اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , توجيه نبوي لمعاذ للشيخ : عائض القرني


توجيه نبوي لمعاذ - (للشيخ : عائض القرني)
حديث إرسال معاذ إلى اليمن وما فيه من نصائح وتوجيهات من النبي صلى الله وسلم له، يعتبر من أهم القواعد والأصول في الدعوة إلى الله تعالى. الذي لابد لكل داعية خصوصاً، ولكل مسلم عموماً أن يضع هذه القواعد والأصول في اعتباره وأن تكون نبراساً له وقائداً يقوده في مسيره وطريقه.
نص حديث معاذ بن جبل
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.ولا زلنا في طوافة ومعيشة مع البخاري في صحيحه، ولو أنصفوه لما خط صحيحه إلا بماء الذهب؛ ولذلك كان لهذا الكتاب مكانته كما تعرفون ويعرف غيركم من طلبة العلم، ولا بد من تكرار هذه المعاني في كتب أهل السنة التي قدمها أئمة الإسلام إلى هذه الأمة المرحومة، الأمة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. ومعنا في هذه الجلسة حديث يستهل به الإمام البخاري رحمه الله كتاب الزكاة في هذا الكتاب، وقد قلنا في مناسبة: إنه لا بد في مثل هذه الجلسات من التنويع بين الرقائق والأحكام وبين المسائل والفضائل، وأنه لا بد أن يجمع طالب العلم بين مسائل العلم التي ترقق القلب وبين الأحكام التي تفقه المسلم في دينه. قال البخاري رحمه الله: "باب وجوب الزكاة" وقال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:83] ثم قال بعد أن ساق الحديث بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتدفع إلى فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي واتفق الجماعة على إخراجه من طرق، واختلفوا في الألفاظ كما سيرد بإذن الله في الشرح.أما صاحب هذه القصة فإنه سيد العلماء رضي الله عنه وأرضاه وقائدهم إلى الجنة، يسبقهم يوم القيامة برتوة حجر، فهم يمشون يوم القيامة بعده حتى يدخلوا الجنة جميعاً.والعجيب أن هذا الحديث من رواية الأقران، أي: من رواية صحابي عن صحابي، وهو فن مستقل بذاته.والطرفة الأخرى هي: أن هذا الحديث رواه عالم عن عالم، فـابن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة يروي قصة معاذ رضي الله عنه وأرضاه وقبل أن نشرع في هذا الحديث الذي سمعتموه فإن معنا عشرون قضية:
 

سيرة معاذ رضي الله عنه
معاذ بن جبل الأنصاري أسلم وعمره ثمانية عشرة سنة، وأحب الدين بكل قلبه، فكان يصبح ويمسي مع الإسلام، وكان رجلاً طويلاً، وجميلاً، وبساماً، وضحاكاً، وكريماً.
 وفاة معاذ بن جبل
ذهب معاذ إلى فلسطين معلماً، ومفقهاً في دين الله، وعمره أربعة وثلاثون وقيل: ثلاثة وثلاثون كما قال الذهبي، فأتته قرحة في كفه اليمني، فعزاه الصحابة وقالوا: لا بأس عليك جعلها الله لك طهوراً وشفاك الله، قال: [[لا والله. أسأل الله أن يكبرها فإنه يكبر الصغير ويبارك في القليل، وأسأل الله أن تكون وفاتي في هذه، والله لقد مللت الحياة، ولو كانت نفسي في يدي لأطلقتها]]. هو ما تمنى الموت، لكنه هكذا قال، وآتاه موعود الله عز وجل. ولما ابتلي بالطاعون -والطاعون شهادة لكل مسلم- مكث في بلده صابراً محتسباً، رزقه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الشهادة فهو من الشهداء بلا شك، فحضرته الوفاة وتغشى جسمه بالطاعون حتى أصبح كل جسمه أحمر، فأتوا وهو على الفراش، فسلموا عليه وعزوه.فلما أتى صباح يوم من الأيام صلى الفجر، يومئ إيماءً على فراشه؛ ثم قال لجاريته: [[انظري هل طلع الفجر؟ فنظرت، قالت: لا بعد، فانتظر برهة ثم قال لها: انظري هل طلع الفجر؟ فقالت: طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار]] لأن هذا الصباح أول صباح يلقى فيه الله عز وجل، وهذا اليوم أول أيام الآخرة، وهذا اليوم آخر أيام الدنيا، يوم يستقبل الإنسان سجل أعماله، ويقبل على الله عز وجل:وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].فيقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار]] لأن الإنسان إذا مات في الليل إما أن يمسى في الجنة أو يمسي في النار، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وإذا مات في الصباح فإما أن يصبح في حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، فهو ينظر إلى هذا الصباح الذي أطل عليه ويقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار]]. ولذلك يقول الحسن البصري: [[يا بن آدم! إنما هما يومان، يوم تصوم فيه ويوم تفطر، فاجعل صيامك في الدنيا عن المحرمات وفطرك عند الله عز وجل]]. وهذا صح من كلام سالم بن عبد الله لما كتب لقريبه عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة، قال: [[يا أمير المؤمنين! اجعل الدنيا يوم صوم تفطره عند الله عز وجل]]. فـمعاذ -رضي الله عنه- يقول: [[اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، ثم التفت إلى أهله -وكان عنده ابن فقط اسمه عبد الرحمن -وقال: إني أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم قال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، ولكن كنت أحب الحياة لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولصيام الهواجر، ولقيام الليل]].فقبض -رضي الله عنه وأرضاه- وتأسف عليه الناس أيما أسف، وأصابتهم حسرة، وكان ممن قال فيهم عمر رضي الله عنه: [[والله لقد هممت أن أوصي بالخلافة بعدي لـمعاذ، فإذا سألني الله عز وجل يوم القيامة، أقول: سمعت رسولك محمد صلى الله عليه وسلم يقول: معاذ يأتي يوم القيامة، يتقدم العلماء برتوة]] أي: قبلهم بخطوات وبمسافة يقودهم إلى الجنة، هذا هو معاذ بن جبل الحبيب المحبوب، والذي كان من أجلِّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال عمر لخادمه: خذ هذه الدراهم وسلمها إلى أبي عبيدة وانتظر عنده قليلاً وانظر ماذا يفعل بها؟ فذهب بها فلما أعطاها أبا عبيدة، قال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه -يقصد عمر- ثم وزعها على جيرانه ومساكين الحي ثم نفذت فلما انتهى ورجع الخادم قال: خذ هذه الدراهم، وسلمها لـمعاذ بن جبل وتلهى في بيته قليلاً، فلما أعطاها معاذاً وجلس عنده وتلهى، فأخذ معاذ خادمة وقال: يهذا بذهب إلى فلان، وبهذا إلى فلان، حتى ما أبقى درهماً واحداً، فلما وصل إلى عمر، دمعت عينا عمر وتلا قوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:34]. وأثر في ترجمة معاذ: أن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- صلى بالناس الفجر فالتفت إلى الناس وقال: [[يا أيها الناس: يا أصحاب محمد.. والله الذي لا إله إلا هو، إني لأشتاق إلى الواحد منكم فأبيت سهران لا يأتيني النوم حتى أصبح، ولقد اشتقت اليوم لـمعاذ بن جبل، فقام هو ومعاذ يتعانقان ويبكيان]]. فهذا معاذ رضي الله عنه وأرضاه بقي له حديث واحد، قال: ابن القيم في مدارج السالكين -وهذا الحديث في مسند أحمد- " ثبت أن عمر مر بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجد معاذاً جالساً عنده يبكي قال: مالك، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن أدنى الرياء شرك} وإن أحب الناس إلى الله كما قال: الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح الدجى يخرجون من فتنة مدلهمة، رضي الله عن معاذ وأرضاه، ورضي الله عن أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم.
وقفات مع عمر بن الخطاب

 محاسبة عمر لعمرو بن العاص
ذكر الذهبي عن عمرو بن العاص أنه قال: أتيت بأموال من مصر ففقدت بعضها وذكرت بعضها، ونسيت بعضها وحفظت بعضها، فلما دخلت المدينة أتاني من الهم ما قرب وما بعد، وقلت: سوف يحاسبني أمير المؤمنين عمر على كل قليل وكثيرٍ. وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب، فإذا لم يخرج نفسه من هذه الورطة فمتى يخرجها؟ قال: فانتظرت حتى أتى بعض الأمراء والولاة على الأقاليم؛ لأن عمر كان يحكم العراق والشام ومصر واليمن، أقاليم كثيرة وواسعة. قال: فانتظرت حتى أتى الأمراء وجلسوا بجانب عمر، فلما أتى يحدثهم دخلت -ليحاسبه في هذه الزحمة- فلما جلست معه، قلت: يا أمير المؤمنين! قال: تكلم، قلت: يبدأ من هو أكبر مني، قال: فتكلم معاوية، فلما تكلم قاطعت معاوية فقال معاوية: أتقاطعني يا لكع؟ يقول عمرو: فلطمت وجهه، فقام عمر رضي الله عنه قال: ادعوا لي أبا سفيان، أتت مشكلة غير مشكلة المحاسبة، فدعوا أبا سفيان، فقال: إن هذا لطم ابنك فإن تجعلها لله عز وجل يثيبك خيراً منها، قال: قد جعلتها لله، قال: فقم قبل على رأسه ويقبلك على رأسك، قال: فقبلت رأسه وقبل رأسي وقلت في أثناء ذلك: يا أمير المؤمنين! خذ هذه الأموال واتركني أذهب، فذهب فما حاسبه، ذكر ذلك الذهبي وابن كثير في سيرهم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أرضاه وهذا من فقهه.
الأسئلة

  سبب عدم ذكر الحج والصيام في حديث معاذ
السؤال: لماذا لم يذكر الحج والصيام عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ؟ الجواب: الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان معتنياً بهذه الأركان الثلاثة، وأما تلك فتأتي تبعاً.وذكر صلى الله عليه وسلم الزكاة لأنها مقرونة في الكتاب بالصلاة في كثير من المواطن بخلاف الصوم والحج فإنها تأتي تبعاً، وبعض الصحابة منهم من شهد أن لا إله إلا الله، ولكن منع الزكاة مع أنه مسلم ولم يحارب أو يقاتل. فلما مات عليه الصلاة والسلام ارتدت العرب عن الإسلام -إلا من رحم الله- وبعضهم رفض الإسلام جملة وتفصيلاً، والبعض رفض الزكاة، حتى قالوا: رضينا رسول الله إذ كان بيننا فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر أيملكها بكر إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر فرفضوا الزكاة، فسمع أبو بكر رضي الله عنه ذلك فصعد على المنبر، وأخبر الناس وقال: ماذا ترون؟ فقام عمر: وأشار بألا يقاتلوا، وأشار عثمان بأن لا يقاتلوا، وقام علي وقال: لا يقاتلوا، وأجمع المهاجرون والأنصار في كل المسجد على ألا يقاتلوا.فسل أبو بكر السيف وقال: [[والذي نفسي بيده! لأقاتلن الذي يفرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وفي لفظ عناقاً- لقاتلتهم عليها]].ثم عقد الراية وهو على المنبر، ثم سلم الجيوش وأرسل خالداً إلى اليمامة وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وعمرو بن العاص إلى ناحية البوادي، وعكرمة رضي الله عنه إلى اتجاه البحرين وكان يعقد الرايات ويقول للصحابة: [[والله لو أخذت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم]].فنصره الله نصر عزيز مقتدر، حتى أتى الذين منعوا الزكاة في عمائمهم يقودهم خالد وعكرمة وعمرو وخالد بن سعيد بن العاص حتى أدخلوهم المسجد، فقام عمر -رضي الله عنه- على المنبر، وهؤلاء أهل العمائم رافضين الزكاة، في أطراف المسجد ساداتهم ومشائخهم.فقال أبو بكر: [[اختاروا من اثنتين -وفي لفظ: من ثلاث- قالوا: وما هي يا خليفة رسول الله؟- أصبح اليوم خليفة بعد أن ذاقوا سيف خالد - قال: إما حربٌ مجلية أو سلم مخزية.قالوا: بين لنا، قال: السلم المخزية، أن نترككم كالنساء، لا تحملون سيفاً ولا رمحاً ولا درعاً، وتبقون تذهبون مع النساء ومع الأطفال، وتأتون معهم، لا تحضرون معركة ولا غنيمة، ولا فيئاً.قالوا: والحرب المجلية، قال: أن نلبس سلاحنا الآن وننزل معكم فنتقاتل، فاضطربوا فقالوا: سلم مخزية.يكفيهم ثلاثة أشهر وخالد يعمل فيهم بالسيف، والآن أبو بكر رضي الله عنه يريد أن يقاتلهم مرة ثانية، ثم قال: إذاً كل من قتل لنا فادفعوا ديته، واشهدوا على أنفسكم أنكم ضلال وأنكم تبتم، وأن قتلاكم في النار وأن قتلانا في الجنة فنكسوا رءوسهم، فقام عمر فقال: يا خليفة رسول الله! أما قتلانا ففي الجنة, وأما أن يدفعوا دية قتلانا فما نرى ذلك، فما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صدقت، ولهم ذلك.فسلب أبو بكر سلاحهم وتركهم في عامة الناس]].وإذا قلنا: لماذا ذكرت الزكاة في هذا الجانب؟ قلنا: فقَّه الله أبا بكر، وشرح صدره، ووافقه الناس على ذلك يوم يشرح الله صدور أوليائه، نسأل الله أن يهدينا بهداه، وأن يوفقنا لرضاه، وأن يأخذ بأيدينا وأيديكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم من المتفقهين في دينه، المتطلعين على أسرار كتابه، العاثرين على سنن نبيه صلى الله عليه وسلم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , توجيه نبوي لمعاذ للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net