اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حلاوة الإيمان للشيخ : عائض القرني


حلاوة الإيمان - (للشيخ : عائض القرني)
هذا شرح حديث من صحيح البخاري رواه أنس بن مالك وبوب له الإمام البخاري بقوله: باب حلاوة الإيمان، وهو حديث عظيم، وأصل من أصول الدين وقاعدة من القواعد الكبرى في الإسلام.وفيه ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، ومدارها على الحب والبغض، حب الله ورسوله وأوليائه، وبغض الكفر وحزبه وأتباعه.
ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فمعنا هذه الليلة من صحيح البخاري حديث عظيم، وأصل من أصول هذا الدين، وقاعدة من القواعد الكبرى في الإسلام، نوه به الإمام النووي وغيره من علماء الإسلام.هذا الحديث، يقول الإمام البخاري مبوباً عليه "باب حلاوة الإيمان" ثم قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) هذا الحديث العظيم متفق عليه بين الشيخين، ورواه جلة من علماء الإسلام وكثير منهم.لكن قبل أن نشرع في شرح الحديث، وفي فوائد الحديث وما يستفاد منه، نأخذ هذه الليلة حديثاً، وقد رأيت ورأى بعض الإخوان أن نأخذ في كل أسبوع حديثاً من أحاديث الأعمال نحفظ هذا الحديث؛ ليكون لجلوسنا إن شاء الله مع الفائدة فائدة، ومع المنفعة منفعة، فالجميع يحفظ وكل إنسان يحفظ هذا الحديث على مر الأسبوع ويعمل به؛ لأنه من أحاديث الأعمال وسوف أختار كل أسبوع حديثاً يناسب المقال والمقام والعصر.
 لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله
الحديث الذي نحفظه هذا الأسبوع ليس في البخاري ولكنه حديث وهو قاعدة ووصية ينفع جميع طبقات الناس، هذا الحديث نصه عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: {أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فدلني على باب أتشبث به -وفي لفظ: باب جامع أتشبث به- قال صلى الله عليه وسلم: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله}.هذه وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن بسر، وهذا الحديث رواه الترمذي والإمام أحمد وابن حبان وغيرهم وقال الترمذي: حديث حسن، وهو حسن.هذا الحديث وصية جامعة من الرسول صلى الله عليه وسلم يقدمه للأمة، وهو جامع لخيري الدنيا والآخرة، فمن فهم هذا الحديث وحفظه وعمل به كفاه عن أبواب كثيرة؛ لأنه الباب الجامع في الإسلام ألا يزال اللسان رطباً من ذكر الله عز وجل، انتهى الحديث ونسأل الله التوفيق لحفظه والعمل به.وقد تعودنا مع بداية كل درس أن نأخذ شخصية إسلامية رائعة؛ ممن يستن ويقتدى بهم في هذا الدين؛ ليكون من باب التربية والتوجيه والاقتداء والتأسي.
لمحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية
ومعنا الليلة العلم العلامة، والزاهد الفهامة شيخ الإسلام، علم الأعلام، المجاهد الكبير، شيخ الإسلام ابن تيمية، اسمه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني أو أبو العباس تقي الدين -رحمه الله رحمة واسعة- نأخذ من سيرته بعض اللمحات ثم نبدأ في الحديث.
 علم ابن تيمية
أما قوة علمه فحدث عن البحر ولا حرج، كتاب سيبويه كتاب النحو ما وجد شيخاً يقرأ عليه كتاب النحو وهو من أعوص وأصعب كتاب للنحو عند المسلمين، فأتى ابن تيمية واستعان بالله عز وجل وبدأ: بسم الله الرحمن الرحيم وأخذ كراساً كبيراً وقرأ الكتاب بنفسه حتى ختمه ثم لاحظ ثمانين ملاحظة على سيبويه يقول: أخطأ فيها، حتى قال أبو حيان التوحيدي: إن سيبويه قد ألف كتاباً عظيماً قال: أخطأ سيبويه وأخطأت أنت وأخطأ في ثمانين موضعاً لا تعرفه أنت ولا سيبويه، وأخذ علم المنطق والفلسفة الذي هو أصعب من الحديد وتفكيكه أعظم من تفكيك الحديد فقرأه بنفسه ثم ألف رسائل يستدرك فيها ويخطئ أهل المنطق الذين ظلوا يدرسونه سنوات عديدة، فرحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا الله به في مستقر رحمته.وهو -بحق- المنظر لعقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأنها كانت مفتوتة، ولو أنها ليست بضائعة فكتاب الله عز وجل وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هما العقيدة، ولكن كاتجاه فكري يصادم الاتجاهات الفكرية والبدعية، ابن تيمية هو رجل الحلبة ورجل الساعة في هذا الموقف، فجزاه الله عن المسلمين وعن الإسلام خير الجزاء.
ترجمة بعض رجال الحديث
هذا الحديث الذي معنا هذه الليلة في صحيح البخاري يقول البخاري -رحمه الله رحمة واسعة-: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا أيوب.
 أبو قلابة
يقول: عن أبي قلابة، وأبو قلابة أصابه مرض حتى قطعت أعضاءه الأربعة، اليد اليمنى واليد اليسرى والرجل اليمنى والرجل اليسرى، أصابته الآكلة في كل جزء منه فقطعت أطرافه حتى دخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: [[يا أبا قلابة الله الله! لا يشمت بنا المنافقون؛ اصبر اصبر]].عمر بن عبد العزيز الخليفة زاره وزاره علماء الإسلام وزاره معهم جمع غفير من الناس فقال: [[الله الله! لا يشمت بنا المنافقون.. الله الله! اصبر اصبر]] هذا أبو قلابة.يقول: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار} وانظر إلى ذكاء الإمام البخاري وإلماع الإمام البخاري وسطوعه رضي الله عنه قال: باب حلاوة الإيمان، قال ابن أبي جمرة وهو أندلسي من أصحاب القلوب: "إنما قال البخاري باب حلاوة الإيمان، لأن الله وصف كلمة التوحيد بأنها كمثل شجرة طيبة" فهذه الشجرة الطيبة هي لا إله إلا الله، وفروعها هي: أركان الإسلام وأغصانها هي: الفرائض والنوافل، وأوراقها هي: فعل الطاعات، وثمارها هي: ما يحصل عليه الطائع من هذا الثمر الطيب الجميل، وأما حلاوتها فهو بعد أن يستمر، فقال الإمام البخاري: باب حلاوة الإيمان.قال صلى الله عليه وسلم: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان}.
سبب تثنية الضمير في (سواهما)
أي ذاقها وأحسها وعاشها ووجد الانبساط والفرحة، ثم ذكر الثلاث، وهي:الأولى: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) وفي هذا الدرس قضايا:القضية الأولى: لماذا قال صلى الله عليه وسلم: ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) وثنى الضمير، مع العلم أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على ذاك الأعرابي الغطفاني حينما (قام يخطب عنده صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم: اجلس بئس خطيب القوم أنت) لماذا؟ لأنه قال: ومن يعصهما، فجمع بين ضمير الله لفظ الجلالة وبين ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:(ومن يعصهما، فقال صلى الله عليه وسلم: اجلس بئس خطيب القوم أنت) وهذا الحديث في سنن أبي داود، وهو يقبل التصحيح أنه قال له صلى الله عليه وسلم اجلس؛ لأنه جمع الضمير، فكيف ينكر صلى الله عليه وسلم جمع ذاك للضمير ويأتي هنا ويقول: ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فجمع صلى الله عليه وسلم هنا؟والجواب من وجوه: قيل: إن السبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعرف بمقام ربه تعالى وما يجب له من التكريم والتعظيم والتبجيل، فالرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وقالها، وأما ذاك الأعرابي فإنه أنكر عليه؛ لأن كلامه ربما يوهم المشاركة والأعرابي لا يدرك ذلك أو الناس السامعون.وقيل: بل قال صلى الله عليه وسلم هذا الأمر؛ لأنه في مقام الاختصار والإيجاز ليحفظ هذا الحديث؛ وأما ذلك الأعرابي فإنه في مقام خطبة، فالأحسن له الأولى أن يبسط الكلام، وأن يشرح الكلام، ويتوسع فيه. وقيل وهو الراجح: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ثنى بالضمير هنا لأن تلازم محبة الله عز وجل ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تلازماً لا بد منه، وأما تلازم العصيان هناك فإنه قد يعصي الإنسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعصي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى بمعاصي منفصلة وهذا الجواب الذي سدده ابن حجر، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم ثنى هنا وجاز له أن يثني لأن محبة الله عز وجل ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، لا بد أن تتوفر سوياً؛ لأن الله عز وجل جعل من حب رسول الله الشرط في حبه تعالى، والشرط في حُبِّه حُبُّه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].هذا هو الجواب وبسطه موجود هنا ولا نطيل في الوقوف عنده.
 أبو قلابة
يقول: عن أبي قلابة، وأبو قلابة أصابه مرض حتى قطعت أعضاءه الأربعة، اليد اليمنى واليد اليسرى والرجل اليمنى والرجل اليسرى، أصابته الآكلة في كل جزء منه فقطعت أطرافه حتى دخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: [[يا أبا قلابة الله الله! لا يشمت بنا المنافقون؛ اصبر اصبر]].عمر بن عبد العزيز الخليفة زاره وزاره علماء الإسلام وزاره معهم جمع غفير من الناس فقال: [[الله الله! لا يشمت بنا المنافقون.. الله الله! اصبر اصبر]] هذا أبو قلابة.يقول: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار} وانظر إلى ذكاء الإمام البخاري وإلماع الإمام البخاري وسطوعه رضي الله عنه قال: باب حلاوة الإيمان، قال ابن أبي جمرة وهو أندلسي من أصحاب القلوب: "إنما قال البخاري باب حلاوة الإيمان، لأن الله وصف كلمة التوحيد بأنها كمثل شجرة طيبة" فهذه الشجرة الطيبة هي لا إله إلا الله، وفروعها هي: أركان الإسلام وأغصانها هي: الفرائض والنوافل، وأوراقها هي: فعل الطاعات، وثمارها هي: ما يحصل عليه الطائع من هذا الثمر الطيب الجميل، وأما حلاوتها فهو بعد أن يستمر، فقال الإمام البخاري: باب حلاوة الإيمان.قال صلى الله عليه وسلم: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان}.
أسباب حب الله عز وجل
المسألة الثانية أو القضية الثانية: أسباب حب الله عز وجل أو ما هي الأسباب التي تجعلنا نحب الله تبارك وتعالى؟
 التقرب إلى الله بالنوافل
الرابع من أسباب حب الله: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فليتقرب الإنسان ما استطاع.
أسباب حب النبي صلى الله عليه وسلم
وأما أسباب حب الرسول صلى الله عليه وسلم فقد مرت معنا ولا بأس بإعادتها فإنها مرت في الدرس السابق، فأسباب حبه صلى الله عليه وسلم أمور أربعة:
 العبودية لا تتم إلا بحبه صلى الله عليه وسلم
الأمر الرابع: مقام العبودية لا يتم إلا بحبه والاهتداء بهدية فليعلم ذلك، فالذي لا يتم حب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يتمم الاقتداء به؛ لم يكمل له مقام العبودية.هذه هي الأسباب الموصلة إلى حبه صلى الله عليه وسلم والتي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم: {أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما}.
الحب في الله وبعض صوره
ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) من هو المرء هذا؟ هل هو الإنسان؟لا، المرء هنا إنما أطلق على المعروف، فإنه ينصرف عند المسلمين وعند أهل الحديث وعند أهل العلم إلى المسلم المؤمن.
 الحسن بن علي يحب المساكين
ومما أثر عن الحسن بن علي بن أبي طالب السيد، سيد شباب أهل الجنة: [[أن الحسن كان يجلس مع المساكين لا يأكل إلا معهم، كان إذا أتت وجبته وطعامه قال: اجمعوا لي المساكين فيجلس معهم، وقيل له: لم ذلك؟ قال: إني سمعت أن الله أوحى إلى داود: يا داود مالك؟ قال: يا رب ماذا؟ قال: رأيتك تجلس مع علية الناس]] يعني إن أردت أن لا ينالك عذابي، فاجلس مع المساكين وكل واشرب معهم، فكان داود عليه السلام كلما أتى إليه طعامه قال: اجمعوا لي مساكين القرية أو المدينة، فيجمعهم ويأكل معهم ويتواضع.وفي سير داود أنه كان يأكل الطعام ويبكي، فقيل له في ذلك فقال: نعمة لا أؤدي شكرها، ولذلك أوحى الله إليه: يا داود أعلمت أن هذه النعمة مني؟ قال: نعم علمت، قال: فقد شكرتني، فجمع داود عليه السلام آل داود وكانوا ألوفاً وقال: إن الله عز وجل قد أنعم عليكم نعماً، فأريد ألا تمر ساعة من ليل أو نهار إلا ومنا من يصلي ومنا من يذكر الله ومنا من يقرأ كتاب الله، فلذلك قال الله: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].هذا معنى أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فإذا أحبه لغير الله عز وجل أو لغرض غير الله عز وجل؛ ذهبت حلاوة هذه المحبة وأصبحت متعطلة، لا يعلوها نور ولا تكسبهم مثوبة عند الله ولا أجراً، وإنما هي محبة وقتية تنتهي بوقتها، فنسأل الله السلامة.
الحذر من أسباب الزيغ
( وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) بعد ما يتشبع المسلم بالإيمان، أو المؤمن بالإيمان والمسلم بالإسلام؛ لابد أن يعتقد أنه لو نصب له في مكان أو في قمة ووضع تحت تلك القمة نار تتلظى ثم رمي من هذه القمة إلى النار أو أن يعود عن دينه لاختار هذه النار، وهذا مثال تقريبي قربه علماء السلوك وأرباب القلوب، قالوا: يجعل الإنسان في مخيلته هذا المثال أن يضع الإنسان في واد من الأودية نار تتلظى وتستعر، ثم توضع أنت في رأس هذا الجبل وترمى، وتخير بين أن ترمى في النار أو تعود عن دينك فتختار النار بدون العودة إلى الكفر -نسأل الله السلامة-، ولذلك يقول سبحانه وتعالى في مدح المؤمنين أنهم كانوا يقولون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].ولذلك يقول سبحانه وتعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] فلذلك ينبغي على الإنسان -كما ثبت في الصحيح- أن يقول في كل سجود: (يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك، يا مصرف القلوب والأبصار صرف قلبي إلى طاعتك أو على طاعتك) فبهذا الدعاء والإلحاح وصدق اللجأ يثبتك الله ثباتاً لا تنحرف بعده أبداً.وأسباب الزيغ، أو محبة الكفر أو الرجوع إلى الكفر أسباب قد أجملتها في درس سبق، لكن من أسبابه: محبة الزيغ، لأن بعض الناس لمحبته الفساد؛ ومداولة الفساد يتركه الله ونفسه، وهذا هو الخذلان، الخذلان أن يتركك الله وهواك، يقول الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5].ما أزاغ الله قلوبهم حتى زاغوا هم، ولذلك تجد أهل المعاصي إنما هم الذين زاولوا أسباب المعاصي فجلسوا مع السيئين، وسمعوا الأسباب الموصلة، أو زاولوا الأسباب الموصلة إلى المعصية: كسماع الغناء، واللهو، والفحش، والعهر، فوقعوا في الفاحشة، ثم من الفاحشة انتقلوا إلى الشبه والشكوك، ثم من الشبه والشكوك إلى النفاق أو الكفر -نسأل الله السلامة- قال الله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]وهذه مشيئة الإنسان التي هي تحت مشيئة الرحمن، ولا يعترض الإنسان بحجة القضاء والقدر فهذا في جانب لا يدخل فيه.يقول ابن تيمية لرجل: "لماذا لا تستقيم؟"قال: لأن الله لم يقدر علي أن أستقيم، قال: "فلماذا تعصي الله" قال: لأن الله قدر علي أن أعصيه، قال: "سبحان الله! جبري في المعصية قدري في الطاعة" فهذا بعض الناس يحتج بالقضاء والقدر في هذا الجانب ولا يحتج به في جانب آخر، بل لك مشيئة،وأنت تعرف أنك إذا سلكت الطريق المستقيم أوصلك إلى الله سبحانه وتعالى، يقول الله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23].يقول: لو يدري سبحانه وتعالى -وهو يدري- أنه لو كان فيهم خير وبر ورشد ونصح للإسلام والمسلمين لأعطاهم الله من الخير: لكن لما علم الله إعراضهم عنه تركهم وهواهم، ولو أسمعهم؛ لتولوا وهم معرضون، ولذلك يتعجب الإنسان من بعض الناس يسمع الآيات والأحاديث والمواعظ التي تبكي لها الجبال والصخور ثم لا يهتز ولا يتأثر وسيرته هي نفسها وما تغير أبداً لا في أمسه ولا في يومه ولا في غده، وسبب هذا أنه هو الذي يريد أن يزيغ ويريد الانحراف ويشجع على الانحراف، فمن التشجيع على الانحراف، أن بعض الناس إذا جلس في مجلس من مجالس المنحرفين، فيمجد بعض الانحراف ويسميه حرية، ويلصق التهم بأهل الخير وأهل الاستقامة وأولياء الله عزوجل، هذا اعلم أن فيه انحراف وأن خاتمته سيئة إن لم يتداركه الله.هذه آيات التثبيت في كتاب الله عز وجل، فالحديث كما سمعتم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار).هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 الحسن بن علي يحب المساكين
ومما أثر عن الحسن بن علي بن أبي طالب السيد، سيد شباب أهل الجنة: [[أن الحسن كان يجلس مع المساكين لا يأكل إلا معهم، كان إذا أتت وجبته وطعامه قال: اجمعوا لي المساكين فيجلس معهم، وقيل له: لم ذلك؟ قال: إني سمعت أن الله أوحى إلى داود: يا داود مالك؟ قال: يا رب ماذا؟ قال: رأيتك تجلس مع علية الناس]] يعني إن أردت أن لا ينالك عذابي، فاجلس مع المساكين وكل واشرب معهم، فكان داود عليه السلام كلما أتى إليه طعامه قال: اجمعوا لي مساكين القرية أو المدينة، فيجمعهم ويأكل معهم ويتواضع.وفي سير داود أنه كان يأكل الطعام ويبكي، فقيل له في ذلك فقال: نعمة لا أؤدي شكرها، ولذلك أوحى الله إليه: يا داود أعلمت أن هذه النعمة مني؟ قال: نعم علمت، قال: فقد شكرتني، فجمع داود عليه السلام آل داود وكانوا ألوفاً وقال: إن الله عز وجل قد أنعم عليكم نعماً، فأريد ألا تمر ساعة من ليل أو نهار إلا ومنا من يصلي ومنا من يذكر الله ومنا من يقرأ كتاب الله، فلذلك قال الله: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].هذا معنى أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فإذا أحبه لغير الله عز وجل أو لغرض غير الله عز وجل؛ ذهبت حلاوة هذه المحبة وأصبحت متعطلة، لا يعلوها نور ولا تكسبهم مثوبة عند الله ولا أجراً، وإنما هي محبة وقتية تنتهي بوقتها، فنسأل الله السلامة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حلاوة الإيمان للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net