اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العلماء ما لهم وما عليهم للشيخ : عائض القرني


العلماء ما لهم وما عليهم - (للشيخ : عائض القرني)
تحدث الشيخ عن فضل العلم والعلماء، وعن حق العلماء على الأمة، وحق الأمة على العلماء، فبين أهمية العلم ورفعته، ومكانة العالم، وطاعة العلماء، وبعض آفات العلم.وفصل القول فيما يجب للعلماء وما يجب عليهم، وذكر أن علماء بني إسرائيل لم يقوموا بالوفاء بهذه الحقوق، وكان من نتائج ذلك التحريف في شريعتهم.
فضل العلم والعلماء
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله يا طلعات الإيمان، ويا أهل الفضل، ويا أهل التوحيد، ويا أهل الحب والطموح.إن حضوركم هذا تأييد للدعوة، ونصرة للإسلام، وحضور تكريم للوافدين إليكم:أصح وأعلى ما سمعناه في الندى من الأثر المعروف منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن الغيث عن كف الأمير تميمِ وأشكر إمام هذا المسجد الشيخ عبد الله السميعي، وأشكر جماعة المسجد، وأشكر كل من حضر وسمع وشارك بقلبه مسيرة العودة إلى الله عزوجل.عنوان المحاضرة: العلماء مالهم وما عليهم، وما أتيت هذه الليلة لأسرد عليكم النصوص في فضل العلم والعلماء، فهي معروفة لديكم، لكني أتيتكم في هذه الساعة، وفي هذه الأيام، وفي هذا الوقت الحرج بالذات؛ لكي نقف جميعاً، يقف العلماء في صف، ونقف نحن شباب الصحوة في صف، ونرى ما هي الحقوق التي تلزمنا للعلماء فنؤديها.دينٌ لعينك عندي ما وفيت به يا طالما كذبت عيني عيناكِ ونقف أمام العلماء لنسألهم حقوقنا، نحن لنا حقوق وديون على العلماء، لكن بعد أن نسلمهم حقوقهم؛ نأخذ حقوقنا، ثم ننفصل في مجلس المصالحة، و(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) فإذا تفرقا فقد وجب البيع.عناصر هذه المحاضرة ثلاثة:أولها: فضل العلم والعلماء.الثاني: ما هو حق العلماء على الأمة.الثالث: ما هو حق الأمة على العلماء.أما فضل العلم: فيكفي من ذلك قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: [[كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل مذلةً أن يتبرأ منه من هو فيه]].العلم يدعيه كل إنسان، جهلة يدعون أنهم علماء، لشرف العلم، وقال ابن عبد البر: ومن أحسن الكلام ما قال علي بن أبي طالب: [[قيمة كل امرئٍ ما يحسنه]]؛ فقيمتك المعلومات التي في ذهنك إذا اتقيت الله وعملت بها، وقيمة المرء ليست بجسمه ولا بوزنه ولا بلحمه ولا بشحمه إنما هي بالفضل الذي يحمله، وبالمواثيق التي لله عليه إذا عمل بها.يقول سبحانه وهو يستشهد على ألوهيته: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] والشاهد هنا َأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران:18] قال ابن كثير في تفسيره: وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام، وأيُّ خصوصية أن يجعلهم الله معه ومع ملائكته يشهدون بألوهيته، فلقد ميزهم عن الناس لفضلهم ولمكانتهم. قال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] بعدما ذكر الله الآيات الكونية، والشرعية، وذكر ما للعلماء من منزلة، قال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ومفهوم المخالفة في الآية: أن غير العلماء لا يخشون الله.ووجد في العلم التجريبي التكنولوجي، والعلم الطبيعي المادي، أن أكثر الناس عودة إلى الإسلام من نبغ في هذا العلم، الذين ألفوا كتاب: الله يتجلى في عصر العلم؛ من العلماء البارزين أسلموا وأعلنوا إسلامهم، وهم جماعة من الأمريكان، وكثير منهم أعلن إسلامه مثل: كريسي موريسون، وأظن أن أليكسيس كارل صاحب كتاب: الإنسان لا يقوم وحده أعلن إسلامه؛ لأنه تعمق في حياة الإنسان.
 آفات العلم
أيها الإخوة! هذا فضل العلم، ولكن تدخل على العلماء وعلى طلبة العلم آفات وأخطر الآفات ثلاث:الكبر، الرياء، الحسد.عقارب طلبة العلم، وحيات العلماء ثلاث:الكبر، والرياء، والحسد، أعاذنا الله من ذلك.أما الرياء: فقال الرسول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: {من راءى راءى الله به، ومن سَمَّعَ سَمَّعّ الله به} {أول من تسعر بهم النار ثلاثة، ومنهم: عالم تعلم العلم ليقال: عالم، وقد قيل، قال: فخذوه إلى النار}. وهذه آفة، لا يدركها إلا الفطناء من المخلصين، وهي خطورة عظيمة تتصدى لطلبة العلم، وتقف لهم بالمرصاد.المسألة الثانية: الكبر.والكبر آفة عظيمة، ومن تكبر على الله وضعه، وحقيقٌ بمن حمل الكبر أن يذله الله عزوجل، وألا يجعل له قبولاً، وإنه مزرٍ مزرٍ ولكن بالعلماء أزرى وأزرى.والعالم إذا تكبر، وقبض جبينه، وتكبر على عباد الله، وارتفع عليهم، انسلخت محبته من القلوب، وذهبت بشاشته وملاحته، وما أحبته الأرواح، وما انقاد له الناس، وأصبح مبغوضاً في أوساطهم، وهذه سنة الله في المتكبرين.يقول أحد الشعراء في المتكبرين:وجوههم من سواد الكبر عابسةٌ كأنما أُوردوا غصباً إلى النار هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بذكرهم ذكروك الواحد الباري قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس عن هذه الآفات، وعن أصحاب الحديث: إن بعضهم يقدح في بعض؛ طلباً للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل، الذي استعمله القدماء في هذه الأمة للذب عن شرع الله، والله أعلم بالمقاصد.أكثر غيبتنا الآن في الجرح والتعديل، تغتاب فلاناً فأقول: استغفر الله، فيقول: ليس قصدي أن أغتابه، إنما قصدي أن أخبر الناس به، الحاج موسى وموسى الحاج، أنت ما قصدت إلا غيبته، بل بعض الاستغفار والدعاء غيبة، كما إذا ذكر لك رجل، وقال: ما رأيك في فلان؟ فتقول: استغفر الله. فهل تستغفر من الذنب؟! إنك تطعنه بالخنجر من الاستغفار، وهذا عيب على طريقة الذاكرين.ومنها: الغيبة إذا ذكر لك رجل، قلت: هداه الله، وما قصدك الدعاء لكنك تقصد شيئاً فطلبت الدعاء له، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام في منشور من الفتاوى موجود.وذكر الغزالي في الإحياء: عن الحسن قال: (عقوبة العلماء موت القلب). نعوذ بالله من موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة، إظهار التزهد وهو يريد أن يجمع الدنيا، ويستولي على المناصب، ويجمع الدنانير والدراهم، وأن يترك رسالته.عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ومن يشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه بدنيا سواه فهو من ذين أعجب وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176]. نزلت هذه الآيات في عالم من بني إسرائيل، وهذا قياسٌ يطرد في كل عالم ترك منهج الله، وترك الدعوة إلى الله، وأخلد إلى حطام الدنيا، وكتم علمه، ولم ينكر المنكر، ينسلخ من قداسة العلم، ومن شرعية الكلمة، فللكلمة شرعية.لكن لا يحملها إلا العلماء، شرعية الكلمة، متى يقول، فيسمع له، إذا حمل جلباب العلم، وكأس العلم، وسيف العلم.قال ابن الجوزي في صيد الخاطر (ص:442): (وينضاف إليه مع الجهل بها -أي: بالسنن- حب الرياسة، وإيثار الغلبة في الجدل، فتزيد قسوة القلب): فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا [المائدة:13].أيها الفضلاء! ولكن يبقى في بعض الناس رقة، وخير وفضل، ويبقى في أهل العلم بقية؛ هم أهل الصدارة والريادة.قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/174): (وددت لو أن جسمي قرظ بالمقاريظ، وأن الخلق كلهم أطاعوا الله عز وجل).يقول: يا ليت جسمي قطع تقطيعاً وأن الخلق أطاعوا الله!يا ليتني قدمت جسمي فداءً لهذه الأمة وأنهم أطاعوا الله.قال: (فعرض قوله على بعض المتقدمين) فقال: (إن كان أراد بذلك النصيحة للخلق، وإلا فلا أدري، ثم غشي عليه) أغمي عليه من كثرة البكاء، ومن خطورة هذه الكلمة التي تدل على النصيحة وعلى الصدق.وقد قرأت عن الإمام أحمد أنه قال: (يا ليت الله يجعلني فداءً لأمة محمد عليه الصلاة والسلام).يقول: ليتني أفديهم، وبالفعل تقدم الإمام أحمد للسياط، وجلد، وعرض للسيف، ومع ذلك ما تزحزح من أجل رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن أجل أمة الرسول عليه الصلاة والسلام.فتىً كلما فاضت عيون قبيلةٍ دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر
حق العلماء على الأمة
وحقوق العلماء على الأمة أربعة، وإليك التفصيل:
 ربط الشباب بالعلماء
الرابع: من حقوق العلماء على الأمة: ربط الشباب بهم.فالفوضى لا تصلح، فوضى بدون قيادة فكرية علمية لا تصلح، كلٌ يخطب، وكلٌ يعمل، وكلٌ يوجه، وكلٌ يتحمس، لا. لا بد من علماء للمسيرة:لا يصلح القوم فوضى لا سراةَ لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا والبيت لا يبتنى إلا بأعمدةٍ ولا عماد إذا لم تُرس أوتاد الأوتاد: العلماء، نراجعهم، وللخطيب أن يعود إلى العالم قبل صلاة الجمعة، فيقول: أترى أن أخطب في هذا الموضوع؟أترى أن أثير هذه المسألة؟أترى أن أورد هذا الكلام؟يسأله لأنه أكبر منه وأعلم وأفضل، وقد يمنحك الله بركةً على لسانه، ويجري حقاً على فمه، فيكون لك الحق فتعمل به... وهكذا.وإذا وسد الأمر إلى غير أهله، إذا تقلد الأمور العلمية أناسٌ جهلة، وقادوا الأمة إلى مهاوٍ ومزالق، وهم جهلة، وقد سبق معنا: {فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا} والله المستعان!.نطالب أهل الفضل، وأهل العلم، وأهل السنة، أن يتقدموا المسيرة، ولا يتركوا الميدان للجهلاء السفهاء، من سفهة البغاة العلمانيين:عذرت البدن إن هي قارعتني فما بالي وبال ابن اللبون هذا البيت لـجرير، ومعناه يقول: أنا أعذر أن يصارعني الجمل الهائج أما ابن اللبون، ابن سنة فلا أستطيع له، أنا لا أبارزه، وهذا أمر معلوم في الفِطَر والأحوال.
حق الأمة على العلماء
وصلنا الآن إلى حقوقنا على العلماء، وأنا أقدمها هذه الليلة إلى العلماء حفظهم الله ورعاهم بصفتي من إخواني ومن زملائي المجتمعين في هذا الجمع الحافل، أرفعها بالدعاء والثناء والسلام والتحية إلى أصحاب الفضيلة علماء الأمة نطالبهم بها، علَّ الله أن يحفظهم ويرعاهم للأمة رواد خير وفضل.أطالبهم بأربعة مطالب، وهي متحققة إن شاء الله في الكثير أو بعضها: الأول: عدم الكتمان، نطالبهم ألا يكتموا الحق.الثاني: ألا يقولوا على الله إلا الحق، لا يأتي أحد بافتراء على الله، لا يحكم بغير حكم الله، لا يأتوا بحكم ويقولون: هو من عند الله وما هو من عند الله.الثالث: أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.الرابع: أن ينزلوا إلى الناس ويكونوا علماء عامه مع الأمة، في أوساط الأمة، في مجالس الأمة، في مساجد الأمة، يقودون الشبيبة، ويوجهون الأمة إلى مرضاة الله.
 على العلماء أن يكونوا علماء عامة
الرابع: أن ينزلوا للناس، ويكونوا علماء عامة، علماء السلف علماء عامة، لا يعرف السلف عالماً في برجٍ عالٍ، تلقى الإمام أحمد في الطريق، وعلى الرصيف، وفي المسجد، وتطرق بيته فيفتح لك، ويفرش لك الفراش، ويجلس معك، ويقدم لك الماء، العالم مع الأمة في ضمائر وقلوب الأمة يعيش، بخلاف المفكرين العصريين؛ لأنهم أتونا بمسألة قالوا: لا بد من العزلة الشعورية، ولا بد أن تربي نفسك أولاً، ثم تأتي إلى الناس في لقاءات خاصة، على مذهب كانت وديكارت.لكن علماء السنة علماء عامة، أبو بكر تجده في السوق يبيع ويشتري ويفتي، وعمر وعثمان وعلي وابن تيمية. ابن تيمية أين وقته؟دائماً مع الناس، ينام معهم، ويصحو معهم، ويعلمهم، ويلقنهم، ويفتيهم، ومع العامة، لأنه وجد بعض الناس يدندن بالتهويل من شأن المواعظ للعامة.وهل الأمة إلا عامة؟!وهل ثلاثة أرباع الأمة إلا عامة؟!وهل القاعدة الشعبية إلا عامة؟!تجلس معهم، تعلمهم الفاتحة، وأمور الدين، ومسلمات العقيدة.نحن لا نحتاج إلى علم سيبويه في (حتى) يقولون: حضرته الوفاة، قال: أموت وفي نفسي شيء من (حتى) رحم الله سيبويه نفع بالنحو، لكن دقائق المسائل، وهذه الحتحتة، لا نريدها الآن، نريد العلم المؤصل المشهور، أن يعرض على الناس مبسطاً سهلاً، أما في المسألة أربعة عشر قولاً، قال ابن أبي ذئب، وقال مالك، وقال ابن تيمية، وقال الروياني، وقال الشافعي، والراجح، فالتفريع لطلبة العلم، لكن الناس يحتاجون إلى علم سهل مبسط، ويحتاجون إلى عالم يجلس معهم، ويقودهم، وإن التقصير الذي نلحظه من بعض العلماء أنهم ما نزلوا إلى الشباب.فيا أيها العلماء! لا تلوموا الشباب إذا أخطئوا في تصرف، أو هاجوا، أو ماجوا، أو تحمسوا؛ لأنكم أنتم المسئولون في عدم ضبط وتعليم وقيادة الشباب.ويا أيها العلماء! لا تصفوا الشباب بالتهور، ولا بالتطرف، ولا بالطيش، ولا بالعجلة؛ لأنكم أنتم أو بعضكم الذين لم تجلسوا للشباب في مجالس طويلة تتحدثون إليهم، وتربونهم، وتمسكون من جأشهم، وتربطون على قلوبهم، وتحبسون أعصابهم.شباب الصحوة لا يقتنعون إلا بعلماء ودعاة، ومهما أتيت إليهم بالدساتير فلا يمكن أن يقفوا؛ لأنهم مقتنعون بآراء.لكن يوم تسمع العالم يحاورهم، ويلقنهم، ويثبت أمامهم؛ حينها يشكرون له، ويهدأون وينضبطون ويسلكون معه.فمطالبتنا الجادة: أن نتصل نحن ونتقدم إلى العلماء.يقول أحد العلماء العصريين: إذا تقدم العلماء خطوة فعلى الشباب أن يتقدموا إليهم عشر خطوات، وهذا صحيح، علينا ألا ننتظر من العلماء أن يزورونا في بيوتنا، ويطرقون علينا الباب، إنما نحن نأتيهم، ونُقَبِّل رءوسهم، ونتواضع لهم، ولا نسميهم زنادقة، نعوذ بالله!بعضهم سمعته -نعوذ بالله- يقول في بعض العلماء، يظن أنهم أخطئوا في فتوى، وقال: هؤلاء عملاء، ما معنى عملاء؟تقول للعلماء ورثة الأنبياء: عملاء، وبعضهم يسميهم: مرتزقة، وهذا خطأ، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف:5].هم نجوم الأرض، لكن نطرق أبوابهم، لا يطرقون هم أبوابنا، وننتظرهم نحن في الشمس ولا ينتظرونا هم، ونقف نسلم عليهم، ونأخذ بألبابهم، ونبجلهم، وندعو لهم، ولكن عليهم -أيضاً- أن يقفوا لنا، ويفتحوا أبوابهم، ويجلسوا ويتحدثوا لنا طويلاً بالمحاضرات، بالندوات، بالفتيا، بالوعظ، بالتربية، عندنا علماء آلاف كثر، وكلهم نجوم متى ما نزلوا ومتى ما صدقوا، ومتى ما أخلصوا؟!!فنسأل الله أن يثبتهم ويزيدهم علماً، ونسأل الله أن يرزقنا حكمةً وسداداً في الرأي ورشداً.هذا ما للعلماء علينا، وهذا مالنا على العلماء.وللعلماء علينا أن ندعو الله لهم بظهر الغيب، ونطلب منهم أن يدعوا لنا بالثبات والسداد والفقه في الدين، وحينها تتصل المسيرة، ويصلح الحال، ويزيل الله شراً عن البلاد والعباد، وتقوم أمور الأمة على هدى من الله، وهدى من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.أيها الأخيار! انتهت محاضرة (العلماء مالهم وما عليهم) وأشكركم على صنيعكم في حضوركم، وعلى إنصاتكم في استماعكم.رفع الله منازلكم، وغفر ذنوبكم، وأصلح بالكم، وأحق لكم الحق، ورزقكم اتباعه، وأبطل عنكم الباطل، ورزقكم اجتنابه.وما بقي من وقت فللأسئلة، وسلام الله وصلاته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 أخلاق العالِم
السؤال: هل إذا كان العالم أو طالب العلم، الذي يعلِّم الناس، سيء الخلق، ولسانه سليطاً، هل يؤخذ منه العلم، أم يترك لأجل سلاطة لسانه؟الجواب: نحن لا نبرر للعلماء أخطاءهم، أي: أخطاءهم الخُلُقية.كأن يكون العالمُ بخيلاً، يعني: يغلق عليك الباب، فتطالب أن تدخل الباب، يقول: والله لا تدخل، ويمنعك، وإذا وجدك كشر، ورفع صوته، وسبك دائماً، هذه ليست أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] فالهدوء والارتياح، والبسمة، والبشاشة، من أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم.لكن أمراض البشرية دائماً تتكرر، والإنسان ليس معصوماً:ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه ذكر الذهبي عن شيخ من الشيوخ، يقول: كان زعراً، أي: كان حاد الخلق، شرساً، إذا هبت الريح غضب، فيقول: أتاه أحد التلاميذ وعرض له كتاباً؛ فرفض الشيخ، فلحقه التلميذ عند الباب، وضايقه كثيراً، وبعض التلاميذ عِلَّة يرى الشيخ غاضباً، وجائعاً، ومنهكاً، ويرمي بنفسه عليه، ويضايقه، وينكد عليه.يقولون من أدب الطلب: أن تتوخى وقت المعلم ووقت راحته، ووقت هدوئه.فأتى هذا الشيخ فغضب، فأتى بعصا -كان عندهم عصي- فضرب التلميذ، فأخطأت العصا فضربت في الكتاب فشقته. قال الذهبي: الخطأ مشترك بينهما، يحكم الذهبي، يقول: الخطأ مشترك بينهما، (يمزح)!!وكان الأعمش رحمه الله فيه شيء من هذا، يقولون: دعاه أحد تلاميذه يغديه في البيت، فأتى هذا التلميذ، وكان الأعمش لا يبصر الطريق كثيراً، فسقط الأعمش في حفرة بجانب بيت هذا التلميذ وهو لم يحفرها للأعمش لكن الطلاب حفروها له، قال: والله لا أدخل بيتك ولا أحدثك شهراً -هذا في السير- وعاد التلميذ وتلطف وصنع غداءً وبعد شهر دعا الأعمش، وأتى به إلى البيت وقبل الغداء أراد أن يصب عليه من البراد وكان الماء حاراً فلم يجربه قبل، فوقع الماء على يد الأعمش فسحب يده، وقال: والله لا أتغدى ولا أحدثك شهراً. ما هذا الكلام؟ ما هذه الحدة؟!إن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم هي: الحلم، والسعة، والتواضع. ولذلك يوجد هذا، فعليك أن تتحمل وتصبر حتى تطلب العلم.بعضهم بحر في العلم، لكنه حاد، يضارب على صاع تمر، فعليك أن تصبر حتى تأخذ العلم منه.يقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: تلطفت بـابن عباس فحصلت على علم كثير، وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف فما تلطف فلم يحصل على علم ابن عباس.العلم حربٌ للفتى المتعالي كالسيل حربٌ للمكان العالي أي: أن العلم مثل السيل، إذا رأى المكان منخفضاً ذهب إليه، وأما المكان المرتفع فلا، وكذلك العلم.عَمَّرَ الله أوقاتكم بالسعادة، وجمعنا بكم في الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العلماء ما لهم وما عليهم للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net