اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن أبي داود [485] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح سنن أبي داود [485] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
إن من علامات الساعة الكبرى خروج المسيح الدجال، وهو أعظم فتنة عرفتها البشرية؛ لذا فما من نبي من الأنبياء إلا وحذر أمته هذه الفتنة العظيمة. وقد بين وأوضح لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أوصافه غاية الإيضاح وأتم البيان، فذكر أوصافه الجسمية وعلاماته الخلقية، وذكر مدة بقاءه، ومكان خروجه، ونوع فتنته، وماذا يحمل معه، ومن يتبعه، وما هي الأمور التي تعصم منه، وكيف تكون نهايته، وكل هذا قد جاءت به الأحاديث الصحاح.فهذا البيان من الأنبياء لأممهم هو من غاية النصح والحب منهم صلوات الله وبركاته عليهم لأممهم.
خروج الدجال

 الجمع بين رواية أنه يمكث أربعين سنة ورواية مسلم أنه يمكث سبع سنين
قال في (عون المعبود) في الجمع بين ما ورد هنا من أنه يمكث أربعين سنة وما ورد في صحيح مسلم في أنه يمكث سبع سنين. قال الحافظ عماد الدين بن كثير : ويشكل في رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه يمكث في الأرض سبع سنين، قال: اللهم إلا أن تحمل هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله، فيكون ذلك مضافاً لمكثه بها قبل رفعه إلى السماء، فعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة بالمشهور. انتهى. وهذا فيه نظر، أعني أن عمره كان ثلاثاً وثلاثين؛ لأن المعروف أن الأنبياء يبعثون لأربعين سنة.
قراءة في رد الشيخ العباد على محمد فريد وجدي في إنكاره لأحاديث الدجال
كتب الشيخ ابن محمود رحمه الله رسالة سماها: لا مهدي ينتظر بعد رسول خير البشر، وكان قد ألفها في أوائل عام ألف وأربعمائة عندما حصلت فتنة الحرم، وألف هذه الرسالة منكراً أنه لا مهدي، وأن الأحاديث فيه غير صحيحة، ورددت عليه في هذا الكتاب وهو: الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي ، وكان من جملة الذين ذكرهم منكرين لأحاديث المهدي محمد فريد وجدي، وقد ذكرت أن هذا الذي قلده قد أنكر ما هو أعظم من أحاديث المهدي ، وهو أحاديث الدجال، حيث وصف أحاديث الدجال كلها بأنها موضوعة مختلقة مع أن الصحيحين فيهما الشيء الكثير من أحاديث الدجال، بل إن الدعاء الذي يدعو به الإنسان في آخر صلاته مشتمل على السلامة والاستعاذة من الدجال: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. فالأحاديث فيه كثيرة ومتواترة، وهذا الرجل وهو محمد فريد وجدي أنكر في كتابه: (دائرة معارف القرن العشرين) هذه الأحاديث وقال: إنها كلها موضوعة ملفقة مكذوبة، وهي في الصحيحين ورجالها ثقات ليس فيهم ضعيف فضلاً عن أن يكون فيهم كذاب أو وضاع، والآن سنقرأ ما كتبته رداً عليه؛ لأنه ذكر أربع شبه في رد أحاديث الدجال وأنها موضوعة ومختلقة، وكلها شبه عقلية، وقد رددت عليه فيها استطراداً في الكلام على المهدي. قلت: تقليده للكاتب محمد فريد وجدي في إنكار خروج المهدي ، ومناقشة مقلده فيما هو أخطر من ذلك وهو: زعمه أن كل ما ورد في المسيح الدجال موضوع ملفق: ذكر في صفحة عشرين أن محمد فريد وجدي صاحب (دائرة معارف القرن العشرين) ممن ضعف أحاديث المهدي ، ونقل كلامه في ذلك، وأحب أن يضيف الشيخ ابن محمود إلى معلوماته أن محمد فريد وجدي في كتابه المذكور في (8/788) اعتبر جميع الأحاديث الواردة في الدجال موضوعة، بناءً على شبه عقلية، وأكثر أحاديث الدجال في الصحيحين للبخاري و مسلم كما هو معلوم. ومادام أن أحاديث الدجال على كثرتها في الصحيحين وفي غيرهما حظها من محمد فريد وجدي أن يبطلها بجرة قلم، ويحكم عليها جميعها بأنها موضوعة ملفقة، فمن باب أولى إبطال أحاديث المهدي؛ لأنها دونها في الكثرة والصحة، وقد يكون من المناسب هنا أن أناقش بإيجاز محمد فريد وجدي في شبهه العقلية الأربع التي اعتمد عليها في توهين أحاديث الدجال، وقال عنها: إنها لا تقبل المناقشة. الشبهة الأولى: أن ما ورد بشأن الدجال أشبه بالأساطير الباطلة، فإن رجلاً يمشي على رجليه يطوف البلاد، يدعو الناس لعبادته، ويكون معه جنة ونار يلقي فيهما من يشاء، كل هذا من الأمور التي لا يستسيغها العقل، والنبي أجل من أن يأتي بشيء تنقضه بداهة النظر، وإلا فما هي جنته؟ وما هي ناره التي تتبعانه حيث سار؟ وهل هما مرئيان أو خياليان؟... إلى آخره. ويجاب عن هذه الشبهة: بأن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخبار الدجال يقبله العقل السليم ولا يرده، والعقل لا يتعارض مع النقل الصحيح، وإذا لم يحصل الاتفاق والتطابق بين العقل والنقل على أمر ما تعين اتهام العقل، كما ثبت في الصحيحين عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس! اتهموا رأيكم على دينكم. وكما جاء عن علي رضي الله عنه في سنن أبي داود -قال الحافظ في (الفتح): بسند حسن- أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: العقول تتفاوت، فقد يقبل هذا ما لا يقبله هذا، وأحاديث الدجال الثابتة صدق بها الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وقبلتها عقولهم، وكذا التابعون لهم بإحسان، فالعقول التي لم تقبل ما قبلوه قد أصيبت بمرض لا شفاء لها منه إلا بالاعتصام بما جاء في الكتاب والسنة، والسير على ما درج عليه سلف الأمة. ومن جهة ثالثة: هذه الأمور التي يأتي بها الدجال هي من جملة فتنته التي هي أعظم فتنة في الحياة الدنيا، وهي تحصل منه بإذن الله ابتلاءً وامتحاناً للعباد في ذلك الزمان، وهي غير مستحيلة عقلاً، وأما كونها على خلاف ما هو معتاد ومألوف فنعم، ومن أجل هذا صارت فتنة، ومن عرف أن الله على كل شيء قدير، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- الذي لا ينطق عن الهوى أخبر عن الدجال بهذه الأخبار التي منها: طوافه البلاد ودخولها ما عدا مكة والمدينة، ومعه جنة ونار، أقول: من عرف كمال قدرة الله وإخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور لم يتردد في التصديق بذلك، وأنه سيقع وفقاً لما أخبر به صلى الله عليه وسلم. الشبهة الثانية: قوله كيف يعقل أن رجلاً أعور مكتوب على جبهته كافر يقرؤها الكاتب والأمي على السواء، يقوم بين الناس فيدعوهم لعبادته، فتروج له دعوة، أو تسمع له كلمة، أي إنسان يبلغ به الانحطاط العقلي إلى درجة يعتقد فيه بالألوهية؟! رجل مشوه الخلقة، مكتوب في وجهه كافر بالأحرف العريضة، وأي جيل من أجيال الناس تروج فيهم مثل هذه الدعوة.. إلى آخره.أقول: هذه إحدى شبهه التي اعتمد عليها في رد النصوص الصحيحة، ولا أدري كيف فات على هذا المسكين أن الأبصار لا تغني شيئاً إذا عميت البصائر، فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وكيف ينكر النصوص المتواترة لأنه عقله استبعد أن تروج دعوة الدجال ويقبل قوله: وقد كتب على وجهه كافر يقرؤها الكاتب والأمي، مع وجود المثال المحسوس فيما نشاهد ونعاني في هذا العصر الذي نعيش فيه، فأكثر البلاد التي تنتمي إلى الإسلام لا تحكم بشريعة الإسلام، مع أن آيات القرآن ينادى بها بأعلى الأصوات، ومنها قول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]. وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]. وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]. وقوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]. إلى غير ذلك من الآيات، فإن الذين تروج عليهم دعوة الدجال في آخر الزمان فيتبعونه لعمى بصائرهم، مع أنه مكتوب على وجهه كافر يقرؤها الكاتب والأمي، هم من جنس الذين عميت بصائرهم في عصرنا، فلم يحكموا شريعة الإسلام مع قراءتهم القرآن، وفيه مثل هذه الآيات، وسماعهم لها في الإذاعات، وما أشبه الليلة بالبارحة، والله المستعان!الشبهة الثالثة: قوله: لماذا لم يذكر القرآن عن هذا المسيح الدجال شيئاً مع خطورة أمره، وعظم فتنته كما تدل عليه الأحاديث الموضوعة؟ فهل يعقل أن القرآن يذكر ظهور دابة الأرض، ولا يذكر ظهور ذلك الدجال الذي معه جنة ونار، ويفتتن به الناس؟ والجواب عن هذه الشبهة: أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]. وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني: السنة، والسنة والقرآن متلازمان لا يفترقان، ومن لم يؤمن بالسنة لم يؤمن بالقرآن، ومن زعم فصل السنة عن القرآن يقال له كما جاء عن بعض السلف: أين وجدت في القرآن أعداد الصلوات، وأعداد ركعاتها، وكيفيتها وغير ذلك مما لا يعرف توضيحه وبيانه إلا في السنة التي هي شقيقة القرآن، والموضحة والمبينة له؟ولم تعدم السنة منذ أزمان من أعداء لها هم في الحقيقة أعداء للقرآن، يشككون فيها، ويحاولون فصلها عن القرآن، وقد هيأ الله من العلماء من يذب عنها، ويدحض شبه أعدائها، ومنهم الحافظ السيوطي رحمه الله، فقد ألف رسالة لطيفة سماها: (مفتاح الجنة بالاحتجاج بالسنة)، افتتحها بعد حمد الله بقوله: اعلموا يرحمكم الله أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان وكان دارساً بحمد الله منذ أزمان وهو أن قائلاً رافضياً زنديقاً أكثر في كلامه: أن السنة النبوية والأحاديث المروية -زادها الله علواً وشرفاً- لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة.. إلى أن قال: فاعلموا -رحمكم الله- أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة. روى الإمام الشافعي رضي الله عنه يوماً حديثاً وقال: إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله ؟ فاضطرب وقال: يا هذا! أرأيتني نصرانياً؟ أرأيتني خارجاً من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زناراً، أروي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول به؟! ورسالة السيوطي هذه رسالة عظيمة مفيدة. الشبهة الرابعة: قوله: إن كون هذه الأحاديث موضوعة يعرف بالحس من الحديث الطويل الذي نسب إلى النواس بن سمعان ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الحديث الذي ينبئ أن الدجال يخرج من خلة بين الشام والعراق، ويعمل الأعاجيب، ثم يدركه عيسى فيقتله، ثم يؤمر عيسى بأن يعتصم بالطور هرباً من قوم لا قدرة عليهم وهم يأجوج ومأجوج.. إلى أن قال: فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، فلنقتل من في السماء، فيرمون نشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً. إلى أن قال: إن تنظر إلى تركيب هذه القصة نظر منتقد لا يخطر ببالك شك في أنها موضوعة، وقد وضعها واضع لا يفرق بين الممكن والمستحيل، وبين سنن الله، وما تولده الخيالات من الأباطيل، ولكن الدليل الحسي على بطلان هذا الحديث أن واضعه لقصر نظره خُيِّل له أن أسلحة الناس لا تزال القسي والسهام والنشاب والجعاب حتى تقوم الساعة، ولم يدرك أنه لن يمر على وضع هذا الحديث معه سبعة قرون حتى يوجد البارود، والبندق، ولم تمر ستة قرون أخرى حتى لم يكن للقوس والنشاب ذكر، وقام مقامه مدافع الماكسيم وقنابل اليد، والشربيل، والأدخنة السامة، والغازات الملتهبة والديناميت الذي يتساقط من الطائرات.. إلى آخره. وحديث النواس بن سمعان الذي زعم أنه موضوع أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وهو واحد من أحاديث الدجال المتواترة التي اعتبرها محمد فريد وجدي موضوعة، وشبهته التي اعتبرها دليلاً حسياً على وضع هذا الحديث: كون يأجوج ومأجوج يستعملون النشاب، وهو سلاح قديم، وقد جاءت بعده الأسلحة الفتاكة التي عدد بعض أنواعها، ويجاب عن شبهته هذه: أن هذا السلاح الذي ورد ذكره في الحديث هو الذي سوف يستعمل حتماً من قبل يأجوج ومأجوج إذا خرجوا في آخر الزمان، وأما الحضارة المادية، والأسلحة الفتاكة التي وجدت في هذا العصر فليس بقاء نوعها حتى نهاية الزمان محققاً، فقد يبقى نوعها حتى ذلك الزمان، وقد تنتهي قبل ذلك، والله تعالى أعلم بالذي سيكون من بقائها أو انتهائها واحتمال انتهائها أقرب؛ لأن الأحاديث الصحيحة وردت في استعمال الخيل، والرماح، والسيوف، والحراب في آخر الزمان، مع أن النفوس البشرية جبلت على تفضيل المركوبات المريحة، واستعمال السلاح الأنكى في الحرب، فقد يكون استعمال هذه الأسلحة العادية لعدم وجود الأسلحة الفتاكة، ولا أدري كيف تجرأ هذا المسكين على رد هذا الحديث وزعم أنه موضوع من أجل أنه ذكر فيه سلاح قديم، فإن هذا السلاح هو المحقق الوجود في ذلك الوقت لإخبار الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديث الصحيح. وأما أسلحة هذا الزمان ومركوباته فإن وجودها في آخر الزمان غير محقق، وإنما هو محتمل ومن قرائن احتمال عدم بقائها ما نسمعه في الإذاعات من الذعر والتخوف من نفاد النفط، وتنافس الدول الصناعية في البحث عن مصادر لما أسموه بالطاقة، ليحرك بها الحديد بدلاً من البترول، حتى لا تكون هذه الحضارة المادية ركاماً من الحديد البارد، ويحضرني هنا كلمة لطيفة سمعتها من رجل قال: هذه الحمر السائبة التي تعترض طرق السيارات، وتسبب الحوادث، لو توقف البترول، لتشاح الناس عليها، وتنافسوا في اقتنائها، وشغلوا المحاكم باستخراج صكوك في تملكها والتخاصم عليها، وقد يقول قائلهم: إنني قد ورثت هذا عن أبي عن جدي. ومعذرة للقارئ في هذا الاستطراد الذي لا يخلو من فائدة إن شاء الله في مناقشة محمد فريد وجدي في شبهه الواهية التي اعتمد عليها في إنكار أحاديث الدجال، وزعمه أنها موضوعة، ومثل هذه الشبه التي أودعها في كتابه: (دائرة معارف القرن العشرين) هي في الحقيقة من جاهلية القرن العشرين.هذا هو ما يتعلق بإنكاره لأحاديث الدجال على كثرتها وتواترها، وإنكاره مبنياً على هذه الشبه الأربع التي أشار إليها، والتي أجبت عليها في هذه الأجوبة، ولا شك أن العقول والانسياق وراء العقول مع احترام النقول، وأنه عند وجود تعارض العقل والنقل يتهم النقل ولا يتهم العقل، لا شك أن هذا من الخذلان للإنسان؛ لأنه بذلك يتجرأ إلى إنكار الأحاديث الثابتة المتواترة، ويعول على شبه هي في الحقيقة واهية ولا قيمة لها، والحاصل أن محمد فريد وجدي الذي استدل به عبد الله بن محمود رحمه الله على أنه ممن أنكر أحاديث المهدي قد أنكر ما هو أعظم منها وهو هذه الأحاديث، وهذا الإنكار كله مبني على العقل وعلى سوء الفهم، وليس مبنياً على نصوص واضحة تدل على ذلك. بل إن النصوص المتواترة في إثبات الدجال هي على خلاف هذه المقولة الباطلة، ومن ينكر أحاديث الدجال فإن إنكاره لأحاديث المهدي من باب أولى، وأذكر أنني عندما كتبت هذه الكتابة كتب إلي أحد الناس كتاباً يطلب مني إعادة النظر فيما كتبت، وأن أحاديث المهدي لا تصح، فيطلب مني أن أعيد النظر فيها، وقال: إنها ليست في الصحيحين، وإنما هي خارج الصحيحين. لكن الذنب يكسب الذنب، والفتنة تجر إلى الفتنة، والله تعالى يقول: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، فإن الزيغ ينتج عنه الزيغ، فهذا الذي كلمني في أحاديث المهدي واتصل بي هاتفياً وأخذ مدة يناقشني ويقول: إن الذي يقول بثبوت أحاديث المهدي نظره ما يتجاوز أنفه، يعني: لا ينظر بعيداً، فهذا الرجل كتب لي كتاباً بعد ذلك ينكر أحاديث الدجال، وأحاديث نزول عيسى بن مريم، ويتهكم بها تهكماً شنيعاً والعياذ بالله! وهكذا الإنسان إذا أرخى لنفسه العنان، وأقدم على تقديم العقول وتحكيمها، واتهام النقول وعدم اعتبارها أمام العقول، فكون الحديث في غير الصحيحين مادام أن الأمر مبني على العقل فلا فرق بين الصحيحين وغير الصحيحين، ولهذا فهذا الذي كان كلامه في أحاديث المهدي بأنها ليست في الصحيحين فأمره هذا يؤدي إلى أن ينكر ما في الصحيحين، وأن يتهكم على الصحيحين بكلام في غاية القبح والسوء، يقول: كيف تصف الأحاديث الدجال أنه رجل أعور، والدجالون لهم عينان سليمتان يعني: كل واحد له عينان سليمتان، ثم يتكلم في عيسى وقتله الخنزير يقول: كأنه وزير شئون البلدية والعياذ بالله، فالذنب يجر إلى الذنب، والزيغ ينتج الزيغ .. وهكذا، فالإنسان إذا لم يلتزم بنصوص الوحي من الكتاب والسنة التي فيها العصمة فلا شك أنه سيحيد، ولا شك أنه سيقع في متاهات ويضيع، نسأل الله السلامة والعافية. ومحمد فريد وجدي كان موجوداً في هذا القرن الماضي، وكتابه اسمه (دائرة معارف القرن العشرين)، والمراد بالقرن العشرين القرن الإفرنجي الذي مضى، وهو قد توفي لكن كتابه موجود ومشهور.وهذا الكتاب فيه فوائد فيما يتعلق بمعلومات أخرى، لكنه فيه بلاء، وهذا من جملة بلائه.
 الجمع بين رواية أنه يمكث أربعين سنة ورواية مسلم أنه يمكث سبع سنين
قال في (عون المعبود) في الجمع بين ما ورد هنا من أنه يمكث أربعين سنة وما ورد في صحيح مسلم في أنه يمكث سبع سنين. قال الحافظ عماد الدين بن كثير : ويشكل في رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه يمكث في الأرض سبع سنين، قال: اللهم إلا أن تحمل هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله، فيكون ذلك مضافاً لمكثه بها قبل رفعه إلى السماء، فعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة بالمشهور. انتهى. وهذا فيه نظر، أعني أن عمره كان ثلاثاً وثلاثين؛ لأن المعروف أن الأنبياء يبعثون لأربعين سنة.
الأسئلة

 حكم ميراث من يستغيث بالقبور ويذبح لها ويدعو أصحابها
السؤال: توفي جدي في بلد عربي وهو يقول: لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم، ولكن كان يذهب إلى قبور الأولياء، ويدعوها، ويذبح لها، ومات على ذلك، فهل أرثه؟ وهل أدعو له بالمغفرة والرحمة، علماً بأنه جاهل؟الجواب: إذا كان معروفاً عنه أنه يستغيث بغير الله، ويدعو غير الله، ويذبح لأصحاب القبور، فهذا هو الشرك بالله عز وجل، وصاحب هذا اختلف فيه العلماء هل يحكم عليه بمجرد فعله أنه كافر، أو تقام عليه الحجة؟ والأظهر أنه تقام عليه الحجة، لكن من كان كذلك فلا ينبغي للإنسان أن يرثه، وعليه أن يتنزه من ميراثه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن أبي داود [485] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net