اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ساعة الاحتضار للشيخ : عائض القرني


ساعة الاحتضار - (للشيخ : عائض القرني)
ساعة الاحتضار ساعة رهيبة، ولحظات حاسمة، يعرف الإنسان ما مصيره! ذاقها الصالحون والطالحون، العباد والفجار.. لكن شتان بن مشرق ومغرب!!وفي هذا الدرس تحدث الشيخ عن وصف الموت من القرآن والسنة وعلى ألسنة الحاضرين، وأحوال الناس عند الموت، مؤمنهم وفاجرهم، وختم بذكر كيفية الاستعداد له.
وصف الموت على ألسنة المحتضرين
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً, وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً, وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً, وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً, الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, أشرف من استظل بالسماء، وأكرم الكرماء، وأنبل من شرب الماء, وأنور من سار في الظلماء, وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:-فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..أشكركم على اجتماعكم, وأشكر أهل الفضل على فضلهم، وعلى رأسهم القائمين على هذا الجامع, والداعين لهذه المحاضرة, وإني لأعرف أن في هذا المكان من أهل العلم والفضل من هو أعلم مني وأفضل, ولكن إنما هي ذكرى وقد درج السلف الصالح على التذاكر, وأخذ الفائدة من المفضول, وما قصة الهدهد منا ببعيد, فإنه أتى إلى سليمان عليه السلام، فقال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ [النمل:22] فخضع له، واستفاد منه، واستمع له.ساعة الاحتضار في حياة السلف, هي ساعاتنا التي سوف نمر بها, ما منا إلا ميت, وما منا إلا محتضر, وما منا إلا قادم على تلك الساعة, والله لنذوقنها, ووالله لنشربنها, فقد ذاقها الملوك والمملوكون, والرؤساء والمرءوسون, والأغنياء والفقراء, ذاقتها الأمم جميعاً, وأحسوا بالموت: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم:98].وموضوعي هذا يدور على ثلاثة عناصر:1- القرآن يتحدث عن الموت.2- ذكر الموت في السنة المطهرة.3- الموت عند السلف الصالح وعند المعرضين الغافلين.
 أبو الدرداء يصف الموت
وفي كتاب: وصايا العلماء عند الموت أن أبا الدرداء لما حضرته الوفاة، قال: [[هل من عامل لمثل هذه الصرعة؟ هل من عامل لمثل مصرع الموت؟ هل من عامل لمثل هذه الضجعة؟]] أو كما ما قال.
القرآن يتحدث عن الموت
ولقد ذكَّرنا الله بالموت كثيراً في القرآن فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] وقال سبحانه: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:61-62] وقال سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:16-22].والله لقد غفل كثير من الناس وأصابهم السكار فما استفاقوا إلا في ساعة الموت, وعند الترمذي بسند حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) وفي رواية: (فما ذكر في قليل إلا كثَّره، ولا في كثير إلا قلله) وهادم اللذات هو الموت, وهو مفكك الجماعات، وآخذ البنين والبنات, الذي أتى بالأجيال فصرعهم في الحفر المظلمات.أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما مضى معتبر تروح وتغدو بنات الثرى فتمحو محاسن تلك الصور قال ابن كثير في البداية والنهاية: مر عمر بن عبد العزيز على المقابر، فقال: يا موت! ماذا فعلت بالأحبة؟ أين الأحباب؟ أين الأصدقاء؟ أين الإخوان؟ أين الأجداد؟ أين السمار؟يا موت! ماذا فعلت بالأحبة؟ فلم يجبه الموت, قال وهو يبكي: أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: أكلت الحدقتين, وأتلفت العينين, وفصلت الكفين عن الساعدين, والساعدين عن العضدين, والعضدين عن الكتفين, ولو نجا من الموت أحد لنجا منه محمد صلى الله عليه وسلم, قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].
 أبو الدرداء يصف الموت
وفي كتاب: وصايا العلماء عند الموت أن أبا الدرداء لما حضرته الوفاة، قال: [[هل من عامل لمثل هذه الصرعة؟ هل من عامل لمثل مصرع الموت؟ هل من عامل لمثل هذه الضجعة؟]] أو كما ما قال.
ذكر الموت في السنة المطهرة

 استشهاد عمر بن الخطاب
ولما حضرت الوفاة عمر بن الخطاب برزت العظمة الحقيقة لـعمر وأنتم تعرفون ما هي وفاة عمر، فالصحابة ما بين صدِّيق, أو شهيد.من تلق منهم تقل لا قيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري ما أكثر من يموت من المترفين، يموت حبطاً وتخمة, شهيد الطعام والأكلات، وما أدراك ما الأكلات والمرطبات والمشهيات؟! فعندما يموت يقال فيه: كان رجلاً صالحاً أبلى بلاءً حسناً، فتح الفتوح، كان درة الزمن ووحيد العصر، على ماذا؟!!إن السيرة سيرة الأخيار: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبيِّ وسعد وخالد..أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90] حجّ عمر ووقف عند الجمرات، ورفع يديه، خليفة, شاب رأسه في العدل, ونحل جسمه في الصلاة, وذاب جماله في طاعة الله, وأثر الدمع في خديه, وصادق في الليل صادق في النهار.قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها رفع يديه، وقال: [[اللهم إنها ضاعت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون, اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك]] والله يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] فعاد وهو صادق, ووصل المدينة يتحرى الشهادة, يقول بعض الصحابة: [[يا أمير المؤمنين! تطلب الشهادة في المدينة , والذي يطلب الشهادة يخرج إلى الثغور! قال: هكذا سألت وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت]]. ووصل وفي أول الليالي, رأى كأن ديكاً ينقره ثلاث نقرات, فسأل علماء تعبير الأحلام, فقالوا: يقتلك رجل من العجم, فاستودع الله نفسه, وصلّى بالناس صلاة الفجر، وطعن في المحراب, ووقع طريحاً شهيداً, في أحسن بقعة وفي أجل فريضة, وحمل على أكتاف الرجال, وهو يقول: [[أصليتُ الفجر؟ -أي: هل أكملت الصلاة؟- قالوا: لا فأغمي عليه، قال: فلما وضعوا خده على مخدة, قال: انزعوا المخدة من تحت رأسي, ضعوا رأسي على التراب لعل الله أن يرحمني]] رحمك الله، وأكرم أشلاءك، ورفع درجتك, فقد كنت صادقاً كما قال ابن مسعود، يقول له علي - وهو يثني عليه في سكرات الموت: [[كان إسلامك نصراً, وهجرتك فتحاً, وولايتك رحمة, قال عمر: إليك عني، يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا عليّ]] فرضي الله عنه وأرضاه.إنهم أعدوا لساعة الموت من سنوات.وقد روى البخاري في صحيحه في باب الرقاق، وقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [محمد:36] قال البخاري: وقال علي بن أبي طالب: [[ارتحلت الدنيا مدبرة, وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا, فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].علي بن أبي طالب مدرسة من الرقاق والتوجيه والتربية, وكلماته تنفذ إلى القلوب مباشرة؛ لأنه صادق مخلص فرزق القبول, وقد صح عنه أنه أخذ لحيته بيديه في الليل وهو يبكي، ويقول: [[يا دنيا يا دنية! طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها, زادك حقير, وعمرك قصير, وسفرك طويل, آه من وحشة الزاد، وبعد السفر، ولقاء الموت]] وله مقطوعة نسبت إليه يقول:لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
الموت عند السلف الصالح وعند المعرضين الغافلين
روى مسلم في صحيحه عن ابن شماتة المهري قال: حضرت الوفاة عمرو بن العاص فبكى بكاءً طويلاً -وهل أجدر بالبكاء من الذي صرع في سكرات الموت, متى يبكي إن كان لا يبكي لتلك الساعة؟ متى يتهيأ إذا لم يتهيأ لذاك المصرع؟ متى يندم إذا لم يندم لتلك الفترة؟- قال: فلما بكى أتى ابنه عبد الله فأخذ يحسن ظنه بالله، ويرجيه في الله، ويقول: [[يا أبتاه! أما أسلمت؟ أما هاجرت؟ أما ولاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاية كذا على الجيش؟ أما فتتحت مصر؟قال: فحول وجهه إلى الحائط، ثم بكى طويلاً، ثم عاد إلى الناس, فقال: إني عشت في حياتي على طباق ثلاث, كنت في الجاهلية لا أعرف الإسلام، وكان أبغض الناس إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلو توفيت في تلك الحالة لكنت من جثا جهنم, ثم أسلمت فقدمت على الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة , قال: فلما بسط يده ليبايعني قبضت يدي، قال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أشترط, قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي ربي ذنبي, فتبسم، وقال: (أما تدري يا عمرو أن التوبة تجب ما قبلها وأن الإسلام يهدم ما قبله) قال: فأسلمت, فوالله ما كان أحد أحب إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم, والله لو جعلتموني الآن أصفه ما استطعت أن أصفه لأني ما كنت أملأ عيني منه جلالاً له وهيبة منه, فلو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة, ثم تخلفت فلعبت بي الدنيا ظهراً لبطن, فوالله ما أدري هل يؤمر بي إلى الجنة أو يؤمر بي إلى النار]].وفي صحيح مسلم زيادة: فقال: [[لكن عندي كلمة أحاج لنفسي بها عند الله وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله]] ثم قبض يده، فكلما أتوا ليبسطوا يده عادت، فغسلوه وهو كذلك، وأدخلوه أكفانه هكذا, وأدخلوه قبره وهو على هيئته.
 الحجاج بن يوسف وسعيد بن جبير
وهنا عالم وطاغية, يدخل سعيد بن جبير على الحجاج في حوار حار ساخن والحجاج يريد ذبحه, ويعرف سعيد بن جبير أنه لن يخرج إلا مقتولاً, رأسه في جهة وجثته في جهة أخرى, فيقول الحجاج: من أنت؟قال: أنا سعيد بن جبير -الحجاج السفاك الذي يقول فيه الذهبي: نبغضه ولا نحبه، ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الدين.ويقول فيه أيضاً: له حسنات غمرت في بحار سيئاته, وبعض الناس يمدح الحجاج في بعض المواسم والمحاضرات, ويقولون: كان وكان..! لكنه أهان الصحابة، وعذب أبناء المهاجرين والأنصار, وقتل العلماء, فأمره إلى ربه في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى- قال لـسعيد بن جبير -قائم الليل، صائم النهار، المحدث الكبير الذي يقول فيه الإمام أحمد: مات سعيد بن جبير وما أحد في الدنيا إلا وهو محتاج إلى علمه, وهو من رواةالبخاري ومسلم - من أنت؟قال: سعيد بن جبير , قال: بل أنت شقي بن كسير!! قال: أمي أدرى إذ سمتني -أي: أدرى منك- قال: شقيت أنت وشقيت أمك, ثم قال له: والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى -يقول: أدخلك النار وهو لا يستطيع- قال: لو أعلم أنك صادق لاتخذتك إلهاً, قال: عليّ بالمال -ذكر هذه القصة المباركفوري صاحب مقدمة تحفة الأحوذي - فأتوا بالمال من الذهب والفضة أكياس ملئوها ذهباً وفضة, قال سعيد بن جبير: يا حجاج! إن جمعت المال لتتقي به من عذاب شديد فنعمّا صنعت, وإن كنت جمعته رياءً وسمعة، فوالله لا يغني عنك من الله شيئاً, فرفع المال, وقال: فعليّ بالجارية والعود -الآن في ساعة الاحتضار، وذبح العلماء يغني ويطبل ويرقص- فأتت الجارية المسكينة تضرب العود عند سعيد بن جبير: -هل رأى الحب سكارى مثلنا...؟!! فلما ضربت العود بكى سعيد بن جبير , قال الحجاج: أهو الطرب؟قال: لا والله. لكن جارية سخرت لغير ما خلقت له، وعود قطع من شجرة يستخدم في معصية الله -انظر إلى بعد النظرة، عالم يرى أن الناس لا بد أن يكونوا عباداً لله, والشجر لا بد أن تسخر في طاعة الله, عود وموسيقى تستغل في المعاصي ليس بصحيح, مطبل ومغني يتصدر الأمة ليضلها عن سبيل الله ليس بصحيح, لأن أرذل الناس وأفشلهم وأسفلهم هم المغنون والمغنيات, والراقصون والراقصات الأحياء منهم والأموات, وهذا عيب بلا شك، ولو لم يكن محرماً في الكتاب والسنة لكان عيباً، والمصيبة أن هذا المغني وهذه المغنية يتصدرون الأجيال، ويطبلون للأمم، ويضلون الشعوب, ويقودونهم إلى الهاوية- قال لـسعيد بن جبير: خذوه إلى غير القبلة, قال سعيد بن جبير: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].قال: أنزلوه أرضاً, قال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] قال: والله لأقتلنك قتلة ما قتلها أحد من الناس, قال: يا حجاج! والله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها، فاختر لنفسك أي قتلة شئت! فأتوا يذبحونه؛ فقال في النفس الأخير: اللهم يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج , اللهم لا تسلطه على أحد بعدي وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ إبراهيم:42-43].فذبحه, وأتى الحجاج يخور بعدها كما يخور الثور!أتت له -في بعض الروايات- بثرة في جسمه كالدرهم، فحكها فافتشى في جسمه, يقول الحجاج وقد مكث شهراً بعد مقتل سعيد بن جبير ثم مات, يقول: ما نمت بعد مقتل سعيد بن جبير إلا رأيت وكأني أسبح في حمام من دم, وما تلذذت بطعام ولا شراب, وأخذ يخور كما يخور الثور, وحين مات ذكر أهل التاريخ والسير: أنهم مروا على قبره، فسمعوا صياحاً في قبره وكان أخوه محمد مع المارين، فقالوا: ما هذا الصوت؟ قال: رحمك الله يا أبا محمد! ما تترك قراءة القرآن حتى في القبر! يصيح من العذاب، ويقول أخوه ويزكيه: إنه حتى وهو في القبر لم يترك قراءة القرآن!! فهو يريد أن يعتذر له، وهذا أخوه محمد غاشم وظالم مثله، وقد كان حاكماً ظالماً في اليمن.وهناك قصة ذكرها أهل العلم: أن رجلاً مسكيناً من أهل اليمن كان يطوف بالبيت, قال طاوس: فصليت ركعتين عند المقام، فلما انتهيت من الركعتين التفت فإذا بجلبة السلاح والحراب والسيوف والرماح، فالتفت! فإذا به الحجاج بن يوسف الثقفي , قال: فجلست وسكت, وإذا بهذا الأعرابي مشى من عند الحجاج -لا يدري أنه الحجاج - فنشبت حربة أو رمح في رداء هذا الأعرابي، فوقعت على الحجاج , فأمسكه الحجاج، وقال: من أين أنت؟قال: أنا من أهل اليمن.قال: كيف تركت أخي؟قال: من أخوك؟قال: محمد بن يوسف , قال: تركته سميناً بطيناً -يقول: لا تخاف عليه أما الأكل والشرب فإنه ممتلئ لكن لا قرآن ولا قيام ليل- قال: لست أسألك عن صحته بل أسألك عن عدله, قال: تركته غشوماً ظلوماً، قال: أما تدري أني أخوه؟قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله, قال طاوس: ووالله لقد تأثرت منها وما زلت ألحظ إلى ذاك وهو يطوف أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله.فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان ولذلك لا يندم النادم إلا في سكرات الموت وفي ساعة الاحتضار.
كيف نستعد للموت ؟
المطلوب منا أن نستعد للموت بأربعة أمور:
 التوبة النصوح
يا إخوتي في الله! النتيجة من هذا الدرس هو الاستعداد للقدوم, ولا يكون ذلك إلا بالتوبة النصوح, من قال: أتذكر الموت ولم يتب فهو كاذب.ومن قال: أعرف أني أموت وأتذكر الموت ولم يداوم على الصلوات الخمس جماعة فهو كاذب, ومن أعرض عن القرآن وتذكر الموت فهو في تذكره كاذب, فعلينا بالتوبة النصوح، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم:8] وقال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].الموت أيها الإخوة!! هو مدرسة للأحياء, ولا يستفيد من تذكره وساعة الاحتضار إلا من أعد توبة, وعملاً صالحاً.الأعمش سليمان بن مهران رواي الكتب الستة سماه الذهبي: شيخ الإسلام, حضرته الوفاة فبكى أبناؤه، وقال: لا تبكوا فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة, فـالأعمش , ستون سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام, وهو في المحراب والروضة, هذا هو الدين والإسلام, أما إذا كان الدين كلاماً منفوشاً ولا يطبق, وكلمات رنانة ولا أثر لها في الواقع فليس بعمل وليس بخشية.سعيد بن المسيب وهو في سكرات الموت، وهو يقول: الحمد لله! ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام.وكان عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير إذا صلّى رفع يديه، وقال: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة, قال له أبناؤه: وما هي الميتة الحسنة؟قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد, فصلّى المغرب وهو في السجود الأخير، فقبض الله روحه, فهذه هي الميتة الحسنة, سأل الله فأعطاه الله ما سأله.وأبو ريحان -بعضهم يدعي له صحبه- كان يسأل الله أن يميته وهو ساجد, فمات وهو ساجد, ولكن وجد من الناس من بات وهو يستمع الأغنية، ويردد معها في حادث انقلاب, مسجلة تشتغل على آخر صوت, وهو يردد مع المغنية وقلبه موله بالمغنية التي هدمت القيم، وتعاليم الدين، وحاربت المسلمين بأغنيتها وسموها.. كوكب الظلام، وهي كوكب التخلف والانحراف، تقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا...؟!! ويقول وهو في سكرات الموت وساعة الاحتضار: هل رأى الحب سكارى مثلنا..؟!!!يقول ابن القيم في الجواب الكافي: أتوا بمحتضر! فقالوا له: قل: لا إله إلا الله؟قال: أين الطريق إلى حمام منجاب؟قالوا: قل: لا إله إلا الله؟قال: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فمات عليها, لأنه شب وشاب عليها، ومات عليها, ويحشر عليها.ويروي ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين عن تاجر أنهم قالوا له: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ قال: خمسة في ستة كم تصير؟ فكرروا عليه، فقال: خمسة في ستة كم تصير؟!!تصير إلى الهاوية! خمسة في ستة ما أنقذتك من غضب الله، خمسة في ستة ما علمتك الطريق إلى الله، خمسة في ستة ما بيضت وجهك أمام الله! فأي مال وأي فائدة؟!بعض الناس يتولّه في شيء يجعله عبادة, تجد أحد التجار حتى في الصلاة يتولّه في التجارة ويعد ويحسب, لا يدري هل صلّى مع الإمام في المسجد أم لا؟ خرج وقلبه مع التجارة وعبادتها ولا يدرك ذلك ثم يستيقظ في ساعة الاحتضار.وبعضهم يتولّه مثل باغاندي رحمه الله، من تولهه بالحديث -يذكرون عنه كـالذهبي وغيره- أنه قام ليصلي؛ فقال: الله أكبر -كان محدثاً، حدثنا فلان عن فلان.. حدثنا فلان عن فلان.. أصبحت قضيته الكبرى إلى درجة الغلو في الحديث- فلما كبّر انتظر الناس أن يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال: حدثنا الربيع بن سليمان , فهذا وصل إلى درجة من التوله, ولذلك فإن من تعلق بالله حفظه الله، ومن ضيع الله ضيعه الله, قال الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [ابراهيم:28].فالنتيجة التوبة, والعمل الصالح في مثل تلك الساعة فلنعد, ولاننتظر.ولا تقل الصبا فيه امتهال وفكر كم صبي قد دفنتا إذا ما لم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا وهذه قصة نختتم بها الموضوع, شاب صالح من الجزائر كان يحافظ على الصلوات الخمس, وقد حدثنا بقصته أحد الإخوة من الدعاة في الجزائر معه مصحفه دائماً، أتته سكرات الموت في حادث فبقي مغمى عليه أربعة أيام يردد الفاتحة, قال: والله ما فتر لسانه من الفاتحة, كلما أنهاها أعادها من أولها, لأنه عاش على الفاتحة, ويموت ويحشر عليها، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [ابراهيم:27].نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت, وأن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا, وأن يتولانا في الدارين, وألا يجعلنا ممن صرعتهم غفلتهم, وأتاهم موتهم مضيعين, فاستحسروا وندموا ولات ساعة مندم, نعوذ بالله من الخذلان، ونعوذ بالله من الحرمان, ونعوذ بالله من الإعراض عن شرع الواحد الديان, ونعوذ بالله من الإدبار عن القرآن, وهجر الإيمان, وعدم تذكر الرحمن.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

  نصيحة حول الضحك
السؤال: إن كثيراً من الشباب -وأخص الشباب الملتزم- يكثرون من الضحك, فهل من علاج؟الجواب: نعم. قد وجد كثرة المزاح عند بعض الشباب، خاصة الذين في سن قبل الزواج، إن كانوا عزاباً واجتمعوا في مكان فيا سبحان الله! يكسرون الأخشاب والأبواب والنوافذ بحجة الحب وقضية أننا نمزح مزحاً مباحاً, وقضية ساعة وساعة, وقضية إن لعينك عليك حقاً, وليدك ورجلك حقاً ومن هذا القبيل..!! وهذا ليس بل بصحيح, المؤمن منضبط في أموره, قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63] فالمؤمن يمزح بوقار ويضحك, ولا بأس من الضحك, أما قول بعضهم: لا تضحك فإن الأمة المجاهدة لا تعرف الضحك, فإن هذا ليس بصحيح, فقد ضحك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم, والله يقول: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43]. فالضحك وارد, وقد تبسم عليه الصلاة والسلام وتبسم الصحابة, لكن ليس الضحك الذي يقسي القلب، فقد ورد في حديث: {لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب} وهو حديث حسن من حديث أبي هريرة , حتى إن بعضهم تسمعه -وبينك وبينه أمداً بعيداً- وهو يضحك من كثرة ضحكه, وبعض الناس لا يستطيع أن يتحكم, لكن وصيتي أن يخفف من الضحك ولا يقطع، ولا بأس بالمزح أحياناً بجذب القلوب.أما الإفراط فيه فإنه يؤدي إلى سلب الوقار، وقسوة القلب، ونسيان العلم، والقرآن، والاشتغال عن المهمات بالتوافه.نشكركم على استجابتكم وتلبيتكم، ونسأل الله جل وعلا أن ينفعنا جميعاً بما سمعنا، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه, وأن يجمعنا في دار كرامته إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه سلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ساعة الاحتضار للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net