اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أروع يوم في حياة مجاهد للشيخ : عائض القرني


أروع يوم في حياة مجاهد - (للشيخ : عائض القرني)
إن حديث كعب بن مالك هو من الأحاديث الطوال التي تمتزج فيها العاطفة بالمعاناة، مثله في ذلك مثل حديث أم المؤمنين عائشة في حادثة الإفك.وهو يشكل صورة حية متكاملة للمجتمع المسلم حال تنزل القرآن، ويكشف عن التغيير العميق والنقلة الهائلة التي أحدثها القرآن الكريم في تلك الثلة المختارة، والتي يعتمل في نفسوها ما يعتمل في نفوس البشر غير أن الله تكرم عليها بعنايته، وسددها بكلماته، وزكاها بتربية نبيه، فكانت قمة سامقة على مدار التاريخ.
غزوة تبوك
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أيها الإخوة الأبرار: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.معنا في هذه الليلة حديث، اتفق الشيخان: البخاري ومسلم على إخراجه، وهو من أطول الأحاديث عند البخاري ومسلم، وهو حديث يبكي العين والقلب، ويفرح العين والقلب، هو حديث توبة، وحديث بشرى ومأساة، حديث ذنب، وانكسار العبد عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، هذا الحديث طويل، وفيه من الحكم ما يربو على مائة حكمة أو مائة فائدة.وهو حديث كعب بن مالك يوم تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ويروي الحديث بنفسه، وهذا الحديث شرحه الحفاظ، وأعظم من شرحه ابن حجر رحمه الله.غزوة تبوك -كما تعرفون- كانت من أواخر الغزوات في حياته صلى الله عليه وسلم، سمع أن الروم يريدون الإجهاز على الجزيرة العربية، فجهز عليه الصلاة والسلام جيشاً قوامه اثني عشر ألفاً، وقيل: عشرة آلاف، والأول الصحيح، ولما تهيأ الناس للغزوة، كانوا في شدة الحر، وقد طابت الثمار، ودنت الظلال، وعكف الناس على زروعهم وعلى ثمارهم، وهم في مجاعة لا يعلمها إلا الله عز وجل، حينها يمحص الله أهل الإيمان بإيمانهم، ويدحض أهل النفاق بنفاقهم.والرسول عليه الصلاة والسلام، كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها؛ ليكتم خبره عن الناس، فكان إذا أراد مكة قال: كيف طريق غطفان في نجد، وكيف ماء غطفان، ليظهر للناس أنه يريد تجاه نجد وهو يريد مكة، ليعمي خبره على الناس، والحرب خدعة، إلا معركة تبوك، فأعلنها صلى الله عليه وسلم إعلاناً عاماً في الناس، ليتجهز الناس، ووقف عليه الصلاة والسلام بعد أن أعلن أنه متهيئ، وأنه يريد تبوك قام المنافقون يعتذرون.يأتيه الجد بن قيس الذي طبع الله على قلبه بالنفاق، من أغنياء المدينة، يقول: يا رسول الله! ائذن لي ولا تفتني قال: ولِمَ؟ قال: أنا رجل إذا رأيت بنات بني الأصفر -أي: بنات الروم- أفتتن، فأنا لا أريد الخروج، فقال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49].فر من الموت وفي الموت وقع، فر من فتنة ظنية كذب فيها، ولكنه وقع في فتنة النار التي تلظى، وأتوا يعتذرون بالحيل، فعذرهم صلى الله عليه وسلم.ووقف عليه الصلاة والسلام في يوم الجمعة وخطب خطبة ما سمع الناس بمثلها ألهب فيها الحماس، ورفع فيها الإخلاص، ودعا إلى التبرع وتجهيز هذه الغزوة، وكان الجيش ضخم لا يستطاع أن يجهز بمال قليل، فقال: (من يجهز الجيش وله الجنة؟ فتوقف الناس فأعاد، فتوقف الناس فأعاد، وتوقف الناس فأعاد، فقام عثمان رضي الله عنه وأرضاه، فقال: أنا أجهز الجيش يا رسول الله!) بسلاحه، وبدوابه، وبرواحله في سبيل الله، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم.تلك المكارم لا قعبان من لـبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وقال: (غفر الله لـعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض) يد بيضاء لا تنسى عند الواحد الأحد، يوم لا تضيع الودائع عنده تبارك وتعالى، ثم نزل عليه الصلاة والسلام فتهيأ وسار الجيش.
  حكم القيام للقادم
قال: فاستنار وجهه وسُرَّ وقام لي، وأخذ الناس يهنئونني، أي: من المهاجرين والأنصار، قال: ما قام لي إلا طلحة بن عبيد الله الأنصاري أخو الجود طلحة الفياض، قال: والله ما أنساها لـطلحة، والله ما قام لي غير طلحة، قال: فمشى إلي وعانقني. وهذا من إكرام الكريم، وفيه جواز القيام للوافد إذا كان لمناسبة، وأنه ليس فيه حرج، أحد أهل الفضل كان جالساً، فقدم أحد العلماء فقام له هذا الرجل، وكان هذا الرجل وزيراً وذاك الداخل عالماً، فقام الوزير، فقال العالم: لا تقم فإنه لا يجوز القيام، قال الوزير: قيامي والإله إليك حـق وترك الحق ما لا يستقيم وهل رجل له لب وعقل يراك تجي إليه ولا يقوم لا بأس بالقيام للإكرام، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {قوموا إلى سيدكم} ولما قدم جعفر الطيار، قام له صلى الله عليه وسلم وقبله بين عينه، وقال: {ما أدري بأيهما أسر، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر وكلها مسرات} فقام طلحة بن عبيد الله، وطلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن أسرة أبي بكر الصديق من بني تيم، وكان يسمى الفياض، لا يمسك شيئاً من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، أكرم الناس، يعطي باليمين واليسار. وذهب يوم أحد بأكثر الأجر، حتى كلما ذكر أبو بكر يوم أحد قال: ذاك يوم ذهب بأجره طلحة بن عبيد الله حتى شل يوم أحد، ضرب حتى شلت يمينه وشل نصفه هذا، فهذا طلحة بن عبيد الله الذي قام وعانق كعب بن مالك قال: ثم جلست فقال صلى الله عليه وسلم: {أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك}.
منزلة التوبة
وفيه دليل على أن التوبة أعظم منزلة في الإسلام، حتى قال فيها شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أعظم منزلة يصل إليها العبد منزلة التوبة، لن يصل إليها أحد بسهولة، فهي أعظم المنازل، لذلك يقول الله تعالى في آخر العهد: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ التوبة:117] كيف يتوب عليهم؟ لما كانت غزوة تبوك من آخر الغزوات تاب الله عليهم، فهي آخر المنازل وأرقاها، إذاً: أكبر منزلة لك هي منزلة التوبة، لذلك قال: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك).والرسول صلى الله عليه وسلم ربما قام في مجلسه لاستقبال الناس أحياناً، للفائدة: يقول عمرو بن العاص: لما أسلمت، قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عثمان بن شيبة بن طلحة الداري -من بني عبد الدار أهل مفاتيح الكعبة- وخالد بن الوليد وأناس، فقلت لأصحابي هؤلاء: إما تأخرتم عني أو تقدمت؛ لأن لي ذنوباً أريد أن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها -قدم مشركاً ولكن يريد الإسلام- قال: فلما رآني صلى الله عليه وسلم، هش في وجهي وبش وقام وعانقني. لماذا؟ لأن عمرو بن العاص ليس كغيره، أرطبون العرب، يقول عمر بن الخطاب: رمينا أرطبون الغرب بأرطبون العرب، داهية الإسلام، ومعناه: مكسب للدعوة، ولو أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلس في مجلسه، مع أن هذا جاء بنعرة الجاهلية، ومروءة الجاهلية وشهامتها، ربما يرجع؛ لأن بعض الاستقبال من بعض الدعاة ربما ينفر المدعو، يأتيك يسألك بسؤال، فتقول: لست لك بفارغ، يأتي يبحث معك مشكلة الهداية، كيف أهتدي؟ فتقول: أنا مشغول، حاول تبحث عن غيري، هذا ليس بأسلوب.قال: فعانقه وهش في وجهه وبش.وإكمالاً للفائدة، قال: يا رسول الله! مد يدك أبايعك، فلما بسط صلى الله عليه وسلم يده، قبض عمرو بن العاص يده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مالك يا عمرو، قال: أشترط -أي: لا أبايعك إلا بشرط- قال: تشترط ماذا؟ قال: أشترط أن يغفر الله لي ذنبي. قال: أما تعلم يا عمرو، أن الإسلام يهدم ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها؟ قال: فأسلمت، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله ما كنت أملأ عيني إجلالاً له، ووالله لو سألتموني الآن -وهو في سكرات الموت- ما استطعت أن أصفه لكم عليه الصلاة والسلام).
  حكم القيام للقادم
قال: فاستنار وجهه وسُرَّ وقام لي، وأخذ الناس يهنئونني، أي: من المهاجرين والأنصار، قال: ما قام لي إلا طلحة بن عبيد الله الأنصاري أخو الجود طلحة الفياض، قال: والله ما أنساها لـطلحة، والله ما قام لي غير طلحة، قال: فمشى إلي وعانقني. وهذا من إكرام الكريم، وفيه جواز القيام للوافد إذا كان لمناسبة، وأنه ليس فيه حرج، أحد أهل الفضل كان جالساً، فقدم أحد العلماء فقام له هذا الرجل، وكان هذا الرجل وزيراً وذاك الداخل عالماً، فقام الوزير، فقال العالم: لا تقم فإنه لا يجوز القيام، قال الوزير: قيامي والإله إليك حـق وترك الحق ما لا يستقيم وهل رجل له لب وعقل يراك تجي إليه ولا يقوم لا بأس بالقيام للإكرام، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {قوموا إلى سيدكم} ولما قدم جعفر الطيار، قام له صلى الله عليه وسلم وقبله بين عينه، وقال: {ما أدري بأيهما أسر، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر وكلها مسرات} فقام طلحة بن عبيد الله، وطلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن أسرة أبي بكر الصديق من بني تيم، وكان يسمى الفياض، لا يمسك شيئاً من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، أكرم الناس، يعطي باليمين واليسار. وذهب يوم أحد بأكثر الأجر، حتى كلما ذكر أبو بكر يوم أحد قال: ذاك يوم ذهب بأجره طلحة بن عبيد الله حتى شل يوم أحد، ضرب حتى شلت يمينه وشل نصفه هذا، فهذا طلحة بن عبيد الله الذي قام وعانق كعب بن مالك قال: ثم جلست فقال صلى الله عليه وسلم: {أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك}.
حكم الصدقة بالمال كله
قال كعب: قلت: يا رسول الله! إن من توبة الله عليَّ أن أنسلخ من مالي في سبيل الله.يقول: مادام أن الله تاب عليَّ، فمالي كله في سبيل الله. فقال عليه الصلاة والسلام: (ابق عليك بعض مالك فهو خير لك) وفيه دليل على أن المسلم لا يذهب ماله كله، بل يستبقي لورثته ولنفسه مالاً؛ لئلا يتكففوا الناس، وقد قال هذا صلى الله عليه وسلم لأكثر من واحد.زار سعد بن أبي وقاص فارس الإسلام، مدمر إمبراطورية كسرى التي داسها تحت قدميه، حتى كان عليه الصلاة والسلام يقول: (هذا خالي فليرني كل خاله) أي: هل عندكم أخوال مثل سعد بن أبي وقاص، الأسد في براثنه؟ زاره صلى الله عليه وسلم، وسعد مريض قال: فما أحسست إلا برد أنامله صلى الله عليه وسلم على صدري فاستفقت، حتى يقول سعد بعد ثلاثين سنة: والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجد برد أصابع النبي صلى الله عليه وسلم على كتفي من ذلك العهد. قال سعد: يا رسول الله! إن عندي مالاً ولا يرثني إلا كلالة، وذكر من نفسه ومن حاله، قال: أريد إنفاق مالي كله، قال: لا. قلت: يا رسول الله! فالنصف، قال: لا. قال: يا رسول الله! الثلث، قال صلى الله عليه وسلم: (الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء؛ خير من أن تجعلهم عالة يتكففون الناس).قال ابن عباس: [[وددت أن الناس غضوا في الوصية من الثلث إلى الربع]] ليبقى للورثة شيء، وليس في الإسلام حرج أن تبني بيتاً لورثتك، وأن تعمر عمارة لذريتك؛ فتموت فيدعون لك بالخير، وأنك ألجأتهم إلى بيت، ووسعت عليهم مما وسع الله عليك، أما من يذهب ماله ثم يموت، فإذا أطفاله وراءه عالة يتكففون الناس، هذا ليس من الإسلام! قال صلى الله عليه وسلم: (أبقِ عليك بعض مالك فهو خير لك) فأبقى له سهماً من خيبر.يقول كعب: [[فوالله ما أعلم أحداً من الناس أبلاه الله عز وجل ما أبلاني بالصدق]] لأنه صدق مع الله، ولذلك لما كان الخطاب له وللتائبين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التوبة:119] لأنه صدق فأنجاه الله عز وجل.قال الإمام أحمد: ما وجدت كالصدق، الصدق لو وضع في جرح لبرأ، وقيل له لما دخل السجن: بم نجاك الله؟ أي: في فتنة خلق القرآن، محنة القول بخلق القرآن، التي كاد يذهب فيها أرواح الأمة، بل قتلوا فيها علماء كبار، مثل ابن نصر الذي دخل على أحد الأمراء فقال له: ألا تقول بخلق القرآن؟ قال: لا. قال: والله إما أن تقول بخلق القرآن أو لأقتلنك قال: والله ما نفسي عندي تساوي مثل هذه، ثم قطع زراً من جبته فرماه على الأمير، فقتله الأمير.ودخل الإمام أحمد متحري السيف، وحاولوا بكل وسيلة في الدنيا قدموها، المناصب الإغراءات كلها وهو يرفض، يقول: ائتوني بشيء من كتاب الله، أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الأخير نجاه الله. قيل له: بم نجاك الله؟ قال: بالصدق؛ لأنه صدق مع الله عز وجل قال الله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ العنكبوت:69] فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ محمد:21] فلما صدق نجاه الله. قال كعب: وإني أسأل الله أن يثبتني فيما بقي، فو الله لا أعلم أني كذبت منذ أن تاب الله عليَّ.والتحرز من الكذب من أعظم الأعمال، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود مرفوعاً: (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) أي: من الصديقين الكبار قال الله: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً النساء:69]. والصديق فوق الشهيد (لا يزال الرجل يتحرى الكذب) أي: في كلماته، في مزحه، في سؤالاته؛ لأن بعض الناس يتجوز حتى في المزاح يكذب، وإذا سأله أهله كذب، نعوذ بالله، لكن المؤمن لا يزال يتحرى الصدق حتى يكتبه الله عز وجل صديقاً عنده. (ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) نعوذ بالله من الكذب.فأبلاه الله عز وجل بلاءً حسناً بالصدق، وتاب الله عز وجل عليه وأنزل الله عز وجل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ التوبة:118] فتاب الله عليهم توبة عظيمة ما سُمع بمثلها، وهذا هو الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وهو حديثنا في هذه الليلة وفيه مسائل:
  حكم القيام للقادم
قال: فاستنار وجهه وسُرَّ وقام لي، وأخذ الناس يهنئونني، أي: من المهاجرين والأنصار، قال: ما قام لي إلا طلحة بن عبيد الله الأنصاري أخو الجود طلحة الفياض، قال: والله ما أنساها لـطلحة، والله ما قام لي غير طلحة، قال: فمشى إلي وعانقني. وهذا من إكرام الكريم، وفيه جواز القيام للوافد إذا كان لمناسبة، وأنه ليس فيه حرج، أحد أهل الفضل كان جالساً، فقدم أحد العلماء فقام له هذا الرجل، وكان هذا الرجل وزيراً وذاك الداخل عالماً، فقام الوزير، فقال العالم: لا تقم فإنه لا يجوز القيام، قال الوزير: قيامي والإله إليك حـق وترك الحق ما لا يستقيم وهل رجل له لب وعقل يراك تجي إليه ولا يقوم لا بأس بالقيام للإكرام، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {قوموا إلى سيدكم} ولما قدم جعفر الطيار، قام له صلى الله عليه وسلم وقبله بين عينه، وقال: {ما أدري بأيهما أسر، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر وكلها مسرات} فقام طلحة بن عبيد الله، وطلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن أسرة أبي بكر الصديق من بني تيم، وكان يسمى الفياض، لا يمسك شيئاً من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، أكرم الناس، يعطي باليمين واليسار. وذهب يوم أحد بأكثر الأجر، حتى كلما ذكر أبو بكر يوم أحد قال: ذاك يوم ذهب بأجره طلحة بن عبيد الله حتى شل يوم أحد، ضرب حتى شلت يمينه وشل نصفه هذا، فهذا طلحة بن عبيد الله الذي قام وعانق كعب بن مالك قال: ثم جلست فقال صلى الله عليه وسلم: {أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك}.
من فوائد حديث توبة كعب بن مالك

  الفائدة الرابعة عشرة: المكافأة على البشرى
آداب البشرى أن تكافئ من أحسن إليك، قال عليه الصلاة والسلام: {من صنع إليكم معروفاً فكافؤه فإن لم تجدوا ما تكافؤه به، فادعوا له حتى ترون أنكم قد كافأتموه} والإمام أحمد يقول: ما أهدي له هدية إلا كافأت عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها، أي: إثابة بقدر الهدية. وفي ختام هذه الجلسة: نتوجه إلى الله أن يتقبل عنا صالح الأعمال، ويتجاوز عنا وعنكم سيئها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أروع يوم في حياة مجاهد للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net