اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإصرار على المعاصي للشيخ : سعيد بن مسفر


الإصرار على المعاصي - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تحدث الشيخ عن طلب العلم مبيناً أنه نوعان: علم شرعي وهو علم الكتاب والسنة، وعلم دنيوي تندرج تحته بقية العلوم، وقد أوضح خلال هذا فرضية العلم الشرعي، ثم ضرب أمثلة تتناول سعي من سبقونا في طلب العلم وحرصهم على ذلك، مسهباً في الحديث عن سوء الخاتمة، وموضحاً علاقة الإصرار على المعاصي بها.
أهمية طلب العلم وتحصيله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:طلب العلم الشرعي -علم الكتاب والسنة- فريضة من فرائض الدين، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وليس في الحديث مسلمة، ولكنها تدخل ضمن المعنى؛ لأن كل تكاليف الشرع موجهة إلى الرجل والمرأة ما لم يختص الرجل بحكم وتختص المرأة بحكم، وإلا فإن الأصل أن كل تكاليف الشرع موجهة إلى الإنسان بجنسيه: الذكر والأنثى. فالعلم المفروض هو قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلم ينقسم إلى قسمين من حيث هو فريضة: فرض عيني، وفرض كفائي.فالفرض العيني هو علم القرآن والسنة مما يتعلق بعبادة الإنسان وعقيدته وسلوكه، فهذا لا يعذر بجهله أحد وإنما يجب عليه شرعاً أن يتعلم ذلك.أما الفرض الكفائي فهو بقية العلوم -أي: علوم الإنسان التجريبية- كالطب والهندسة والكيمياء والفيزياء.. وجميع هذه العلوم. فليس مفروضاً على كل مسلم أن يكون طبيباً أو مهندساً، ولكنه فرض كفائي يجب على الأمة في العلوم، فإذا قامت به بعض الأمة سقطت العهدة عن البقية، إذ ينبغي ويجب أن يكون في المجتمع المسلم أطباء ومهندسون وعلماء في كل مجالات الحياة، حتى يعمروا هذه الحياة عمارة حقيقية، ويكونوا خلفاء لله في أرضه؛ لأن الدين يشمل وينتظم كل مصالح الدنيا والآخرة، وسعي الناس في طلب العلم -والحمد لله- خاصة الشباب منهم في هذا الزمن، الذين نسأل الله عز وجل أن يوفقهم ويثبتنا وإياهم، ويبصرهم في دينه، فإن حرصهم على حضور حلقات العلم هو قيام بالواجب، وليس في ذلك شك؛ لأنهم يؤدون فريضة الله، وهي ظاهرة تدل على الصحوة الإيمانية التي يشعرون بها، نسأل الله أن يزيدهم توفيقاً وهداية وثباتاً.ولا نريد أن نبالغ إذا قلنا: إن الشباب في خير؛ حتى لا يحصل لهم شيء من الغرور، ويظنون أنهم قد قاموا بالواجب على أكمله؛ لأن الدارس لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة السلف رضي الله عنهم، ورؤيته للجهد الجهيد والمعاناة التي كان يشاهدها ويلاقيها السلف في سبيل تحصيل العلم، يرى في ذلك أنه لا نسبة ولا تناسب بيننا وبينهم؛ لأنهم كانوا يقطعون الفيافي والقفار والمدن والشهور في سبيل تحصيل العلم.
 عظم أجر طالب العلم
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث طويل وسوف أذكره بطوله لأخذ الشاهد منه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) انظروا إلى جزالة الأحاديث، وعظمة البلاغة النبوية صلوات الله وسلامه عليه.يقول: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة -هذا الشاهد- وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة).انظر الفرق بين النزول والغشيان، النزول يقول العلماء: يكون على موضع، أما الغشيان فيكون على العموم، فتنزل السكينة على موضع، أين تنزل السكينة؟ في القلوب (إلا نزلت عليهم) أي: على قلوبهم، (السكينة) وهي ضد القلق، والتبرم والتضجر والحرج، و(غشيتهم) أي: تغشى الموجودين، حتى الذي ما نزلت عليه السكينة في قلبه تنزل عليه الرحمة، ولو كان قلبه ليس خاشعاً كأن يكون ليس من أهل الذكر أو المجلس، أو مر لغرض وسمع الصلاة قامت وجاء يصلي، لكنه يدخل معهم في الرحمة؛ لأنهم (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).. (وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).ثم قال عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي: وسائل النقل التي يعبر عليها الناس يوم القيامة هي العمل، أما النسب فلا يسرع ولو كنت ابن الملك أو ابن الأمير أو ابن الوزير أو ابن أي شخصية في الدنيا وما عندك عمل والله لا تمشي على الصراط خطوة واحدة، ولا ينفعك في القبر لا ملك ولا مال ولا جاه ولا سلطان ولا نسب ولا أي شيء من مقومات الدنيا، لكن تأتي وعندك إيمان قوي، ولو كنت ابن أوضع إنسان فإن الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].الوسائل التي يقطع بها الناس الأهوال يوم القيامة هي وسائل الإيمان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (يا فاطمة ! لا أغني عنك من الله شيئاً لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم) لا ينفع النسب يوم القيامة، فالله تعالى يقول: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [المؤمنون:102] أي: بالإيمان والعمل الصالح فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:102-108] لا يوجد مراجعة، ولا فرصة، ولا يوجد دور آخر إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً [المؤمنون:109-110] أي: هزءاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي [المؤمنون:110] اشتغلتم بهم وسخرتم منهم حتى نسيتم ذكر الله عز وجل، وجعلتم هؤلاء هم شغلكم الشاغل وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:110-112] يسأل أهل النار الذين ضيعوا وفرطوا فيقول لهم: كم لبثتم في الأرض عدد سنين حتى صعب عليكم العمل الصالح؟ قالوا: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19] ليسوا متأكدين هل هو يوم كامل أم لا؟ لأنهم قارنوا مدة بقائهم في الدنيا مع مدة بقائهم في عرصات القيامة؛ فوجدوا أن عمرهم الطويل الذي هو ستين أو سبعين أو ثمانين لا يساوي جزءاً من يوم القيامة قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً [المؤمنون:113-114] والله ما عشتم إلا قليلاً في هذه الدنيا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:114-118].
أسباب سوء الخاتمة
إن أسباب سوء الخاتمة كثيرة:
 ضعف الإيمان
من أسباب سوء الخاتمة وهو آخرها: ضعف الإيمان:لأن الإيمان في مذهب السلف : قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان. هذه عقيدة الأمة.الإيمان شيء في قلبك، كلما زدت في الطاعات كلما زاد إيمانك، مثل الشجرة التي كلما سقيتها وشذبتها ورعيتها نمت وترعرعت وأثمرت، وكلما ضايقتها وحرمتها الغذاء وأعطيتها البنزين كلما ذبلت حتى تموت، فغذاء إيمانك الطاعات، وموت إيمانك المعاصي، وضعف الإيمان سبب من أسباب سوء الخاتمة.الآن الكهرباء تتفاوت في القوة، فهناك لمبة قوة الوات فيها خمسمائة أو ألف وات؛ هذه التي يسمونها الكشافات الهيلوجين، كشاف يكشف لك مدى كيلو، هذه فيها تيار كهربائي وهو قوي جداً، وهناك تيار كهربائي في اللمبة التي نسميها نحن (السهارية) القوة فيها خمسة وات، تلك خمسمائة وهذه خمسة، هذه كهرباء وتلك كهرباء، لكن هذه كهرباء ضعيفة لا تنفعك في شيء، إذا كنت نائماً على فراشك وأردت أن تقرأ كتاباً والكهرباء سهارية، لا تستطيع أن تقرأ؛ لأن ضوءها ضعيف، هل تستطيع أن تدخل الخيط في خرق الإبرة على ضوء السهارية؟ لا تستطيع، هل تستطيع أن تبحث عن حاجاتك؟ لا يمكن. رغم أنه يوجد كهرباء، إلا أنها ضعيفة، لا تسمن ولا تغني من جوع، إذا أردت أن تنتفع بالكهرباء جيداً أشعل مائة شمعة.. أشعل مائتي شمعة.. ولهذا الناس في إيمانهم الآن يتفاوتون؛ من الناس من إيمانه مثل الشمس يضيء للعالم، ومن الناس من إيمانه مثل القمر، ومن الناس من إيمانه مثل أكبر لمبة يضيء لنفسه ولقريته ولمدينته ولأهله، ومن الناس من إيمانه ضعيف إلى درجة أنه لا يضيء لنفسه؛ يقع في المعاصي والذنوب والآثام ولا ينتفع بإيمانه، رغم أن عنده إيمان، لكن إيمان ضعيف والعياذ بالله! وضعف الإيمان يضعف حب الله في قلب العبد، ويقوي حب الشياطين والمعاصي والدنيا في قلبه، ويستولي على القلب بحيث لا يبقى في القلب موضع لحب الله تعالى، إلا من حيث التصور وحديث النفس، يعني: لم يبق شيء عملي، يبقى فقط شيء نظري، ذهني، أي: لا يظهر شيء عملي في القلب مما يظهر أثره في سلوك العبد، فلا يمتنع عن ارتكاب معصية، ولا يقوم إلى طاعة؛ لأنه منهمك في الشهوات، مرتكب للسيئات، فتتراكم ظلمات الذنوب والخطايا والآثام في قلبه والعياذ بالله، فلا تزال تطفئ نور الإيمان وتضعف قوته إلى أن يأتي الموت، فإذا جاءت سكرات الموت ازداد حب الدنيا في قلب العبد ضعفاً؛ عندما يرى الإنسان أنه سوف يفارق هذه الدنيا وهي محبوبة إليه، وحبها غالب على قلبه، لا يريد تركها، ولا مفارقتها، فيرى ذلك رب العزة والجلال من قلبه والعياذ بالله فينقلب ذلك الحب إلى بغض لله وللقاء الله، فإذا خرجت روحه في هذه اللحظة وهو يبغض لقاء الله ولا يحب لقاء الله، ويحب الاستمرار في الدنيا والإخلاد إلى الدنيا، حينها يختم له بسوء الخاتمة، فيخرج من الدنيا مغضوباً عليه والعياذ بالله، فكل ذلك من أسباب ضعف الإيمان، فقو إيمانك يا عبد الله. ذكر أهل العلم قصة عن سليمان بن عبد الملك ، لما خرج حاجاً -وهو من خلفاء بني أمية- ووصل المدينة ، سأل: هل هنا رجل من الصحابة؟ قالوا: لا. قال: هل هنا رجل من التابعين الذين أدركوا الصحابة؟ قالوا: نعم يوجد. فدل على أبي حازم ، فجيء به، فلما أتاه قال له: يا أبا حازم ! ما لنا نكره الموت ونحب الحياة؟ فقال له: [ يا أمير المؤمنين! إنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب ].هذه طبيعة في النفس؛ إذا كان عندك عمارة جديدة، مفروشة مطلية، مهيأة، وعندك عشة أو بيت شعبي قديم متشقق وغير جيدة، والعنكبوت قد عشش فيه.. هل تحب أن تنتقل من (الفيلة) الجديدة إلى هذا البيت؟ حتى أولادك لو قلت لهم: ما رأيكم أن نذهب إلى ذلك البيت؟ يهربون منه ويقولون: والله لا ننام فيه ليلة واحدة، لماذا؟ لأنهم قد تعودوا على السقوف المنقوشة، وألفوا العمارة الفارهة، فالإنسان الذي يعمر داراً ويخرب أخرى لا يحب أن ينتقل من العمران إلى الخراب.يقول: أنتم عمرتم ديناكم لكنكم خربتم آخرتكم، فلا تحبون الانتقال من دار عمرتموها إلى دار خربتموها، قال: صدقت. ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله؟ يقول: الله أعلم مالنا عنده.قال: اعرض نفسك على آية في كتاب الله، قال: وما هي؟ قال: قوله عز وجل: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار:13] وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:14].هذه الآية ميزان ديني، تعرف به نفسك، هل أنت من الأبرار أو الفجار؟ الأبرار.. من هم؟ عباد الله الصالحين، الذين سلموا قيادتهم لله، وأخضعوا حياتهم لأوامر الله، فلا يمكن أن يتحركوا ولا يسكنوا إلا بأمر الله، هؤلاء أبرار، أما الفجار فهم الهاربون عن الله؛ الذين تحكمهم الأهواء والرغبات والشياطين -والعياذ بالله- ولا يطيعون لله أمراً ولا يقيمون له ولا لرسوله وزناً، ولا لكتابه محبة، هؤلاء فجار، وقد بين الله ذلك بهاتين الآيتين: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار:13] وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:14] . قال له: فأين رحمة الله يا أبا حازم ؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين. ومن يتصور أنه يحصل على رحمة الله وهو يعمل الذنوب والمعاصي؟ يقول ابن القيم : هذا من سوء الظن بالله؛ إذا ظننت أنك تعصي الله وهو يعطيك على المعصية ثواباً؛ لأنك تتهم الله أنه لا يعرف كيف يجازي عباده.إن لله في الكون سنناً، ومن سننه أنه قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] لكنك تقول: لا. ليجزي الذين أساءوا بالحسنى. الله أكبر! هذا غلط، وسوء ظن بالله عز وجل، يقول الله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90] .. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [القصص:84] ويقول الله عز وجل: هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ [الرحمن:60] وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]. فرحمة الله إذا أردت أن تنالها فتعرض لها بطاعته، أما أن تتعرض لها فهذا خطأ ومن سوء الظن بالله عز وجل.وقد ضربت في مرة من المرات مثلاً بموظف عند مدير، وهذا الموظف سيئ السلوك، قليل الإنتاج، ضعيف التصرف، لا يحضر الدوام إلا متأخراً، وينصرف قبل الدوام بساعة، وإذا أعطاه مديره عملاً ما أثقله عليه! يريد أن يمرر أي عمل، وإذا عمل لا يخلص في عمله، المهم لا يوجد عنده إتقان ولا انضباط، ومع ذلك يتطلع كل يوم إلى الترقية، وإلى العلاوة، وإلى الدورات، والانتدابات، وتحسين الوضع، ما رأيك.. هل يعطيه المدير هذه الأشياء وهو على هذا الوضع؟ لا. لا يعطيه. من يعطي المدير؟ المدير يعطي الترقية والعلاوة والدورة والانتداب والتقرير والتكريم والتفضيل وتحسين الوضع للموظف المثالي، صاحب الإنتاجية المتناهية، والدقة العظيمة، والإخلاص، والأداء المتميز، والحضور المبكر، والمرابطة الدائمة على العمل، ومن إذا عمل معاملة تقرأها وأنت مغمضٌ لعينيك، أي: لا تطمئن إلا لعمله، لماذا؟ لأنه يعملها بقلبه؛ لا يمررها بأي وسيلة، وليس هدفه أن يدحرج المعاملة ويمشيها من عنده ويقول: تخلصنا منها، خذها مني، لا. يحب أن يتقن في عمله المضبوط، هذا إذا جاءت الترقية يرى اسمه؛ لأنه أهل لها، يتعرض للترقيات بالعمل ولا يتعرض لها بالأماني الكاذبة، وأنت إذا كنت تريد الترقية في الجنة، والنجاة من النار، تعرض لذلك بالعمل الصالح، أما أن تعمل السيئات؛ تزني وتسكر وتترك الصلاة، وإذا قيل لك: يا أخي! اتق الله، تقول: الله غفور رحيم. نعم، لكن ليس لك يا أخي، غفور رحيم لمن يعمل الصالحات؛ لأن الله تعالى يقول: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50].الرحمة والغفران لمن يستحقها، والشدة والعذاب لمن يستحقها، وهؤلاء استحقوها برحمة الله، لقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طـه:82]، وبقوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [فاطر:7]. فقال له: يا أبا حازم ! كيف العرض على الله؟ قال: [ يا أمير المؤمنين، أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقبض عليه سيده ]. وهذا المثل من أعظم ما يقال في هذا الموقف؛ لأن الغائب عن أهله إذا قدم عليهم بعد طول سفر، وقد جمع له مبلغاً من المال وأتى بالهدايا لأمه وأبيه وزوجته، ولإخوانه وأولاده ولأقاربه ولجيرانه، ثم دخل أول ليلة وأرسل لهم برقية بوصوله في ليلة كذا، بالله ما ظنكم فيه تلك الليلة، أليس في غاية السرور والابتهاج، والفرح، لماذا؟ لأن الدنيا كلها فرحت به؛ لأنه جاء بشيء.لكن ما رأيكم بمن جاء وليس معه نقود؛ اغترب ثم عاد مفلساً، مثلما يغترب بعض الناس؛ يعيش كل حياته في القهاوي وعلى الشيش -والعياذ بالله- والدخان والمنكرات ثم لا يأتي بشيء، يقولون له: ذهبت وعدت كما كنت، لا كثر الله خيرك! لماذا ذهبت؟ أمن أجل أن تعيش، أم من أجل أن تحصل على نقود، وتنفع نفسك وأهلك؟! هذا لا أحد يفرح به، حتى أبوه وأمه وزوجته ربما يطردونه تلك الليلة، ويقولون: لماذا جئتنا؟ لو بقيت هناك وسترتنا من نفسك على الأقل! لكن ذلك المؤمن كالعبد الغائب يعود إلى أهله. فأنت في الدنيا غائب عن الآخرة، وسوف تعود إليها إن شاء الله، ومعك الإيمان والعمل الصالح، وقد سكنت إن شاء الله في جنة عالية، وقصور عالية، وأنهار جارية، وهناك تفرح فرحاً ليس بعده فرح، يقول ابن القيم في هذا المعنى: فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم وقد ذكـروا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم يعني: مغرم ببلده. وأي اغتراب فوق غربتنا التـي لها أضحت الأعداء فينا تحكم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلَّم إن شاء الله نعود إلى أوطاننا ونسلم بإذن الله عز وجل. أما العبد المسيء، الهارب عن الله، الذي أذنب وأساء وقطع وأجرم وزنى وسرق ولاط وعق وعمل كل ذنب، فهذا هارب، وحين يقبض عليه سيده ما ظنكم أنه فاعل به، أين يمسيه تلك الليلة؟ يمسيه مع الحمار، أو يقول له: اقعد هنا، نحن نبحث عنك، هذا العبد الذي هو مثلك في الدنيا، لكن إذا كان القابض عليك هو الله، الآن أكثر العصاة مفلوتين، ولكن الله تعالى يقول: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية:25] هل يوجد غير طريق الله عز وجل؟ لا يوجد طريق إلا من عند ربك ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:26] ويقول: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3] وقال: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:24] وقال: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [الطور:45-46].قال: فبكى سليمان رحمة الله تعالى عليه -وهو خليفة المسلمين- بكى حتى علا صوته، واشتد بكاؤه ونحيبه، ثم قال: أوصني يا أبا حازم ! قال: [ أوصيك: إياك ثم إياك أن يراك الله حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك ].لا يراك الله في موقع نهاك فيه: لا يراك في القهوة (تُعمِّر)، يسمونها تعميرة وهي تهديمة، والله إنك تهدم دينك ومالك وسمعتك ومروءتك، ولا يراك الله عز وجل في الملعب، أو في المرقص، أو في مكان لا يرضيه، ولا يفقدك حيث أمرك، يجب أن تكون باستمرار في مكان الطاعات، أما في مكان المعاصي فلا مكان لك، أنت عبد لله تبارك وتعالى. نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحسن عاقبتنا وإياكم بالأمور كلها، وأن يجيرنا وإياكم جميعاً من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. إنه على كل شيء قدير.
الأسئلة

 حكم لبس الغترة في الصلاة
السؤال: هل الغترة تعتبر من مكروهات الصلاة؟الجواب: لا. ليست كذلك، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز : إذا كنت تصلي وغترتك هكذا فهو الأسلم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان لا يكف شعراً ولا بشراً ولا ثوباً) كان إذا سجد لا يرفع شيئاً فاسجد هكذا ولا عليك شيء إن شاء الله.صحيح أن العقال يكثر فيه الحركة إذا وقع؛ لأن بعضهم يضع العقال قبل الصلاة، ويضبطه، وإذا سقط أخذه، وضبطه، ويسقط ويأخذه.. يعني: ليس لديه شغل إلا عقاله، والصحيح إذا سقط العقال اتركه إلى آخر الصلاة، ولم تلبس العقال؟ لا داعي للبسه؛ لأن العقال يلبسه الناس من أجل أنه يضبط الغترة، فإذا كانت غترتك تنضبط فلا داعي له.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإصرار على المعاصي للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net