اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , معوقات على طريق سعادة الأسرة للشيخ : سعيد بن مسفر


معوقات على طريق سعادة الأسرة - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
الأسرة هي الخلية الأولى في البناء الاجتماعي، وهي العش الهادئ الذي ينعم بالعيش فيه جميع أفراد الأسرة؛ لذا فإن صلاح الأسرة صلاح للمجتمع، وذلك يغيض أعداء الله عز وجل، مما جعلهم يسعون إلى تفكيك الأسرة وهدم كيانها وذلك بوضع المعوقات في طريق سعادة الأسرة، وهذه المعوقات تتمثل بالمخدرات والأفلام والرفقة السيئة وغيرها، ولكن من تمسك بهدي الله وبسنة رسوله نجا من تلك المعوقات وأسس أسرة صالحة تعين على صلاح المجتمع المسلم.
الأسرة وأهمية إصلاحها
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وأسعد الله أوقاتكم في الدنيا والآخرة، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في دار كرامته ومستقر رحمته.في البداية: أشكر مكتب الدعوة والإرشاد بمدينة الرياض على هذا النشاط من الدعوة، وعلى هذا الأسلوب الفريد، والذي يحصل به التجديد، وتحصل به المصلحة والفائدة، حينما يعيش المسلم يوماً إسلامياً متكاملاً يعايش فيه إخوانه، ويتعرف فيه على أحبائه، في أقدس البقاع، وفي أحب الأماكن إلى الله عز وجل، وليأخذ أنموذجاً من الحياة الإسلامية المتكاملة من بداية النهار إلى نهايته، لا ليعيش هذا اليوم فقط، ثم يرجع إلى حياته الأولى، حياة اللهو والعبث واللعب، ولكن ليقضي حياته الجديدة بعد ذلك اليوم بمثل ما قضاها في مثل هذا اليوم، طبعاً بإضافة العمل، لا نريد أن يُفهم من هذا أن يجلس الإنسان في المسجد طول حياته؛ لكن نقدم في يوم الإجازة أنموذجاً بكيف يُستغَل الوقت فيما ينفع، وفي أيام العمل نضيف ساعات العمل الرسمي أو ساعات الكسب المعيشي إلى برنامجنا، ونحن بهذا أيضاً نعبد الله عز وجل. فأشكرهم، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في جهودهم، وأن يجعل ثوابها في موازين حسناتهم.ولما كان الموضوع متعلقاً بالأسرة، والمعوقات في طريق سعادتها، فإن هذا هو الموضوع المختار للحديث عنه.فالأسرة هي الخلية الأولى في البناء الاجتماعي، وهي العش الهادئ الذي ينعم بالعيش فيه جميع أفراد الأسرة، والمكونة من الأم، والأب، والأبناء، والبنات، وحينما تظلل تعاليمُ الإسلام هذه الأسرة فإنها تعيش في سعادة ورفاهية، مواجهة مصاعب الحياة ومشاكلها بالطرق الوقائية، وبالأساليب الشرعية، ذات الحلول الإيجابية.
 فضل حِلَق الذكر
حتى تعيش الأسر في سعادة وراحة وأمن واطمئنان، فإن هناك أسباباً، ووسائل، وأيضاً هناك موانع ومعوقات تحول دون تحقيق السعادة لهذه الأسر، وتؤدي إلى تحطيم كيانها، وزعزعة سعادتها، وهي كثيرة جداً، ولكن الإخوة المشرفين على هذه الندوة، وعلى هذا اليوم الإسلامي المبارك، الذي تقطفون فيه من الحسنات منذ أن دخلتم من الساعة السادسة إلى الساعة الثامنة -بإذن الله- ما يُسجَّل على واحد منكم سيئة واحدة في ديوان السيئات -بإذن الله عزَّ وجلَّ- إذْ كيف يُسجل عليك سيئات وأنت جالس مع الله! تذكر الله .. تأكل باسم الله .. تقوم إلى الصلاة .. تسمع العلم .. يدخل في رأسك كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم؟! ومن أين تأتيك المعاصي؟! ما نظرتَ إلى حرام! وما سمعتَ حراماً! وما تكلمت بحرام! وما آذيتَ مسلماً! فأنت في روضة من رياض الجنة، والملائكة منذ أن دخلتَ وهي تصلي عليك وتقول: اللهم اغفر له .. اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وتخرج وأنت (مليونير) في الحسنات، هذه نعمة أم ليست بنعمة يا إخوان؟!وكثير من الناس يقضي مثل هذا اليوم؛ لكنه يقضيه في معصية، وفي لعنة، وفي غضب -والعياذ بالله- يذهب إلى الوديان، وإلى الجبال، ولا مانع من أن يذهب إذا كان في أمرٍ حلال؛ لكن يذهب ومعه المنكرات والمعاصي، والدخان والشِّيشة، والأفلام والتبرج -والعياذ بالله- وضياع الصلوات، واللعن والسب، والكلام الساقط، ويرجع وهو (مليونير) في السيئات، متوج بغضب الله ولعنته والعياذ بالله.أنت في يوم وهو في يوم، لكن شتان ما بين اليومين مثل ما بين السماء والأرض، يوم معك فيه الملائكة، يوم يباهي بك الله عز وجل في الملأ الأعلى؛ لأنك جالس في مجلس ذكر، والحديث في صحيح البخاري: يقول عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سَوَّاحة -متجولـة- تطوف حلق الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله حفوهم إلى عنان السماء، ثم يصعدون إلى الله عز وجل، فيسألهم وهو أعلم: كيف وجدتُم عبادي؟ قالوا: وجدناهم يهللونك ويسبحونك ويقدسونك، فيقول الله: فما وجدتموهم يسألونني؟ فيقولون: وجدناهم يسألونك الجنة؟ فيقول الله: وهل رأوها؟ قالوا: لا، فيقول: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا لها طلباً وفيها رغبة، فيقول الله عز وجل: فما وجدتموهم يستعيذون بي؟ -اللهم إنا نستعيذ بك من عذابك ومن النار- فيقولون: وجدناهم يستعيذون بك من النار، فيقول الله: وهل رأوها؟ قالوا: لا، فيقول الله: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا منها هرباً وخوفاً، فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرتُ لهم)اللهم إنا نسألك من فضلك في هذه الساعة يا ربي أن تغفر ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تغفر ذنوب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا، وزوجاتنا وجيراننا وجميع إخواننا المسلمين. ودائماً -يا أخي!- إذا دعوتَ فكبِّر الدعوة، لا تجعلها صغيرة، إذا دعوت فادعُ لك، ولوالدَيك ولإخوانك، ولزوجاتك ولذرياتك، ولجيرانك ولجميع المسلمين، وقد تقول: إنها كثيرة، لكن ما عند الله أكثر، ليس كثيراً على الله، اطلب فإنك تطلب غنياً، يقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي في صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) إذا أدخلتَ إبرة الخياطة في البحر وأخرجتها هل تنقص البحر؟ اذهب وقس طرف البحر وانظر كم نقَّصت الإبرة، لا إله إلا الله! وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27] غني عظيم، ولذا إذا طلبت الغني فكثِّر واطلب، والله عز وجل يحب العبد الملحاح، ويحب الذي يُكثر الدعاء؛ لأنه غني تبارك وتعالى، نسأل الله أن يدخلنا في واسع رحمته.- المعوقات التي تحطم كيان الأسرة :-إن هناك معوقات كثيرة، اختار الإخوة المشرفون على المجلس وعلى اليوم الإسلامي منها ثلاثة فقط، وهي:أولاً: المخدرات.ثانياً: الأفلام.ثالثاً: الأصدقاء.هذه قنابل على الأسرة، هذه معاول في هدم كيان الأسر وسعادة الأسر: المخدرات..الأفلام.. والأصدقاء.
المعوق الأول في طريق سعادة الأسرة: المخدرات
المعوق الأول: وهو أخطرها، وأشدها فتكاً، وأعظمها تحطيماً للأسر والمجتمعات والدول والشعوب: آفة المخدرات:-المخدرات هي التي لا يقف ضررها عند حد، بل يتجاوز كل حد، ولا يسلم من أثرها أحد؛ لأنها شرور لا يعلمها إلا الله.إن الفرد، والمجتمع، والشعب، والدولة، بل العالم كله ليعاني الآن من آثارها، وأضرارها، حتى أجمعت الأمم كلها -كافرها ومسلمها، كبيرها وصغيرها- على محاربة المخدرات؛ لقناعتها بأن أضرارها بالغة لا تُقاس؛ في الدين، والصحة، والاجتماع، والأمن، والاقتصاد، ومن أجل ذلك تحارَب على كافة المستويات.وكيف تُحَطَّم الأُسَر عن طريق المخدرات؟تُحَطَّم الأُسَر يوم أن تُمارَس المخدرات عن طريق أول جُرعة، وقد جرِّب ذلك، وكثير من الناس وقعوا مع أول خطوة، وانتهوا عند أول حبة تناولوها، يجلس أحدهم في المقهى، وهي مساجد الشيطان، إذا أردتَ أن ترى مساجد إبليس فاذهب إلى المقاهي، سترى المؤذن، وهو: المغني، وترى المآذن، وهي: الشِّيَش، وفوقها النار، وترى المصلين وهم قابعون على الكراسي، وكل منهم مادٌّ رجله، والشيطان يلعنهم ويسخط عليهم، ويبول في آذانهم، ويوم القيامة يتبرأ منهم، ويقول لهم: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22] يقول: ما أخذتكم بحبل ولا بكتاب ولا غيرهما، هل يجد الشيطان أحدهم إلى القهوة؟ لا. إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22].من الناس من يترك زوجته وأطفاله ويخرج من بعد العشاء ولا يرجع إلا الساعة الثانية عشرة ليلاً أو الواحدة ليلاًً، وأين هو؟ وهو يعبي جمراً أحمر -والعياذ بالله- ولا يطرب إلا لقرقرتها فوق رأسه، والشيطان يكبر ويهلل من عليها، يكبر تكبيرة شيطانية، تقرقر فوق رأسه فيحس لهذه القرقرة أنغاماً أعظم عنده من ترتيل القرآن، لا إله إلا الله! وبعد ذلك؟ أيضاً يمارس نوعاً آخر من العبادة، يلعب (الورق، وكبُّود، والدِّمنة، والكَيْرَم) ويضيع حياته -والعياذ بالله- ثم يتفل الشيطان في وجهه، ولا يعود إلى البيت إلا والشيطان فوق رقبته؛ لأن الشيطان الآن متطور، كان في السابق يمشي، أما الآن فأصبح يركب سيارات؛ لكنها ليست من حديد، وإنما سيارات بشرية، يقول الله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة:19] استولى عليهم واستعمرهم، وقرطسهم ووضعهم في جيبه: فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:19].يأتي الرجل ويجلس في القهوة، وذاك يضحك وهو منبسط، فيسأله الرجل ويقول: ماذا بك يا أخي؟ فيقول: هناك شيء ليس عندك، فيقول: وما هو؟ فيقول: ذُق لترى، ذُق فقط، فيقول: وما هذا؟ فيقول: هذا يجعلك ترى مصر وأنت هنا، فيقول: هات ننظر، وأخذ حبة وبلعها، فيقول: بكم هذه الحبة؟ فيقول: بعشرة، أو بخمسين، أو بمائة، وبدأ في الانزلاق، فيجيء في اليوم الثاني فلا يستطيع أن يصبر! ولا بد من حبة، فيحرم أولاده من مصروف المدرسة؛ لكي يشتري حبة، ويجعل ولده وبنته في المدرسة بدون فُسحة، يشحذون من الأولاد: أعطني قطعة جبنة! أعطني قطعة (ساندويتش)! فيقال له: لماذا؟ فيقول: أبي لم يعطني شيئاً، فيقال له: لماذا؟ فيقول: ليس عنده نقود، وهو عنده نقود، ولكن اشترى بها مخدرات، وبعد ذلك تستمر الانزلاقة إلى أن يفتقر الرجل، ويصبح راتبه كله في المخدرات، ولا يعطي أولاده شيئاً، فيموتون جوعاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع، فتنتهي رواتبه، وإذا لم تكفه فإنه يذهب ليسرق، يسرق حلية زوجته، ويدخل على المرأة، ويقول: انظري! أنا متورط .. أنا زهقان .. هناك أزمة .. أسرعي .. أعطيني (بِنْجِرة) أو أعطيني خاتماً، أو أعطيني قطعة من حليك؛ لأنني محتاج محتاج (ومزنوق إلى رقبتي) وهو فعلاً كذلك ورطة إبليس -والعياذ بالله- في هذه المأساة، وما ظنك عندما تضيع الأسرة بهذا الزوج الفاشل، فالأولاد يضيعون؛ لأنه لا يعرف عنهم شيئاً، والبنات يضِعنَ، والزوجة إذا كانت بلا دين ربما تضيع، وتذهب لتشتغل، إما بعمل مهني، أو ربما تبيع عرضها من أجل أن تكسب شيئاً تقتات به هي وأولادها بسبب هذا الخبيث الذي تدهور في بؤرة وحفرة المخدرات.
 آثار المخدرات على المجتمع
أما أضرارها الاجتماعية، فإن انتشار المخدرات في أي مجتمع يؤدي إلى الآتي:1- تدمير المدمنين.2- وبالتدمير يحصل عجزهم عن القيام بواجباتهم الأسرية.3- وبالعجز يحصل انتشار الفقر والجهل والمرض، وتتفشى الجرائم والفساد الخلقي وهتك الأعراض.كل ذلك بأسباب هذا الداء الخطير.والحمد لله ففي بلدنا ومجتمعنا، وفي ظل قادتنا -بارك الله فيهم- يُحارب هذا الداء محاربة شديدة، ويُضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن يسير فيه، سواءً أكان هذا تعاطياً، أو ترويجاً، أو تهريباً، أو بيعاً، كل هذه جرائم، ليس فيها إلا السيف الأبتر.ولذا فإن مسئولية كل فرد فينا -أيها الإخوة- أن نكون عيناً على هذه الجريمة، ولو كان المجرم ولدك، فلا تتستر على من سمعت أو علمت أن عنده شيئاً من هذه المخدرات، والله إذا تسترت وسكت، ولو كنت لست مسئولاً فأنت مسئول عن هذه الأمة، كلكم مسئول، فإذا علمت أو سمعت عن زميل، أو قريب أو بعيد، أو ولد أو أب، أو زوجة أو بنت، أو أي إنسان في الدنيا مهما كانت صلتك به، إذا علمت أن عنده من هذه شبهة، فبلغ به رأساً سلطات الأمن، وإذا لم تبلغ وتسترت عليه فأنت -والله- خائن لله ولرسوله ولهذه الأمة، وربما تُبتلى أنت إذا سكت، فإنه ربما بعد سنوات ستجد المرض في ولدك، أو في ابنتك، أو زوجتك، أو فيك أنت، لماذا؟ لأنك رضيت بالمنكر، وهذه أمانة، أضعها ويضعها ولاة الأمر في عنق كل مسلم، كل منكم على ثغرة من ثغور الدين، فلا يؤتى الإسلام من قِبَله. فالمسئولية ليست مسئولية رجال مكافحة المخدرات فقط، ولا رجال الأمن فقط، بل هي مسئوليتهم في الدرجة الأولى، وكذلك مسئوليتك أنت في الدرجة الثانية مثلهم، كمواطن وكمسلم، يهمك أمن هذه البلاد، ويهمك أمر سعادة الأسر، ويهمك أمر الأمة بشكل عام.فعليك أن تكون عيناً على هذه الأمور، وما إن تسمع شيئاً إلا وتذهب إلى ولي الأمر، وتبلغ، وطبيعي أنه لن يُفشى اسمك، فتقول لهم: أنا بلغت، ولكن لا تقولوا: إنه قالها فلان. فطبيعي أنهم لن يقولوا: قالها فلان، وإنما سوف يقبضون على الجاني، ويقضون على المنكر -بإذن الله-، ويكون لك شرف أنك ساهمت في القضاء على هذه الجريمة، وهذه المعضلة الاجتماعية الخطيرة.
المعوق الثاني في طريق سعادة الأسرة: الأفلام
المعوق الثاني: وهو مهم جداً جداً، وهو: معضلة الأفلام:-الأفلام؛ وما أدراك ما الأفلام؟ لقد أحدثت هذه الأفلام هزة عميقة كبيرة في الأسر وفي نمط الحياة الاجتماعية فيها، حين أصبح مجرد تجمع الأسرة حول بعضها ضرباً من ضروب المستحيلات، فما عاد أحدٌ يجد الأب، ولا الأم، ولا الأولاد، كلٌّ في داره على الفيديو، يتلقى ويتعلم من دروس الكفر والضلال -والعياذ بالله- وحين أخذت القيم التي تبثها الأسرة في الأطفال في الاضمحلال والانتهاء؛ لتحل محلها القيم المقتبسة والمستوردة من أفلام رعاة البقر، ومسلسلات العنف، وتمثيليات الجنس، وحلقات الجريمة والبوليس، وهي دائرة ضخمة من الآثار الوخيمة، تصنعها الأفلام، ويتشبع بها أفراد الأسرة كل يوم، وتتغير -تبعاً لذلك- أنماط في حياة الأسرة كلها، فوقت النوم أيضاً يتغير، وكان الناس في الماضي ينامون بعد صلاة العشاء، وكانوا عندكم في نجد هنا إذا سمعوا النجار سهر بعد صلاة العشاء، دقوا عليه الباب، وأخذوا غترته وحرقوها وصبوا الماء على ناره، ويقولون له: أتسهر بعد العشاء؟! أمعقول أن تضيع الفجر؟!أما الآن فقد أصبح النوم بعد العشاء جريمة، إذا سأل شخص آخر وقال له: متى ترقد؟ فقال: بعد العشاء، قال: أعوذ بالله! أترقد بعد العشاء؟! أفيك خبل حتى لا تسهر؟ وإذا قال له: ومتى ترقد أنت؟ قال: ما أنام إلا الساعة الواحدة، بعد انتهاء الفيلم، أو بعد المسلسل (الذي يسلسل عقله والعياذ بالله)، حتى أصبح المسلسل موعداً، فيقال: متى العشاء: بعد الأخبار أم بعد المسلسل؟ فيقال: العشاء بعد المسلسل. أصبح المسلسل حدثاً اجتماعياً، لا بد أن نحرص عليه، وبعضهم تجد أن عنده زائراً، أو هو زائر عند آخر، فإذا جاء وقت المسلسل قال: أستأذن، فإذا قيل له: ماذا هناك؟ قال: المسلسل، لا أريد أن يفوتني، فإذا قيل له: لماذا؟ قال: وقف المسلسل البارحة عند نقطة هامة، وأنا -يا أخي- أعيش في دوامة، أريد أن أراها. ما هذه النقطة الهامة، أتدرون ما هي؟ هي كذب في كذب، تجد سبعة كذابين أو ثمانية، أو عشرين كذاباً جمَّعهم كذاب، وألف لهم كذبة في ورقة، وسماها: مسرحية، وأتى بهم، ووزع عليهم الأدوار، وقال: أنتَ في دور الأب، وأنتِ في دور المرأة، وأنتِ في دور البنت، وأنتَ في دور الولد، وأنتَ في دور الخادم، وأنتَ في دور السائق، وجلس معهم شهرين أو ثلاثة أو أربعة، وهو يعلمهم الكذب، ويصنع لهم كذباً في كذب، وبعد ذلك، أخرج هذه الكذبة إلى الناس، وإذا بالناس يعيشون معها. حتى أن من الناس من يعود إلى بيته فيجد زوجته تبكي، فيقول لها: ماذا بك تبكين؟ فتقول: هل رأيتَ النهاية المرة والأليمة التي حصلت لتلك المسكينة؟ فيقول: يا فلانة، والله لا نهاية ولا شيء، والله إنها كذب في كذب كيف تعيش بعقليتك على الكذب، أنا الآن لو قلتُ لكم وأنا في مجيئي الآن، جئت -مثلاً- من شارع المطار إليكم، فلو قلتُ لكم، وأنتم تثقون بكلامي: لقد مررتُ بحادث مروري مروِّع، كانت ضحيته العشرات من الناس، أربع أو خمس سيارات اصطدمت كلها، وبعد ذلك جاء المرور وسألوا الجرحى، وساهمتُ أنا معهم، أما تتأثرون بهذا الخبر؟! مباشرة ستقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، فإذا أكملتُ الخبر، قلتُ: لا تصدقوه فهو كذب، فماذا ستقولون لي؟ ستقولون: الله أكبر عليك، لماذا تخذلنا يا شيخ؟ لماذا تعلمنا الكذب؟! وتشد أعصابنا بالكذب؟!هذه المسلسلات، وهذه الأفلام كلها كذب في كذب.فالنوم أصبح في هذا الوقت من بعد العشاء أعجوبة الزمان، وحتى نمط الطعام أصبح متغيراً، لم يعد مثل الأول، ونمط الاستضافة، فبعض الناس تأتي إليه تريد أن تدق عليه بابه، وتريد أن تسمر معه، فيشغل لك فيديو، ويقول: اسمر مع الفيلم، فتقول له: يا أخي! أنا جئت لأزورك، أم جئت لأزور الفيلم؟ أريد كلامك، لا أريد الفيلم، فيقول: لا. الفيلم مهم، انظر إليه، بمعنى: انصرف، لا يريدك أن تجلس معه، لا حول ولا قوة إلا بالله! واختفت الحياة الهادئة، وتعود الناس على الضجيج والصخب، وحصل الاضطراب في الأعصاب.
 وسائل علاج المجتمع من ظاهرة الأفلام
لعل سائلاً يسأل فيقول: ما هو العلاج لهذه المعضلة الاجتماعية؟ فنقول: هناك عدة وسائل للعلاج:- الوسيلة الأولى: إشعار الأطفال في بيتك بقيمة الوقت:-وأن الوقت هو عمر الإنسان، وأن إهدار الوقت في غير مصلحة ضرر عليه، وخسارة لا تعوَّض، وعلى الأب أن يكون قدوة في هذا الاستغلال للوقت، وما هذا اليوم الإسلامي إلا أنموذجاً لكيفية استغلال الوقت فيما فيه مصلحة أو فائدة.- الوسيلة الثانية: تعويد الأطفال على النوم المبكر ليلاً عن طريق عدم السماح لهم بالنوم نهاراً:-علِّم زوجتك أن توقظ الأولاد بعد صلاة الفجر، ويذهبون إلى المدرسة، وبعد رجوعهم من المدرسة -إذا كانوا يدرسون، أو إذا كانوا صغاراً- امنعهم من النوم، والذي ينام صبوا عليه الماء، لكي لا يأتي العشاء إلا وهو يريد أن ينام؛ لكن أن ينام طوال اليوم، ثم يأتي في الليل فيظل ساهراً إلى الفجر، وهو يتقلب أو يطالع في الأفلام، هذا خطأ، فقد قلب آية الله عز وجل، الله جعل الليل سكناً والنهار معاشاً، وهذا قلبها فجعل النهار نوماً والليل -والعياذ بالله- سهراً، فلا يسهر في الليل إلا الحيوانات السائبة، فالليل لا يخرج فيه إلا الحيات والعقارب، وهذه هي التي تؤذي الناس.- الوسيلة الثالثة: إشعار الأطفال بأهمية القيام بالواجبات الدينية، وأنها أقدس ما يُحرص عليه، وزرع محبة الصلاة، والقرآن، والذكر -مثل أذكار الصباح والمساء- في قلوب الأطفال، وقد أخبرني رجل شاب أن لديه ولدين، أحدهما في ثالثة ابتدائي، والثاني في أولى ابتدائي، فقال: إن ولده ذهب إليه وأخذ يعلمه ويقول: يا أبي! لا بد أن نصلي في المسجد كل الصلوات، والأغاني هذه يجب ألا نسمعها. قال: فقلت له: من الذي قال لك؟ قال: قال لي الأستاذ، قلت: حسناً. قال: وكنت أتصور أن الولد يضحك أو أنه لن يلتزم بما قال؛ لكن الولد -ما شاء الله- التزم، وأصبح بمجرد أن يسمع أي نغمة يقوم مباشرة ليقفل الجهاز، قال: وأرجع من الدوام الساعة الثانية والنصف، وأجده متوضئاً وجالساً يرقبني، ومن مجرد أن نتغدى يقول: هيا نصلي يا أبي! قال: ثم صبرت عليه في أول أسبوع، وفي الثاني، وبعد شهر، قال: نعم أريده أن يكون ملتزماً؛ ولكن قليلاً قليلاً، لا مثل هذا، فهذا لا لعب بالمرة، قال: يُصِرُّ على ألا أصلي إلا في المسجد، وأنا أريد أن أصلي في البيت أحياناً؛ لأنني آتي من الدوام متعباً، وفي الصباح لا أستطيع أن أصلي الفجر في المسجد؛ لأنني أسهر في الليل، قال: وإذا بالولد -ما شاء الله- لا يأتي الفجر إلا وهو مستيقظ، ويأتي يطرق عليَّ الباب ويقول: الصلاة يا أبي، الصلاة يا أبي! قال: وأخيراً: ضاق الأمر بي مع هذا الولد. فقلتُ: وماذا فعـلتَ؟ قـال: والله في ضيق منه، قلتُ: لا إله إلا الله! في ضيق منه، يوم أن جعله الله قرة عين لك في الدنيا والآخرة؟! يكون سبباً لهدايتك إلى الجنة، لا تقتل هذه المفاهيم فيه! إياك! احذر! إذا قتلتها قتلك الله في الدنيا والآخرة، وسلطه الله عليك، وسلط الله عليك من ينتقم منك في الدنيا والآخرة، كن عوناً له على طاعة الله عز وجل.- الوسيلة الرابعة: تذكير أو إخبار الأولاد بالحلال والحرام:-أ- علِّم أولادك دائماً ما هو الحلال، وما هو الحرام، وما هو الخير، وما هو الشر، وما نتائج كل شيء، وقل لهم: النظر إلى النساء حرام، وسماع الأغاني حرام، والنظر إلى الأفلام حرام؛ لأن هذه تؤدي إلى الزنا، والزنا يغضب الله، ونهاية الزنا العذاب في الدنيا والآخرة.ب- أعطهم ثقافات إسلامية في وقت مبكر؛ حتى تحميهم وتصونهم من الوقوع في هذه الجرائم.جـ- عودهم على نبذ الأغاني والمعازف، وعلى إنكارها، وإغلاق الأجهزة عند سماعها، والمسابقة لإخماد صوتها.د- عودهم على النقد الإيجابي، وقوة الملاحظة، وسرعة الانتباه.هـ- أخبرهم أن معظم هذه الأفلام مورَّدة من ديار الكفر، وأن الكفار أعداء للإسلام، وأنهم يحرصون على إفساد المسلمين، وأسر المسلمين، ولم يقدموا لنا خيراً قط. هل تتصورون أنتم أن يورِّد لكم الكفار خيراً؟ لا والله، يقول الله عز وجل: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].و- عليك أن توفر البدائل في بيتك لأولادك، مثل: 1- الكتب، والمطالعة، والقصص للأطفال.2- توفير جهاز تسجيل مع أشرطة منوعة، والسماح للأولاد بتشغيلها. فلا مانع من أن تشتري جهازاً بمائتين أو ثلاثمائة ريال، وتعطيه أحد أولادك، وتقول: هذا لك، والأشرطة هذه لك، شغلها على كيفك، وأنت يا فلان لك جهاز آخر، ولك شريط آخر، مع مراقبتهم ومعرفة الأشرطة التي يسمعونها.3- توفير جهاز الكومبيوتر لتعليمهم بعض الأنظمة التعليمية المفيدة.4- توفير بعض اللعب الرياضية في فناء المنـزل إذا كان لديك حوش أو سطح؛ كالمراجيح والدراجات، وألعاب المهارات، والتي تحتوي على فك وتركيب، فهذه الألعاب تشغل الطالب أو الطفل، وتأخذ جزءاً من وقته في غير ما ضرر.5- إلحاق أولادك بالمعاهد والمراكز الصيفية، والمراكز القرآنية المنتشرة في المساجد، وهذه أعظم ما يُربى عليه الأطفال، وما تسمعونه اليوم مما يسميه الناس بالصحوة الدينية والصحوة الإسلامية، هذه لها أسباب، فمن أعظم أسبابها: مدارس تحفيظ القرآن الكريم. ولذا ترون أن أعظم الشباب وأكثرهم عندما تسأل أحدهم: أين كنتَ؟ يقول: درست القرآن في مسجد كذا، وربما ترك الدراسة؛ ولكن بقي للقرآن أثر في نفسه حتى رجع إلى ما كان قد عُوِّدَ عليه وأُقْرِئَ في بيوت الله تبارك وتعالى.6- الترويح عن الأطفال والأسر في الإجازات الأسبوعية بالخروج معهم في نزهة لقضاء بعض الوقت الممتع في الخلاء، مع المحافظة -طبعاً- على الصلوات، ومع تستر الأسرة، وعدم التعرض لمجامع الرجال والاختلاط بالرجال.ز- محاولة ربط الأولاد بشيء من التأمل في مخلوقات الله عز وجل، كزيارة حدائق الحيوان، وكذلك زيارة الأودية، والشعاب، والأشجار، والجبال، والتأمل في مخلوقات الله، والنظر في السماء، والسحب، والنجوم، والكواكب، والقمر، والشمس، هذه كلها تستدعي تقوية الإيمان في قلوب هؤلاء الأطفال.ح- إسناد بعض الأدوار الأسرية إلى الأولاد، قسم تكاليف الأسرة على أولادك، اجعل واحداً من أولادك مختصاً بأن يحضر الماء باستمرار، إذا كان الماء يأتي عن طريق الوايتات، أو واحداً مختصاً بأن يحضر الخضروات أو الفواكه إلى البيت، وواحداً مختصاً بأن يأتي بحاجات البيت التي ليست من الخضروات ولا من الفواكه، وواحداً مختصاً بأن يوصِّل أهله إلى المستشفى أو إلى المدرسة، وزع الأدوار حتى تشغل فراغ الأولاد في شيء يعود عليك بالنفع.ط- التعويد على أذكار الصباح والمساء، وسرد القصص المناسبة لهم عند النوم، خصوصاً قصص السيرة، فحينما يريدون أن يناموا تدخل معهم إلى الغرفة، وتقول: تعالوا، قبل أن ننام نأخذ كتاب: ( صور من حياة الصحابة ) للشيخ عبد الرحمن رأفت، و( صور من حياة التابعين )، فهذان من أعظم ما أُلِّف، فتأخذ لهم سيرة صحابي، خبَّاب بن الأَرَت مثلاً، أوعائشة رضي الله عنها، وأي واحدٍ من الصحابة، تقرأ لهم سيرته؛ لتنطبع هذه المفاهيم في أخلاقهم بدلاً من المفاهيم الشيطانية. وقد يقول قائل: إن الوقت متأخر، فأولادي قد تشرَّبوا حب الأفلام وغرقوا في إدمانها، فكيف الخلاص؟! ونحن نقول له: إن من يتق الله يجعل له مخرجاً، والبداية: هي الإخلاص لله، والصدق مع الله، ثم التوكل عليه، والسير في طريق مرضاته بشيء من اللين والصبر والحكمة، وما نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما توفيقنا إلا بالله.وأنا أوصي بالصبر واللين والحكمة، فبعض الآباء يتأثر من سماع موعظة، ثم يأتي إلى البيت، فيريد أن يقلب الحياة رأساً على عقب بمجرد قلم أو بإصدار أمر، حياة مضى عليها عشر سنوات يريد أن يقلبها في لحظة واحدة، فلا بد من وقت للتغيير، أنت الآن إذا دنوت على سفرة الأكل، وفيها الأرز، واللحم، والإدام، والفواكه، ومن كل شيء، وأنت مستعجل، فهل تستطيع أن تأكلها كلها في لحظة واحدة، أم أنه لا بد لك من وقت؟ بل لا بد لك من وقت، وقت للإدام، ثم وقت للأرز، ثم وقت للفاكهة، ثم وقت للغسيل، فرغم أنك مستعجل إلا أن الوقت لا بد منه، أقل شيء ربع ساعة، أو نصف ساعة، كذلك لا بد من وقت للتغيير، وليس مباشرة، فالذين يغيرون مباشرة يفاجَئون في النهاية بالفشل، لكن لو تدرج وصبر، وكان حكيماً، واستغل الثغرات، واستغل الفرص والمناسبات، فيعطي كلاماً طيباً، فإنه سينفع الله به؛ وإذا ما حصل النفع اليوم، فسيحصل بعد شهر، أو بعد سنة، أنا أرى بعض الأسر، الأب يمارس دور الدعوة مع الزوجة والأولاد من سنوات، وما حصلت الهداية إلا بعد سنوات، ولو أنه استعجل من أول الأمر، وحطم وفعل وطلق وطرد، لكانت الأسرة قد انتهت منذ زمن، ووجدوا ألف بديل للشر؛ فالولد إذا طرده أبوه، ذهب إلى رجل أشر منه، وأفسده أكثر، والمرأة تطلقها فتأخذ رجلاً مثلها ربما يفسدها أكثر، لكن قلل من الشر، وعالج الشر، واصبر ما دمتَ تجد للإصلاح مجالاً.هذا هو المعوق الثاني، وهو: الأفلام.
المعوق الثالث في طريق سعادة الأسرة: أصدقاء السوء
المعوق الثالث -وهو ما أختم به هذا الدرس- وهو معوق: الأصدقاء:-والصديق والصاحب له أثره الكبير والبالغ على حياة الإنسان، وبعض الناس يتصور الصديق أنه صديق الولد، بل صديق الأب أول شيء، ثم صديقة الأم، ثم صديق الولد، ثم صديقة البنت، يجب أن يكون هذا الصديق والصاحب صالحاً.
 الحرص على انتقاء الرفيق
يجب أن يحرص المسلم على انتقاء الرفيق، كما يـحرص على انتقاء الطعام، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، أو أن تبتاع منه، أو أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو أن تجد منه ريحاً خبيثة). فحامل المسك: هو حامل الإيمان، حامل الدين..صاحب القرآن..صاحب الخوف من الله والخشية والمراقبة له.ونافخ الكير: هو حامل المعاصي..حامل الشر..حامل الغناء..حامل الربا..حامل الزنا..حامل المنكرات، هذا يحرق ثيابك في الدنيا ويحرقك في الآخرة، وأيضاً: تجد منه ريحاً خبيثة، وهي ريح الكفر والضلال -والعياذ بالله- ولذا يحرص الإسلام على تربية أفراده وأتباعه على أن يحسنوا اختيار أصدقائهم. يقول الناظم:عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدِي إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردِي ويقول الناظم الآخر: فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياهُ فكم من فاسق أردى مطيعاً حين آخاهُ يُقاسُ المرءُ بالمرء إذا ما المرء ماشاهُ وللناس على الناس مقاييس وأشباهُ وللقلب على القلب دليل حين يلقاهُ يقولون: إذا سألت عن أبي زيد، فقل: مَن قرينُه، وإذا أردت أن تكون رجلاً فسِر مع الرجال، وإذا أردت أن تكون مؤمناً فسر مع المؤمنين، وإذا أردت أن تكون فاسقاً فسر مع الفاسقين؛ ولذا يذكر الله عز وجل في القرآن قصة مروِّعة عن رجل كان له صديق سيئ -والعياذ بالله- وخليل فاسق قاده إلى الكفر حتى أدخله النار، يقول الله ويخبرنا عن حالة هذا الرجل، وهو يوم القيامة يعض على يديه، ويأكل يديه من بنانه إلى كتفه ندماً على علاقته بهذا الرجل الفاسد، يقول: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29] هذه الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط -عليه لعائن الله المتتابعة- رجل من كفار قريش، كان له صاحب يدعوه إلى الكفر، ويؤلبه عليه، ويثبته عليه، ثم سافر صاحبه هذا، فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع الرسول، وسمع القرآن، وكاد أن يسلم، لكنه ما أسلم، ولما رجع صاحبه من الشام سأل زوجته: ما صنع عقبة؟ قالت: لقد صبأ. أي: أسلم، فقطع حديثها، وخرج في نفس الوقت إلى بيت عقبة، ودق عليه، وقال: أصبأت يا عقبة؟ قال: لا. ما صبأت! قال: بلى صبأت. قال: لا ما صبأت، قال: والله لا أصدقك حتى تذهب إلى محمد، فتبصق في وجهه. قال: أبشر. فخرج معه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد الحرام، فجاء إليه وبصق في وجهه الشريف صلوات الله وسلامه عليه، فجعل يمسح البصاق من وجهه، وهو لا يستطيع أن يصنع شيئاً؛ فهنالك رجع عقبة إلى الكفر، وبقي حتى قتل في يوم بدر، ثم دخل النار، وتذكر من الذي ورطه هذه الورطة، وإذا به زميل السوء، قال عز وجل: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ... [الفرقان:27] أي: عقبة عَلَى يَدَيْهِ ... [الفرقان:27] يعض: ندماً وأسفاً؛ لأن الشخص إذا فاته شيء وخسره وتألم عليه وتندم ماذا يفعل؟ يعض أصابعه، ويقول: آه، يا ليتني ما فعلت كذا؛ لكن هذا لا يعضها، بل يأكلها أكلاً إلى كتفه؛ لأن الورطة ورطة ضخمة، إلى جهنم ... يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].لذا فإنه ينبغي ويتحتم على جميع أفراد الأسرة بدءاً بالأب، فالأم، والأبناء، والبنات، أن ينتقوا الرفقاء والأصدقاء، ينتقوهم من أفضل الناس..من المساجد..من أهل الإيمان: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي).إذا حرصنا على هذه الأمور وتحاشيناها، وحرصنا على مجانبة المخدرات، وعدم استعمالها وإحضار الأفلام، واختيار الأصدقاء، فإن الأسر -إن شاء الله- ستكون في سعادة وفي حياة كريمة في الدنيا، ثم ينتقلون -بإذن الله- إلى السعادة الأبدية، في دار عرضها السماوات والأرض.أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يثبتنا على دينه، وأن يحشرنا على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة
.
 حكم الغناء
السؤال: ما حكم الغناء، مع العلم أنه يكثر في مجالس المسلمين، وفي سياراتهم، وفي بيوتهم؟الجواب: حكم الغناء كما وضَّح أهل العلم من الأدلة الشرعية في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التحريم، وهناك مؤلفات كثيرة، وأشرطة منتشرة تسوق الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف، ومن أقوال الأئمة -أئمة العلم- على أن الغناء حرام.أما من القرآن: فيقول الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً [لقمان:6] وأقسم عبد الله بن مسعود وقال: [والله الذي لا إله إلا هو أن لهو الحديث في هذه الآية هو الغناء]. ويقـول الله عز وجل عـن الشيـطان: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء:64] قال العلماء: صوت الشيطان هو المزامير والأغاني.والله يقول: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62] سامدون، أي: مُغَنُّون، فالسمود في لغة العرب يعني: الغناء، يقول الرجل لجاريته: اسمدي لنا يا جارية.أيضاً: وردت الأحاديث الصحيحة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، منها حديث في صحيح البخاري، يقول عليه الصلاة والسلام: (ليكونن من أمتي أقوام في آخر الزمان يستحلُّون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف).وحديث صحيح في السنن : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير مع ابن عمر في طريق، فسمع مزماراً لراعٍ، فأمره، فوضع يديه في أذنيه، وما زال يقول لـابن عمر: أتسمع؟ أتسمع؟ حتى إذا قال: لا أسمع، أبـعد يـديه صلى الله عليه وسلم عن أذنيه).ووردت أحاديث ليست في الصحاح، وإنما هي في السنن، وفي الضعفاء ولكنه يُحتج بها، منها: ما روى الترمذي والحديث ضعيف أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، فلينتظروا ريحاً حمراء، وزلزلة وخسفاً ومسخاً ... منها: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغرماً، والزكاة مغنماً، وأطاع الرجل زوجته وعقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وتُعلَِّم العلم لغير الدين، وارتفعت الأصوات في المساجد، وظهرت القينات والمعازف، وأُكرم الرجل مخافة شره، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فلينتظروا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً).ومنها أيضاً: حديث ضعيف ولكنه يُحتج به؛ لأنه يؤيده من الأحاديث القـوية ما يسنـده، منهـا: قوله صلى الله عليه وسلم: (من استمع إلى مغنٍّ أو مغنية صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة) أي: الرصاص المذاب.هذه وغيرها من الأدلة الكثيرة كلها تحرم الأغاني والمزامير؛ لأنها من اللهو المحرم، الذي يصد عن ذكر الله، والذي يحرض على الزنا، والذي يدعو إلى الفساد.أما كونه منتشراً في كثير من بيوت المسلمين: فلا يُستغرَب ذلك؛ فإن الخير والشر موجود إلى يوم القيامة، ولكن -والحمد لله- نلمس ونسمع الآن أن الشر هذا بدأ يتلاشى في كثيرٍ من الأسر، وأنتم تسمعون الآن في السيارات عندما تقفون عند الإشارات، بعد أن كنتم تسمعون كل الإذاعات في السيارات تشتغل على الأغاني، تسمعون الآن -من فضل الله- سيارة فيها قرآن، أو سيارة فيها شريط إسلامي، وربما تسمع سيارة أو سيارتين فيها أغاني؛ لكن صاحب الأغاني تجده يرخيها، ويتستر بها، ويخجل منها، أما صاحب القرآن فيرفعه معتزاً، وفخوراً بأنه يسمع كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.ونسأل الله أن يزيد المسلمين تبصيراً، وهداية في أمور دينهم، وأن يتركوا هذا الشر، وهذه الأمور التي جربها الناس كثيراً فلم يجنوا منها شيئاً، يقولون: هي دقدقة فقط لا غير، فبعض الناس يظل يغني حتى يؤلمه رأسه، ثم ماذا بعد ذلك؟ والله لا شيء، أولها: سخط الله، وآخرها: جهنم -والعياذ بالله- بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، يقول ابن القيم:برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا فعشنا على سنة المصطفى وعاشوا على دَنْدَنا دَنْدَنا والله أعلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , معوقات على طريق سعادة الأسرة للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net