اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أيها العاق! للشيخ : عائض القرني


أيها العاق! - (للشيخ : عائض القرني)
إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش في ضياع ونكبات وويلات وفتن عظيمة، وماذاك إلا جزاء من الله سبحانه وتعالى بسبب ماظهر منها من عقوق، فترى الشاب يعق والديه، وتجد المسلمين يعقون خالقهم ونبيهم، ويبتعدون عن منهجه وأحكامه.فالأمة تعيش في عقوق: عقوق الله، عقوق النبي صلى الله عليه وسلم، عقوق الوالدين، عقوق لعلماء الأمة، عقوق للملتزمين.
عقوق الوالدين
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صلِّ وسلِّم على أذن الخير الذي استقبل وحي السماء فبلَّغه بأجمل عبارة، وأوصله بألطف إشارة، أنقذ الأمة من الهاوية، وكشف الغمة وأخرج الجيل من الظلمات إلى النور، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس! عنوان هذه الخطبة: أيها العاق! العقوق الذي تعيشه الأمة صوره كثيرة، ومن أبرز صور العقوق: عقوق الابن لأبيه ولأمه، اكتظ الحرم في الطواف بالحجاج والشمس حارة، والناس واقفون عند الكعبة المشرفة يسألون المولى، وبين الألوف المؤلفة حاج من اليمن، يحمل أمه على كتفيه، تصبب عرقه، واضطربت نفسه، وكلَّ متنه وهو يطوف بها لأنها مقعدة، ويرى أن من الواجب عليه أن يكافئ الجميل، فهذه العجوز المقعدة الجالسة على أكتافه كان في فترة من الفترات جنيناً بين أحشائها، وكان طفلاً في بطنها، أرضعته، وضمته وقبلته، سهرت لينام، وجاعت ليشبع، وضمئت ليروى، فظن أنه كافأها حقاً بحق، ومر هذا الحاج وابن عمر الصحابي الجليل واقف عند المقام، فقال: السلام عليك يا ابن عمر! أنا الابن وهذه الوالدة، أترى أني كافأتها؟ قال ابن عمر: والذي نفسي بيده ولا بزفرة من زفراتها، ولا بزفرة واحدة.لا يأتي هذا التعب والعرق والجهد والإعياء ولا بزفرة واحدة زفرتها في ساعة الولادة.هذه صورة واحدة من صور المعاناة التي يقدمها الوالد وتقدمها الوالدة لهذا الإنسان.
 السلف وبر الوالدين
أيها الناس! البارّون لهم قصص عَبر التاريخ، يضربون أروع الأمثلة، منهم الإمام ابن سيرين حيث بلغ من بره بوالدته أنه قال: والله ما ارتقيت سطح بيت ووالدتي في البيت -لئلا يرتفع عليها- كان يقدم لها الطعام فلا يبدأ حتى تبدأ، ولا يأكل من الإناء الذي تأكل هي منه، فقيل له: لمَ؟ قال: أخشى أن تقع عينها على شيء من الطعام فآخذه فأكون عاقاً، وكان إذا جلس أمامها لا يبدُّها بصره، بل كان يخفض البصر كأنه عبد مملوك، وهذا حق الوالدة. والإمام أحمد جعل من نفسه -وهو إمام أهل السنة والجماعة - خادماً لوالدته في البيت -خادماً بمعنى الكلمة- يغسل ثيابها، ويصنع طعامها، ويكنس بيتها، وهذا تاجٌ على رأسه يلقى الله به: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].ما فائدة العلم والثقافة!؟ وما فائدة التبجح بالإسلام صباح مساء؟! وهذا العقوق الصارخ يدوي في مجتمعاتنا، وفي أسرنا، كل يوم تسمع أماً أو أباً يقطع عباراتهم البكاء، يشكون إلى الله هذا الظلم من العاقين، إنه تحذير لكل من عق أن يتوب إلى الله، وأن يتقي الله في والديه، وأن يخشى أخذ الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم..
صور العقوق كثيرة
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الناس! للعقوق صور كثيرة في هذه الأمة، وهي أمة عاشت في فترة من فتراتها الجمود والجحود، جمدت في الإبداع والابتكار والاكتشاف والاختراع، وجحدت حقوق مولاها ورسولها ووالديها، وليس عقوق الوالدين إلا صورة واحدة من الصور التي تعيشها الأمة.
 عقوق لأمجاد الأمة وعظمائها
الأمة تعيش عقوقاً لأمجادها، لأن هؤلاء الأعداء المغرضين ظنوا أنهم هم اللامعون اليوم، وهم الذين على الساحة، وليسوا بلامعين، ولكن أمجادنا؛ عمر وعلي وصلاح الدين ونور الدين، وتلكم القائمة البيضاء.إذا تفاخر بالأهرام منهزم فنحن أهرامنا سلمان أو عمر أهرامنا شاد طه دعائمها وحي من الله لا طين ولا حجر إن الأمة عقت عظماءها، ولم تجعل لهم الصدارة، حتى في كتب التاريخ المبسطة التي تدرس في الابتدائية والمتوسطة، تجعل لـسليمان فرنجيه مساحة في التاريخ كمساحة محمد عليه الصلاة والسلام وكمساحة أبي بكر وعمر، ولكل رذيل حقير مكان يعادل مكانة الأنبياء والرسل، فكيف يفهم الجيل أجدادهم، وكيف يعرفون أمجادهم، وكيف يحبون عظماءهم، وكيف يقرءون تاريخهم:أمتي تاريخها ذو خطر لو تأمنَّاه ما كان الخطر هذه من صور العقوق. ولك أن تعدد العقوق ما شئت: عقوق في التاريخ، وعقوق في التربية، وعقوق في منهج الدراسة، وعقوق في الأدب والسلوك والأخلاق والقيم، ولا يصلحنا إلا الواحد الأحد، فنسأله لنا ولكم هداية ورشداً، وتسديداً وتوفيقاً.أيها الناس! صلوا على المعصوم عليه الصلاة والسلام، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان.اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم أصلح ولاة الأمور وهيأ لهم البطانة الناصحة الصالحة التي تدلهم على الحق، وتحذرهم من الباطل. اللهم اهد شباب المسلمين واجعلهم بررة أخياراً، ووفقهم إلى كل خير، وكفِّر عنهم سيئاتهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أيها العاق! للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net