اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ليلة مع الجن للشيخ : عائض القرني


ليلة مع الجن - (للشيخ : عائض القرني)
عالم الجن هو عالم خلقه الله قبل عالم الإنس وأسكنهما الأرض وابتلى بعضهم ببعض، فللجن حقيقة ووجود، ومنهم مؤمنون وكفار، وقد ختمت رسالتهم كما ختمت عند البشر بمحمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن منهم من يتعدى على الإنس ولذلك علم الله الإنسان أذكاراً يمتنع بها منهم.
التقاء الرسول عليه الصلاة والسلام بالجن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا ممع الأبرار.أمَّا بَعْد:أيها الجمع الكريم! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.لا يزال العبد المسلم يجدد إيمانه في مجالس العلم، كلما جلس مجلساً غفر الله له ذنبه، ورفع عنه كربه، ورفع درجته عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالى.وتجديد الإيمان إنما يحصل بمدارسة الكتاب والسنة التي أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم.وفي هذا الجلسة المباركة -بإذن الله- العطرة بحديث حبيب الله، التي تَتَضَوَّع مسكاً -إن شاء الله- بما قدمه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام للبشرية. معنا في هذه الجلسة: حديث في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. قال علقمة -وهو تلميذ من تلاميذ ابن مسعود الكبار، ومن أصحابه الأخيار-: قلنا لـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: (هل كان أحدٌ منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا. تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي، فخفنا أن يكون اسْتُطِيْرَ أو اغْتِيْلَ، فذهبنا نبحث عنه حتى الصباح، فوجدناه قد أتى من نحو غار حراء، فقلنا: يا رسول الله! أين كنتَ؟ قال: لقيتُ الجن، وقرأت عليهم القرآن، وسألوني الزاد، فأعطيتهم وقلت: لكم كل عظم أوفر ما يكون طعاماً لكم، ولكم كل بعرة أوفر ما تكون طعاماً لدوابكم) هذا الحديث في صحيح مسلم.ومجمل القصة أن أحد تلاميذ ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وهو علقمة قال لـابن مسعود الصحابي الجليل من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام: (هل كان أحدٌ منكم...) أي: من الصحابة، (... مع الرسول عليه الصلاة والسلام ليلة الجن؟ قال: لا). يثبت هنا ابن مسعود أنه لم يكن أحد من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام معه ليلة الجن، ثم يقول ابن مسعود: (... تخلف عنا عليه الصلاة والسلام، فخفنا أن يكون اسْتُطِيْرَ...) أي: أتاه شيءٌ طار به، (... أو اغْتِيْلَ...): أصـابته غيلة عليه الصلاة والسلام وقتل بخفية، قال: (... فبحثنا عنه، فوجدناه في الصباح أقبل من نحو غار حراء، فلما لقيناه قلنا له: أين كنتَ؟...) فأجابهم عليه أفضـل الصـلاة والسلام: (أنه لقي الجن، وقرأ عليهم القرآن، وأنهم سألوه الزاد...) الحديث.في هذا الحديث قضايا ومسائل:المسألة الأولى: هل الجن خلق من الخلق لهم حقيقة؟ لأن من المفسرين من نفى حقيقة الجن، أعني: المُحْدَثين من أهل التفسير.المسألة الثانية: هل الجني يتلبس بالإنسي حقيقة، ويدخل فيه، ويصرعه؟المسألة الثالثة: هل من الجن مؤمنون وكافرون؟المسألة الرابعة: هل أرسل الله من الجن رسلاً، كما أرسَل من الإنس؟المسالة الخامسة: هل يدخل الجن الجنة؟ أم أن لهم جنة أخرى؟ وكيف يتنعمون؟المسألة السادسة: كم لقي الرسول صلى الله عليه وسلم الجن، مرة، أم مرتين، أم أكثر من مرة؟المسألة السابعة: ما هو طعام الجن؟ وما هو طعام دوابهم؟المسألة الثامنة: هل حضر ابن مسعود ليلة الجن؟ لأن الترمذي روى في سننه: أن ابن مسعود قال: (كنتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال لي عليه الصلاة والسلام: يا ابن مسعود! هل معك ماء أتوضأ به؟ قال: يا رسول الله! ليس معي ماء، عندي إداوَةٌ -وهي: القِرْبة الصغيرة- فيها نبيذ، قال عليه الصلاة والسلام: ثمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ بالنبيذ) والنبيذ: هو ما يُمْرَس من التمر أو العنب أو نحو ذلك.والإشكال هنا: كيف يروي الترمذي هذا الحديث، وفي صحيح مسلم أن ابن مسعود قال: (ما كان أحدٌ منا معه عليه الصلاة والسلام) هذا سوف يأتي إن شاء الله.المسألة التاسعة: هل الشيطان من الجن؟ قال تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50].المسألة العاشرة: ما هي الحروز العشرة التي من أدركها وقام بها، حفظه الله ظاهراً وباطناً من شياطين الجن والإنس، هذه الحروز العشرة، كل حرز منها كفيل -بإذن الله- أن يحفظك في ليلك ونهارك.
 

الأمور الواجبة على كل مسلم مكلف
هذه هي القضايا التي معنا هذا الليلة؛ ولكن قبل ذلك أحب أن أنبه نفسي وإياكم على أنه ينبغي أن نعلم مسألة، وهي أنه ينبغي على المكلف أن يعرف أن عليه أربعة أمور في الحياة، لا بد أن يقوم بها إن كان مسلماً يريد الله والدار الآخرة.الأمر الأول: العلم: أن يتعلم، وأن يتفقه.الأمر الثاني: العمل: أن يعمل بما علَّمه الله، ولو كان آيةًَ أو حديثاً.الأمر الثالث: التبليغ: أن يبلغ ما تعلم من آية أو حديث إلى الناس.الأمر الرابع: الصبر: أن يصبر على هذا التبليغ، وما يأتيه من أذىً ومشقة من الناس.فإذا فعل ذلك، فقد أصبح خليفة للرسول عليه الصلاة والسلام.
 الصبر على التبليغ
الأمر الرابع: الصبر:-وهو الصبر على التبليغ، والدعوة إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. هذه أمور لا بد أن تُقَرَّر، ثم أبدأ في مسائل هذا الحديث.
ترجمة: علقمة بن قيس
علقمة، الذي معنا في هذا السند: أحد التابعين، واسمه: علقمة بن قيس، من علماء وعباد العراق، يقولون عنه: إنه صام أربعين سنة سرداً، ما أفطر إلا في يوم أضحى وفي يوم فطر، والسنة: ألا يُسْرَد لكن هكذا وجد من نفسه، وربما لم يبلغه النهي، وكان من العباد الكبار.نزل به شيخه عبد الله بن مسعود مع بعض التلاميذ من الكوفة، فمروا على الأسواق يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فمروا برجل يشوي رءوس غنم، فلما رأى علقمة الرءوس تُشوى على النار، بكى حتى أُغمي عليه، ورُش بالماء، وبقي ليلة.فلما استفاق، قال له ابن مسعود: [[ما لك؟ قال: تذكرتُ أهل النار، وهم يصطرخون فيها]]. كان علقمة من أجمل الناس صوتاً بالقرآن، حتى أن ابن مسعود يقول له: [[اقرأ القـرآن فداك أبـي وأمـي، وزينه بصوتك، فإنه زين القرآن]] فكان يقرأ ويتأثر ابن مسعود، ومعه أصحابه، ويتباكون وهو يقرأ عليهم.فيقول: [[سألتُ ابن مسعود...]] القصة والحديث.
 الصبر على التبليغ
الأمر الرابع: الصبر:-وهو الصبر على التبليغ، والدعوة إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. هذه أمور لا بد أن تُقَرَّر، ثم أبدأ في مسائل هذا الحديث.
التقاء النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه مع الجن
أما الجن: فللرسول عليه الصلاة والسلام معهم مواقف، والله ذكر الجن في القرآن في مواطن كثيرة نذكر منها: قولَه سُبحَانَهُ وَتَعَالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] وقولَه: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن:33] وقولَه: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:15] إلى غير تلك من الآيات العظيمة الكثيرة.ذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الجن، وذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث لهم.قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] والعالَمون: يشمل عالم الجن والإنس.التقى الرسول عليه الصلاة والسلام -فيما حُفِظ- بالجن مرتَين، كانا مؤتمرَين عظيمَين، ولقاءَين ساخنَين حارَّين، تحدث مع الجن مباشرة فيهما.
 معاذ بن جبل وكفرة الجن
وذكر البيهقي في دلائل النبوة أن للجن مواقف مؤذية، أي: كفرة الجن مع المسلمين من الصحابة.ذكر من ضمن القصص، يقول معاذ رضي الله عنه وأرضاه: دخلتُ بيتي، وأغلقتُ عليَّ الباب، فلما أغلقت عليَّ الباب، وإذا أنا من ثقب الباب بثعبان دخل كأنه الخيط، دخل خيطاً خيطاً خيطاً؛ لأن الثقب كان قريناً أي: أن الصائر بين الباب قرين، لا يمكن أن يدخل الثعبان دفعة واحدة، فأخذ يدخل خيطاً خيطاً، فلما اكتمل اجتمع، فإذا هو ثعبان، فطوق علي البيت، فقال: قلتُ: باسم الله، فاختفى عني، وكأنه احترق، فأتيتُ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقلتُ له، قال: {ذاك جان، فإذا أحسست به فاذكر الله، واقرأ شيئاً من القرآن؛ فإنه سوف يحترق} هذا الحديث أورده البيهقي في دلائل النبوة، لمن أراد أن يراجع هذه القصص وغيرها.والآن نبدأ في تفصيل المسائل العشر المذكورة في صدر المحاضرة.
مسائل عن الجن

 ما صحة حضور ابن مسعود مع النبي إلى الجن؟
هل حضر ابن مسعود ليلة الجن؟قلنا لكم: إن ابن مسعود قال في سنن الترمذي: أتيتُ بإداوَة، وطلب صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ، فقلتُ: فيها نبيذ، فقال: {ثمرة طيبة، وماء طهور} فتوضأ صلى الله عليه وسلم، وقال في صحيح مسلم:{ما كان أحدٌ منا مع الرسول عليه الصلاة والسلام }.فكيف نجمع بين الحديثَين؟نقول: حديث الترمذي حديث ضعيف، ليس بصحيح، في سنده: أبو زيد العِمِّي، وهو رجل مجهول الحال، وقيل: مجهول العين، ولم يصح. وهذا دليل الأحناف، حيث استدل الأحناف بهذا الحديث الضعيف، على جواز التوضؤ بالنبيذ، سواء النبيذ أو ما في حكمه من الطاهرات، فإذا مَرَسْتَ التمر في الماء الحار، وأصبح نبيذاً تشربه فلك أن تتوضأ به، وعندهم يجوز لك أن تتوضأ -بإذن الله- بـ(اللبن) فإذا لم تجد ماءً فإنه يجوز لك أن تأخذ علبة من ألبان مراعي -بحفظ الله ورعايته- وتتوضأ بها، وتأتي أبيض يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه، وإذا لم تجد لبناً، جاز لك أن تأتي إلى الماء الطاهر في (الميراندا) أو (البيبسي) فتتوضأ به أو تغتسل؛ لأنها من الطاهرات، أو تبرد لك (الشاي) ثم بعد أن يبرد تتوضأ به، وتستاك به بعد أن تتمضمض وتستنشق وتستنثر. هذا عندهم. لماذا؟ لاستنادهم على هذا الحديث.وابن مسعود كوفي، والحديث عندهم وصل؛ ولكن أهل الحديث قالوا: لا. فالحديث ليس بصحيح.والله عز وجل يقول: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء:43].فالماء في اللغة: كل ما أطلق عليه ماءً، بمعنى الماء، أما (اللبن) و(الشاي) و(العطر) فهذه كلها ليست بماء. فلا نقول: هو طاهر؛ لأنه ما مسته نجاسة؛ لا، بل نقول: ليس بماء، فأنت إذا لم تجد ماءً فتوكل على الله وتيمم؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ما أحالنا إلى غير التيمم، إنما قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء:43].أما حديث ابن مسعود، فقد قلتُ لكم: إنه ضعيف؛ لسببين:الأول: في سنده لـأبي زيد العِمِّي.الثاني: لأن ابن مسعود يقول في صحيح مسلم، لما سئل: {هل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ منكم ليلة الجن؟ قال: لا. ما كان معه أحدٌ منا} فلْيُعْلَم ذلك.واعلموا أن النبيذ لا يُتَوَضَّأ به، ولو أن بعض الأحناف وكثيراً منهم يقولون ذلك، وهذه مسألة مرجوحة.
مسائل عن الشيطان
المسألة التاسعة: هل الشيطان من الجن؟
 موقفنا من الشيطان
موقفنا أن نحاربه بشتى الأسلحة والوسائل، منها: 1- العقيدة: وهي التوحيد، وهي سلاح يهزم الشيطان.2- العمل الصالح.3- الحال الطيب.4- الكلام الطيب.هذه كلها تتعاون على حرب الشيطان.
الحروز من الشيطان
المسألة العاشرة: ما هي الحروز العشرة التي نحترز بها من الجان والشياطين؟اسمعوا إلى هذه الحروز، وانقلوها إلى أهلكم وأسركم وأطفالكم وجيرانكم، علَّ الله أن ينفعنا وإياكم بها.
  الحرز العاشر: قراءة سورة البقرة في البيت
وهذا الحرز نختتم به، فبيت تُقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه شيطان. والقرآن عموماً؛ ليكن مصحفك في بيتك، لتكن آيات الله عز وجل ولو قَلَّتْ تدورُ في بيتك، ولو شيئاً قليلاً من القرآن تقرؤه قبل النوم كالمعوذات يفتح الله عليك به.
أقسام شباب الإسلام في الوقت الحاضر
أريد في هذه الجلسة القصيرة أن أنبه على مسألة طريفة، ولا بد أن يُتَنَبَّه إليها، وأن تُعرض عرضاً جيداً، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.هذه المسألة: هي مسألة ما قد يوجد في بعض المجتمعات من بعض التشدد في بعض الأمور، حتى يخرج هذا التشدد بصاحبه عن السنة، ودين الله عز وجل وسط بين الغالي والجافي، والله عز وجل يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143] والرسول عليه الصلاة والسلام كان ينهج النهج الوسط، في عبادته، وتعامله، ومأكله، وملبسه.والذي يُلاحَظ في شباب الأمة الإسلامية أنهم الآن ثلاثة أقسام:
 القسم الثالث: أهل الوسط
فالوسط: هم فئة وجدت في الأمة الإسلامية، وهم -إن شاء الله- نحسبهم هؤلاء الحضور بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهم الذين يتفقهون في علم الكتاب والسنة، ويعيشون السنة التي أرادها صلى الله عليه وسلم، وإظهارها للناس بمحاسنها ومحامدها.فلا تظنوا كلامي -والله أعلم بما في القلوب- أنه يدعو إلى التساهل في الأمور، ويدعو إلى عدم الخشية في الصلاة، وإلى عدم التقشف والزهد، فكلٌّ حسيبه الله عز وجل؛ لكننا نتعامل مع الكتاب والسنة، ونقرأ أحوال السلف، حتى أن ابن الجوزي قال: لا تغتر بمن بعد التابعين من الزهاد. من يقرأ تراجم (حلية الأولياء) لـأبي نُعيم يظن أن الإسلام معناه: أن تبقى في زاوية تبكي أربعاً وعشرين ساعة، وألا تأكل الطعام.حتى إن أحد المتصوفة يقول: أين أنتم عني وأنا ما أكلتُ الرُّطَب أربعين سنة؟ والرطب: البلح. ومن ذا قال له: لا يأكل أربعين سنة، والرسول صلى الله عليه وسلم أكله؟! ويقول آخر: ما أكلتُ اللحم، ولن آكله. لا يأكله، ومن أجبره حتى يأكله؟ بل ربما في الآخرة لن يأكل لحماً.فالمقصود -بارك الله فيكم- أن هؤلاء أمْزِجَة، لكن: نتحاكم عند مَن؟ نتحاكم عند الرسول عليه الصلاة والسلام.أتى رجل عند الإمام أحمد فقال: يا أبا عبد الله! الزواج خير، أو ترك الزواج أحسن؟ فقال: الزواج أفضل، قال: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَسَيِّداً وَحَصُوراً [آل عمران:39] أي: يمدحه بأنه لم يتزوج، يا إمام، إبراهيم بن أدهم ما تزوج، قال الإمام أحمد: أُوَّة؟ بمعنى: أنه يُحاكمه إلى إبراهيم بن أدهم، أحد الزهاد؟! رجعنا إلى بنيات الطريق، والرسول عليه الصلاة والسلام أكثر الأمة زوجات، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38].فالتحاكم إلى رسول الهدى عليه الصلاة والسلام.وأنا أحببتُ أن أخبر بهذا، وإلا فإنني أعلم أن من الدعاة من يوجهون المسيرة، وقد نبَّه بعض العلماء في مناسبات عن هذه المسائل، حتى نُظْهِرَ الإسلامَ في قوة، ونُظْهِرَه في عَظَمَة.الإمام مالك يلبس بُرْدَة بخمسمائة دينار، فقالوا له: لماذا؟ فقال: لأُظْهِر عَظَمَة الإسلام.وذكر صاحب طبقات الحنابلة، وعودوا إليه في المجلد الثالث، في ترجمة أبي إسماعيل الهروي، قال: كان يلبس اللباس العجيب، فقيل له: لماذا؟ قال: أريد أن أظهر عظمة (لا إله إلا الله)؛ لأن النصارى والخواجات إذا رأونا في هذه الملابس قالوا: هذا هو الإسلام الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم؟فلذلك أنا أدعو نفسي وإياكم إلى تمعُّن هذا الأمر، وهو ليس بالأمر الذي يخفى على مثلكم؛ لكن وُجِدَ من يسيء فهمه في بعض المجتمعات.أسأل الله لي ولكم القبول والتوفيق والهداية.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ليلة مع الجن للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net