اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف ربى الرسول أصحابه؟ للشيخ : عائض القرني


كيف ربى الرسول أصحابه؟ - (للشيخ : عائض القرني)
النبي صلى الله عليه وسلم مربي الأجيال، مخرج الأبطال، يا ترى كيف ربى الصحابة؟على أي شيء رباهم؟ ما هو الهدف الذي جعلهم يعيشون من أجله أو يموتون من أجله؟ كيف كانت تربيته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة؟ كل هذا ستعرفه في هذا الدرس إن شاء الله.
وقفة مع المصطفى صلى الله عليه وسلم
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة.اللهم صل وسلم على محمد ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام وناح، وما شدا بلبل وصاح.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.أنا من الأزد أنصار الرسول ولي وسيلة الحب إني من محبيه دمي ودمعي مدادٌ في مدائحه وفيض قلبي يعفورٌ يناديه أبي معاذ أناغي ورق دوحتـه حسان جدي سأبني في قوافيه أنا الليلة لا أتكلم عن سياسي بل أعظم من الساسة، ولا عن اقتصادي بل أعظم من الاقتصاديين، ولا عن عالم بل أعظم من العلماء، ولا أتكلم عن زعيم بل أعظم من الزعماء، ولا عن أديب بل أعظم من الأدباء.المصلحون أصابعٌ جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنواء وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ هذان في الدنيا هما الرحماء فصلى الله وسلم على بطل الصحوة الرائدة، وأستاذ الصحوة الخالدة، وموجهها ومعلمها؛ فما اجتمعنا إلا على رسالته، ولا تآخينا إلا على منهجه، ولا تصافينا إلا على مبادئه الخالدة.شكر الله لمن شاد هذا المسجد، وشكر الله لإمامه، وشكر الله لمن قدم المحاضرة، وشكر الله لكم حضوركم، ورفع منازلكم، وجمعنا بكم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.تعالوا معنا ننظر كيف ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، كيف أخرجهم من النار.يوم أتى زعماء الطين والتراب فسحقوا شعوبهم ليربوا منهم عبيداً وأرقاء وعمالاً وطبقات خافضةً مستعبدةً وجيوشاً مجندة، ربى محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه على الحب.يوم أتى استالين ولينين وهتلر يسحقون البشر ويعذبونهم ويحرقونهم.قالوا هم البشر الأعلى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا أتى محمد عليه الصلاة والسلام ليخرج من الأمة العربية البائسة الأمية أمةً ماجدةً رائدةً خالدةً: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [الجمعة:2].يا قوميون: أين مدكم قبل الإسلام؟ أين تاريخكم قبل الرسالة الخالدة؟ طنطنتم في الصحف والمجلات، ودندنتم في الإذاعات بأن لكم مجداً قبل الإسلام، أمجد عنترة الإرهابي! أم مجد حاتم المشرف على الوثنية! أم مجد عبس وذبيان وداحس والغبراء!، لا.إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختـار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمةٍ جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها فأمدها مدداً وأعلى شانها وأزال شانئها وأصلح بالها كما ذكر أخي وزميلي المقدم: أن هذه الصحوة العارمة الرائدة تحتاج إلى موجه وإلى أستاذ وإلى بطل، وموجهها وأستاذها وبطلها محمد عليه الصلاة والسلام هو لا يزال يقود الركب بسنته حتى يسلم الأمة ويدخلها من باب الجنة عليه الصلاة والسلام، وإن هذه الصحوة رفعت الرءوس، فلك الحمد يا رب، ظن المستعمر أنه سوف يسحق شبابنا، وسوف يغريهم، وسوف يهاجمهم بالمرأة والكأس، فأبى الله إلا أن يتم نوره، ورد كيد المستعمر في نحره، وأقبلت وجوه الصحوة تسجد لله ويقول لسان حالها: ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا أصول هذه المحاضرة خمسة أصول:أولها: تربيته عليه الصلاة والسلام لأصحابه على الحب لله ولرسوله، حباً يقطع من أجله الجسم ويمزق من أجله شغاف الروح.الأصل الثاني: تربيتهم على الشجاعة والإقدام، يقتحمون الأسوار ويسلمون أرواحهم للسيوف تمزقها لتدخل جنة عرضها السموات والأرض. الأصل الثالث: الصراحة والوضوح، يأتي الطارف من الرعية والبدوي الأعرابي فيتكلم في حوار ساخن حار مع عمر وهو على المنبر ويقاطعه في الخطبة، ويستمع الجمهور لهذا الراعي مع هذا الفرد من الرعية بتربية محمد عليه الصلاة والسلام.الأصل الرابع: اللين والرفق الذي سلكه محمد عليه الصلاة والسلام يوم قدم دعوته في أطباق الحب وعلى رياحين المودة وعلى باقة من الإخلاص والالتزام.أما الأصل الخامس: فهو تربيته على الطموح وعلو الهمة، ولا يرضى أحدهم بالدنيا وقصورها وذهبها وسياراتها من أجل أن يبيع ولو طرفة عين شيئاً من مبادئه.
 

الصحابة يتربون على حب الله وحب نبيه صلى الله عليه وسلم
فأما الأصل الأول: فإنه أعظم الأصول؛ أتى عليه الصلاة والسلام فأتى اليهود يتعاطسون عنده، يقولون: نحن نحب الله ولكن لا نتبعك، فكذب الله حبهم وأبطل دعواهم، وقال لهم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً الأحزاب:21].
 عبد الله بن جحش وعلامة حبه لله تعالى
هم أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام رباهم على الحب، فيأتي عبد الله بن جحش أول من سمي بالأمير يوم أحد، فيقول: [[يا رب اللهم إنك تعلم أني أحبك - وهذا مهر البيعة- اللهم إن كنت تعلم ذلك فلاق بيني وبين عدو لك شديد حرده، قوي بأسه، فيقتلني فيك -ما قال: أقتله- فيبقر بطني ويجدع أنفي ويفقع عيني ويقطع أذني، فإذا قلت لي: يا عبدي لِمَ فُعِل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب]].هل قتل أتباع استالين ولينين وهتلر على ذلك، كذب الأعداء الأخساء، كذب الدجاجلة، والله ما قادوا الشعوب إلا بالحديد والنار، أما رسولنا عليه الصلاة والسلام فقاد القلوب إلى الحي القيوم وهي تقيه من جراحات الأسهم وتحوطه بسياج من النور في أحد حتى تقع الأسهم فيها، وأحدهم يقول: نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله.أولاً: حب الله عز وجل وحب رسوله عليه الصلاة والسلام حباً صادقاً أكثر من الزوجة والأهل والمال والولد، ولذلك أحباب الله يسارعون إلى محاب الله، وفي حديث عند الطبراني من قوله عليه الصلاة والسلام: {يضحك ربك إلى ثلاثة -ولله ضحك يليق بجلاله لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله- أحد الثلاثة رجل حمله الحب سافر في قافلة وتعب في السفر، فلما نزل أصحابه قبل الفجر ناموا على الأرض، وأما هو فما نام، قام إلى الماء البارد فتوضأ واستقبل القبلة يبكي ويدعو ويناجي الواحد الأحد، فيقول الله لملائكته: يا ملائكتي! انظروا لعبدي هذا ترك فراشه الوثير ولحافه الدفيء وقام إلى الماء البارد يتوضأ ويدعو ويتملقني، أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة} أليس بحب؟ بل أعلى من كل حب.في مذكرات لبعض الدعاة: أن شاباً مسلماً من بلاد الجزيرة العربية سافر إلى بلاد الإنجليز إلى لندن وهناك أعلن توحيده وأعلن صموده وأعلن إيمانه، لأنه خرج من بلاد الحرمين، من جزيرة التحدي للزنادقة وللملحدين، من جزيرة الإبداع والسمو والجمال والروعة والصفاء، وهناك سكن في بيت إنجليزي مع عجوز اضطر لذلك اضطراراً، وكان يقوم مع صلاة الفجر في البرد القارس المثلج إلى صنبور الماء فيتوضأ، وتلاحظه عجوز إنجليزية في البيت كل صباح، فتقول له: أمجنون أنت؟ قال: لا. قالت: وكيف تقوم في هذه الساعة لتتوضأ؟ قال: ديني يأمرني بذلك، قالت: ألا تتأخر؟ قال: لو تأخرت لما قبل الله مني، فهزت رأسها وقالت: هذه إرادة تكسر الحديد.من الذي أتى بهذه الإرادة وزرعها في القلوب؟ إنه محمد عليه الصلاة والسلام.والفيافي حالمات بالمنى عجباً من قلبك الفذ الكبير وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاليمه لا تزال كالفجر لامحة لمن أراد أن يستفيد من تعاليمه.
الصحابة يتربون على الشجاعة والإقدام
أما الأصل الثاني: فتربيتهم على الشجاعة والإقدام، الحياة ليست عبودية لأهل المادة، والحياة ليست -كما نقل إلينا من الغرب وربي عليها شبابنا- مستقبلاً وتأمين المستقبل، والخوف على المستقبل، من الذي يؤمن المستقبل إلا الله الواحد الأحد! من الذي يحفظ المستقبل إلا الله!يقولون للشاب في الثلاثين: أَمن مستقبلك، فإذا مستقبله زوجة وسيارة وفلة، يصبح فيقول: أصبحنا وأصبحت الفلة لله! وأمسينا وأمست السيارة لله! يفكر في الفلة وهو ساجد، وفي الزوجة وهو راكع، وفي السيارة وهو على جنبه، أي طموح وأي شجاعة هذه! ويسعى من أجل الفلة، ويحيا من أجلها، ويسميها مستقبلاً وهذا ليس مستقبلاً، بل هو مستقلب، لأن المستقبل أن تكون مؤمناً بالله وأن تهيئ لك مكاناً في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
 شجاعة عمير بن الحمام في معركة بدر
فمحمد عليه الصلاة والسلام لقن أصحابه الشجاعة والإقدام، عمير بن الحمام يأتي عليه الصلاة والسلام فيخطب قبل المعركة في ساعة الصفر في بدر ساعة الخطر خطر ممنوع الاقتراب، فيقول: {يا أهل بدر: إن الله اطلع عليكم، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والذي نفسي بيده، ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة، قال عمير بن الحمام وهو يأكل تمرات: يا رسول الله! ما بيننا وبين الجنة إلا أن يقتلنا هؤلاء فندخل الجنة قال: إي والذي نفسي بيده، فيلقي التمرات، ويقول: والذي نفسي بيده إنها لحياة طويلة إذا بقيت إلى أن آكل هذه التمرات، ثم يقاتل حتى يقتل}.وليست على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
الصحابة تربوا على الصراحة والوضوح
وربى عليه الصلاة والسلام أصحابه على الصراحة والوضوح، وهو الأصل الثالث من أصول التربية، ليس هناك ألغاز ولا مجاملات ولا نفاق ولا تقية، بل وضوح وصفاء أبناء الصحراء يعيشون بصفاء الصحراء، لا مجاملة ولا تستر، وإنما وضوح، كلمة صادقة إلى قلب صادق.
 الوضوح عند رجل يشترط على النبي أن يسمح له بالزنا
يأتيه رجل، فيقول عليه الصلاة والسلام له: {أسلم، قال: أسلم يا رسول الله! ولكن أشترط شرطاً -وضوح وصراحة- قال: ما هو؟ قال: أن تبيح لي الزنا، فإني لا أستطيع أن أصبر، فقام الصحابة يريدون أن يبطحوه أرضاً، قال: دعوه، ثم قربه ووضع يده -الحبيبة اللطيفة الشريفة- على صدر هذا الرجل، قال: أترضى الزنا لأمك؟ قال: لا. قال: أترضاه لأختك؟ قال: لا. قال: أترضاه لابنتك؟ قال: لا. قال: أترضاه لعمتك؟ قال: لا. قال: أترضاه لخالتك؟ قال: لا. قال: أفترضى للناس مالا ترضاه لنفسك! قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، أتوب إلى الله حتى من الزنا}.تربية خالدة! وعلم رائع جميل! وما أحسنه إذا أخذ في ميزان التطبيق والعمل من محمد عليه الصلاة والسلام.
اللين والرفق في تربية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة
اللين والرفق:أتى عليه الصلاة والسلام بمدرسة اللين والرفق: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) يرسل الله عز وجل موسى وهارون إلى فرعون، فيقول لهما وهما في الطريق: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) [طه:44] اللين عجيب.تخذني خليلاً أو تخذ لك صاحباً خليلاً فإني مبتغٍ صاحباً مثلي عزيز المنال لا ينال مودتي من الناس إلا مسلم كامل العقل ولا يلبث الأخدان أن يتفرقوا إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل وقال ابن المبارك: إذا صاحبت قوماً أهل ودٍ فكن لهم كذي الرحم الشفيق ولا تأخذ بزلة كل قومٍ فتبقى في الزمان بلا رفيق بسمةٌ وحنوٌ ومعانقةٌ وبشاشةٌ تشترى بها القلوب، دايل كارنيجي الأمريكي مؤلف دع القلق وابدأ الحياة ومؤلف كتاب كيف تكسب الأصدقاء أتى بأمور في الإسلام، لكن ما درى الخواجة العميل أن هذه الأمور في تربيتنا، فأتى بعض المربين من عندنا فنقلوا من كتابه ولم ينقلوا من صحيح البخاري ولا من صحيح مسلم.سبحان الله! ما هذا الغباء؟! تأخذون من الأجنبي ولا تأخذون من الحبيب القريب عليه الصلاة والسلام حتى يقولون: كيف تكسب الأصدقاء؟ كما قال دايل كارنيجي في صفحة (72) عليك أن تتبسم وأن تستمع لصديقك وأن تلين له جانبك لتكسبه صديقاً.سبحان الله! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ويقول عند الترمذي: (ألا أنبئكم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ قالوا: بلى، قال: أحاسنكم أخلاقاً) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
 لين النبي مع معاوية بن الحكم
هديه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي: أنه دخل المسجد، فدخل في الصلاة مع الصحابة وراء الرسول عليه الصلاة والسلام، فعطس رجل في الصلاة، فقال معاوية -وهو لا يعرف الحكم-: رحمك الله! فضرب الصحابة على أفخاذهم ينبهونه، قال: ويل أمي ماذا فعلت؟! يريدونه أن يسكت، فلما سلَّم عليه الصلاة والسلام- يقول معاوية فدعاني -بأبي هو وأمي- ما رأيت معلماً أحسن منه! ولا أعلم منه! ولا أرحم منه! ما نهرني ولا سبني ولا شتمني وضع يده على كتفي وقال: {إن هذه الصلاة لا تصلح للكلام، وإنما هي لقراءة القرآن والذكر والتسبيح} وأي إبداع بعد هذا الإبداع؟ وأي لين بعد هذا اللين؟ إنه أصل من أصول التربية اللين والرفق في حياته عليه الصلاة والسلام.
الطموح وعلو الهمة يتربى عليهما الصحابة
أما الأصل الخامس: فالطموح وعلو الهمة:الطموح يا شباب الصحوة، الطموح يا شيوخ التوحيد، الطموح يا جنود الإسلام، إن محمداً صلى الله عليه وسلم ربانا لنكون مؤمنين، وإن تلكم التربية الغربية التي طمت وعمت علينا، فأخرجت من الطفل الذي كان مؤهلاً ليكون كـابن عباس في شبابه، أو كـابن الزبير طفلاً هوايته في جمع الصحف والمجلات، جمع الصحف والمراسلة، أو جمع الطوابع! لا قرآن لا صلاة لا جهاد لا دعوة لا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، بل جمع طوابع ومراسلة وصيد حمام، ومطاردة دجاج وأرانب، أهذه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ ربوه على ذلك، لا يعرف إلا الدراجة، وصيد الحمام والدجاج، وأكل السمك والمراسلة، ثم إذا ارتقى وانتكس ولم يعرف طريق محمد عليه الصلاة والسلام، أخذ عوداً، لم يزد الأمة إلا خيبةً وندامةً، فغنى فصفقوا له، وقالوا: أنت كوكب، فصدقهم، فألقوا معه مقابلة قالوا: كيف شققت طريقك في الحياة؟ قال: بدأت من الصفر - أنت تحت الصفر أنت تنزل تحت، فكيف تبدأ من الصفر؟! - قال: بدأت من الصفر، فصبرت واحتسبت، وثابرت وسهرت الليل.سهرتَ الليل بسورة طه والأنفال والأعراف؟ سهرت الليل بمدارسة صحيح البخاري وصحيح مسلم؟ تسهر الليل على (هل رأى الحب سكارى مثلنا) أو:يا من هواه أعزه وأذلني كيف السبيل إلى وصالك دلني جهنم هي الوسيلة، ولذلك سموه نجماً وليس بنجم قيل لـأبي علي الروذباري: ترك بعض الصوفية الصلاة، فقلنا لهم: صلوا، قالوا: وصلنا، يعني: وصلوا إلى درجة، قال: صدقوا وصلوا، ولكن إلى سقر، وما أدراك ما سقر؟!
 لين النبي مع معاوية بن الحكم
هديه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي: أنه دخل المسجد، فدخل في الصلاة مع الصحابة وراء الرسول عليه الصلاة والسلام، فعطس رجل في الصلاة، فقال معاوية -وهو لا يعرف الحكم-: رحمك الله! فضرب الصحابة على أفخاذهم ينبهونه، قال: ويل أمي ماذا فعلت؟! يريدونه أن يسكت، فلما سلَّم عليه الصلاة والسلام- يقول معاوية فدعاني -بأبي هو وأمي- ما رأيت معلماً أحسن منه! ولا أعلم منه! ولا أرحم منه! ما نهرني ولا سبني ولا شتمني وضع يده على كتفي وقال: {إن هذه الصلاة لا تصلح للكلام، وإنما هي لقراءة القرآن والذكر والتسبيح} وأي إبداع بعد هذا الإبداع؟ وأي لين بعد هذا اللين؟ إنه أصل من أصول التربية اللين والرفق في حياته عليه الصلاة والسلام.
تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على علو الهمة
إن الرسول صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على أصل خامس -علو الهمة- يقول له الصحابة: يا رسول الله! شيء من المال، قال: لا. الجنة، إما أن تبايع في نصرة هذا الدين ولك الجنة وإما أن تترك، لم يمنِّ أبا بكر بالخلافة، وما قال لـعمر: سوف تكون الثاني، ولا لـعثمان: سوف تكون الثالث، ولا علي أنت الرابع، ولا قال لـخالد: أنت سوف تكون قائداً عسكرياً، إنما قال لهم: لكم الجنة هذا خير لكم، إن صدقتم مع الله فالجنة، أما من الدنيا فما عندي شيء، وما معي إلا بيت من الطين، وحصير من الخزف، وسقف من الخشب، وعصا وشملة.كفاك عن كل قصرٍ شاهقٍ عمدٍ بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيم إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهيٍ من الأكلات والأدم صففت مائدةً للروح مطعمها عذب من الوحي أو هديٌ من الكلم
 الهمة العالية عند المجاهدين الأفغان
ومن الهمم العالية التي أوجدها بعض دعاة الصحوة ورواد الصحوة جهاد الأفغان، فهم قوم بسطاء، لكنهم عمالقة في اليقين والتوكل على الله، خرجوا إلى المستعمر الأحمر الذي أتى بطائراته بصواريخه وبدباباته وقصف الأرض، وأشعل السماء، هدم المساجد وقتل الأطفال، أزهق الأنفس وسحق النساء، عذب الشيوخ وحمل أكبادهم على النار، قال لهم الناس: تعالوا إلى هيئة الأمم واشكوا حالكم، قالوا: آمنا بالله وكفرنا بـهيئة الأمم، قالوا: إلى جنيف، قالوا: آمنا بالله وكفرنا بـجنيف، وخرجوا على المستعمر بالكلاشنكوف يكبرون ويهللون، فسحقوه وأذلوه أمام العالم وأرغموه على الخروج.يا أمة المجد والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ هي من الهمة التي يريدها عليه الصلاة والسلام ألا يستخذي المسلم للمستعمر، وألا يعبد بطنه، وألا يعبد فرجه، وألا يعبد مغرياته وشهواته {تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش} لأنه ما عرف الحياة، ما عرف أن الرزق بيد الله، وأن المعطي هو الله، وأن المانع هو الله، وأن المحيي والمميت هو الله، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].ألا إن ريادة هذه الصحوة أن نعود إلى تربية محمد عليه الصلاة والسلام، التربية من الكتاب والسنة، علم النفس من الكتاب والسنة، الثقافة من الكتاب والسنة، نحن نصدر ولا نستورد، نحن نعطي ولا نأخذ، عندنا ثراء، نحن أغنياء بما عندنا من أصالة، وإن الفاشل والمنهزم الذي يذهب إلى كانت وديكارت ولينين واستالين ليأخذ سلعته ويبيع دينه، يقول لسان حالهم: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:14-18] ما عرفوا التربية، ما عرفوا الأصالة والعمق. فقل للعيون الرمد للشمس أعينٌ تراها بحق في مغيب ومطلع وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأهوائها لا تستفيق ولا تعي
تلخيص لما مضى
ألخص ما أقول: أصول التربية عند الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من أصول التربية في حياته خمسة: أولها: تربية أصحابه على حب الله عز وجل وعلى حب الرسول عليه الصلاة والسلام حباً منقطع النظير أشهى من الماء البارد والعسل المصفى.الثاني: الشجاعة والإقدام، شجاعة تكسر أسوار الحديد المادي، وشجاعة تقتحم كل حجاب من حجب الشهوة والمادة.الأصل الثالث: الصراحة والوضوح، صراحة تنبني على انطلاق الكلمة المعبرة من القلب الصادق الذي لا يعرف النفاق، ولا المجاملة ولا الالتواء، عند ذلك يقول عمر على المنبر: [[يا أيها الناس! لو رأيتموني اعوججت فما أنتم صانعون؟ فيسكت الناس ويقوم أعرابي -وقيل: إن عمر قال: يا أيها الناس! لو رأيتموني ملت عن الطريق هكذا، فماذا تصنعون؟ فسكتوا- وقام أعرابي وسل سيفاً من آخر المسجد، قال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو، لو رأيناك ملت عن الطريق المستقيم هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا، قال عمر: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من لو قال هكذا، لقالوا بالسيوف هكذا]].أليست صراحة ووضوحاً؟ بلى.الأصل الرابع: لين ورفق يدخل الدعوة إلى قلوب الناس، لا عنف ولا قتل، لا إرهاب ولا تمزيق للأعراض، لا جرح للنفوس، لا مرارة، بل حب ينساب كالنور إلى الأرواح، أو كالماء البارد.الأصل الخامس: طموح وعلو همة يرقى بها الإنسان ليعيش في الحياة سيداً وعبداً لله لا لغيره، فهذه العبودية التي تكون في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66].فالصلاة والسلام على محمد ما ذكره الذاكرون، وما غفل عنه الغافلون، وما أتى إليه أتباعه يطلبون الهدي من سنته، فنسأل الله أن يثبتنا على منهجه، وعلى سيرته، وأن يفقهنا في دينه، وأن يجمع قلوبنا على تربيته الخالدة الرائدة.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
 الهمة العالية عند المجاهدين الأفغان
ومن الهمم العالية التي أوجدها بعض دعاة الصحوة ورواد الصحوة جهاد الأفغان، فهم قوم بسطاء، لكنهم عمالقة في اليقين والتوكل على الله، خرجوا إلى المستعمر الأحمر الذي أتى بطائراته بصواريخه وبدباباته وقصف الأرض، وأشعل السماء، هدم المساجد وقتل الأطفال، أزهق الأنفس وسحق النساء، عذب الشيوخ وحمل أكبادهم على النار، قال لهم الناس: تعالوا إلى هيئة الأمم واشكوا حالكم، قالوا: آمنا بالله وكفرنا بـهيئة الأمم، قالوا: إلى جنيف، قالوا: آمنا بالله وكفرنا بـجنيف، وخرجوا على المستعمر بالكلاشنكوف يكبرون ويهللون، فسحقوه وأذلوه أمام العالم وأرغموه على الخروج.يا أمة المجد والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ هي من الهمة التي يريدها عليه الصلاة والسلام ألا يستخذي المسلم للمستعمر، وألا يعبد بطنه، وألا يعبد فرجه، وألا يعبد مغرياته وشهواته {تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش} لأنه ما عرف الحياة، ما عرف أن الرزق بيد الله، وأن المعطي هو الله، وأن المانع هو الله، وأن المحيي والمميت هو الله، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].ألا إن ريادة هذه الصحوة أن نعود إلى تربية محمد عليه الصلاة والسلام، التربية من الكتاب والسنة، علم النفس من الكتاب والسنة، الثقافة من الكتاب والسنة، نحن نصدر ولا نستورد، نحن نعطي ولا نأخذ، عندنا ثراء، نحن أغنياء بما عندنا من أصالة، وإن الفاشل والمنهزم الذي يذهب إلى كانت وديكارت ولينين واستالين ليأخذ سلعته ويبيع دينه، يقول لسان حالهم: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:14-18] ما عرفوا التربية، ما عرفوا الأصالة والعمق. فقل للعيون الرمد للشمس أعينٌ تراها بحق في مغيب ومطلع وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأهوائها لا تستفيق ولا تعي
الأسئلــة
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. هذه بعض الأسئلة نعرض منها ما يسره الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.
 بعض الشعر
السؤال: أسمعنا من شعرك؟الجواب: أسمعكم أبياتاً، لأن أمامي كماً هائلاً من جنود هذه الصحوة الذين أعلنوا توجههم إلى الله، فكانت المناسبة أن آتي بقصيدة بين الأصالة والحداثة، وهي بنت أيام؛ حتى العقيقة ما عققت لها، وما سميتها إلا من قريب على كل حال، ومنها:يا أمة المجد قومي مزقي الحجبا وأشعلي في ليالي دهرك الشهبا أتذكرين صلاح الدين سفسطةً من غير بذلٍ صلاح الدين قد ذهبا لأن بعض الناس عظامي؛ تراه معرضاً مطبلاً مغنياً معرضاً عن الله عز وجل منحرفاً، فإذا خابرته، أو عاندته، أو ناخيته، فال: جدي صلاح الدين، منا عمر، منا طارق، منا حسان.إذا فخرت بآباء لهم شرف نعم صدقت ولكن بئسما ولدوا هذه قصيدة وشرح والأخ يطلب قصيدة بلا شرح.لا تذكرنَّ صلاح الدين سفسطةً من غير بذلٍ صلاح الدين قد ذهبا قبر العظيم إذا ما زاره ذنبٌ رغا وأزبد لا حييت يا ذنبا لو أسمعوا عمر الفاروق نسبتهم وأخبروه الرزايا أنكر النسبا أبواب أجدادنا منحوتة ذهباً وذي هياكلنا قد أصبحت خشبا من زمزم قد سقينا الناس قاطبةً وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا في فتية طهر القرآن أنفسهـم كالأسد تزأر في غابتها غضبا عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا أيها الإخوة! أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف ربى الرسول أصحابه؟ للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net