اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قل هذه سبيلي للشيخ : عائض القرني


قل هذه سبيلي - (للشيخ : عائض القرني)
بلغت دعوة خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم الآفاق، وشهد له الجميع بأنه خير داعية إلى الله عز وجل. ذلك أنه كان يدعو على بصيرة من الله عز وجل وحكمة، فتبعه المسلمون وقدموا معه الغالي والنفيس من أجل المضي بهذه الدعوة إلى الأمام، لينالوا رضا الله عز وجل.
أسباب تفوق الرسول صلى الله عليه وسلم إجمالاً
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً، ومبشراً ونذيراً. يقول الله تعالى:وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]. أما أعداء الله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم:42-43] وأخيراً: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] (على بصيرة) ما أحسن الكلمة! وما أجمل العبارة! فما هي البصيرة؟إنها التوحيد الخالص، فلا يربون الأجيال على شرك ووثنية وخرافة.بل على بصيرة: على منهج رباني خالد، فلا يربون الأمة والأجيال على قوانين وضعية.بل على بصيرة: فينصحون لله ولكتابه ولرسوله ولولاة الأمر، فلا يألبون ولا يشغبون عليهم، ولا يثيرون على البلاد والعباد فتنة.على بصيرة: فينصحون للعامة ويقودون الأمة إلى الاستقامة والالتزام والسكينة والأمن والإيمان.ولكن اسمعوا إلى تلكم البصيرة في عشرة أسباب أنتجت بإذن الله ذاك الداعية الموفق عليه الصلاة والسلام.أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا التاريخ أنت المحرر تذوب شخوص الناس في كل لحظة وفي كل يوم أنت في القلب تكبر عليه الصلاة والسلام، أنا أتلوها عليكم ثم أفصلها، والله المستعان. لماذا تفوق؟ الله معه كيف انتصر؟ الله حسيبه وكافيه. لماذا أنتج هذا الجيل وهذه الأمة، والبلاد؟ لأنه يدعو إلى الله على بصيرة هو وأتباعه، ولأن أتباعه ليسوا مرتزقة كلام، ولا مروجي فتنة، وليسوا خوارج، ولا يلعبون بالنار، ولا ينثرون الدماء على الرءوس، بل هم عقلاء، يعرفون أين يضعون أقدامهم.إنهم قادة الأمة إلى شاطئ الأمان، غيرهم المفسد والمنافق والذي يشعل الفتنة ثم يتركها ويفر. أما أسباب تفوق الداعية العظيم عليه الصلاة والسلام فعشرة أسباب: الأول: التوحيد الصادق، والتوكل الذي يحطم زيف الباطل وينسف ركام الجاهلية. الثاني: الطموح الذي يتخطى آفاق الزمن وأقطار التاريخ وحدود الدهر. الثالث: الثبات على المبدأ ثبات الواثق من العاقبة المتأكد من الخاتمة. الرابع: التعالي على متع الحياة وبريق المادة، وجميع الأعراض الفانية. الخامس: البذل والتضحية؛ بذلاً وتضحية كأنها من أساطير الأخبار لولا أنها حقائق، وكأنها من نسج الخيال غير أنها ثوابت. السادس: استصحاب الزاد في الطريق الشاق، زاداً من العبادة المتأملة، والذكر الحي، والخشوع العجيب، والتبتل المنقطع النظير. السابع: التفوق في أسلوب الدعوة تفوقاً تاجُه اللين، ليناً يسبي القلوب، ويشتري الأرواح، ويملك به الرقاب عليه الصلاة والسلام. الثامن: العمل بما يدعو إليه، فإذا جوارحه تسبق لسانه، ودمعاته تسبق عباراته، وإذا هو قرآن يمشي على الأرض، وقداسة تتحرك على الكوكب. التاسع: استغلال المواهب، وتوجيه القدرات، والاستفادة من العقول التي استنارت بنور الوحي. المصلحون أصابع جمعت يـداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء العاشر: وعد محبيه وأتباعه وتلاميذه برضا الله وجنة عرضها السماوات والأرض، هذا هو الثمن للتضحيات، وأيما ثمن دونه فإنما هو غبن لا يساوي الجهد المبذول والتضحية.
 

وقفات مع النبي صلى الله عليه وسلم
فيا أيها الناس: أيها العلماء! وأيها الدعاة! وأيها الجيل! يا أبناء لا إله إلا الله! ويا حفظة التوحيد! ويا حملة الرسالة! يا دهر! يا تاريخ! يا زمن! اسمع إلى وثيقة عنه عليه الصلاة والسلام. يعيش عليه الصلاة والسلام معنا دائماً وأبداً، في مشاعرنا وآمالنا وطموحاتنا، يعيش معنا في قلوبنا رحيماً، وفي أبصارنا إماماً، وفي آذاننا مبشراً ونذيراً: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9]. نسينا في ودادك كل غال فأنت اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
 النبي القدوة
يكرر القرآن ذكر هذا الرجل العظيم عليه الصلاة والسلام.فهو الرجل لكن لا كالرجال، فهو يحمل هموم الرجال كل الرجال، وهو الإنسان لا كتلك الناس، فهو يجمع مناقب الناس جميعاً عليه الصلاة والسلام، يتحدث عنه القرآن فإذا هو الخلوق القريب: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] يدعو إلى الله على بصيرة، ويتحدث عن لينه وسهولته ويسره: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. إنه الإمام -بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام- وهو الإمام الذي على الأمة كل الأمة أن تذعن لإمامته، فهو إمام في الصلاة، وإمام في الحياة، وإمام في التربية، وإمام في الاقتصاد، وإمام في الحرب، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21]. يا أمة الإسلام: يا إخوة العقيدة! يا أبناء الرسالة الخالدة! هل يحق لنا شرعاً أو عقلاً أن نبحث عن غيره أو نتلمس سواه؟ لا. بل حرام حرام حرام أن نجعل غيره إماماً يقود المسيرة إلى الله؛ لأنه هو الرجل الذي ختم الله به النبوة في الأرض.
مقومات الرسول صلى الله عليه وسلم
هذا الرسول عليه الصلاة والسلام يعيش لحظات الحياة، ودقائق الزمن، وثواني الدهر، بما يجب أن تعاش، في الصلاة خاشع قانت أواب منيب؛ لأن الله قال: وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79]. وفي الجهاد رجل شجاع، ومقدام صنديد، وبطل بارز: وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمـة ووجهك وضاح وثغرك باسم فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ [النساء:84]. وعند الإنفاق، هو المنفق الباذل، السخي الكريم، كما قال ابن عباس في الصحيحين: (كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).في الفطر، صبور متماسك محتسب، وفي الرقة والرحمة، صاحب الدمعة الحانية، والشفقة البالغة، إنه الإنسان عليه الصلاة والسلام، الداعية الذي يدعو إلى الله على بصيرة. الإنسان الذي أتى إلى الأمة الضعيفة، المسلوبة المنهوبة المظلومة، فرفع رأسها بين الرءوس، فأنا وأنت، وأبي وأبوك، وجدي وجدك لم يكن لنا تاريخ، حتى أتى محمد عليه الصلاة والسلام:إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها أمة وراء إمام هو محمد عليه الصلاة والسلام هي في خير: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]. هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ *وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62-63].أتى عليه الصلاة والسلام إلى أمة ترعى إبلها وبقرها وغنمها في الصحراء القاحلة، صحراء الجوع والظمأ واليأس، فأخرجها بلا إله إلا الله إلى ضفاف دجلة والفرات وبساتين الشام ومصر، وحدائق الأندلس، وملاعب الهند والسند، فكبرَّت هناك وأذَّنت وصلت، وخرجت من الجزيرة، لا بطائرات ولا دبابات، ولا صواريخ.. بل خرجت بلا إله إلا الله. من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
 النبأ العظيم والقائد الأعظم
وأعود فأقول: اسمع يا تاريخ! وسجل يا زمن! وقف يا دهر! لتعرف هذا النبأ الذي هز العالم كل العالم! والذي أوقف التاريخ كل التاريخ، إنه مبعثه عليه الصلاة والسلام: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ:1-3]. ما هو النبأ العظيم، أهو اكتشاف الذرة؟ أم تسيير الهواء؟ أم تفجير الطاقة؟ أم نسف الجبال؟ أم تحويل الماء المالح إلى عذب؟ أم اكتشاف الكهرباء؟ لا. بل هو وصول محمد عليه الصلاة والسلام إلى قيادة العالم، فقد تغيرت الدنيا لمبعثه عليه الصلاة والسلام.الآن تتوافد قبائل العرب لتنظر إلى هذا العظيم، وهو في مكة؛ لباسه عادي لا يساوي ثلاثة دنانير، وخبزه الشعير، وينام في بيت متواضع، يقف مع العجوز الساعات الطوال، يحمل الأطفال، يحلب الشاة، لا يجد كسرة الخبز، ومع ذلك تتساقط عروش الظالمين كسرى وقيصر.. لماذا؟ لأنه كسر بسيوف العدل ظهور الأكاسرة، وقصَّر برماح التضحية آمال القياصرة.إن محمداً عليه الصلاة والسلام كان بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال مثلاً، عليه الصلاة والسلام. تتساقط الشاهات والباباوات؛ لأنها بنيت على الظلم: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81].. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18]. أيها الإنسان! يا بن آدم! يا مسلم! يا من يحترم نفسه! إن سعادتك مرهونة باتباعه عليه الصلاة والسلام، وإن أبواب الجنة بعد مبعثه أوصدت فلا تفتح إلا لأتباعه على دينه، وأنصاره على مبادئه، الذين يدعون إلى الله على بصيرة، لا يدعون فحسب ولا يخطبون وكفى، ولا يتلاعبون بالألفاظ، ولا يتشدقون، إنما هم على بصيرة: علم وعقل، وثبات وانضباط، يغلبون المصلحة على المفسدة، ويريدون أن يلحقهم الأذى في أنفسهم وأعراضهم، ولا يلحق الأمة والجيل، لتبقى الأمة مطمئنة آمنة في سكينة، لأنهم ينصحون لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكتاب الله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، هؤلاء هم الذين يدعون إلى الله على بصيرة.
جوانب الكمال في حياته صلى الله عليه وسلم
يا قوم! إن محمداً عليه الصلاة والسلام سيعيش معكم بسنته إذا أردتم أنتم أن يعيش معكم، ستجدونه يتحدث إليكم في مجالسكم متى أردتم أن يتحدث إليكم.إنه عالم في العبادة؛ وفي الصلاة والصيام، والذكر والجهاد، وهو عالم في الأخلاق؛ في التبسم والتواضع، والصبر والشجاعة والكرم، وهو عالم في الزهد في المسكن والطعام والميراث. وهو عالم في التربية؛ مع المرأة ومع الأسرة، ومع الطفل.يقف في منتصف الليل فيصلي إلى الفجر، ويقوم فيقول دعاء تنخلع له القلوب، واسمع إلى دعائه، جاء عن ابن عباس في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد عليه الصلاة والسلام حق..) الحديث، وعند مسلم من حديث عائشة: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
 الرسول صلى الله عليه وسلم والطفل
أيتها المرأة المسلمة: يا أيتها المرأة التي تسمع الصوت! محمد إمامك عليه الصلاة والسلام، المعلم والشيخ والأستاذ يعتني بالمرأة، يقف يوم عرفة، فيعلن حقوق المرأة؟من الذي أعلن حقوق المرأة؟ أقاسم أمين؟ كذب عدو الله، أسعد زغلول، كذب عدو الله، أأتاتورك؟ كذب عدو الله.إنه محمد عليه الصلاة والسلام، يقول يوم عرفة متحدثاً عبر الزمن: {الله الله في النساء، فإنهن عوان عندكم} ويقول: {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي} عليه الصلاة والسلام.يعيش معها أباً وزوجاً وأخاً، يأمرها بالحجاب وهو الذي حررها بإذن الله، أما الذين يدعون حرية المرأة وتحرير المرأة؛ فهم قتلة المرأة، وهم أعداء المرأة، فجعلوا المرأة سلعة تباع وتعرض كالأزياء، أخرجوا المرأة سافرة في الحوانيت والبقالات، ومجامع الناس والأسواق، أخرجوا المرأة وجعلوها تشارك في الجيش في الحرب العالمية الثانية، تحمل السلاح وهي ضعيفة، وتقاتل بالبندقية وهي لطيفة، وتعارك الجنود وهي شريفة، فمن حرر المرأة؟ إنه محمد عليه الصلاة والسلام. وقد عاش مع الطفل مربياً، فكان معه يوم سقط رأس الطفل في الأرض، أتت فاطمة بنته بـالحسن أول يوم ولدته، فأتى فأذن في أذن الحسن، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لماذا؟ ليسمع الطفل الأذان أول شيء، لا الموسيقى، ولا الأغنية الماجنة، ولا الصيحات المعربدة، ولا الزندقة والإلحاد، بل ينشأ طفلاً موحداً من أول يوم، فهذا هو محمد عليه الصلاة والسلام. وهو عالم الأسرة وعالم الاقتصاد، ولكن -والله- لا أستطيع أن أوفيه حقه.
تفصيل أسباب تفوقه صلى الله عليه وسلم
فأعود إلى التكلم عن النقاط والمسائل التي من أراد أن يكون داعية. إلى الله على بصيرة ويكون حكيماً منضبطاً عاقلاً، فعليه أن يحفظ هذه المسائل، ثم يبثها في الناس. كان من أسباب انتصار الداعية العظيم عليه الصلاة والسلام كما قلت:
 الوعد بالجنة
العاشر: وعد عليه الصلاة والسلام محبيه وأتباعه برضا الله، وجنة عرضها السماوات والأرض، هذا هو الثمن للتضحيات، وأيما ثمن دونه فإنما هو غبن لا يساوي الجهد المبذول، يقول له الأنصار: {يا رسول الله! أئن نصرك الله ما لنا؟ قال: لكم الجنة} ليس عنده دنانير، هو أصلاً ليس مساوماً، لا يلعب بالنار، وهو لا يشتري دعايات، فهو عليه الصلاة والسلام ليس في اقتراع أصوات ولا في انتخابات، لا. بل من أراد الجنة فطريقها من لا إله إلا الله، ومن أراد النار سلك طريقها: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3] يأتي أبو بكر فيقول: يا رسول الله! إذا آمنت بك ما لي؟ قال: الجنة قال الأنصار: {يا رسول الله! إن نصرناك فما لنا، قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل} إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111] الرسول عليه الصلاة والسلام: لم يُمن أحداً بمنصب، ولا مال، ولا برتبة ولا قصر، أو دار، أو بمديحة بل قال لهم: رضا الله والجنة. صح عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: {من يقتل خالد بن سفيان الهذلي وله الجنة، فذهب عبد الله بن أنيس فقتله، فقال: يا رسول الله! ألي الجنة؟ قال: لك الجنة، قال: ما علامة ذلك؟ قال: خذ هذه العصا، علامة بيني وبينك يوم القيامة} تتوكأ بهذه العصا -إن شاء الله- في الجنة، والمتوكئون بالعصي في الجنة قليل وأخذها عبد الله بن أنيس ليتوكأ بها في الجنة إن شاء الله.يقوم على المنبر -والقصة صحيحة- فيقول: {من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟} ليس عند الرسول عليه الصلاة والسلام إلا الجنة، ليس عنده رشوة ولا مداهنة ولا زهرة الدنيا، فجهزه عثمان، فقال: {اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم}. إن التربية التي تربي الشباب على الجوائز لذاتها فحسب، سوف تربي جيلاً مادياً رأسمالياً، نعم نحن نشجع الناس بالجوائز، لكن المقصد رضوان الله، وجنة عرضها السماوات والأرض، نقول للحافظ: احفظ القرآن ليرضى الله عنك، وليلبسك حلة على رءوس الأشهاد، ثم لك جائزة، ونقول للشاب: احفظ الأحاديث ولك جائزة بعد رضوان الله والجنة. أما أن نجعل الجيل يطلبون بالدين وبالعلم الشرعي النافع أغراض الدنيا، فمعنى ذلك: الرياء والسمعة وإحباط العمل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110]. بالله يا مسلمون! لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام -فرضاً وجدلاً- يوم بذل أصحابه مابذلوا وضحوا بما ضحوا به، قال لهم: أما جزاؤكم على تضحياتكم، فلك يا عمر الكوفة، ولك يا علي البصرة، ولك يا أبا بكر عشرة آلاف ألف دينار، ولك يا فلان! كذا وكذا، فكم هو ثمن بخس؟ وكم هو قلة؟ وكم هو ضياع؟ لكن قال: الجنة، ولذلك تسابقوا إلى الجنة. جعفر خرج إلى مؤتة ليس عنده كسرة خبز من شعير، وكسرت السيوف في صدره وقطعت يداه وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها عليَّ إن لاقيتها ضرابها أنس بن النضر في آخر رمق يقول: [[إليك عني، والذي نفسي بيده! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]].
خلاصة في معنى آية: (قل هذه سبيلي)
هذه تعاليمه عليه الصلاة والسلام، ولذلك تفوق صلى الله عليه وسلم تفوقاً خالداً، شهد له به التاريخ، فنجح نجاحاً باهراً.قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] سبيله ماذا؟ طريقه ومنهجه ودستوره في الحياة، قبل أن يبعث إنساناً بعث داعية، لكنه داعية إنسان، ومبشر إنسان، ومنذر إنسان: إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ [المرسلات:45] فالحصر هنا جعل مهمته الإنذار فحسب.قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] وهي الطريق التي يسيرها محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه من العلماء والدعاة وطلبة العلم.(أدعو) وهذه لوحة شرف يحملها كل من دعا إلى منهج الله، والدعاة هم أشرف الناس بهذا، وهم أحظ الناس بهذا اللقب، قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] ما أحسن العبارة.أدعو إلى الله [يوسف:108] أنا لا أدعو إلى نفسي، ولا أدعو إلى كياني أو شهرتي، أو منصبي، أو أغراضي، لا. يا مسلمون! إن الدعاة اليوم والعلماء يدعون إلى الله على بصيرة، ليس عندهم ألغاز وأحاجي، فمبادئهم تعلن كل يوم خمس مرات من على المنبر، ما عندهم تكلموا به، يعلمون الناس: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج. يعلمون الناس: السلوك والأدب والأخلاق، هذا ما عندنا وما عند الدعاة والعلماء وطلبة العلم؛ لأننا ندعو إلى الله. ثم قال عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] وأي بصيرة كهذه البصيرة التي يعيشها العلماء والدعاة في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد الإسلامية في العموم الغالب؟أليست بصيرة التوحيد؟ وهو موجود.وبصيرة الحكمة؟ وهي موجودة.من الذي كلما سلَّ الخوارج سيوف الفتنة لإزهاق الأرواح وإسالة الدماء قالوا: حرام؟ إنهم العلماء والدعاة، من الذين كلما هاج هائج وماج مائج قالوا: حرام فوقف مكانه؟ إنهم العلماء والدعاة، ومن الذي كلما أتى حداثي وزنديق ومارق ليشعل الفتنة ويستهزئ بالدين ويلطخ الشريعة، قالوا: حرام، فوقف؟إنهم العلماء والدعاة،فهم يدعون إلى الله على بصيرة وعندهم المادة: العلم الشرعي، الكتاب والسنة، ولديهم الحكمة: يعرفون التدرج، أطباء القلوب، وساسة الأمة، ويوم تفقد الأمة العودة إلى العلماء؛ تخسر الصفقة، ويفوتها حظ وافر من القيادة والريادة، وربما تخفق في مسيرتها، ويوم يبتعد العلماء عن الشباب، ولا ينزل العلماء لقيادة الشباب تقع المسيرة في اضطرابات لا يعلمها إلا الله، وتنتهي الأمة إلى هاوية سحيقة من التشتت والتمزق والدمار. والعلماء هم الرواد، وهم مدعون وقد فعلوا: والشباب مدعون وقد فعلوا: إن يلتحموا بالعلماء، وأن ينظروا إلى هذه القمم أنها شموع ومعالم في طريقهم إلى الله عز وجل لا بد أن يُسمع لقولهم، وأن يعاد إليهم، وأن يشاوروا، وأن تحترم آراؤهم؛ لأنهم أعقل وأعلم، وأصدق وأخلص. هذا الذي يجب على رواد هذه المسيرة أن يفعلوه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] من الدعاة والصالحين، والعلماء وطلبة العلم: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]. توحيد في أول المسيرة وتوحيد في آخرها: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].لم تكن دعوته صلى الله عليه وسلم رياءً ولا سمعة، وإنما كانت توحيداً خالصاً، يوم ينزل الإنسان ويدخل الدين يقول: (لا إله إلا الله): ويوم يموت، يموت على (لا إله إلا الله) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] فنسأل الله بصيرة وحكمة، وتوفيقاً وفقهاً في الدين.أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفق ولاة الأمر لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بأيديهم لكل خير، وأن يوفق عامة المسلمين، وأن يهدي شبابهم، وأن يرد ضالهم، وأن يتوب على تائبهم، وأن يغفر ذنوبنا جميعاً.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 الوعد بالجنة
العاشر: وعد عليه الصلاة والسلام محبيه وأتباعه برضا الله، وجنة عرضها السماوات والأرض، هذا هو الثمن للتضحيات، وأيما ثمن دونه فإنما هو غبن لا يساوي الجهد المبذول، يقول له الأنصار: {يا رسول الله! أئن نصرك الله ما لنا؟ قال: لكم الجنة} ليس عنده دنانير، هو أصلاً ليس مساوماً، لا يلعب بالنار، وهو لا يشتري دعايات، فهو عليه الصلاة والسلام ليس في اقتراع أصوات ولا في انتخابات، لا. بل من أراد الجنة فطريقها من لا إله إلا الله، ومن أراد النار سلك طريقها: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3] يأتي أبو بكر فيقول: يا رسول الله! إذا آمنت بك ما لي؟ قال: الجنة قال الأنصار: {يا رسول الله! إن نصرناك فما لنا، قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل} إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111] الرسول عليه الصلاة والسلام: لم يُمن أحداً بمنصب، ولا مال، ولا برتبة ولا قصر، أو دار، أو بمديحة بل قال لهم: رضا الله والجنة. صح عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: {من يقتل خالد بن سفيان الهذلي وله الجنة، فذهب عبد الله بن أنيس فقتله، فقال: يا رسول الله! ألي الجنة؟ قال: لك الجنة، قال: ما علامة ذلك؟ قال: خذ هذه العصا، علامة بيني وبينك يوم القيامة} تتوكأ بهذه العصا -إن شاء الله- في الجنة، والمتوكئون بالعصي في الجنة قليل وأخذها عبد الله بن أنيس ليتوكأ بها في الجنة إن شاء الله.يقوم على المنبر -والقصة صحيحة- فيقول: {من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟} ليس عند الرسول عليه الصلاة والسلام إلا الجنة، ليس عنده رشوة ولا مداهنة ولا زهرة الدنيا، فجهزه عثمان، فقال: {اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم}. إن التربية التي تربي الشباب على الجوائز لذاتها فحسب، سوف تربي جيلاً مادياً رأسمالياً، نعم نحن نشجع الناس بالجوائز، لكن المقصد رضوان الله، وجنة عرضها السماوات والأرض، نقول للحافظ: احفظ القرآن ليرضى الله عنك، وليلبسك حلة على رءوس الأشهاد، ثم لك جائزة، ونقول للشاب: احفظ الأحاديث ولك جائزة بعد رضوان الله والجنة. أما أن نجعل الجيل يطلبون بالدين وبالعلم الشرعي النافع أغراض الدنيا، فمعنى ذلك: الرياء والسمعة وإحباط العمل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110]. بالله يا مسلمون! لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام -فرضاً وجدلاً- يوم بذل أصحابه مابذلوا وضحوا بما ضحوا به، قال لهم: أما جزاؤكم على تضحياتكم، فلك يا عمر الكوفة، ولك يا علي البصرة، ولك يا أبا بكر عشرة آلاف ألف دينار، ولك يا فلان! كذا وكذا، فكم هو ثمن بخس؟ وكم هو قلة؟ وكم هو ضياع؟ لكن قال: الجنة، ولذلك تسابقوا إلى الجنة. جعفر خرج إلى مؤتة ليس عنده كسرة خبز من شعير، وكسرت السيوف في صدره وقطعت يداه وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها عليَّ إن لاقيتها ضرابها أنس بن النضر في آخر رمق يقول: [[إليك عني، والذي نفسي بيده! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قل هذه سبيلي للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net