اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مع التركي الشهيد للشيخ : عائض القرني


مع التركي الشهيد - (للشيخ : عائض القرني)
من هو هذا التركي الشهيد؟وما هي حياته ؟وما هي سيرته ؟وما هي فتوحاته ؟ومن أين هو ؟ماذا قدم للدين؟لماذا سمي بالحاكم الراشد السادس؟هل هو مجاهد أم عابد أم زاهد؟ أم كلها مجتمعة فيه؟كل هذا ستعرفه في هذا الدرس، وسترى العجب العجاب من حياة هذا التركي العظيم!
قضايا يجب أن يفهمها الناس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أصحاب الفضيلة العلماء! أيها الأساتذة الكرام! أيها الإخوة الحضور! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، قبل أن أبدأ في هذه المحاضرة، التي هي بعنوان: (مع التركي الشهيد) أريد أن أبين قضايا هامة عسى أن يفهمها الناس:-أولها: أن الدعاة يعرفون واجبهم نحو ولاة الأمر في البلاد، وهم أحرص الناس على حق الراعي؛ لأنهم أعرف الناس بالشريعة، فلا يتوهم واهم أو حاسد أو منافق أنه بإمكانه أن يوجد هوة بين الدعاة وولاة الأمر مهما فعل من الإغراءات والدعاوى؛ لأن هذه البلاد قامت على المصحف والسيف. ثانيها: أن الدعاة هم حملة الأمن والأمان، وهم ضد الفوضى والفتنة، وهم يرفضون كل ما يعكر أمن البلاد واستقرارها وسكينتها، ولا يسمحون لكل طائف أن يوجد فرقة أو إساءة إلى ولي الأمر أو إلى أحد من المسلمين. ثالثها: أن الدعاة في بلادنا لهم مصدر علمي وهم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وأصحاب الفضيلة من رؤساء المحاكم والقضاة، فهم يسيرون الدعوة، وهم المستشارون، والناصحون الأمناء، والدعاة لا يخرجون في أي مقاطعة، أو إقليم أو منطقة، عن مشاورة رئيس المحاكم والقضاة. رابعها: أن الدعاة والحمد لله لا يتدخلون فيما لا يعنيهم، وليس لهم مطالب إلا نشر كتاب الله عز وجل، وتعليم الجاهل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهم مقتدون في ذلك بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهم دائماً يسألون الله عز وجل لولاة الأمر الاستقامة والسداد، وأن يريهم الله الحق حقاً ويرزقهم اتباعه، ويريهم الباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه، متذكرين قول الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة: لو أن لي دعوة مستجابة، لجعلتها لإمام المسلمين.
 

أسباب اختيار موضوع مع التركي الشهيد
أيها الإخوة! اخترت هذه العنوان وهذا الموضوع لسببين اثنين: -السبب الأول: أن هذا التركي الشهيد نور الدين محمود الذي أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن القيم أبناء عمومته الأكراد اليوم يحصدون بالأسلحة الكيماوية على يد المجرم صدام حسين، فكان من المناسب أن أُذكر المسلمين بأبناء نور الدين في كركوك وفي السليمانية، وفي شمال العراق، وهم يصرعون بالآلاف يومياً، وأخبرهم ماذا فعل نور الدين، وماذا قدم هو وصلاح الدين لـ(لا إله إلا الله) و(إياك نعبد وإياك نستعين). السبب الثاني: أن الله عز وجل يقول: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف:111] والقصص له تأثير في القلوب، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول: إن القصص جند من جنود الله يرسلها على من يشاء، وقال في رواية أخرى عنه: قصص الرجال أحب إلينا من كثير من مسائل الفقه. فإذا علم هذا، فأحب أن أعرض سيرة نور الدين محمود وأن نعيش سيرة هذا الإمام الشهيد الذي سماه الذهبي: ليث الإسلام، وملك الشام، والمجاهد الصنديد، والعابد الشهيد، وسوف نرتحل معه، ومعنا ومعه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعسى الله أن يجمعنا به في دار الكرامة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90]. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع أخذنا بأقطاب السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
 

من مواقف نور الدين محمود وبعض صفاته وأخلاقه
نور الدين محمود بن زنكي، تركي ليس بعربي، والعرب إذا تولت عن حمل لا إله إلا الله؛ وكل الله بها الأكراد أو الأتراك، أو الأفغان، أو الهنود أو الأحابيش: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] فلما اعتنق آباؤه الإسلام رسخوا في الدين، وسجدوا لرب العالمين، وهو حنفي المذهب، ولكنه يراهن بجمجمته كل يوم مع لا إله إلا الله، وضد من يحارب لا إله إلا الله، وسوف أسوق أخباره ومراجعي في ذلك سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي ومرآة الجنان للسبط ابن الجوزي ووفيات الأعيان لـابن خلكان والبداية والنهاية، (ابن كثير) وسيرته أيضاً وهي الروضتين، وترجمة له ضافية، والتجديد لـمحمد العبده، مع الكامل لـابن الأثير، ومع ما كتب عن دولة الأكراد وعسى الله أن يهدني وإياكم سواء السبيل. وأنا لن أعتني بالقصص التاريخي لكن أسمعكم العبر، واعلموا أن من اقترب من الله إنما يقترب بالطاعة، وقد كتب عمر الفاروق إلى سعد بن أبي وقاص، يقول له: [[يا سعد! - سعد بن مالك بن وهيب - لا يغرنك قول الناس، إنك خال الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن الناس ليس بينهم وبين الله نسب، إنما أقربهم إلى الله أطوعهم له]] فلما أطاع محمود زنكي الله أحبه أهل العلم ودعوا له في المساجد، وأكثروا من ذكره، وبكت عليه الأمة الإسلامية بكاء عظيماً، وجمعت مراثيه في مجلد، ونحن ما نزال نذكره ونترحم عليه، وسوف أذكر لكم أبياتاً نظمها كثير من الشعراء في الثناء عليه. يقول أبو اليسر وهذا في السير: سمعت نور الدين محمود ساجداً قبل السحر يبكي ويقول في السجود: اللهم احشرني يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير. - ما معنى الكلام؟ معناه: إذا قتل الناس على الفرش، وإذا قتلوا تخمة من الطعام، فاقتلني في سبيلك، حتى تشبع مني الكواسر والطيور، واحشرني من بطونها، وفي الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على حمزة وعلى الشهداء السبعين في أحد وبكى وهو ينظر لـحمزة وقال: (والذي نفسي بيده! لولا جزع صفية أختك لتركتك حتى تشبع منك الطيور والسباع) فكان يقول: اللهم إني أسألك أن تحشرني يوم العرض الأكبر من بطون السباع وحواصل الطير، وهذا علامة الصدق مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.
  وفاة نور الدين محمود
هل مات شهيداً حيث أنه سُمي عند أهل العلم شهيداً؟ والشهادة هبة من الله عز وجل، وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه} وقد سأل الله الشهادة في كل موقعة، وقد تمنى وكان يسجد ويقول كما مر معنا: اللهم احشرني يوم العرض الأكبر من حواصل الطير وبطون السباع، ومع ذلك لله حكمة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. خالد بن الوليد يقال: خاض أكثر من مائة معركة، ومع ذلك مات على الفراش -حكمة بالغة- وهذا سمي عند أهل العلم شهيداً؛ لأن مرضه أشبه بالشهادة، فقد جلس في الإيوان وكان تُرفع إليه قصاصات وأوراق الشكاوى فرفع طرفه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم احمر وجهه فسحب من المكان ورفع، فمات بعد ساعات، وأصيب بالخوانيق وهو اختناق وقليل جروح امتدت إلى بطنه فلعله من الشهداء الذين قال فيهم عليه الصلاة والسلام: {المبطون شهيد} قالوا: دخل الداء إلى بطنه، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة}. وفي تذكرة الحفاظ للذهبي أن أبا زرعة الحافظ الكبير المحدث لما حضرته سكرات الموت أغمي عليه، فأراد تلاميذه بعد ما استيقظ أن يذكروه هذا الحديث، لأنهم استحيوا أن يقولوا: قل لا إله إلا الله، وإلا فلا حياء في مثل هذه الكلمة، بل النصيحة واردة، لكن لجلالة أبي زرعة في الإسلام، أرادوا أن يذكروه بسند الحديث ليتذكر هو الحديث، قال: فاختلفوا في سند الحديث قال بعضهم: حدثنا فلان، وقال بعضهم: حدثنا فلان، فقال: أبو زرعة، وهو في الرمق الأخير، حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، أن فلاناً حدثنا عن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة} ثم قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ثم مات. ولما توفي اختلطت السلطة، وقام نائبه ففتح الإيوان للعزاء، فسمع بكاء الناس، ووقف النساء والأطفال على سطوح المنازل، ونزل الجند من الثكنات معهم الخيزرانات، يمنعون الناس من النزول إلى السكك خوفاً من الرهج، وأصاب الناس هم عظيم وحزن، ودخل في كل بيت مصيبة، وقام الناس يقرءون القرآن، ويبتهلون إلى الله أن يغفر له، وأعيدت قراءة رسائله إلى الأمة، واشتد البكاء، ونزل القضاة يصلون بالناس، وارتفعت جنازته وسار وراءها الجيش ثم العامة، وما وصلت إلى المقبرة إلا في صلاة العصر وقد مضي بها من الصباح.وتقطعت في الطريق أحذية الأمراء والوزراء، وكانت الأغطية تسقط على الناس من على سقوف المنازل والعمامات، وكان الناس يقولون: سقى الله نور الدين من سلسبيل الجنة، غفر الله لـمحمود، رحم الله محموداً، قال: وأسلم من النصارى، واليهود جمع عظيم لما رأوا جلالة الإسلام وعظمته، وقام القاضي الشهرزوري يصلي عليه فقال: الله أكبر فبكى؛ فبكى الناس. قال: وكان له رسم في حياته، يحسب ما يدخل عليه من أجرة الدكاكين ومن أجرة الكوافي ونسخ المجلدات، ويحسب ما ينفق في سيبل الله، وكانت معيشته عيشة الفقير، وكان له بعض الأموال في مزرعة في الشمال ينفقها على الفقراء.
معالم من سيرة نور الدين
فهذا من سيرته رضي الله عنه وأرضاه وهذه المعالم التي أريد أن ألخص من سيرة هذا الإمام لتكون معلماً من معالم السيرة، وقد ذكرها الحفاظ كثيراً وأطنبوا في ذكرها، وكلما ذكر ابن تيمية الجهاد؛ ذكر هذا الرجل وترحم عليه، ولا نزال نترحم عليه إلى اليوم، والله يقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].
 نشره كتب الحديث ورفعه لمكانة المحدثين
المسار الرابع في حياته: أنه رضي الله عنه وأرضاه نشر كتب الحديث وجعل للمحدثين مكانة في الإقليم، وأمر العلماء أن يقلوا من الخلاف، وكان يردد الكلمة المشهورة، وقد رددها ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام فكان نور الدين محمود يقول: من عبد الله على مذهب أحمد فقد أصاب، أو مذهب أبي حنيفة، أو مذهب مالك، أو مذهب الشافعي، وكل يقصد الخير، فانظر إلى حسن فطنته، وإلى عقله وتمام رويته، جمعنا الله به في دار الكرامة. فهذه معالم من سيرة نور الدين محمود الذين يتعرض أبناء عمومته الأكراد أهل السنة إلى هجوم من الحزب الكافر: حزب البعث، وإبادة تامة، فنسأل الله أن يرفع عنهم هذه الضائقة وأن ينصرهم على عدوهم، وإنها والله لعبرة لنا أن نعتبر، والله عز وجل قد تكفل بنصر هذا الدين.. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]. فهذا الدين ينصر على يد من والى الله عز وجل، فإن بلالاً عبد حبشي جعله الله من أنصار دينه، وأبو طالب أصله قرشي ولكنه أعرض عن لا إله إلا الله، وسلمان فارسي وصهيب رومي، ولكن أقرب الناس إلى الله أحبهم إليه بطاعته، ولا يقترب أحد إلا بنصر هذا الدين. فانظر إليه كيف كان عجمياً تركياً ولم يكن عربياً، ثم تحمس للإسلام وتفقه في الدين، ورفع القرآن ونصر إياك نعبد وإياك نستعين، وأكرم أهل العلم وأذل أهل الكفر والبدع، ونفى الفساد، وأقام العدل والجهاد، فأصبح مرفوع العماد، ومذكوراً بين العباد على مر الأعوام والأيام والآماد: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف:111]. ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وإنما المقصود من سير هؤلاء أن نتعلم ونأخذ منهم ما تركوا لنا من علم وأدب وتواضع وحلم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من تشبه بقوم فهو منهم} ويقول الله عز وجل: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وكان صلى الله عليه وسلم يقول: {المرء يحشر مع من أحب} فنشهد الله عز وجل وملائكته وحملة عرشه، ثم نشهدكم أننا أحببناه وأحببنا الصالحين، فنسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة. إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا أيها الإخوة الكرام: بقي مسألتان، المسألة الأولى: حفظكم الله تعلمون أنه قد قرب وقت إخراج زكاة الفطر وهناك الهيئة العامة للإغاثة الإسلامية، وفقها الله والقائمين عليها تتلقى زكاة الفطر، وعنوانها معروف عند الإخوة حتى تدفعوا إليها زكاتكم، وفيها فتوى من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.الأمر الثاني: أمامكم مشروع عظيم، والواجب علينا جميعاً أن نشارك فيه، وهو والله فخر لهذه البلاد وفخر لنا جميعاً، وهو ما أوجب أن يمكن أن يدفع فيه المال، الجماعة الخيرية لتحفيظ كتاب الله تتحرى منكم الدعم، هذه الليلة وبعد هذه الليلة، وسوف تقوم بمشروع عظيم، بناء واسع للجماعة، وفيها مسجد، وفيها صالات، ومكتبات ودور وفيها أمكنة لطلبة العلم، تحمل الشهادة لكم بأنكم أنفقتم في سبيل الله، ولا يقول قائل منكم إني دفعت بالأمس، أو قبل أمس، لا. بل: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] إلى التبرع هذه الليلة، بدعم سخي، على ما عودتم أنفسكم بهذا البذل، وأنا أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والهداية. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مع التركي الشهيد للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net