اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حق المسلم على المسلم للشيخ : عائض القرني


حق المسلم على المسلم - (للشيخ : عائض القرني)
استشرى الاختلاف في الأمة الإسلامية بين الدعاة، وتوسعت الفجوة، ولكي تنتهي هذه الفرقة وهذه الاختلافات لابد من العودة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى غرس الإخاء والمودة بين المسلمين، ومعرفة حقوق المسلمين على بعضهم البعض. وفي هذه المادة ذكر لهذه الحقوق العظيمة التي لابد من وضعها في الاعتبار.
عظم حق المسلم
الحمد لله العلي الغفار، الواحد القهار، مكور النهار على الليل، والليل على النهار، أحمده وأشكره وأستغفره، وأنيب إليه وأتوب إليه من جميع الأوزار، وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة تبلغني وإياكم تلك الدار، دار النعيم التي أعدت للأبرار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خيرة البشر، صلى الله عليه وسلم ما تألقت عين لنظر، وما اتصلت أذن بخبر، وما هتف طير على شجر، وما انهمل مطر، وعلى آله وصحبه أجمعين.أمَّا بَعْد:أيها الناس! إن من أعظم مقاصد الرسول عليه الصلاة والسلام، بل إن من أجل أهداف الإسلام أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يوحد بين صفوفنا، وأن يرأب الصدع بيننا، فإذا لم يتم ذلك؛ فلنعلم جميعاً أننا تلبسنا بالإسلام، وما اهتدينا إلى طريقه، وما تشرفنا بحمله، يقول الله تعالى ممتناً على الأمة العربية التي كانت ضائعة ضالة متفرقة، متحاسدة متحاقدة متقاطعة: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63]. فسبحان من ألف هذه القلوب ووحد بينها، ورأب صدعها؛ فاستقلت بحمل الرسالة إلى البشرية.. والله يأمرنا بالاعتصام، وينهانا عن الفرقة وموجباتها من بغضاءٍ وحسد وغيبة، ومن هتك الأعراض، ومن تشريح وتجريح، يقول الله سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103].
 معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لـعمر حين استأذنه للعمرة -كما عند الترمذي - يقول عليه الصلاة والسلام وهو يعانقه ويودعه: {لا تنسنا من دعائك يا أُخي. قال عمر: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها} وجد من الناس ممن نصب نفسه داعية أو منظراً أو مفيداً من له مواصفات مع الناس؛ يبتسم لهذا ولا يبتسم لذاك، ويهش لهذا ولا يهش لذاك، وليعلم الذي يخسر الناس أنه إنما خسر نفسه؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {تبسمك في وجه أخيك صدقة} ويقول: {ولو أن تلق أخاك بوجه طلِق أو طلْق أو طليق} ويقول جرير رضي الله عنه: {والله ما رآني صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي}.فيا عباد الله! الله الله في حقوق المسلمين.. الله الله في أعراض المسلمين.. الله الله في دماء المسلمين.. إن الله سوف يسألكم يوم العرض الأكبر.. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ *إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].
من حقوق المسلم
واعلموا أن للمسلم على المسلم حقوقاً كثيرة، نذكر بعضها.
 من حق المسلم العفو عنه
ومن حقوق المسلم: أن تعفو عنه، خاصة إذا طرح أمامك في صلاة الجنازة، فكل ما أخذ من حقك، تقول: عفا الله عنه، سامحه الله، انتهك عرضك أو سبك أو شتمك في الحياة، فتعفو عنه؛ لتلقى الله وأنت مرحومٌ، فإنه من يرحم الناس يرحمه الله عز وجل. أيها المسلمون! أنتم أبناء دين واحد، كتابكم واحد؛ ورسالتكم واحدة، فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم التآخي والتآلف والمودة والصلة والكلمة اللينة، كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم.. فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
الغيبة من أمراض المجتمعات
الحمد لله المعروف بالإحسان المحمود بكل لسان.. الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن:1-6] والصلاة والسلام على رسول الإسلام، هادي الأنام، أفضل من صلى وصام وطاف بالبيت الحرام، مدكدك دولة الأصنام، صلىالله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أيها المسلمون: لقد انتشر في أوساطنا وفي بيوتنا ومجتمعاتنا مرض الغيبة، والمشتتة للقلوب وهي المفرقة للكلمة، ولا يغتاب إلا أحد رجلين: رجل نسي الله، ونسي موعوده ولقاءه، فهذا همه أن يتفكه في أعراض المسلمين، وأن يأكل لحوم المسلمين، قال الله: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12]. ورجل آخر ركبه الهوى، وأراد أن يتشفى في الأعراض، وأن ينتقم لنفسه، فشغل نهاره وليله باغتياب عباد الله عز وجل قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل له: أرأيت إ ن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته).
 الدفاع عن المسلم وستر عورته
ومن سنن الله في الكون أن من حفظ أعراض المسلمين حفظ الله عرضه، وأن من جرح المسلمين فضحه الله على رءوس الأشهاد، وفي الحديث: {يا أيها الناس! لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره}. ومن سنن الله أنه يدافع عن المؤمنين، فاجعل الدفاع بيده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يدافع عنك قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38]. كان السلف الصالح تسود المودة بينهم فمن منا اليوم يدعو لإخوانه في السحر ويسميهم بأسمائهم؟! يقول أبو الدرداء وهو يؤسس مدرسة الحب والإخاء: [[والله إني لأدعو في السحر لسبعين من إخواني بأسمائهم]] ويقول الإمام أحمد يوم رأى ابن الشافعي: أبوك من الذين أدعو الله لهم في السحر بأسمائهم ولذلك يقول الإمام الشافعي لما عوتب في زيارة الإمام أحمد، والشافعي أكبر سناً:قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تغادر منزله إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له ويكتب الإمام الشافعي يكتب للإمام أحمد ويقول له: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنـا سواءً في البضاعة فالله الله في الدعاء للمسلمين.. والله الله في حفظ عوراتهم.. والله الله في العفو عن زلاتهم وخطاياهم، فإن الخلاف في الفرعيات لا يوجب الفرقة ولا التنازع، والذين قالوا: الاختلاف سنة ولابد منه.. هم مخطئون، والحديث الذي يقول: (اختلاف أمتي رحمة) لا يصح، وابن تيمية يقول: الاختلاف رحمة واسعة، والإجماع حجة قاطعة وقال العلماء: الاختلاف في فرعيات العبادة التي تورث سعة للأمة، أما الاختلاف الذي يوجب الضغينة والحقد والبغضاء فإنه حرام، فإن ذلك يجعل الكافر والمستعمر واليهودي والنصراني يعتلي ظهورنا. فليتنبه دعاة الإسلام، وليتنبه علماء الإسلام، وليتنبه كل مسلم على وجه الأرض. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حق المسلم على المسلم للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net