اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أزمات الشباب المسلم للشيخ : عائض القرني


أزمات الشباب المسلم - (للشيخ : عائض القرني)
إن المسلم في مرحلة الشباب ومقتبل العمر يواجه كثيراً من الشبهات والشهوات، وقد تشغله الشواغل عن طلب العلم وذكر الله، وهو يحتاج إلى حلول لهذه المشاكل، وأقل الحلول معرفة هذه الإشكاليات لاجتنابها.وفي هذه المادة عرضٌ لبعض مشاكل الشباب وحلولها.
تساؤلات بين الماضي والحاضر
الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام للسنة، فانقادت لاتباعها، وارتاحت لسماعها، وأمات نفوس أهل الباطل بالبدعة بعد أن تمادت في ابتداعها، وتوانت في نزاعها.والصلاة والسلام على أشرف رسول وأكرم نبي، حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، الذي شرح الله له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:وإن كان من شكر فإني أشكر الله تبارك وتعالى أن أجلسني في هذا المجلس بين أساتذتي ومشايخي وبين زملائي، من أراهم أفضل وأعلم وأفهم، ولكن كما قال أحمد شوقي:قد يضيق العمر إلا ساعةً وتضيق الأرض إلا موضعا وللمواضع وللأمكنة وللبلاد سمات في القلوب، وشجىً في الأرواح، وأثر في النفوس، وهذا المكان درجت في رحابه، ونبتُّ في جنابه، فهو معهدي الذي أتشرف بأني درست فيه، وأساتذتي هم أساتذته، ومشايخي هم مشايخه، فمن الحق أن أقضي بعض الدين الذي كلفني الله بقضائه، نصيحةً للمسلمين، وأداءً للواجب.فهذا الموضوع (أزمات تواجه الشباب المسلم). الشباب الذين يريدهم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى لحمل لا إله إلا الله، وليعيشوا للا إله إلا الله، وليموتوا من أجل لا إله إلا الله.الشباب الذين حداهم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكانوا أكثر كتائبه في الإسلام، وكانوا خطباءه على المنابر، وكانوا أدباءه في الحفلات والأسمار، وكانوا رسله عليه الصلاة والسلام.كلما قتل قتيل إذا فتشتم عنه فإذا هو شاب، وإذا تكلم متكلم ثم بحثتم عنه فإذا هو شاب.أولئك الشباب كانوا خياراً، وكانوا نوراً، وكانوا فخراً، وما لشبابنا اليوم تتجاذبهم الشهوات والشبهات، اختفى النور الوهاج الذي أتى به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يقول شاعر البنجاب محمد إقبال وهو يطوف قبل أربعين سنة بالبيت العتيق، ويبحث أين الشباب الذين رفعوا معلم التاريخ؟أين الشباب الذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، وقدموا أرواحهم ثمناً لمرضاة الله، أين هم؟وجد شباباً يطوفون بالبيت لا تبدو عليهم معالم الإسلام، ولا تلوح على محياهم آثار السنة، ولا يتتوجون بتاج لا إله إلا الله.صحيح أنهم يصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويعتمرون، ولكن أين الآثار؟ أين الحياة؟ أين الحماس المتوهج؟ فبكى طويلاً وسجل قصيدته التي نثرها من دمه، وهي: تاجك مكة -أي: مكة البلد الكبير- يقول: من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا إلى أن يقول:كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
 

شباب النبي صلى الله عليه وسلم .. بطولات وتضحيات
يا رب! أين الشباب الذين عمروا الدنيا بلا إله إلا الله؟ يا رب! أين الشباب الذين امتطوا البحار حتى بلغوا لا إله إلا الله؟ اللوار ونهر الجانج وصحراء سيبيريا، وحدائق الأندلس. أين طارق بعد سعد؟وأين صلاح الدين بعد خالد؟وأين ابن تيمية بعد ابن عباس؟وأين أبو تمام بعد حسان؟أين أولئك الشباب؟أليسوا بشباب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ بلى والله.يقول أبو حمزة الخارجي: شباب مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الباطل أعينهم، ثقيلة عن الشر أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، ينظر الله إليهم في جنح الليل يتململون على جنباتهم خشعاً لله وسجداً. أو كما قال.
 قتل خبيب بن عدي في سبيل الله
وخبيب بن عدي شاب آخر، وقف على مشنقة الموت في ساحة الإعدام وجميع مشركي مكة مطوقوه، نساءً وأطفالاً وشيوخاً، ينظرون إلى، مثلة الإعدام، اعتداء الباطل على جثمان الحق وهو صابر محتسب، ما أراهم خنوعاً ولا خضوعاً، يتبسم تبسم المستعلي بإيمانه، المستظهر بيقينه، حتى يقول أبو سفيان وهو يستهزئ به: يا خبيب! أتريد أن محمداً مكانك؟قال: والله الذي لا إله إلا هو ما أريد أني في أهلي ومالي، وأن رسول الهدى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصيبه شوكة، فرفعوه، وقبل أن يرفعوه، قال: ائذنوا لي أن أصلي ركعتين، فتركوه، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم التفت إليهم وقال: والذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تقولوا: أطلت الصلاة جزعاً من الموت لأطلتها، فرفعوه وتقدمت إليه السيوف، وقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أبلغ رسولك ماذا لقيت الغداة -يعني أبلغه هذا اليوم ماذا يفعل بي- ثم قال: السلام عليك يا رسول الله.هذا في سيرة موسى بن عقبة، قال موسى بن عقبة: وصح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في تلك اللحظة: {عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب، عليك السلام يا خبيب} وقبل أن تنتهي نفسه؛ قال أغنية المعركة الخالدة:ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثمار التربية الحقة
فمن أخرج هؤلاء للناس إلا كتاب الله عَزَّ وَجَلّ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تربية رسول الهدى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم يلقى الشاب وعمره ثماني سنوات كـ ابن عباس فيقول له: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).أي كلام هذا الكلام؟! أسمعت أصدق وأنبل -بعد كتاب الله- من هذا الكلام؟! يغرسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القلوب فيؤتي أكله كل حين بإذن ربه.وأما نحن فكانت تربيتنا للشباب أن نسأل أحدهم: ما هي هوايتك؟فيقول: جمع الطوابع، ومطاردة الحمام، والمراسلة، والسباحة!!إذاً تنكست منابرنا، وهدمت حصوننا، وخلت مساجدنا، ولذلك يقول الفيلسوف المسلم:أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشتعال وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقال وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين الغزالي؟ وجلجلة الأذان بكل حيّ ولكن أين صوت من بلال منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالِ إن الذي يجعل حياته لجمع الطوابع لا يكون عبداً لله؛ بل يكون عبداً لشهوته.وإن الذي يهتم بمطاردة الحمام والمراسلة والسباحة والتصفيق والتشجيع سوف يكون خاملاً في الحياة.
 التربية الحقة عند معاذ رضي الله عنه
يأتيه أهل اليمن؛ فيقولون: يا رسول الله! أرسل لنا من أصحابك رسولاً يعلمنا ويفقهنا في الدين، فمن يرسل يا ترى؟هل يختار الذين بلغوا في السن عتياً، يتلفت فإذا أصحابه شباب، فتقع عينه على معاذ رضي الله عنه وهو في الثامنة عشرة من عمره، فيرسله معلماً إلى اليمن.يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ: لما ودعه رسول الهدى عليه الصلاة والسلام بكى معاذ بكاء عظيماً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {ما لك يا معاذ؟ قال: والله يا رسول الله! ما أبكي على الدنيا، ولكني أبكي خوفاً من ألا أراك بعد هذا اليوم إلا يوم القيامة، قال: لا تجزع يا معاذ فإن البكاء من الشيطان} فودعه صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: {اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، يا معاذ اُذكر الله عند كل حجر وشجر ومدر} فذهب رضي الله عنه وأرضاه، فأصبح سراجاً وهاجاً ينشر لا إله إلا الله في بلاد اليمن، وفي جبال وأرض اليمن ينشر مبادئ الدين الخالد وعمره (18) سنة، ووجد في الأمة من بلغ من العمر عتياً وهو لا يفهم لا إله إلا الله، ولا يحسن أن يتوضأ ولا يصلي.يعرف كل شيء في حياته إلا الدين، يجيد قيادة سيارته وهندستها وإخراجها وإنتاجها، وثوبه ولبسه وطعامه وشرابه ومسكنه ومدخله ومخرجه، ولكنه أصم أغلف عن الدين، والله له حكمة بالغة؛ ولكنه يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].
أصناف الناس والأزمات التي يواجهونها إجمالاً
الذين قدموا وحاولوا أن يفهموا فهمهم الله، والذين يريدون أن يفقهوا الدين فقههم الله، والذين يريدون الله والدار الآخرة اجتباهم الله، وهذا مصداق لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث القدسي عن ربه عَزَّ وَجَلّ: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها..الحديث).ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يشرح هذا الحديث في المجلد الحادي عشر وما قبله: هذا الحديث يقسم الأمة إلى ثلاثة أقسام: وقد أغفل قسماً ثالثاً وهو: الظالم لنفسه، وذكر: المقتصد والسابق بالخيرات، لذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] فقسمهم الله عز وجل هذا التقسيم.فالظالم لنفسه يقع مسلماً في هذه الأمة، لا يخرجه من الإسلام إلا الخوارج، يفعل الكبائر ويترك بعض الفرائض غير الصلاة، أو يقترف كثيراً من حدود الله عز وجل، لكنه لا يزال مسلماً.والمقتصد: يفعل الفرائض ويجتنب الكبائر؛ لكنه يترك المستحبات ويفعل بعض المكروهات.والسابق بالخيرات -نسأل الله من فضله، وأن يحبب إلينا السابقين وأن نحشر في زمرتهم، وإلا فأين الثرى من الثريا- هو الذي يفعل الفرائض والنوافل والمستحبات، ويترك الكبائر والمحرمات والمكروهات: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].أزمات تواجه الشباب المسلم في هذا العصر وفي كل عصر، لكنها تختلف بالبقاع والأزمنة والأمكنة والهيئات والأشخاص:أولها: مرض الشبهات.وثانيها: مرض الشهوات.وثالثها: أزمة جلساء السوء.ورابعها: الفراغ وإضاعة الوقت.وخامسها: البيت وانحرافه يوم ينحرف عن لا إله إلا الله.وسادسها: الضغينة والبغضاء بين شباب الإسلام.
 التربية الحقة عند معاذ رضي الله عنه
يأتيه أهل اليمن؛ فيقولون: يا رسول الله! أرسل لنا من أصحابك رسولاً يعلمنا ويفقهنا في الدين، فمن يرسل يا ترى؟هل يختار الذين بلغوا في السن عتياً، يتلفت فإذا أصحابه شباب، فتقع عينه على معاذ رضي الله عنه وهو في الثامنة عشرة من عمره، فيرسله معلماً إلى اليمن.يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ: لما ودعه رسول الهدى عليه الصلاة والسلام بكى معاذ بكاء عظيماً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {ما لك يا معاذ؟ قال: والله يا رسول الله! ما أبكي على الدنيا، ولكني أبكي خوفاً من ألا أراك بعد هذا اليوم إلا يوم القيامة، قال: لا تجزع يا معاذ فإن البكاء من الشيطان} فودعه صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: {اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، يا معاذ اُذكر الله عند كل حجر وشجر ومدر} فذهب رضي الله عنه وأرضاه، فأصبح سراجاً وهاجاً ينشر لا إله إلا الله في بلاد اليمن، وفي جبال وأرض اليمن ينشر مبادئ الدين الخالد وعمره (18) سنة، ووجد في الأمة من بلغ من العمر عتياً وهو لا يفهم لا إله إلا الله، ولا يحسن أن يتوضأ ولا يصلي.يعرف كل شيء في حياته إلا الدين، يجيد قيادة سيارته وهندستها وإخراجها وإنتاجها، وثوبه ولبسه وطعامه وشرابه ومسكنه ومدخله ومخرجه، ولكنه أصم أغلف عن الدين، والله له حكمة بالغة؛ ولكنه يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].
مرض الشبهات
فأما الشبهات فهو مرض خطير، ذكره الله عز وجل عن كل ملحد وطاغية من يوم خلق الله الأرض والسماوات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
 علاج مرض الشبهات
هذا مرض الشبهة عالجه القرآن بثلاث علاجات:أولها: النظر والتفكر في الكون؛ يقول الله عز وجل: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس:101] وقال تبارك وتعالى لكفار مكة: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20] ولم يدقق الله عز وجل في دقائق الكون، وإنما نصب لهم العلامات والآيات، ولم يأت بالدقائق؛ لأن عقولهم لا تدرك إلا ما يرون، فخاطبهم الله بهذا. ويذكر الله عز وجل السماء وما فيها من آيات، والأرض وما فيها من عجائب، يذكر خرير الماء، وخلق الطير، ويذكر الشجر، والزهر،والخلق البهيج، ويذكر الشجر صنوان وغير صنوان، والماء كيف كان أصله؟ ويذكر النطفة كيف تدرجت حتى أصبحت إنساناً، ثم يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الأخير: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].. أَفَلا تَذَكَّرُونَ [يونس:3].إذاً: فالعلاج الأول لمرض الشبهة التي صادفت كثيراً من الشباب، وشكا منها كثير من الشباب حتى ممن صلى وصام وحج واعتمر.العلاج الأول: النظر في الكون، والنظر في آيات الله عز وجل والتدبر، ولذلك جعل الله عز وجل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: {رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه} وإنما قال: خالياً ليكون بعيداً عن الرياء والسمعة.ذكر آيات الله؛ يقول كثير من العلماء: لا يقتصر على ذكر الله بالتسبيح، والتحميد والتهليل فقط، بل إذا نظر إلى الجبال والوهاد والتلال، ففاضت عيناه فهو مأجور، وإذا نظر إلى المبتلين والمرضى ففاضت عيناه فهو مأجور، وإذا نظر إلى الأطلال والقبور ففاضت عيناه فهو مأجور، وإذا نظر إلى تعدد الهيئات واختلاف الأصوات والنغمات ففاضت عيناه فهو مأجور، فسبحان الله! من يذكر عبده فيذكره، فيثني عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بهذا.يقول تقي الدين بن سكير: خرجت وراء شيخ الإسلام ابن تيمية بعد صلاة العصر من الجامع الأموي، فلما اختفى في غوطة دمشق رفع بصره إلى السماء، وقال: لا إله إلا الله، ثم فاضت عيناه، ثم بكى وقال:وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا فهذا ذاكر ذكر الله في خلوة، فالنظر والاستدلال على قدرة الله بالتفكر في الكون أعظم ما يقضي على مرض الشبهة.ثانياً: الذكر؛ فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وصف الذكر مع الفكر، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191].يقول ابن تيمية وهو يتحدث عن أحد الملاحدة الذين أرادوا الإيمان، ولكن ما أراد الله لهم ذلك وهو أحد الفلاسفة -قد يكون ابن الراوندي، الذي يقول عنه الذهبي: الكلب المعفر الخبيث؛ الذي ألف كتاب الدامغ على القرآن يدمغ به القرآن، شكا حاله على بعض علماء الإسلام- قال: في قلبي ظلمات بعضها فوق بعض، يريد أن يهتدي لكن على قلبه ظلمات وححب وآصار وأغلال وحديد؛ حجب لا يعلمها إلا الله، يريد أن يصلي ويذكر الله فلا يستطيع، فقال له هذا العالم: عليك بكثرة الذكر بعد الصلاة، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت؛ قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5]؛ والله يقول: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]. و قد جعل شيخ الإسلام ابن تيمية من العلاجات لهذه الأمراض الذكر، وقال: إن الله يقرن في كتابه بين التوحيد وبين الاستغفار، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] وقال عن يونس بن متى يوم أن يروى قصته: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87].وعند أبي يعلى في مسنده {يقول الشيطان: أهلكت بني آدم بالذنوب،وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار} فأعظم ما يمكن أن يقضي على مرض الشبهة والشك والحيرة والاضطراب في الإيمان بالرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم وبالله عز وجل وباليوم الآخر وبالغيبيات بعد التفكر والاستدلال والنظر هو الذكر.وثالثها: النوافل، وإنما قدمت الذكر لأنه أهم، بل هو أفضل من كل نافلة، فالنوافل هي التي تنهي الاضطرابات، ولذلك وجد في الشباب من تسمعه يشكو أن في قلبه اضطراباً وحيرة من خلود أهل النار في النار، كيف يخلدون؟ ولماذا يخلدون آلافاً؟ ولا أذكر الشبهات، لأنه لإيراد الشبهات لا بد أن يورد الحلول لها، وهذا المجال لا يتسع له... إلى غير ذلك.فعلاج مرض الشبهة النظر في الكون والتفكر. ومن ذنوبنا قلة التفكر حتى أصبحت أحاسيسنا باردة من كثرة ما ألفنا، وإلا فو الله الذي لا إله إلا إلا هو إنها لآيات باهرة: الشمس، هذا الفلك، وهذا الجرم الكبير كيف يسير؟ وكيف يذهب باحتساب؟ ويذهب بتؤدة ويذهب بمقدار ثم يأتي وهكذا.النجوم من جملها؟ الجبال من نصبها؟ الشجر من أبدع خلقه؟ الزهر من نوعه؟قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا والنحل قل للنحل يا طير البوادي من الذي بالشهد قد حلاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا فالحمد الله العظيم لذاته حمداً وليس لواحد إلاكا يقول إبراهيم بن أدهم: جلست تحت شجرة فرأيت أحد الصالحين نام، وإذا بالبعوض على وجهه وشيء من الذباب، قال: فوالله الذي لا إله إلا هو إني لبحية خرجت من جحرها فأخذت زهرة بفمها، ثم أخذت تزيح عنه البعوض والذباب.ويقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: رأى بعض الصالحين في أول هدايته -كان سبباً لهدايته- عصفوراً يأتي بقطع من اللحم ويذهب إلى نخلة، فقال الصالح في نفسه: العصفور لا يعشعش في النخل، فلماذا يذهب؟ فتسلق النخلة، فاطلع فرأى حية عمياء -يأتي هذا العصفور بقطعة اللحم، فإذا اقترب منها فغرت فاها فأوقع فيه اللحم، فشهد أن لا إله إلا الله وتاب.وهذه آيات باهرات من كرامات الأولياء، يطول شرحها في هذا المقام. وهذا مرض وأزمة خانقة واجهت شباب الإسلام، لكنها حلت بإذن الله، بكثرة علم الكتاب والسنة، وكثرة النوافل عند كثير من الشباب، وكثرة الذكر، وكثرة الموجهين، لأن الأمة تعيش في صحوة؛ نرجو الله أن يسددها ويصلحها ويهديها سواء السبيل.
مرض الشهوات
الأزمة الثانية: الشهوات. الشبهات مرض العقائد والشهوات مرض الأعمال والمعاصي، وهذا المرض وقع فيه بنو إسرائيل، قال تعالى عنهم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13].والأمراض في القرآن ثلاثة: مرض الشك والشبهة وهذا يقع فيه ملاحدة العالم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.ومرض الشهوة وقع فيه بنو إسرائيل.ومرض الجهل وقلة العلم والفقه وقع فيه النصارى.ولذلك يذكر الله الضلال مع النصارى، ويذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى الغضب واتباع الهوى مع اليهود.قال سفيان بن عيينة كما أورد ذلك ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم قال: من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى.وصح عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن الناس إلا هم) وفي رواية: (فمن إلا هم).ولذلك قرر ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم أن كل خطأ سلف سوف تقع الأمة فيه، ولذلك وجد من طلبة العلم والعلماء من لم يعمل بعلمه -نعوذ بالله من ذلك- قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].فالنظر للحرام شهوة، واستماع الأغنية، والنظر إلى المجلة الخليعة، ومجالسة البطالين، واللغو، والكذب، والنميمة والزور والبهتان شهوات، وقد وقع في هذا قطاع عظيم من الشباب.أعني أن الذين انحرفوا وقعوا في الشهوات لا في الشبهات، لأن مرض الشبهات يحد ويقلص بأمور، أما الشهوات فإن علاجها خفي وإن كان أسهل من الأول، والذي وقع في الشهوات أسهل من الذي وقع في الشبهات، فالذي في الشهوات قصاراه أن يكون مذنباً أو ظالماً لنفسه، وأما الذي وقع في الشبهات فقصاراه أن يكون ملحداً زنديقاً -نعوذ بالله من ذلك-.
 علاج مرض الشهوات
إذاً فما هو علاج الشهوات؟ذكر الله عز وجل في القرآن علاج الشبهات باليقين، وذكر علاج الشهوات بالصبر، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قال أهل العلم: صبروا عن الشهوات، وتيقنوا عند الشبهات، فنصرهم الله وجعلهم أئمة، فمن لم يصبر عند الشهوة فليس بإمام ولن يكون إماماً، وليس بمهتد، ومن لم يتيقن عند الشبهة فليس بإمام ولن يكون مهتدياً.إذاً: فمرض الشبهة يعالج باليقين، ومرض الشهوة يعالج بالصبر: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127].قال الإمام أحمد: ما رأيت كالصبر، تدبرت القرآن فوجدت فيه تسعين موضعاً يتحدث عن الصبر.فالله الله يا شباب الإسلام في الصبر، فهو علاج الشهوات!علاج الشهوات: أولها الصبر، أن تصبر عن محارم الله، يقول حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله: وعن محارم الإله فاصبر واستعن بالله وإياه اشكر ولتك بالخوف وبالرجا ولا تيئس وللنفس فجاهد عجلا وإن فعلت سيئاً فاستغفر وتب إلى الله بداراً يغفر وإنما الأعمال بالخواتم لا تحتقر شيئاً من المآثم إلى آخر ما قال في علاج الشبهة وعلاج الشهوة، هذا أمر.واعلموا بارك الله فيكم أنه لا يتأتى العلاج إلا بأمور: أولاً: كما يقول ابن تيمية: إصلاح الصلوات الخمس ظاهراً وباطناً، فإن من أحسن خضوعها وخشوعها، وأحضر قلبه فيها، واستحضر عظمة الله وهو يصلي، وحافظ على أوقاتها عصمه الله من الشهوات، وما طفح نظر من نظر إلى الحرام وإلى المحرمات إلا لأنه أساء في الصلاة، وما استمع من استمع إلى الغناء إلا لأنه أساء في الصلاة، وما نظر من نظر إلى المجلة الخليعة إلا لأنه أساء في الصلاة، فهذا مرض وقد سلف علاجه.
جلساء السوء
الأزمة الثالثة: أزمة جلساء السوء؛ وقد ذكر الله عز وجل في القرآن جلساء الخير وجلساء السوء، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:51-57].
 أسباب الضياع
يقول ابن القيم: الضياع على عشرة أسباب، وأعظم ضياع ضياع القلب وضياع الوقت، ولا عوض عنها أبداً، والقلب إذا ضاع فقد انتهى مصير العبد إلا أن يحفظ الله عليه قلبه، والوقت إذا ضاع فقد انتهى العمر ولن يعود عليه أبداً، دقيقة تمر من حياة المؤمن والله لا تعود إليه أبداً:أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي إذا ليلة هرمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي ونسب ابن رجب الحنبلي في كتاب جامع العلوم والحكم للحسن البصري، أنه قال: [[ما أصبح صباح إلا ونادى مناد: يا بن آدم! اغتنم هذا اليوم، فوالله لا يعود إليك إلى يوم القيامة]].قيل لـ كرز بن وبرة وكان من العباد الكبار: اجلس معنا قال: احبسوا الشمس وأنا أجلس معكم؛ من يمسك الشمس وهي تذهب في فناء الأعمار، واختصار الأوقات؛ لأنها لن تعود مرة ثانية.يقول ابن عقيل الحنبلي -كما نسب ذلك ابن الجوزي له في صيد الخاطر، وذكر ذلك عنه صاحب طبقات الحنابلة وهو يترجم له- قال: إنه لا يحل لي أن أضيع شيئاً من وقتي، إذا ما أغمضت عيني قبل النوم تفكرت ماذا أكتب في الصباح، وإذا أتيت إلى فراشي لا أنام حتى أكتب ورقات، وإذا استيقظت كتبت، فإذا تعبت استلقيت على ظهري وسبحت الله عز وجل -حتى يتندر ويتلطف ابن الجوزي تلميذه وهو يتحدث عن ابن عقيل، قال: كان يأكل الكعك ولا يأكل الخبز! فقلنا له: لماذا؟ قال: حسبت أن بين أكل الكعك وبين أكل الخبز مقدار خمسين آية، قال: وألف كتاب الفنون وهو ثمانمائة مجلد كلها في أوقات الفراغ والأوقات الخاصة، أما أوقات التدريس وأوقات العبادة فشيء آخر، لكن الأوقات الثانوية الخارجية قد ألف فيها كتاب الفنون ثمانمائة مجلد.يقولابن تيمية: إني لأنزل السوق فلا أزال أذكر الله وأسبح حتى يظفرني ربي بحاجتي، وحاجته من الحاجات الأخروية، أو فتح علم حتى يقول: إنها لتعجم علي مسألة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل فيفتحها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليّ.ويروي عن جده عبد السلام؛ لأن ابن تيمية هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام.يقول الذهبي في ترجمته: أحمد هذا شمس، وعبد الحليم نجم، وعبد السلام قمر، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، أي: أن الشمس أحمد بن تيمية هذا، وكان جده قمر، يقول: كان جدي لا يضيع شيئاً من وقته، كان إذا دخل الخلاء قال لأحد أبنائه: اقرأ في الكتاب وارفع صوتك حتى أسمعك وأنا هناك، فأي حرص على هذا الوقت كحرص هؤلاء السلف الأخيار.ولذلك أنتجوا وقدموا المجلدات التي ما استطعنا أن نقرأها، وهي محققة ومنقحة ومقدمة، وفي الرفوف، ونحن في راحة عظيمة، ولكن لا نستطيع أن نقرأ، فنسأل من الله عز وجل أن يحفظ علينا أوقاتنا.وهذا العنصر يحتاج إلى كلام طويل وجلسة، لكن لا أريد الإطالة؛ لأن الإطالة معناها الإملال والسأم، وما بقي من الوقت فإن كان هناك حوار أو نقاش أو سؤال فله، وأثني بالشكر على الواحد الأحد الذي وفقنا للاجتماع في هذا المجلس المبارك، ثم أثني بالشكر لمدير هذا المعهد، ولأساتذته ولطلبته، ولكم أيها الحضور، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

  الأكل والشرب مع الكفرة
السؤال: أنا أعمل في إحدى الشركات، وغالب من يعمل في هذه الشركة من الأجانب الكفرة، وأنا آكل وأشرب معهم، فهل في ذلك شيء، جزاكم الله خيراً؟الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام أكل مع المشركين، وذكر ذلك في أحاديث، ومع المنافقين ومع اليهود، لأنه يدعوهم عليه الصلاة والسلام، فإن كان قصدك الدعوة وقصدك التأثير عليهم فلا بأس بذلك، لأن مقصدك جميل وهذه وسيلة يتنازل بها لما هو أعظم منها.وأنت إذا أردت أن تدعوهم إلى الله عز وجل فلا يمكن أن تتركهم فلا تأكل معهم، فإذا أتى الأكل تتركهم وتذهب في غرفتك، أو أتى وقت الشرب لا تشرب معهم، وأتى وقت الجلوس لا تجلس معهم، ثم تأتي بعد وقت، وتقول: أدعوكم إلى الإسلام، الإسلام الذي قدمته بأخلاقك لهم، وأنت تجانبهم، وتجافيهم، وتظهر لهم الكره والبغضاء، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما فعل هذا، بل ثبت عنه أنه أكل مع المشركين لأنه داعية.أما إن كنت رجلاً صالحاً ولست داعية، وليس عندك استطاعة للتأثير، وليس في مقدرتك أن تدعوهم؛ فاجتنبهم في أكلهم وشربهم، وأظهر لهم العزة بالإسلام، واجعلهم صاغرين، ولا تصافحهم، واجتنبهم إلا في حد الضرورة، كأن يكون مرءوسك، ويستطيع الإضرار بك، فلك بحد الضرورة أن تدخل عليه وتسلم وتحيي لأنه يقع عليك ضرر أعظم مما تنازلت عنه، هذا ما يحضرني في هذا.وأنا أقصد دعوة بأي وسيلة؛ كأن يكون هناك ترجمان، أو تظهر من نفسك الخلق لتمهد الباب لأن تعطيه كتباً فانظر هل من مقصودك أن تدعوه وتؤثر فيه فاعمل بما يليق، وإن كان قصدك أن تعيش في هذه الشركة ولا تدعو فاجتنبه ولا تأكل معه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أزمات الشباب المسلم للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net