهم اجعلنا ممن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه، ويكل ما لا يعلم إلى عالمه.اللهم اجعلنا ممن قاده القرآن إلى الجنة، ولا تجعلنا ممن أخذه القرآن فقذفه في النار.اللهم اجعلنا من حملة القرآن العاملين بالقرآن، التالين للقرآن، المصدقين للقرآن، المنفذين لأحكام القرآن، اشرح به صدورنا، وأذهب به همومنا وأحزاننا، ووفقنا به لكل خير.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بين يدي كتاب الله للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net