اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطريق إلى الهداية للشيخ : عائض القرني


الطريق إلى الهداية - (للشيخ : عائض القرني)
إن الطريق إلى الهداية هي الطريق إلى الله عز وجل, وهي مطلب عظيم لا يناله إلا أهل التوفيق والسداد, والعبادة، وهي أعظم الطرق المؤدية إلى الله عز وجل.ومن النماذج الساطعة في البحث عن الهداية: سلمان الفارسي رضي الله عنه، في قصة تنقله من عابد إلى عابد إلى أن لقي الرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به.وممن بحثوا عن الهداية ونالوها: معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي كان كثير الملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الطريق إلى الله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] اللهم صلِّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.حسبي وحسب المعاني حين أهديها أني إلى ساحة الأبرار أهديها يا رب هب لي بياناً أستعين به على حقوق العلا قد نام راعيها الطريق إلى الله عز وجل هو طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والله تبارك وتعالى ما خلق الخلق إلا ليعرفهم الطريق إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57] والله تبارك وتعالى ما أرسل الرسل، ولا أنزل الكتب، ولا شرع الشرائع، ولا جعل يوم القيامة، ولا نصب الميزان ومد الصراط إلا ليعرّف بنفسه تبارك وتعالى.وقد عَرَّف بنفسه تبارك وتعالى يوم كلمه موسى عليه السلام فقال تبارك وتعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:14-15] فهذا أعظم تعريف لله تبارك وتعالى عند أهل السنة والجماعة؛ أنه الله الذي لا إله إلا هو.والله عز وجل يوم أرسل رسولنا عليه الصلاة والسلام؛ دل الخلق على ربه، فكان يدعو إلى (لا إله إلا الله) وهي أعظم طريق موصلة إليه، ولا ينال ما عند الله تبارك وتعالى بمال ولا بمنصب ولا بجاه ولا بولد وإنما ينال بالعبادة.
 أقرب الناس من الله أكثرهم عبادة
وأقرب العباد من الواحد الأحد أكثرهم عبادة، وأبعدهم منه أكثرهم معصية، وقف ثلة من الصحابة على باب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يستأذنون يوم الندوة، يوم المؤتمر الذي يعقده أمير المؤمنين كل سنة، وأردوا الدخول.. فمن هم هؤلاء الثلة؟ وما هي مواصفاتهم؟ وما هي مؤهلاتهم التي يدخلون بها على عمر بن الخطاب؟هم أبو سفيان بن حرب قائد قريش في حروبهم مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم؛ من بني عبد شمس، أسرته من أرقى أسر العرب في النسب، وسهيل بن عمرو خطيب العرب، والحارث بن هشام وقف هؤلاء الثلاثة وبجانبهم بلال بن رباح , العبد، المولى، الرقيق، الحبشي، وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وابن مسعود الراعي, فطرقوا الباب مستأذنين في دار القضاء.ودار القضاء حول المسجد النبوي، لا يحضرها إلا جلة الناس، وكبراؤهم وعلماؤهم في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه، كان يدخل أقرب الناس من الله، فيدخل بقية العشرة، ثم يدخل أهل بدر على منازلهم، ثم يختار من الناس.فخرج الحاجب وقال: من بالباب؟ فقال أبو سفيان: أخبر أمير المؤمنين أنَّا هنا. قال: من أنتم؟ فعدوا له أسماءهم؛ فعاد إلى عمر وأخبره، قال: ائذن لـبلال بن رباح فليدخل، ثم قال: أدخل صهيباً، فدخل. ثم قال: أدخل سلمان؛ فدخل. ثم قال: أدخل ابن مسعود فدخل. ثم لما أدخل هؤلاء قال أبو سفيان -وقد اشتد غيظه-: والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أنه يطول بي حتى يدخل هؤلاء الأعبد قبلي على عمر بن الخطاب. لماذا؟ لأنه يزن الأمور بميزان الجاهلية، لا زال في ذهنه وظر من أوظار الجاهلية، أما عمر رضي الله عنه وأرضاه فإنه يزنهم بالكتاب والسنة، فقال سهيل بن عمرو وكان عاقلاً: يا أبا سفيان! والله ما علي من باب عمر ومن إذن عمر، ولكن أخشى أن يدعون يوم القيامة فيدخلون الجنة ونترك، إنهم دعوا فأجابوا وأبطأنا، وعرفوا وأنكرنا، وتقدموا وتأخرنا.فانظر كيف جعل عمر رضي الله عنه وأرضاه مؤهلات الناس بتقوى الله عز وجل ليس إلا!ولو كانت القيم تقاس بقانون هتلر أو نابليون أو لينين أو ماركس لكان لـبلال مواصفات أخرى لأنه أسود، لكن عمر رضي الله عنه وأرضاه في دولته ما ارتضى هذا، رأى أن بلالاً ينبغي أن يقدم على هؤلاء جمعياً؛ لأنه كان سابقاً إلى الإسلام.هل نسي المسلمون كلمة "أحد أحد" يصهر على الرمال، ويضرب، ويسحب، ويجلد، ويقولون له: تنازل عن معبودك فيقول: أحد أحد.أحد رميت بها بكل معطل تشفي بحول الله قلب معلل فلهذا كان هذا الرجل مقدماً لأنه عرف الطريق إلى الله.كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه فقال: {دخلت الجنة البارحة فسمعت دفي نعليك يا بلال! -أي: خشخشة الحذاء- فماذا تصنع؟ قال بلال رضي الله عنه وأرضاه: والله يا رسول! الله ما كنت كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة, ولكن ما توضأت وضوءاً في ليل أو نهار إلا صليت بعده ركعتين}.ما قال: لأنني ذو مال أو ولد أو منصب أو جاه, فلا جاه ولا ولد ولا منصب ولا مال، جاهه تقوى الله، ومنصبه لا إله إلا الله، وزاده لا حول ولا قوة إلا بالله، ومركبه آمنت بالله، وهو نداء الحق الذي يبعثه من منائر المسلمين، ويقع في الآذان التي تريد أن تحيا، هذا هو القريب من الله عز وجل.
سلمان رضي الله عنه الباحث عن الحقيقة
يوم أتى سلمان الفارسي يبحث عن النور وعن الطريق إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى, كان في أرض فارس المجوس عبدة النار، الذين ما أطفأ نارهم إلا محمد صلى الله عليه وسلم.أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا هذا الرجل كان يسجد للنار من دون الله، والعقل إذا لم يعرف الله ضل، والقلب إذا لم يهتدِ إلى الله عز وجل أصبح قلباً رخيصاً سافلاً حقيراً لا يساوى فلساً واحداً.فأراد أن يهتدي، ورأى بعض النصارى يقومون بطقوسهم الدينية فذهب إليهم فأعجبه دينهم، لأن دينهم أرفع قليلاً في المستوى من دين المجوسية -وبعض الأديان خير من بعض- فذهب إلى راهب فدله ذاك الراهب في قصة طويلة على راهب آخر، والآخر على آخر، وقبل أن يتوفى الراهب قال له سلمان رضي الله عنه وأرضاه: إنني صحبتك ورأيت فيك الخير فإلى من توصي بي؟ هل تعرف في الأرض رجلاً صالحاً توصي بي إليه؟ فقال هذا الراهب: ما أعلم اليوم على الأرض من رجل صالح إلا نبياً سوف يبعثه الله عز وجل، أظلك زمانه -أي: قرب حينه- فإذا سمعت به فالحق به، فهو في أرض ذات حرة سوداء وذات نخل.وركب سلمان رضي الله عنه وأرضاه مركب التوفيق، يوم سمع الله أكبر يُهتف بها من مكة، يوم يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم:وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] حتى يقول بعض المفكرين: سبحان الله! الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تعلن عالميتها من مكة وهو لم يكن عنده إلا شيخ واحد هو أبو بكر، ومولى وهو زيد بن حارثة، وامرأة وهي خديجة، وصبي وهو علي! ويقول الله له: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ولما سمعها كفار مكة ضحكوا وقالوا: أي رحمة وهم لا يجرؤ أحدهم أن يبول خوفاً من سيوفنا؟! لكن بعد عشرات السنوات أصبحت أعلام لا إله إلا الله على مشارف أسبانيا وعلى ضفاف نهر السند وفي جنوب أفريقيا، سرت هذه الدعوة؛ لأنها رحمة للعالمين.فأتى سلمان ونزل في المدينة , وهو لا يريد المال فعنده المال، وأبوه من أغنى أغنياء الدنيا, لكنه يريد الطريق إلى الله، يريد توفيق الله، يريد أن ينقذ نفساً حملها بين جنبيه، والرسول عليه الصلاة والسلام يوم أتاه عمه - كما في الحديث الحسن-العباس بن عبد المطلب قال: (يا رسول الله! أريد إمارة -أي: أنه يريد أن يتولى إمارة- لأنك وليت فلاناً وفلاناً. فقال له: يا عباس! يا عم رسول الله! نفس تنجيها ولا إمارة تحصيها). أعظم ما يمكن أن تنفع نفسك في الحياة الدنيا أن تنجو من غضب الله ولعنته وسخطه، فوصل سلمان رضي الله عنه وأرضاه إلى المدينة وعرف الحرتين ورأى النخل, وكان يتوقع وصول الهادي عليه الصلاة والسلام ليعرض نفسه على الطبيب؛ لأنه مرض من المشارب، ومن الملل والنحل، ومن الشركيات والانحراف والتقليد، فلما وصل كان من أعظم العلامات التي أخبر بها سلمان ثلاث علامات في الرسول صلى الله عليه وسلم:أولها: أنه لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية، انظر إلى هذه النفس التواقة الشريفة، نفس مرتفعة، الصدقة هي أوساخ الناس، وهي تطهير لأموال الناس وأعراضهم، فما قبلها ولا يقبلها عليه الصلاة والسلام، وفي صحيح البخاري أنه رأى عليه الصلاة والسلام الحسن بن علي -ابن بنته فاطمة - يأكل تمرة من تمر الصدقة فقال له: (كخ كخ _أي: اتركها- أما تعلم أنه لا تحل لنا الصدقة؟) طفل صغير يريد أن يربيه على الحلال فيقول له: كخ كخ، هذا لا ينبغي لنا، نحن بيت نربى على طاعة الله وعلى الحلال الصرف، فمن مواصفاته عليه الصلاة والسلام أنه لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية.ثانيها: أن بين كتفيه خاتم النبوة عليه الصلاة والسلام، فأتى سلمان رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى النخل وأتى بشيء من الرطب وتقدم به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه, فقال: هذه صدقة أتصدق بها عليكم، فكف صلى الله عليه وسلم يده وأكل أصحابه، وفي اليوم الثاني أتى برطب فقدمه وقال: هذه هدية أهديها لكم؛ فأكل عليه الصلاة والسلام.وذهب صلى الله عليه وسلم يشيع جنازة فرأى سلمان خاتم النبوة بين كتفيه، فجعل يقبل ذلك الخاتم وشهد أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله، وبعد أيام ليست بطويلة يقول عليه الصلاة والسلام: (سلمان منا آل البيت) أصبح ذلك المولى الفارسي الفقير المسكين من بني هاشم بالتقوى، والزهد، والعبادة، والإقبال على الله!جلس سلمان رضي الله عنه وأرضاه -بعد أن عرف الطريق إلى الله- مع قوم من العرب، فقالوا لبعضهم: انتسبوا. فيقول الأول: أنا تميمي، ويقول الآخر: أنا غطفاني، ويقول ذاك: أنا فزاري، فقالوا لـسلمان: وأنت ممن أنت؟ فقال:أبي الإسلام لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم وهذا هو الفخر العظيم لـسلمان رضي الله عنه وأرضاه.وبقيت حياته على وتيرة من الزهد والصدق والعفاف، ويوم تولى عمر رضي الله عنه وأرضاه كان لا يعرف الرجال بالطول ولا بالعرض، ولا يعرفهم بالأسر ولا بالمناصب, بل يعرفهم بتقوى الله، حتى إنه يقول لبعض الأمراء: تول ولاية كذا وكذا. فيقول: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: والله لتتولينها فإني رأيتك في الليل تصلي وتبكي ولا يراك إلا الله. هذه هي المؤهلات عند عمر بن الخطاب، وكان رضي الله عنه وأرضاه يحاسب أمراءه وهو في عرفات , يحاسب أمراء الأقاليم على الدنيا فكان يقول: يا أيها الناس! والله ما بعثتكم لضرب أبشار الناس ولا أجسادهم, وإنما بعثتكم رحمة للناس.يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه وهذه فعلها واحد من أحفاده وهو عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، جلس في الأيام الأُول من خلافته في السرادق -الإيوان أو الديوان- فأتى الناس وفوداً يسلمون عليه ويخرجون من الباب الآخر, فدخل ثلاثة شباب في عنفوان الصبا وفي زهرة الفتوة فجلسوا على الكراسي؛ فالتفت إليهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الزاهد فقال: أبناء مَن أنتم؟ قال الأول: أنا ابن الوالي الذي كان والياً لـعبد الملك بن مروان على البصرة؛ فسكت عمر بن عبد العزيز؛ لأن هذه لا تذهب عنده كثيراً، وقال للثاني: وأنت ابن مَن؟ قال: أنا ابن أحد قواد الجيش الذين كانوا مع الوليد بن عبد الملك؛ فسكت، وقال للثالث: وأنت ابن مَن؟ وهو ابن قتادة بن النعمان الأنصاري , الذي ضربت عينه يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسالت على خده فردها صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة.. قال الفتى:أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد فبكى عمر بن عبد العزيز والتفت إليه وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالاً يقول: من أراد أن يفتخر فليفتخر بمثلك؛ لأن فخرك بالإسلام، وبالخدمة وبالجهاد في سبيل الله، وبرفعة لا إله إلا الله.
 وفاة سلمان رضي الله عنه
وفي الأخير حضرته الوفاة وهو أمير, فأتوا ينظرون إلى ميراثه فإذا هو شملة وعصا وصحفة..! شملة يفترشها له ولضيوفه ويجلس عليها في محكمته، وعصا يتوكأ عليها ويخطب عليها ويحتمي بها، وصحفة يأكل فيها ويغتسل ويتوضأ بها؛ فبكى سلمان وهو في سكرات الموت. فقالوا: ما لك تبكي؟ قال: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لنا: {ليكن زاد أحدكم من الدنيا كزاد الراكب} ونحن أكثرنا من الدنيا. قالوا: غفر الله لك وأي إكثار من الدنيا؟! قال: أتتهاونون؟ إني أخاف أن أسأل يوم القيامة عن هذه الشملة والعصا والصحفة!! رضي الله عنهم وأرضاهم، هؤلاء هم الذين عرفوا الطريق إلى الله.
معاذ وسؤاله العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم
جاء عند الترمذي بسند حسن -والحديث بمجموع طرقه يصل إلى درجة الصحيح- عن معاذ رضي الله وأرضاه, وهو الداعية الكبير، قدوة كل شاب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، معاذ الذي كان له المنصب العالي في حياته عليه الصلاة والسلام، والذي أرسله صلى الله عليه وسلم داعية إلى أهل اليمن فهدى الله به الأرواح، ويوم ودع الرسول عليه الصلاة والسلام ذاهباً إلى اليمن بكى، وهذه القصة أوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما لك تبكي يا معاذ؟ قال: يا رسول الله أبكي لفراقك. قال: لا تجزع فإن الجزع من الشيطان، يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، يا معاذ! اذكر الله عز وجل عند كل شجر وحجر ومدر). يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدنت راحلتي من راحلته.أي: اقترب منه وهم في السفر، فخلا له الجو بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وتصور أنت في نفسك أنك في جمع عظيم، وفي جيش عرمرم جرار، وفي ألوف مؤلفة من الناس، ثم تخلو برسول الهدى صلى الله عليه وسلم في الطريق أنت وهو! فلما خلا معاذ رضي الله عنه وأرضاه برسول الهدى صلى الله عليه وسلم أراد أن يسأله أعظم سؤال, ومن أعظم الأسئلة في تاريخ الإنسان، وأهل الدنيا يسألون للدنيا, وأهل الجاه يسألون للجاه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].اقترب معاذ من الرسول صلى الله عليه وسلم، ودنا منه الرسول صلى الله عليه وسلم, وأخذها فرصة ثمينة غالية، وكان بإمكانه أن يسأله الإمارة, أو أن يؤتيه منصباً أو أن يمنحه مالاً, لكنه رفض ذلك كله، وما سأله إلا عن سؤال عظيم في الآخرة؛ لأن الناس أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمنهم من سأله المال فأعطاه صلى الله عليه وسلم المال، ومنهم من سأله المنصب فأعطاه المنصب، ومنهم من سأله أعراضاً أخرى فأعطاهم عليه الصلاة والسلام: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:20-21].خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوزع غنائم حنين , وكانت -كما يقول أهل السير- أربعة وعشرين ألف رأس من الغنم، وسبعة آلاف رأس من الإبل غير البقر والذهب والفضة، فما سأله أبو بكر ولا عمر ولا معاذ ولا أبو هريرة ولا أُبي إنما أتى الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام يسألون، لا زالت قلوبهم فارغة من التوحيد ومن الإيمان ومن الذكر ومن العمل الصالح.أتى حكيم بن حزام فقال: يا رسول الله! أعطني. فقال: أترى الغنم التي بين الجبلين؟ قال: نعم. قال: هي لك، فأخذها. وأتى في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله! أعطني. قال: خذ, فأعطاه مائة ناقة. وفي اليوم الثالث ظنها فرصة ويظن أنها لفضله, فجاء وقال: أعطني يا رسول الله! فأعطاه مائة ناقة، وفي اليوم الرابع قال: أعطني يا رسول الله! وكان من أغنى أغنياء مكة، يكسو الكعبة سنة وأهل مكة يكسونها سنة! فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم وقال: يا حكيم! إن هذا المال حلوة خضرة، واليد العليا خير من اليد السفلى. فقال: والله يا رسول الله! لا أرزأ بعدك أحداً من الناس. أو كما قال. أي: لا أطلب مالاً أنقصه على أحد من الناس بعدك، حتى عطاؤه ما كان يسأله من أحد من الخلفاء، فكان أبو بكر يعطيه العطاء فيقول: لا، وكان عمر يعطيه فيقول: لا، فيقول عمر رضي الله عنه: أشهدكم أيها الناس أن حكيماً دفعت له عطاءه فأبى ذاك العطاء.فالمقصود أنه أتى معاذ وهو من العلماء النبلاء، وفي حديث سنده حسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (معاذ قائد العلماء يوم القيامة برتوة) وفي لفظ: (يدخل أمام العلماء يوم القيامة برتوة) والرتوة رمية الحجر، أي أن علماء الأمة الإسلامية إذا اجتمعوا يوم العرض الأكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, يكون قائدهم معاذ رضي الله عنه وأرضاه، يمضي قبلهم حتى يدخل الجنة.قال معاذ: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار -لا فض فوك، ما أحسن هذا المقال! وما أحسن هذا السؤال!- فقال عليه الصلاة والسلام: لقد سألت عن عظيم) هذا السؤال من أعظم الأسئلة في تاريخ الإنسان؛ ولذلك جعل أهل العلم هذا الحديث من أصول أحاديث الأعمال، وأتى به النووي في الأربعين النووية، وتكلف كثير من العلماء في شرحه، وقاموا بتوضيحه للناس وهو وصية أهديها لنفسي وإليكم جميعاً.قال: ( لقد سألت عن عظيم! وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) هذا هو الإسلام، هذا السطر هو مفهوم رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس فيه ألغاز ولا مشكلات ولا تصفيف كلام ( تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة -أي: وقاية من العذاب ومن النار والعار والدمار- والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا عليه الصلاة والسلام تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ... [السجدة:16] حتى بلغ يَعْمَلُونَ [السجدة:17] ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! -أي: فقدتك أمك.. لا تفهم هذه المسألة، وهو دعاء عند العرب لا يراد منه إمضاء هذا الدعاء ولا إيقاع هذا الدعاء بالمدعو عليه- وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) -وفي لفظ آخر: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم).هذا السائل عن طريق الجنة أجابه الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الإجابة، والطريق إلى الله عز وجل يكمن في هذا الحديث ( تعبد الله لا تشرك به شيئاً) ولذلك كان يوصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس.
 خطر اللسان
ثم قال عليه الصلاة والسلام: {ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ -أي: ما يجمع عليك ذلك- قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال: كُفَّ عليك هذا} أخطر ما يمكن أن يواجه العبد في الدنيا هو لسانه، ولذلك قالوا: تسعة أعشار الذنوب من اللسان! والغزالي في الإحياء بوب أبواب الذنوب التي تصاب من اللسان فجعلها عشرة أبواب، والرسول عليه الصلاة والسلام كلما ذكر عبداً ذكره بذنب لسانه، فإنه أسرع في الذنوب وفي الخطأ, وهو يتكلم بلا حساب، وهو يفرط منك بلا شعور، فيغتاب وينم ويأتي بالبذاءة، ويأتي بكلمة مدلهمة قد تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً، فنسأل الله العافية.ورد عن أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أنه وقف يبكي وحده ويقول: [[هذا أوردني الموارد ويأخذ بلسانه]]. هذا أبو بكر رضي الله عنه فما بالنا نحن؟! وابن عباس بكى على الصفا وأخذ بلسان نفسه وقال: [[يا لسان.. قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم]].ويقول ابن مسعود -كما نقل عنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم -: [[والله الذي لا إله إلا هو ما في الدنيا أحق بطول حبس من اللسان]] , والشافعي رحمه الله يقول:لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعيناك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل يا عين للناس أعين والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح: {من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة} فهي ضمانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن من يضمن؟ انظر إلى نفسك من يوم أن تصبح الصباح إلى أن تنام وأنت في كلام مستمر، ولو ذكرنا الله عز وجل بقدر كلامنا مع الناس وأخذنا وعطائنا واتصالاتنا وزياراتنا لكنا من الذاكرين الله كثيراً، لكن إذا ذكرنا ذكرنا بغفلة ونسيان وهوس، وإذا أتينا لنتكلم مع الناس استحضرنا قلوبنا وأبدعنا في الكلام، وصححنا الكلمات والنطق، وهذا ليس منهجاً سديداً؛ أن يكثر العبد من اللغو، والله وصف المؤمنين بأنهم عن اللغو معرضون.ذكر عن الربيع بن خثيم -أحد الزهاد العباد التابعين الأخيار- أنه كان يحسب كلامه من الجمعة إلى الجمعة! فقالوا: ما لك؟ أتستطيع ذلك؟! قال: ألا تظنون أن علي رقيباً وعتيداً يحصي ما أقول عن اليمين وعن الشمال؟وعطاء بن أبي رباح ذكر عنه صاحب التذكرة أنه قال: يا أيها الناس! اتقوا الله في ألسنتكم، لا تتكلموا إلا بخير أو بتلاوة أو بذكر، أو بأمر بمعروف أو نهي عن منكر؛ فإن أعمالكم تحصى عليكم.وسمعت عائشة رضي الله عنها وأرضاها جارات لها يتحدثن بعد صلاة العشاء, فأرسلت جارية لها وقالت: قولي لهن يتقين الله ويرحن الكتبة، لأن الملك لا يترك الكتابة حتى تنام، فمهمته أن يبقى معك حتى تنام، فما بالك بإنسان يبقى حتى الساعة الواحدة أو الساعة الثانية عشرة وهو يتكلم في هذا وذاك وفي المجريات؟ وهذا إن كان من المحسنين، ففي الأخبار والأسعار والأمطار وما جد في المجتمع، والسيء من يغتاب الناس ويأكل لحومهم وأعراضهم، يُجرح ويُعدل بعد صلاة العشاء التي كان السلف يقومون يتباكون فيها تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] الوقت الذي ننام فيه نحن كان السلف يقومون فيه ويصلون.تجد كثيراً من المجالس تئن وتشكو إلى الله عز وجل من كثرة الذنوب والخطايا، والحرمات التي تنتهك في هذه المجالس. إني أدعو نفسي وإياكم إلى حفظ هذا اللسان، وإلى ذكر الله به كثيراً، وإلى تقوى الله فيه, فإنه كما ورد في حديث ابن عباس -يرفعه تارة ويقفه على نفسه تارة-: {يأتي العبد يوم القيامة أحنق شيء على لسانه, يقول: هذا أوردني الموارد}. فنعوذ بالله من لسان لا يسلم من الخطأ، ونعوذ بالله من لسان لا يتسدد على الحق، ونعوذ بالله من لسان لا يجتنب اللغو, فإن الله إذا هدى سدد ووفق, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أيها الإخوة الكرام! أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد والرشد, وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأسأله أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 تنبيه على بعض المنكرات
السؤال: هنا بعض المنكرات التي انتشرت في المجتمع, كالغناء الماجن بالمكبرات، والرقص الجاهلي الذي يفعل في كثير من الحفلات. فهل من تنبيه على هذا الأمر؟الجواب: أولاً: الغناء -كما تعرفون- محرم، وقد أفتى بهذا كثير من أهل العلم، وهو مستند إلى أحاديث من المصطفى صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح من حديث أبي مالك الأشعري يقول عليه الصلاة والسلام: {ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} واستحلالها يكون بعد التحريم، وعند أبي داود من حديث ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع زمارة راعٍ, فوضع أصبعيه في أذنيه حتى انتهى الصوت، وفعل ذلك ابن عمر.وعند ابن خزيمة بسند صحيح قوله عليه الصلاة والسلام: {إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة} فهذا محرم وأمره وظاهر.أما الحفلات والأعراس ففيه تفصيل، فإن اجتمع النساء في مكان لا يخالطهن الرجال، ولا ضيعت فيه الصلوات فلا بأس بضرب الدف، وقد جاء في سنن أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم بسند صحيح: {أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف} فالدف في حد ذاته للنساء لا بأس به في الأعراس، وأما إذا زاد وصاحبه عود أو وتر أو مغنية فاجرة أو مغن فاجر فهذا يحرم، إنما الدف في حد ذاته مباح وحلال للنساء في الأعراس بشروطه التي وردت.كذلك التصوير للنساء المخدوعات وقد يصل الأمر إلى التصوير بالفيديو، وهذه من المنكرات الطامة التي بدأت تظهر في المجتمع ونسأل الله أن يكفينا شرها، وإذا انتشرت هذه السيئة فقل على الأمة السلام، إذا خرجت صورة المرأة في المجتمع، أو خرجت في الأندية أو تدوولت في المجالس فقد انتهك العرض، وانكسر الشرف على عتبة الهلاك -نسأل الله العافية- وضاع البيت وانهار، وذهبت القيم والأخلاق، وانهارت كل قيم المجتمع، وأصبحت البيوت ملطخة بالعار والدمار والشنار نعوذ بالله من ذلك.حتى ذكروا أن البلاد العربية التي دخلها الاستعمار ما تمكن فيها إلا يوم أن خرجت صورة المرأة.. سبحان الله! تصور وأنت العاقل الأريب البار الخير الذي تريد حماية عرضك في الدنيا والآخرة وتريد شرفك في الدنيا والآخرة, فتفاجأ وأنت في مجلس من المجالس وإذا بصورة زوجتك تتناول بين أيدي الرجال الذين لا يريدون الله ولا الدار الآخرة..! لأن في الناس فجرة، وفيهم من لا يملك القيم ومن ليس عنده مروءة، ومن يريد أن ينتشر الزنا تماماً في المجتمع، وأن تباع الخمر كما يباع البيبسي في الأسواق..! قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] والله أعلم بالسرائر، فتصور أن صورة زوجتك يطاف بها في المجالس, ثم تفاجأ وإذا بها في يدك، أو صورة ابنتك أو صورة أختك؛ تصبح الحياة في عينك مرة مظلمة سوداء منتنة ولا تستطيع العيش.فالله الله يا من آمن بالله وباليوم الآخر أن تكون كلمتكم واحدة، وأن تقوموا في وجه الذين يريدون الإفساد في الأرض؛ فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى طلب إيقافهم ونهيهم عن المنكر, فإن الشر يعم والخير يخص.ويا أهل العقول أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأوصيكم أن تقوموا في سبيل الله عز وجل دعاة خير, وأن تتآمروا بالمعروف وتتناهوا عن المنكر؛ ليرضى الله عنكم ظاهراً وباطناً، وليسعدكم في الدنيا والآخرة، وليكون الله معكم أينما كنتم وأينما سرتم، أيدوا كلمة الحق وقوموا مع المحق، ولا ترضوا بالباطل وقوموا في وجهه؛ حينها يرضى الله عنا وعنكم.نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لنا ولكم التوفيق والهداية، والسداد والرشد، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك الغنى في القصد والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك؛ في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطريق إلى الهداية للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net