اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الضيف الكريم للشيخ : عائض القرني


الضيف الكريم - (للشيخ : عائض القرني)
إن مما يجب على المسلم أن يكون متفقهاً في أمور دينه التي يمارسها كل من دخل في هذا الدين، كالصلاة والصيام، وما دام أن شهر رمضان قد أوشك على المجيئ، فلابد للمسلم أن يفقه أحكامه حتى يعبد الله على بصيرة، ولذا وجب كل مسلم أن يعلم ما هي الأشياء التي تبطل صومه، والأشياء التي يجوز فعلها، ويعلم كيف كان هدية صلى الله عليه وسلم في رمضان، في السحور، في الإفطار ليكون صومه صحيحاً موافقاً للكتاب والسنة.
نماذج من إجاباته صلى الله عليه وسلم على الأسئلة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْــد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.روى البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في رمضان فقال عليه الصلاة السلام: أتجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا يا رسول الله -يعني كلها لا يستطيع- ثم جلس رضي الله عنه وأرضاه فأوتي صلى الله عليه وسلم بعرق -أي: بمكتل فيه تمر- فقال: قم فخذ هذا فتصدق به، قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! والله ما بين لا بتيها -يعني حرة المدينة - أهل بيت أفقر من بيتي فقال صلى الله عليه وسلم فخذ هذا العرق -أو المكتل- فأخذه، فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه) روى هذا السبعة واللفظ هذا لـمسلم رحمه الله رحمة واسعة.هذا الحديث سوف يأتي فيه قضايا، ولكن هذا الحديث من المجالس العامرة التي عاشها صلى الله عليه وسلم يوم عاش موجهاً للأمة ومعلماً لها عليه الصلاة السلام طيلة حياته حياة الرسالة، فبعد أن أرسله الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى بعد الأربعين كان يقف مفتياً ومعلماً، وهو مستعد لأي إجابة أو طلب إجابة من أي سؤال يصدر، سأله اليهود -كما سوف نعرض نموذجاً لذلك- والنصارى والمشركون والنساء والأطفال والأعراب، فكان عليه الصلاة السلام يجيب الجميع وهو متهيئ في مجلسه ليستقبل كل إنسان ويجيبه بكل ما يرد من سؤال، يجلس معه الصحابة الأخيار من المهاجرين والأنصار، ويجلس معه المشركون والمنافقون، واليهود والنصارى، والنساء والأطفال.أما المشركون: فإنهم أكثروا من الأسئلة على الرسول عليه الصلاة السلام، ودخلوا مرات عديدة في مجلسه فما كان يعبس في وجوههم، بل يستقبلهم صلى الله عليه وسلم باللين؛ عل الله أن يهديهم.دخل العاص بن وائل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد كان مشركاً رعديداً، يقول الله فيه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] دخل بعظم بيده فقال: يا محمد أتزعم أن ربك يحي هذا بعد أن يميته أو يرده حياً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم ويدخلك النار) ففتت العظم ثم نفخه أمام الرسول عليه الصلاة السلام، فكان الرد من السماء قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] بعد أن كبر، وترعرع، واشتد ساعده؛ نسي خلقه ونسي صورته، ونسي من خلقه ورزقه، ثم انظر كيف التفت إليه بالغيبة فقال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً [يس:78].أتى اليهود في مجلسه صلى الله عليه وسلم، فعرضوا له عشرات الأسئلة، منها ما يجيب عنه في الحال، ومنها ما يطلب وقتاً من الزمن حتى يأتيه الوحي من السماء، يقول ابن مسعود : (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عسيب من نخل قال: فمررنا على يهود فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح، فتوقف قليلاً ثم طلب منهم وقتاً ليخبرهم في هذا الوقت، فلما نزل عليه جبريل بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا ) [الإسراء:85]) وسألوه عن عدد أهل الكهف، فطلب منهم مهلة يوم، فأتى جبريل عليه السلام فأخبره، فأخبرهم بالخبر فوجدوه مكتوباً عندهم في التوراة.وأتى ابن سلام (فسأله عن ثلاث: عن أول علامات الساعة، وعن أول ما يأكل أهل الجنة، وعن علامة الطفل يوم يشبه أباه أو يشبه أمه، فأخبره وقال: أخبرني بذاك جبريل آنفاً، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله والله لا يعلم ذلك إلا نبي).وأتى النصارى في مجلسه عليه الصلاة السلام -نصارى نجران : - ( فسألوه عن مريم وابنها عليهما السلام؟ فأخبرهم صلى الله عليه وسلم بذلك، فكأنهم لم يقتنعوا فدعا أهله وقال: تعالوا نبتهل أنا وإياكم -أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة- فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فما استطاعوا أن يباهلوه.وجاء المنافقون وقالوا: نشهد إنك لرسول الله، فأخبره الله أنهم كاذبون وأنهم أظهروا ما لم يبطنوا.وجاء الأعراب إليه صلى الله عليه وسلم وله معهم صولات وجولات؛ لأن الأعراب أقل الناس أدباً؛ ولأنهم لم يتعلموا الأدب، وفي أثر يقول صلى الله عليه وسلم: (من بدا جفا) أي: ليس عنده أدب، فأتى رجل منهم فقال: ( يا رسول الله! أسمع بالدجال فما الدجال هذا؟ قال عليه الصلاة السلام: ضال مضل، يخرج وعنده جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، وعنده خبز وثريد يقدمه للناس؛ يستغوي الناس به، أو كما قال عليه الصلاة السلام، فقال الأعرابي: والله يا رسول الله لأضربن في ثريده حتى أشبع، ثم أقول له آمنت بالله وكفرت بك، يظن أن المسألة على الفكر، وعلى الرأي فتبسم عليه الصلاة السلام ولم يقل شيئاً).(وجاءه أعرابي آخر -كما في الصحيحين - فصلى معه في الصف الأول، بجانب أبي بكر وعمر فلما انتهوا إلى التحيات قال في آخرها: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم عليه الصلاة والسلام سأل: من قال هذا الكلام؟ قال: أنا يا رسول الله! ولم أرد إلا الخير قال: لقد حجرت واسعاً -أي: ضيقت رحمة الله التي وسعت كل شيء- ثم لم يلبث هذا الرجل أن ذهب في طرف المسجد وأراق الماء -بال- فقام الصحابة ليضربوه وليطرحوه الأرض فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه ثم أتي بذنوب من ماء فصب على بوله) في قصة طويلة فرضي هذا الأعرابي وأصبح داعية من دعاة الإسلام.وكانت النساء يسألنه صلى الله عليه وسلم في أقل شئونهن وهي مسائل الطهر والحيض، وفي أكبرهن وهي الحياة مع الله عز وجل، ثم الحياة مع الزوج، فكان يفتي ولا يتلعثم عليه الصلاة السلام، فهو للطفل أب عليه الصلاة والسلام، وللشاب أخ، للكبير ابن وأوسع الناس خلقاً، وأوسع الأمة علماً، قادها إلى بر الأمان، هو المجاهد، والقائد، والداعية، والإداري، والمربي، والمفتي، والخطيب، ورب الأسرة، ولذلك كانت حياته عظيمة أبهرت العقول؛ حتى يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال كلاماً ما معناه في سورة التحريم: إنك أمام نبي تبهرك طلائعه، إنه قوي الإحساس، حي العاطفة، متوقد الذهن، يملأ ساعات حياته بالجد والعمل فعليه أفضل الصلاة السلام.
 

شرح حديث سلمة بن صخر
هذا المجلس يجلسه صلى الله عليه وسلم بين الناس، وحوله الصحابة فيدخل هذا الرجل واسمه سلمة بن صخر البياضي، ومن عادة الصحابة أنه إذا كان في القصة أمر لا يحمد، وليس فيه جميل من الفعل لا يذكرون الاسم، وهذا أدب لك ولكل مسلم، إذا سمعت بقصة وكان بطل هذه القصة رجلاً سيئاً فلا تذكره للناس؛ ستراً على المسلمين، تقول: سمعنا عن رجل أنه فعل كذا وكذا، إذا كان في القصة مصلحة أما أن تسميه باسمه وبسكنه، وبعنوانه وحارته، فهذا ليس عند المسلمين، ولكن الصحابة إذا كان هناك مواقف بطولية، وكان هناك بذل وتضحية وعطاء قالوا فلان بن فلان.يقولون: يوم أحد طلحة بن عبيد الله الذي فدى الإسلام، ويقولون: بارزه علي بن أبي طالب ويقولون: فدفع عثمان أمواله في سبيل الله، ووقف ثابت شاعراً خطيباً يدافع عن الإسلام، وحسان ذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما مسائل زنا أو خطأ أو ذنب، أو عيب أو جفى، فلا يدخلون الاسم ستراً على صاحبه، وهذا أدب عظيم، والله ستر أهل المعاصي في القرآن، لكن أنكى سبحانه ببعض الأسماء في القرآن، كفرعون وقارون وهامان وأبي لهب ليشهر أسماءهم بالفضيحة كما اشتهروا بها في الدنيا.بينما الرسول عليه الصلاة والسلام جالس مع الناس، إذ وفد هذا الرجل يدلف قد فعل فعلة في رمضان قال: يا رسول الله هلكت، وفي هذه اللفظة دليل، وفيها فائدة أن هذا الرجل يعلم أن هذا هلاك، أي: ليس بجاهل ولا بناسي؛ لأن الذي لا يعرف حكم الجماع في نهار رمضان لا يقول هلكت، يأتي يقول: يا رسول الله! وقعت على أهلي فما الحكم؟ لكن هذا علم أنه هلك منذ أتى، ففيه دليل على أنه ليس بناسٍ ولا جاهل؛ لأنه لو كان ناسياً لما قال: هلكت يا رسول الله؛ لأن الله عفا عن الناسي ولو كان جاهلاً؛ لأن الجاهل لا يعرف الحكم فقال: (هلكت يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: وما أهلكك؟) أي: أنت صحيح معافى، مشافى، طويل عريض، وما نرى عليك آثار الضرب والهلاك، فماذا أهلكك؟ وفيه جواز استفتاء المفتي أنه إذا سألك عن سؤال أن تطلبه بالقوائم والسياقات.قال: (وقعت على أهلي في رمضان) هذا لفظ مسلم وفي هذا اللفظة جواز إطلاق رمضان على الشهر بدون شهر رمضان؛ لأن بعض أهل العلم كرهوا أن يقال رمضان؛ لأنه في القرآن شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] ولكن هذا في جواز إطلاق رمضان على الشهر فلك أن تقول: رمضان أو شهر رمضان.قال: (وقعت على أهلي في رمضان) ومعناه أنه في النهار؛ لأنه لو كان في الليل ما استفتى، فنازله عليه الصلاة السلام بالكفارات الثلاث قال: (هل تجد رقبة تعتقها؟ -يعني مؤمنة، وهذا يفهم بما قيد في أحاديث أخرى أو آيات- قال: لا والله يا رسول الله! قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا يا رسول الله) وفي لفظ صحيح: (وهل أوقعني فيما وقعت فيه إلا الصيام) يقول: أنا ما استطعت أن أتم صوم يوم، حتى وقعت على زوجتي، وتريد مني أن أصوم شهرين! ويظهر أن هذا السائل فيه روح خفيفة، وفيه دعابة مما ورد في الحديث، فقال صلى الله عليه وسلم: (فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا والله يا رسول الله) فجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ما تكلم وما قطع المسألة، وما فض المجلس ولكن سكت عليه الصلاة والسلام، حتى وصل معه إلى النهاية فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه.فلما أعرض أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق -وهو المكتل أو زنبيل كبير فيه شيء من تمر- أهدي إلى الرسول عليه الصلاة السلام، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (خذ هذا فتصدق به -يعني يكفر به زلته، ومع ذلك-قال: على أفقر مني يا رسول الله) يريد أن يأخذ التمر أيضاً، يقع على امرأته في رمضان، ولا يجد كفارة، ويأخذ التمر زيادة جائزة على هذا الفعل رضي الله عنه وأرضاه! قال: (على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لا بتيها -يعني حرة المدينة - أفقر مني، فضحك حتى بدت نواجذه عليه الصلاة السلام) وهي الأنياب، لأنه إذا تبسم ظهرت الثنايا كأنها البرد، يعني كالبرد يقول الرواة: كأن ثناياه البرد. أولاً: أصلح خلقه وخلقه، أراد أن يكون كاملاً في الصورة والمعنى، فهو من أجمل الناس حتى كان كما تقول عائشة: (كانت أسارير وجهه تبرق) أرأيت البرق في الظلام؟ كانت أسارير وجهه عليه الصلاة السلام تبرق.وكان عرقه إذا تصبب كأنه عقد الجمان أي اللؤلؤ المنظوم، إذا كان في عقد يتسكب من على جبينه، فيوم يتبسم كان غالب تبسمه تخرج الثنايا وما قاربها، لكن هذا الأمر أحوج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يضحك حتى بدت نواجذه فقال صلى الله عليه وسلم: (أطعمه أهلك) يحق لحديثي هذا أن يكون في مناسبة شهر رمضان، وإقبال شهر رمضان، وفي هذا الحديث وفي غيره من درس رمضان مسائل ربما تصل إلى ثلاثين مسألة، نتدارسها نحن وإياكم، ونسأل العلي العظيم التواب الرحيم أن يجعلنا وإياكم من المقبولين في هذا الشهر، وأن يجعلنا من العتقاء من النار، وأن يمنَّ علينا بتوبة نصوح، إنه على كل شيء قدير.
 

مسائل تتعلق بشهر رمضان
هذه المسائل ينبغي للمسلم أن يعرفها وهي مسائل بالدليل، وربما نتعرض لبعض الخلاف الذي لا يستطرد فيه إن شاء الله.
  التراويح
المسألة الرابعة والعشرون: صلاة التراويح:صلاة التراويح سنة وهي ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وقد صلاها في بعض الليال وتركها في حياته بعض الليالي، لئلا تفرض على الأمة، فلما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه جمع الناس على صلاة التراويح.وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: {ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غير رمضان عن إحدى عشرة ركعة} فالأولى والأقرب للسنة صلاة إحدى عشرة ركعة، وورد في الصحيح كذلك من حديث عامر الشعبي عن ابن عباس: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاثة عشرة ركعة}. فكيف نوفق بين إحدى عشرة وثلاثة عشرة؟ كثير من الناس عندنا الآن على المذهب يصلون ثلاثة عشرة ركعة، وبعض المحدثين يرى أن تصلى إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك خلاف فالأمر فيه سعة والحمد لله، والمسألة وما فيها، أن أهل العلم توقفوا عند الحديث، منهم من قال: حسبت ركعة الفجر- مثل ابن القيم في زاد المعاد - من الثلاثة عشرة ركعة، وإلا فالأصل إحدى عشرة ركعة، ومنهم من قال: كان صلى الله عليه وسلم يصلي مرة ثلاثة عشرة ركعة ومرة إحدى عشرة ركعة فهذه السنة فمن صلى هذا لا بأس به، ومن صلى هذا لا بأس به، والأقرب إحدى عشرة ركعة، ومن زاد على ذلك فصلى إحدى وعشرين ركعة فجاز ثلاث وعشرين، وست وثلاثين إنما وله أن يصلي ولو صلى مائة وواحدة ركعة لجاز والأمر فيه سعة ونافلة {وصلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الليل؛ فأوتر بواحدة}. إذاً: فالأمر فيه سعة والحمد لله، وهذه صلاة التراويح التي هي سنة من السنن وينبغي للمسلم أن يحافظ عليها في جماعة، وإذا رأى أن الأفضل في حقه أن يوتر في آخر الليل ويستطيع فليرجئ الوتر إلى آخر الليل، ويصلي التراويح مع الناس، وإذا خاف فليوتر من أول الليل مع الجماعة، لكن إذا أوتر مع الجماعة ثم استيقظ في آخر الليل في السحور هل له أن يصلي أم لا؟ هو بين حالتين: إما أن يصلي شفعاً شفعاً ركعتين أربعاً ستاً ويكتفي بما صلى في أول الليل من الوتر، وإما أن يصلي ركعة توتر له ما تقدم ثم يصلي شفعاً ثم يوتر، وهذا وارد لكن الأول أحسن وهو أن يكتفي بالوتر الأول ولا وتران في ليلة ويصلي شفعاً ولا يعيد الوتر مرة ثانية.والأمور التعبدية في رمضان أعظمها قراءة القرآن، فإني أوصي نفسي وإياكم بكثرة قراءة القرآن وأن يأخذ أحدكم مصحفه ويعاشره في هذا الشهر، ويسامره، ويجالسه، ويآنسه، ويختم ختمات كثيرة بتدبر عل الله أن يرفع درجته في عليين، فإنه لن يقرأ الحرف إلا بعشر حسنات إلى أضعاف كثيرة عند الله تبارك وتعالى.وكذلك أوصي نفسي وإياكم بكثرة الصدقة في هذا الشهر، أن يبذل أحدكم ويكون له شيء من مال ينفقه ويتصدق به، ويحرص على تفطير الصوام؛ فإن من فطر صائماً؛ فله من الأجر مثل أجر الصائم دون أن ينقص من أجر الصائم شيئاً، والتفطير يحصل بأدنى شيء، بشربة ماء أو بتمرة، فهذا يسمى تفطير، يعني ما يقتضي أن تفطره تمراً، ثم شربة، ثم تدعوه إلى كبسة، ثم تقهويه ثم تشهيه، لا، فيحصل بشربة من ماء إذا ما وجد شيئاً وعلم الله أنك ما وجدت إلا الماء، فأما أن يكون في بيتك ما لذ وطاب وتأتي بالماء تباشر على الناس في المسجد وتقول: أفطرهم فهذا يكتب لك أجر إن شاء الله لكن ليس بتفطير لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] فليعلم ذلك.ومنها بارك الله فيكم الذكر: فإني أدعوكم لكثرة الذكر في رمضان من الاستغفار، والتسبيح، والتهليل، وكثرة الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومراجعة حساب السيئات في الأشهر الماضية؛ عل الله أن يكفرها في هذا الشهر، والتبتل إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن أعظم ما يوصى به اجتناب الغيبة، والنميمة، والشتم؛ لأنها حرام في غير رمضان، وفي رمضان أشد وأنكى وأدهى، حتى قال ابن حزم في المحلى: إن شهادة الزور والغيبة والنميمة تفطر الصائم وعليه القضاء فإن هذه أمور محرمة وهي أشد تحريماً في رمضان، وليتق الله وليحفظ لسانه وليستبدل مكان الخبيث من القول بالطيب، فإن الذي يصعد إليه الطيب من القول أو الطيب من الكلمة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] قيل: العمل الصالح يرفعه أي: يرفع الكلم الطيب، الضمير يعود إلى الكلم الطيب أي: إليه يصعد الكلم الطيب يعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هو الكلم الطيب، والدعوة إلى الله كلم طيب، وقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم كلم طيب يرفعه العمل الصالح، إذا صاحب عملاً صالحاً رفعه هذا، وقيل: يرفعه يعود الضمير إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أي أن الله يرفع الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وكلا الوجهين فيه وجاهة، ومن جمع بينهما فقد أحسن وأصاب، إذا علم هذا فإن هذا أحسن ما يوصى به. وأوصيكم في رمضان كذلك بالاهتمام بصلاة الجماعة، فإن كثيراً من الناس يخلون بها، فصلاة الجماعة من أهم ما يوصى به جماعة المسلمين وحضورها من أول الوقت لتصلي عليك الملائكة في مجلسك.وأوصيكم بكثرة الاستغفار، وترك المعاصي ما ظهر منها وما بطن كاستماع اللغو واللهو والغناء الماجن الرخيص، ومطالعة الصور الخليعة التي تغري بالقلب، وتشتت الفكر، وتدعو إلى الفاحشة وتسهل الزنا، نعوذ بالله من ذلك، فأدعو نفسي وإخواني إلى التوبة النصوح ظاهراً وباطناً ليقبل الله منا صيامنا، إنه على ذلك قدير.والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة
هنا بعض الأسئلة حول الصيام، نجيب عليها إن شاء الله.
 سماع القرآن من شريط
السؤال: هل سماع القرآن بالمسجل يعد بمثابة القراءة؟الجواب: القراءة أفضل من سماع القراءة، فقراءتك أنت للقرآن أفضل من أن تستمع من الآخر، إلا في بعض السور؛ إذا خشع قلبك أكثر، فأفضل في حقك أن تستمع، بعض الناس إذا أخذ المصحف نعس وما تدبر وما رق قلبه، لكن إذا سمع القراءة من الذي بجنبه كان له أرق وأحسن، فهو أفضل أن يستمع، واستماعك من المسجل كاستماعك من القارئ الجالس وأنت مأجور على ذلك ويثيبك الله، وربما فتح الله عليك بسماع آية في شريط تستمعها، أو بكلمة، أو بمقالة، أو بموعظة والله عز وجل الفتاح العليم، فأدعوك إلى الإكثار من سماع الخير من قرآن وغيره، وتحرم على أذنيك سماع الباطل ليجعلك الله من المقبولين عنده.وفي الختام أتوجه إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلني وإياكم ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتساباً، وأن يجعلنا من المقبولين، ومن العتقاء في هذا الشهر، وأن يهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال خير ورشد ربنا وربك الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الضيف الكريم للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net