اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخطر الأحمر للشيخ : عائض القرني


الخطر الأحمر - (للشيخ : عائض القرني)
إن مما عمَّت به البلوى في هذه الأيام، وفي هذا العصر آفة عظيمة، وهي المخدرات والخمر، فيا ترى ما هي الأسباب التي جعلت الكثير من المسلمين يقعون في هذه الآفة العظيمة؟وما هو سبب انتشارها بين المسلمين؟وما هو السبب الذي جعل الصحابة رضوان الله عليهم يبتعدون عن مثل هذه الأشياء؟وما هي الوسائل التي تجنبنا مثل هذه الأشياء؟وما هو الحل لمن وقع في هذه الآفة؟أهو الحبس والسوط؟ أم ماذا؟
أخطار المخدرات
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً صلى الله وسلم على محمد حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المؤيد بجبريل، المعلم الجليل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.سلام الله أرفعه إليكم بأشواقي لكم في خير لقيا وأرفع من رُبى أبها سلاماً لأهل الفضل من سكان صبيا إن هذا الاجتماع يعلن أن البقاء للإسلام، وأن المستقبل للإسلام، وأن البناء لهذا الدين الذي أنزله الله على البشرية، قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109].المخدرات، وما أدراك ما المخدرات؟ اسم مرعب، مخيف مزعج، وما أتت المخدرات وما وجدت إلا ومعها قرائن من المعاصي والسيئات والمخالفات ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور ) [النور:40].هذه المخدرات تدخل في مظلة الخمر، وهي بنات عم الخمر، ومن سلالته وفصيلته.تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90-91]. لماذا انتشرت المخدرات؟ لماذا كثر المروجون؟ لماذا ضاع كثير من الشباب؟ لماذا أُودِع كثير من فتيان الإسلام السجون؟ لماذا يوضع أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في السجن على جريمة المخدرات؟ لماذا يؤخذ أبناء صلاح الدين وطارق بن زياد وعقبة بن نافع، ويوضعون في السجون بجريمة المخدرات؟ ما هي الأسباب؟ أأتت عفوية؟ أم ماذا؟ لا. والله، إذاً ما هو السر؟ وما هو السبب؟ كيف يؤخذ شبابنا في المخدرات والمخالفات والمعاصي والمغريات التي اطلع عليها رب الأرض والسماوات؟!
 

أسباب الوقوع في المخدرات وانتشارها

 من أسباب الوقوع في المخدرات: الفراغ
فراغ يعيشه قطاع هائل منا، بطالة وعطالة ومادة ومال وثراء وقلة إيمان، وتصور إنساناً يجتمع له الشباب والصحة والفراغ والمال، ماذا يكون حاله؟!إن الشباب والفراغ والجِدَة مفسدة للمرء أي مفسدة فإذا اجتمعت هذه الأمور فهي عمىً على عمى، وقضية الفراغ محسوبة على الأمة، وما أتى الفراغ إلا يوم أتى نقص الإيمان، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الحياة والوقت: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] تعالى الله أن يخلقنا عبثاً، وتعالى الله أن يضيع ليلنا ونهارنا سدى، وتعالى الله أن يجعلنا هملاً، ولكن فعلها كثير من الشباب. شاب يقول لزميله - وهو يحاوره-: والله ما فتحت المصحف ستة أشهر! كيف تعيش؟ وكيف تحيا؟ وكيف تستنير؟ وكيف ترى طريقك؟ وبم تدخل القبر؟ وكيف يُنَوَّر لك قبرُك وأنت لا تقرأ القرآن؟ من أين تأتيك الهداية؟ من التمس الهداية في غير القرآن، أضله الله، ومن التمس النور من غير القرآن؛ أعماه الله، ومن التمس السداد من غير القرآن؛ أغلق الله أمامه الأبواب، ومن طلب الغنى من غير القرآن؛ أفقره الله.يقول صلى الله عليه وسلم عند مسلم وغيره: {اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا سورة البقرة وآل عمران، اقرءوا الزهراوين سورة البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان كغمامتين، أو غيابتين، أو كفرقان من طير صواف تظلان صاحبهما يوم القيامة}. ويقول صلى الله عليه وسلم: {خيركم من تعلم القرآن وعلمه}. ويقول عليه الصلاة والسلام: {سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها، فأدخلته الجنة: سورة الملك (تبارك)} فمن ذا يحفظها؟ ومن يتدبرها؟ ومن يعيش معها؟ إذاً الفراغ هو السبب في أننا وقعنا في المعاصي.صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ} نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: -وذكر عمره فيما أفناه-} فيم صرفت عمرك؟ دقائقك، وثوانيك، ليلك، ونهارك؟ أين ذهبت؟ دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان ومن هو المسئول الثالث عن الشاب؟ إنه الداعية المسلم، الأب والأستاذ والداعية، وهذا أمر نطرحه بين يدي أصحاب الفضيلة العلماء، والقضاة، وكتبة العدل، والأساتذة، والمشايخ، أن ينقذوا شباب المسلمين، أن ينزلوا إلى الساحة، ويتركوا الصوامع العاجية، والحواشي المظلمة، ويقودوا الشباب، ويعلموهم، ويدخلوا الإيمان في قلوبهم، ويجلسوا في المساجد والحلقات والدور والبيوت، وهذا لا يخفىعليهم، ولكنه لا بأس بالتذكير، فإنه مما علم أن هذه المنطقة وغيرها، وهذه بالذات من أكثر المناطق وجوداً للعلماء وأصحاب الفضيلة منهم نستفيد لابد أن منهم الشباب، ويوم ينزلون لتوجيه المسيرة، ويوم يرتقون المنابر، ويخرجون إلى المساجد، ويتصدرون الحلقات يكتب الله على يديهم الفتح المبين لهذه الأمة، أمة والله لا تصلح بـ(أرأيتَ) و(أرأيتَ) هذه اجعلوها في اليمن.جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: [[أرأيتَ إن فعلتُ وفعلتُ، قال: اجعل أرأيتَ في اليمن]] أمة -والله- لا تصلح إلا بالعلماء، ولا يستقيم شبابها إلا بالعلماء، هناك صحوة لكن تحتاج إلى علماء، تحتاج إلى قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.
مفاسـد الخمـر
ومن مفاسد الخمر: أفقر الله مقتنيها إن لم يتب، وأعدم صحته، وأذهب عقله ذلك العقل العزيز الكريم. قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].وقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) [آل عمران:190] أي: لأولي العقول. يقول المتنبي: لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان قال ابن الوردي: اهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنونٍ مَن عَقَل؟! وهي قصيدة وعظية ينادي بها الشباب- وقد خمسها أحد العلماء، وهي تعرف باسم: (اعتزل ذكر الأغاني والغزل) فهل صحا شبابنا؟! وهل عاد شبابنا؟! وهل وعى شبابنا أن مسألة العود والكمنجة قد انتهى وقتها؟! وقد أظلم عليها، وقد قامت عليها اللعنة، أما تكفي الأمة خيبة وخسارة وفشلاً أننا بقينا على العود والوتر والناي وطائرات إسرائيل يحجز شعاع الشمس. قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا إذا تبدت لنا الميراج تقصفنا سعت لتسقطها الصيحات والخطب ظنوا القنابل أبواقاً مزخرفةً والقاذفات هي الأترنج والعنب أمة مخدرة، أم كلثوم -كوكب الغرب أو الشرق أو الظلام- تغني الشباب، وكأس الخمر يقدم للأمة والحبوب المخدرة والدخان والقات والكمنجة، ثم التصفيق، ونقصف من مليون صهيوني أحفاد القردة والخنازير. أين أبناء خالد؟ أين أبناء علي؟ أين أبناء طارق وصلاح الدين؟ ولذلك وصلنا إلى هذا المستوى الذي لا نحسد عليه، فيقول ابن الوردي للشباب:اعتزل ذكر الأغاني والغزلْ وقل الفصل وجانب من هزلْ عارضه الطوسي وخمَّس قصيدته، فقال: أيها اللاهي بلا أدنى وجلْاتق الله الذي عز وجلواستمع قولاً به ضرب المثلاعتزل ذكر الأغاني والغزلوقل الفصل وجانب من هزل قال ابن الوردي: إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل فقال الطوسي: كم أطعت النفس إذ أغويتهاوعلى فعل الخنا ربيتهاكم ليال لاهياً أنهيتهاإن أهنا عيشة قضيتهاذهبت لذاتها والإثم حل ثم يقول: اهجر الخمرة إن كنت فتىً كيف يسعى في جنونٍ منْ عقل؟! ويسافر بعض الناس في العطل الصيفية للفساد، وللزنى، ولشرب الخمر، وللدعارات وغضب المولى، فلماذا؟ إنه بسبب عدم الإيمان، ووجود ظلام دامس في القلب نخره النفاق، فدخلت فيه الزندقة، حتى ابتعد عن الله؛ والقلب إذا ابتعد عن الله، تقطعت به الحبال. استمع لما قاله صلى الله عليه وسلم في أحاديث عن الخمر وبنات عمها من المخدرات، والمخدرات رضعت مع الخمر، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وكذلك قريبتها القات، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مفتر حرام) فإذا قال أهل القات: إنه لا يسكر. قلنا: يفتر وهم متفقون معنا في أنه يفتر، فهو حرام، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مفتر حرام) وفيها ذهاب للمال وللأوقات، وذهاب للعقول، وذهاب للمصالح العامة والخاصة.قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه وعند أحمد والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر: (من شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة إن لم يتب) فمن شرب الخمر -ويلحقها المخدرات- لم يشربها في الآخرة، إن لم يتب، كيف؟ أفي الجنة خمر؟ نعم. فيها نهر من خمر لذة للشاربين- أسقانا الله من ذاك الخمر الذي لا غول فيه ولا هيام ولا مرض ولا علة- وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها، وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومبتاعها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها) رواه أبو داود والحاكم بسند صحيح.ملعون من يفعل ذلك، من يروج المخدرات، ومن يريد أن تشيع في الساحة، ومن يسعى في انتشارها بين شباب المسلمين فإنه ملعون، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أسكر كثيره؛ فقليله حرام).وصح عنه أنه قال: (كل مفتر حرام).وصح عنه أنه قال: (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام).وعند الطبراني بسند فيه نظر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من شرب خمراً خرج نور الإيمان من قلبه) من شرب خمراً خرج نور الإيمان من قلبه ونور القرآن ونور الإسلام.وصح عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث أنه قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو يدمنها ولم يتب منها، فلن يشربها في الآخرة). وعنه صلى الله عليه وسلم عند الطبراني بسند حسن: (من شرب مسكراً لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً) صلاة أربعين يوماً لا يقبلها الله لمن شرب مسكراً، أو تناول مخدراً، أو ما في حكم ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام: (من شرب الخمر، أتى عطشاناً في يوم القيامة) رواه أحمد بسند حسن عن قيس بن سعد. ولكن الآن ما هو الحل لهذه المعاصي؟ وكم من المرات خرجنا نستسقي فلم ينزل إلا بعض الفطرات اليسيرة، والعلة معروفة: الذنوب وخطايا، خرجنا لصلاة الاستسقاء ونسينا أن الربا منتشر، خرجنا لصلاة الاستسقاء والزنا عام، والغناء يُرَوَّجُ له، والفنانون يملئون الساحة، والراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والمطبلون والمطبلات، خرجنا لصلاة الاستسقاء والمجلة الخليعة تحمل الصورة الداعرة للمرأة الفاسدة وهي تملأ الحوانيت والبقالات والأسواق، خرجنا والقرآن يُهْجَر إلا في بيوت من رحم ربك، خرجنا والقطيعة والعقوق وكل ما سألت عنه من المعاصي موجود.تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد صلينا وفينا بقية باقية خرجت خائفة وجلة، فأتانا قليل من الغيث، قحطت البلدان، وغضب الرحمن، وجفت المياه من الأنهار، وغاضت الآبار، وماتت الأشجار، وذبلت الأزهار، وغضب رب الأرض والسماء الواحد القهار، فأين التوبة؟، وأين العودة؟، وأين مراجعة النفس؟ هذه كلها بسبب ذنوبنا التي سددنا بها طريق القبول والرزق من الواحد الأحد. فما الحلول لنا من معاصينا؟
 من أسباب الوقوع في المخدرات: الفراغ
فراغ يعيشه قطاع هائل منا، بطالة وعطالة ومادة ومال وثراء وقلة إيمان، وتصور إنساناً يجتمع له الشباب والصحة والفراغ والمال، ماذا يكون حاله؟!إن الشباب والفراغ والجِدَة مفسدة للمرء أي مفسدة فإذا اجتمعت هذه الأمور فهي عمىً على عمى، وقضية الفراغ محسوبة على الأمة، وما أتى الفراغ إلا يوم أتى نقص الإيمان، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الحياة والوقت: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] تعالى الله أن يخلقنا عبثاً، وتعالى الله أن يضيع ليلنا ونهارنا سدى، وتعالى الله أن يجعلنا هملاً، ولكن فعلها كثير من الشباب. شاب يقول لزميله - وهو يحاوره-: والله ما فتحت المصحف ستة أشهر! كيف تعيش؟ وكيف تحيا؟ وكيف تستنير؟ وكيف ترى طريقك؟ وبم تدخل القبر؟ وكيف يُنَوَّر لك قبرُك وأنت لا تقرأ القرآن؟ من أين تأتيك الهداية؟ من التمس الهداية في غير القرآن، أضله الله، ومن التمس النور من غير القرآن؛ أعماه الله، ومن التمس السداد من غير القرآن؛ أغلق الله أمامه الأبواب، ومن طلب الغنى من غير القرآن؛ أفقره الله.يقول صلى الله عليه وسلم عند مسلم وغيره: {اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا سورة البقرة وآل عمران، اقرءوا الزهراوين سورة البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان كغمامتين، أو غيابتين، أو كفرقان من طير صواف تظلان صاحبهما يوم القيامة}. ويقول صلى الله عليه وسلم: {خيركم من تعلم القرآن وعلمه}. ويقول عليه الصلاة والسلام: {سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها، فأدخلته الجنة: سورة الملك (تبارك)} فمن ذا يحفظها؟ ومن يتدبرها؟ ومن يعيش معها؟ إذاً الفراغ هو السبب في أننا وقعنا في المعاصي.صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ} نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: -وذكر عمره فيما أفناه-} فيم صرفت عمرك؟ دقائقك، وثوانيك، ليلك، ونهارك؟ أين ذهبت؟ دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان ومن هو المسئول الثالث عن الشاب؟ إنه الداعية المسلم، الأب والأستاذ والداعية، وهذا أمر نطرحه بين يدي أصحاب الفضيلة العلماء، والقضاة، وكتبة العدل، والأساتذة، والمشايخ، أن ينقذوا شباب المسلمين، أن ينزلوا إلى الساحة، ويتركوا الصوامع العاجية، والحواشي المظلمة، ويقودوا الشباب، ويعلموهم، ويدخلوا الإيمان في قلوبهم، ويجلسوا في المساجد والحلقات والدور والبيوت، وهذا لا يخفىعليهم، ولكنه لا بأس بالتذكير، فإنه مما علم أن هذه المنطقة وغيرها، وهذه بالذات من أكثر المناطق وجوداً للعلماء وأصحاب الفضيلة منهم نستفيد لابد أن منهم الشباب، ويوم ينزلون لتوجيه المسيرة، ويوم يرتقون المنابر، ويخرجون إلى المساجد، ويتصدرون الحلقات يكتب الله على يديهم الفتح المبين لهذه الأمة، أمة والله لا تصلح بـ(أرأيتَ) و(أرأيتَ) هذه اجعلوها في اليمن.جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: [[أرأيتَ إن فعلتُ وفعلتُ، قال: اجعل أرأيتَ في اليمن]] أمة -والله- لا تصلح إلا بالعلماء، ولا يستقيم شبابها إلا بالعلماء، هناك صحوة لكن تحتاج إلى علماء، تحتاج إلى قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.
أسباب النجاة من المعاصي
هناك أسباب كثيرة، منها:
 الحل لمن وقع في المخدرات
ولكن بقيت مسألة هامة وسوف أطرحها بين أيديكم، وقد طرحتها بين يدي كثير من الناس من الوجهاء وأهل الحل والعقل، وهذه المسألة تقول: ما هو حل الشباب الذين وقعوا في المخدرات؟ أهو الحبس؟ أم السجن؟ أم السوط؟ أم السيف؟ أم ماذا؟ والحل هو: أن يوصل الإيمان إلى قلوبهم، السوط والسجن والسيف ليس حلاً. قد يدخل السجن، ولكنه يعود، وقد عاد بعضهم أربع مرات، وقد رأينا بعضهم في السجون قد عاد مرات كثيرة في المخدرات، تولع لها؛ لأنه يضرب ويسجن ويحبس، ثم يخرج وقلبه قلبه، وما زاد إيمانه، فالحل: أن يدخل الإيمان في قلوب هؤلاء، وأن يعلموا طريق الجنة، وأن يحذروا من طريق النار، وأن يكون الله أهيب إليهم من كل أحد، وأن تكبر منزلة الإيمان في قلوبهم، وهذا حل مقترح يعرض عليهم.وقضية الأوامر لا تكفي وحدها للناس، قضية السوط، وقضية افعل واترك؛ لا تكفي، ولم يستخدمها عليه الصلاة والسلام، متى حرمت الخمر؟ حرمت في المدينة، ولم تحرم في مكة لأن القرآن نزل والناس على أول استقامة والرسول صلى الله عليه وسلم يربيهم بالإيمان، ويغرس شجرة الإيمان، ويزرع في قلوبهم لا إله إلا الله، لو قال: "اتركوا الخمر" لقالوا: لا. ولو قال: "لا تزنوا" لقالوا: لا. ولو قال: "لا تسرقوا" لقالوا: لا. لأنه ليس هناك إيمان، لكن لما هاجر إلى المدينة، وامتلأت قلوبهم بالإيمان، وامتلأت عقولهم بالقرآن أنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90-91]. قال أنس: [[لما نزلت هذه الآية كنت أطوف على بعض الصحابة وهم يشربون الخمر، قال: فلما نزلت هذه الآية قام الصحابة فسكبوا الخمر في السكك حتى سالت بها سكك المدينة، وهم يقولون: انتهينا، انتهينا، انتهينا]].هذا هو الإيمان، لما أتى الأمر ائتمروا، ولما أتى النهي انتهوا؛ لأن قلوبهم أصبحت مضيئة بالإيمان، أما أن يربى الناس على فراغ، وعلى الأغاني، وعلى كلام لا ينفع، وعلى جلساء سوء، وعلى معاصي، ويقال لهم: لا تتناولوا المخدرات، لا تأخذوا القات! فهذا بعيد.فقد يختفون وراء الجدران ويأكلونها، ويتسترون بالحيطان ويزاولونها، لأن رقابة الله لم تكن في نفوسهم. فيا إخوتي في الله!أولاً: لله الحمد والشكر على أن جعل من بين هؤلاء الشباب الذين نتحدث عنهم شباباً كهذه الوجوه، شباباً حافظوا على الصلوات الخمس، شباباً توضئوا بالماء البارد، وحملوا القرآن، وعرفوا السنة، وتلألأت على وجوههم بسمات الخير.شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا اللهم لك الحمد، ولك الشكر، ولك الرضا على أن أخرجت هؤلاء الشباب ليقولوا للعالمين: ها قد عدنا من جديد، نحن أبناء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ها قد أتينا إلى الساحة، وقد أعلنا بطاقتنا وهويتنا وجنسيتنا أننا مسلمون، وأننا نحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولماذا وجد مثل هؤلاء الشباب؟، لأن الناس جربوا الباطل، وجربوا كل لذة، فما وجدوا ألذ من التقوى، وجربوا كل شراب، فما وجدوا أحسن من التقوى، وجربوا كل لباس، فما وجدوا أحسن من التقوى، وسكنوا ناطحات السحاب، فإذا هي لعنة بلا إيمان، وركبوا السيارات الفاخرة، فإذا هي لعنة بلا إيمان، وأكلوا الموائد الشهية، فإذا هي لعنة بلا إيمان، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126] لم يجدوا الإيمان، فكانت عليهم لعنات، فأتى الناس الآن يدخلون الإيمان، لأنهم وجدوا الإيمان حلاً لمشكلاتهم. اللهم كما زينت الإيمان في قلوب أصحاب رسولك صلى الله عليه وسلم فزينه في قلوبنا، وثمره وبارك فيه، اهدنا وسددنا وخذ بأيدينا، وتولنا في الدارين.إخوتي في الله: أسأل الله لي ولكم استقامةً وهدايةً ورشداً، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.وأنا أقترح أن يكون عنوان هذا الدرس " الخطر الأحمر"؛ لأن المخدرات دخلت جزءاً في هذا الكلام، وسوف نستمع إلى بعض الأسئلة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة
.
 نبذة تعريفية عن شيخ الإسلام ابن تيمية
السؤال: وهذا يطلب من الشيخ أن يحدثه عن الإمام الفاضل ابن تيمية؟الجواب: مرحباً بك وبـابن تيمية، وبيض الله وجه ابن تيمية يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.بنفسي تلك الأرض ما أحسن الربى وما أحسن المصطاف والمتربعا أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا هو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، قال الذهبي فيما ينسب له: كان جده - عبد السلام صاحب المنتقى - قمراً وأبوه نجماً، وابن تيمية شمساً فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة. ولد عام 666هـ،- وهذا الكلام ليس ترجمة وإنما نبذة عنه، سقط رأسه في الأرض وملأ الله قلبه بالإيمان، وغرس الله في قلبه لا إله إلا الله، كان يسجد وعمره ثمان سنوات ويبكي وهو في السجود، ويقول: "يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني" نشأ تقياً ذكياً زكياً، فأما التقوى فلا تسل؛ ليله ونهاره مع الله تبارك وتعالى وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] وزكياً زكَّى نفسه بالطاعة، وعبقرياً عبقرية فياضة، يقول - وهو يتحدث بنعمة الله-: إني لأقرأ الكتاب الواحد المجلد فينتقش في ذهني مرة واحدة، وكان فيما ذكر عنه أن اثنين من الأكراد، أو من التركمان وقعت بينهم مشكلة بلغتهم تسابوا وتضاربوا في السوق، وابن تيمية حاضر، فاستدعاهم القاضي، فقال لهم: هل لكم شهود؟ قال أحدهم: ابن تيمية حضرنا، فاستدعى ابن تيمية قال: هل سمعت؟ قال: أنا سمعت كلاماً ما أفهم معناه بلغتهم، قال: أعده علينا، فأعاد كلام الرجلين.ثبت عن تقي الدين بن دقيق العيد أنه رأى ابن تيمية، فرأى عيناه كأنهما لسانان ناطقان تكاد تتحدثان، أي: بقي قليل وتقول عينه: باسم الله.يقول البردوني:من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى فقال ابن دقيق العيد: ما أظن أن الله يخلق مثلك! -أستغفر الله- بل يخلق أكثر، ولكن هكذا اندهش الرجل، حتى يقول الذهبي: لو حلفت بين الركن والمقام أن عيني ما رأت مثله لصدقت وما حنثت. كان إذا خطب يغلق عينيه، فيستفيد الناس جميعاً: المفسر والأصولي والعرضي والنحوي والصرفي، وغير ذلك من أصناف الناس، أما ليله، فيقول: تركته لله، فكان يقوم من نصف الليل يتهجد إلى صلاة الفجر، أما نهاره فمن طلوع الفجر بعد الصلاة إلى ارتفاع الشمس ضحى يذكر الله، دخل المواعظ، وارتقى المنابر، ورد على الملاحدة والزنادقة، وقاتل التتار، حتى أخذ السيف، وقال: والله لننتصرن اليوم، قالوا: قل إن شاء الله، قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، فانتصروا بإذن الله، حتى سالت الدماء على ثيابه رضي الله عنه ورحمه الله رحمةً واسعةً، ماذا أقول؟ حتى أعجز الكثر من الكتبة الكتابة عنه، وكتب عنه بعض الفرنسيين والإنجليز والأمريكان وهي موجودة في الساحة، شخصية نادرة فياضة، ترك من المؤلفات ما يربوا على ثلاثمائة مؤلف، وفتاويه يقولون: لو جمعت كلها كانت ثلاثمائة مجلد، يكتب في اليوم الكراريس، كتب في الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5 ] كررايس هائلة، كان دائماً لا يترك الذكر، قالوا: كيف؟ قال: أنا قلبي كالسمكة إذا خرجت من الماء ماتت، وأنا قلبي إذا ترك الذكر مات.ممن ترجموا عنه: ابن عبد الهادي، والذهبي وكذلك ابن كثير، وغيره كثير وكثير، رحم الله ابن تيمية، نحن نعجز عن الترجمة عنه، ولكن أسكنه الله فسيح الجنات، قال جولد زيهر - المستشرق المجري من المجر، هاجم الحديث- يقول: وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض فجَّر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخطر الأحمر للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net